المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتابات من هنا وهناك


سيد محمود الحاج
09-05-2009, 04:39 PM
الموتي يعودون للحياة أحيانا ....!!!
( 1 )


وقفت تقتلني الحيرة وقد راحت كل محاولاتي هدرا اطالع في كل الجهات وفي علم الله وحده متي يأتي من يعينني في الخروج من ذلك المأزق وانا في

تلك الفلاة المنقطعة... عقارب الساعة تقارب العاشرة صباحا وبرغم ذلك مازالت رياح الشتاء الباردة النشطة

تسفع وجهي واطرافي بذرات الرمال الخشنة وعيناي في غدو ورواح فيما بين السيارة الغارزة في الرمال وبين

الأفق علّني أري أحدا من السابلة او ان تمر مركبة عابرة يمكن ان استنجد بها... لمت نفسي علي تشتت ذهني

وعدم التركيز اثناء القيادة فقد كنت مشغولا ً بالتفكير في امور كثيرة يتوجب علي ّ انجازها قبل انتهاء اجازتي

السنوية التي كان قد مضي عليها حتي تلك الساعة مايقارب نصفها.. ولولا ذلك لما وقعت في هذا المأزق الذي

كان يمكن تفاديه بكل يسر وبعدة طرق... ليتني استجبت لما اقترحه اخي وانتظرته حتي انتهاء دوام عمله ليكون

رفيقا ً لي في هذه الرحلة لكني كنت في عجلة من امري و وددت الأستفادة من كل ساعة من ساعات الأيام القليلة

المتبقية.... وها انا الآن في صحراء لا يطرقها طارق وقد ابدد من هذه الساعات التي وددت ادخارها الكثير قبل

ان يأتي من يمد لي يد العون للخروج من هذه المحنة... كنت اقود منذ اكثر من ساعة و يلزمني وقت اكثر بقليل

من ذلك لأصل الي القرية التي يعيش فيها عمي والتي تقع في الطرف الأقصي من تلك الفلاة المترامية الأطراف

وبالتالي لم يكن في امكاني موصلة السير راجلا ً سوي للوراء او للأمام فالمسافة شاسعة والطريق وعر.. عتامير

ازهارها الأشواك والحجارة وفراشاتها العقارب وعصافيرها الحيّات....أما كان من الأفضل لعمي هذا لو كان

مستقرا ً في قريتنا الأكبر حجما والأكثر قربا ً لكان قد كفاني عنت هذا المشوار.. ما الذي يعجبه في بسابس جدباء

قاحلة كأنها جوف العير...قفار يتجسد البؤس علي كل معلم من معالمها !!... ما اكثر النساء في قريتنا..ألم يجد من

بينهن من كانت توفر علينا كل هذه المشقة وكل هذا العناء !!؟.... ولكنه ظل يتكبّد مثل هذا لسنوات طوال دون ان

يشكو يوما او يتذمر ففي كل مرة اعود فيها للوطن في اجازتي السنوية كان يأتي لزيارتي فور تلقيه نبأ وصولي

ولا يؤخر فرضا ً في اي مناسبة من مثل ذلك...يأتي وخلف مطيته يربط كبشا او عنبلوكا ويندر ان يأتي بغير ذلك

اذن فأن تكلفي هذا العناء لأجل زيارته قبل سفري ليس جميلا ً من الجمائل بقدر ماهو فرض وواجب ينبغي علي ّ تأديته.

مضت ساعتان من الزمان دون ان يأتي منجد او معين ولا أحسب ان احدا سيأتي في مثل ذلك الوقت فأذا كان ثمة

رعاة فلا يتوقع ظهورهم قبل المغيب بوقت قليل في طريق عودتهم من المرعي هذا اذا كان هنالك رعاة

بالفعل في ذلك النطاق... ازدادت حدة قلقي وخشيت ان تمر الساعات و يدركني المغيب وانا في هذا المكان القفر


الموحش... علي ّ ان ابحث جاهدا عن مخرج قبل ذلك.. دنوت من السيارة الغارزة في الرمال وفتحت بابها في

محاولة يائسة لتحريكها... أدرت المحرك وضغطت علي دواسة البنزين بقوة مغيرا عاكس السرعة الي الخلف

مثيرا عاصفة من الغبار ثم اعود احاول التقدم الي الأمام ولكن كان كل ذلك دون طائل اذ تنتهي كل محاولة

بتوقف المحرك عن الدوران ومضيت اكرر المحاولة تلو المحاولة حتي استنفدت طاقة البطارية ولم يعد من الممكن ادارة المحرك مرة اخري فأصبحت

امام مشكلتين... مشكلة العجلات الغارزة في الرمال ومشكلة البطارية التي لم تعد قادرة علي توليد الطاقة اللازمة

لأدارة المحرك بعد ان نفد معينها . ربّاه كيف الخروج من هذه الورطة !!؟ هل اعود الي الوراء علي قدمي ّ عبر

تلك العتامير التي خلفتها من ورائي تاركا السيارة في عهدة الرمال وذلك الخلاء أم أواصل السير الي الأمام علي

امل ان اجد من يساندني في امري !!؟ ... ترجلت صافعا باب السيارة بقوة وانا اكيل لها السباب واللعنات كأنها

هي المسؤولة عن ما انا فيه وكأنها تعي وتفهم مااقول ومضيت اسير علي غير هدي ربما لأكثر من نصف ساعة

ولما فطنت الي انني ابتعدت كثيرا عن مكاني ذاك استدرت عائدا وقد عزمت علي ان اعود الي قريتي سيراً

علي الأقدام عبر تلك الفيافي وليكن ما يكن...قد اضطر الي السير لثلاث او اربع ساعات او ربما اكثر من ذلك

وسيحل الظلام قبل ان اصل لكن لم يكن من سبيل آخر.. كانت الفكرة بأن امضي في ماعزمت عليه واعود من

بعد وفي معيتي مجموعة من الشباب مستعينين بسيارة اخري لأنتشال سيارتي من بحر الرمال الذي غاصت فيه

ومن ثم دفعها ليدور محركها... ولكن حين مضيت الي حيث توجد العربة رأيت لدهشتي من علي البعد رجلا يقف

بجانبها وظهره علي صندوقها وكأنه ينتظر مقدمي... كان في هيئة الرعاة يرتدي العراقي والسروال وعلي رأسه

طاقية بيضاء.. مسحت علي عيني ّ للتأكد من ان ما أراه هو شخص بالفعل وليس خيالا ً.. تساءلت في نفسي وانا

اجرجر الخطي ناحيته.. من اين أتي هذا الرجل ياتري !! فلو كان من الرعاة لكان في صحبة اغنامه ولو كان

عابر سبيل لكنت رأيت مطيته حمارا كان ام جملا.. ولكن لا شيء يقف بجانبه.. ألقيت عليه التحية فردها في

صوت اقرب الي الهمس ورأسه صوب الأرض دون ان اتمكن من رؤية وجهه.. أحسست بشيء من الخوف

وعدم الأطمئنان فربما كان معتوها او قاطع طريق ! .. تحسبت لذلك واحتطت لأي مباغتة او تصرف قد يحدث

من جانبه. ودون ان ينبس بكلمة حشر نفسه تحت السيارة ومضي يزيح الرمل من خلف الأطارين الأماميين

بكل اناة ثم لم يلبث ان حرر جسده من ذلك الوضع وانسل بذات الهدوء وهو يشير علي بتشغيل المحرك. ولما

كنت علي يقين من ان المحرك لن يدور بسبب ضعف البطارية فقد تلكأت في ذلك وكنت علي وشك ان اقول له

ان ذلك لن يجدي لكنه بدا كمن قرأ ماكان يدور في ذهني فكرر الطلب في ثقة وتحت وطأة ذلك الشعور

الذي كان يخالجني ساعتها لم أشا ان اعصي له امرا وكم كانت دهشتي كبيرة حين استجاب المحرك للأمر دون

ان يبدي تمردا …. " ارجع..ارجع لي وراء ".. هكذا جاءني الصوت الواهن وبكل سهولة ويسر تحررت

الأطارات من قيود الرمال ودارت وكأنها علي شارع اسفلت… بدا لي وجهه عقب ذلك واضحا ً كل الوضوح.. لم يكن

بالغريب بل كان مألوفا.. رأيته من قبل ذلك مرارا ولكن عبثا حاولت تذكر اين ومتي كان ذلك . وبعد ان ابتعدت

بالسيارة من بحر الرمال ذاك توقفت لتقديم الشكر للرجل ومعرفة وجهته لأخذه معي في طريقي الا انني رأيته

ينصرف مبتعدا موليا ً وجهه شطر الجهة المعاكسة لاتجاه سيري ملوحا بيده من خلفه مشيرا علي ّ بمتابعة السير

وعدم التوقف… هممت باللحاق به واخذه الي حيث يريد مكافأة له علي صنيعه الا انه كان قد ابتعد وبدا وكأنه محمولا علي بساط ريح

فبقيت في موضعي ذاك ارقبه الي ان تواري خلف مجموعة من الشجيرات…اندهشت حقا للطريقة التي ظهر بها

واختفي بمثلها فقد كان كالخيال… أين مقصده ياتري في هذه الفلاة الواسعة !! …قدرت ان يكون قد ذهب للحاق

بأغنامه التي ربما كان قد تركها في مكان ما قبل ان يأتي لنجدتي او لعله عائد الي مضرب خيام قومه في مكان ما من تلك الأصقاع ...

انطلقت مسرعا ولكن بحذر صوب قرية عمي وصورة ذلك الرجل لا تفارق ذهني..كنت

علي يقين من انني قد رأيته في مرات عديدة قبل ذلك بل ويكاد يكون معروفا لدي ّ لكن الذاكرة ابت ان تعينني في

تذكر ذلك. وهكذا ظلت الصورة تتردد في ذهني في اوضاع مختلفة.. تقترب حينا وتبتعد في آخر.. تصغر وتكبر

الي ان ثبتت عند وضع معين وبدأت تظهر وتكتمل شيئا فشيئا تماما مثلما تفعل الصورة الملتقطة بواسطة كاميرا

فورية… نعم عرفته الآن وتأكدت من صدق حدسي… انه بائع البرسيم في سوق قريتنا..يأتي اسمه في ذاكرتي

ثم يمضي دون ان اتمكن من الأمساك به .. لايهم ذلك فقد اتذكره في وقت آخر لكن مايهم هو ان الشخص بات

معروفا لدي ّ…بائع البرسيم الذي كنت كثيرا ما اذهب اليه في صحبة جدي في يوم السوق لشراء البرسيم حينما

يقفر ّ المرعي صيفا…ذات الاكتاف العريضة والوجه المستدير واثر لجرح قديم في منتصف الجبهة…وحسب

تقديري فقد تكون آخر مرة رأيته فيها قد لاتقل عن ربع قرن من الزمان او اكثر ولكن مع ذلك لم تتغير

هيئته ولم تأخذ السنوات التي مرت منه شيئا.. ظل كما هو . وبينما كنت منهمكا في التفكير في امر الرجل جادت

الذاكرة بأسمه.. نعم تذكرت ذلك فأسمه (ودضياب )… اذكر ان جدي عليه رحمة الله كان يناديه كما يناديه

الآخرون بهذا الاسم ولكن في بعض احيان سمعته يناديه بأسمه مجردا…كنت اذكر حتي اسمه المجرد اما بعد

تلك السنوات الطوال فلا احسب بأني قادر علي تذكر ذلك… المهم انه ود ضياب بائع البرسيم..كان جدي يطيل

الحديث معه ويذكره بين حين وآخر بالعلاقة الرحمية التي تربط بين جده لأمه ووالد جدي…"اولاد خالات في

الحساب ".. ولا أدري ما اذا كانت هنالك علاقة بالفعل ام ان تلك كانت احدي حيل جدي لأستعطاف الرجل

والحصول علي ربطة البرسيم بسعر اقل فأنا لم اسمع جدي يتحدث عن هذه العلاقة سوي امام هذا الرجل كلما قصده في السوق .


كانت الساعة قد تعدت الثالثة عصرا حين وصلت الي قرية عمي وحسب الجدول الذي وضعته آنفا كان يفترض

ان اغادر بعد ذلك بقليل في طريق العودة اما الآن فقد لا يكون في وسعي العودة قبل صباح يوم الغد واني علي

يقين من ان عمي لن يسمح لي بالتحرك ليلا واول كلمة سوف يدلي بها حين اعتزم ذلك ستكون .."الصباح

رباح.. ان قعدت للحول ماتقوم بخاطر زول ".

كان عمي يضحك الي درجة انه يضطر أحيانا الي صد اللقمة عن فمه ونحن نتناول طعام الغداء.. ضحك حتي

سالت الدموع من عينيه فيمسحها بين فينة واخري بطرف ثوبه المحمر... " قلت لي ْ لاقيت سليمان ود ضياب !!

سليمان دا يا جنا مات قبّال عشرين واللا تلاتين سنة... بعدين حتي كان فرضنا انو حي.. لي هسع ما يتلقي فضل

فيه حيلا ً يمرقبو عربيتن وحلانة " !!.... وامام اصراري بأن الرجل الذي رأيته هو سليمان ود ضياب بعينه لا

غيره تزداد قهقهة عمي البشير... " انت عارف اتلقي دا واحدا ً من عرب الحسانية النزلوا وراء الباجة ...دائما

بشوفهم في المكان القلت عليه دا... الحاجة التانية ود ضياب دا حتي لو بقيتن حي.. شن بجيبه للخلاء دا..هو من

ناس الشقيق.. هناك رد البحر " !!.... وعلي الرغم من ان كلام عمي كان منطقيا الا انني كنت مصرا علي رأيي

ولم اشا التنازل عن ذلك فعمي كثيرا ما يخلط بين الأمور وينسي اكثر مما يتذكر فلربما يكون ود ضياب من هذه

النواحي... اضاف عمي الذي يبدو انه احس بعدم اقتناعي بما اورده من حقائق ..." طيب ياعمر ياولدي..انت قلت

ود ضياب دا كان ببيع شنو !؟ ".... فأجبته بأنه كان يبيع البرسيم فأردف ..." اها مادام كان ببيع البرسيم معناه

زول بحر... واللا داير تقول لي ْ بزرع البرسيم في العتمور دا "!!... امام هذه الحقيقة لم يتبق لي ما ادحض به

منطق عمي علي الرغم من انني علي يقين تام بأن الشخص الذي رأيته لم يكن سوي بائع البرسيم حيّا كان ام ميتا ً

ولكني آثرت عدم التمادي في النقاش الذي لن يوصلنا الي بر فسقت الحديث الي مناح أُخر.

سيد محمود الحاج
09-05-2009, 04:43 PM
( 2 )

لم تمر سوي بعض ايام علي تلك الواقعة حتي جاء خالي الطاهر ذات مساء ليقول لي : " بكرة الصباح ان حيينا

دايرنّك في مشوار عزاء.. عمنا ود المصباح مات ليه يومين والناس ديل طالبننا .. داك الليلة في وفاة حبوبتك

آمنة جونا للعزاء لوري مليان.. اها نحن ترانا غير الجمعة الباكر دي ما عندنا طريقة تاني". وفي صباح باكر

من اليوم المحدد كانت سيارتي الهايلوكس موديل 81 تنوء بحمل ثقيل تشق طريقا ترابيا وعرا في وجهتها الي

قرية الشقيق التي تبعد عن قريتنا نحو نيف وثلاثين كيلومترا وآخر عهدي بها كما اذكر كان في ايام الصبا.. لا

أدري كم من السنوات قد مرت علي ذلك لكن الذي اذكره انني كنت ضمن فريق كرة القدم التابع لقريتنا وقد ذهبنا

في مباراة ودية بيننا وبين فريق تلك القرية واذكر انني تعرضت خلالها الي ركلة نتج عنها التواء في كاحل قدمي

اليمني ظل يورقني لفترة طويلة اعقبت تلك المباراة.. وصلنا بعد ساعة من الزمان لأجد القرية التي رأيتها آخر

مرة قبل عقدين مضيا كأنها ترس متصلب في عجلة الزمان...كما هي..ذات البؤس والكآبة ولا ادري ماالذي كان

سيكون عليه حالها لولا انها واقعة علي ضفة النيل..بدا لي ان الزمن فيها ظل مربوطا الي ساق شجرة او الي وتد كما

تربط دابة او ماعزة فلا تبارح موضعها الا بمقدار مايسمح به الحبل الذي يربطها وما أقصره ... لم أرَ شيئا جديدا

سوي مبني ً بدأ وكأنه باقة ورد ملقاة وسط مقبرة قديمة مهجورة بينما بدت القرية بأكملها امام مرآه وكأنها لحن

نشاز في سمفونية تراجيدية..هل ياتري نصّبوا للشقيق واليا ًيخصها دون غيرها ! ليس ذلك ببعيد فالأرض باتت

تنبت الولاة اكثر من انباتها العشب ..قد يكون منشأة اوناديا تبرع ببنائه احد المحسنين وعلي ذكرذلك لاحت امامي

وجوه بعض لاعبي فريق كوكب الشقيق ولا أدري اي كوكب هذا الذي ينتمي الي شقيق وليس شقا حتي.... كان

زمانا جميلا... خلف.. جادين...ود البر...شامير حارس المرمي... ود الحنان وعبدالخالق الذي ربطتني به صداقة

منذ ايام الدراسة في المدرسة الوسطي والذي كان اول من وقع عليه بصري في دار العزاء...سنوات طوال حالت

بيننا... جلست علي مقربة منه نتجاذب اطراف الحديث ونستذكر العديد من الأحداث والمواقف وزملاء الدراسة

ونستحث ذكريات ذلك الزمان الجميل .. وجاء شامير حارس المرمي يشاركنا الحديث..مازال يتحدث علي

سجيته ويتأتيء كثيرا اثناء الحديث... علمت انه استقر في احدي قري الجزيرة بعد زواجه هنالك ولا يأتي الا في المناسبات .

( 3 )

نادي شامير علي احد الصبية يطلب منه جمع الأكواب الفارغة وقبل ان يباشر الصبي فعل ذلك بادره

بالسؤال وهو يركز نظراته عليه : " انت قطع شك من الضياباب .. انا في الشبه اصلي مابتغالط "!! فأومأ الصبي

برأسه ايجابا وتدخل عبدالخالق يؤكد صحة توقعات شامير :" فعلا ً ياهو من الضياباب.. . دا جنا عبدالرحيم ود

سليمان ودضياب "... وعلي صدي الاسم تذكرت ماجري لي قبل ايام في الطريق الي قرية عمي في البادية

وذلك الرجل الذي ظهر من حيث لا أدري وانقذني من ذلك المأزق... اذن فعمي كان علي حق ولم يخلط بين

الأمور كما توقعت فلا صلة بين ود ضياب بائع البرسيم وبين تلك البسابس الماحلة.. ربما وكما قال عمي قد يكون

ذلك الرجل من اؤلئك الرحّل. ألتفت عبدالخالق الي الصبي الذي كان مشغولا بجمع الأكواب يسأله عن

صحة ابيه وهل تحسنت عما كانت عليه في اليومين السابقين وقبل ان يدلي الصبي بأفادته تدخل شامير مستفسراً

ليعلم ان والد الصبي طريح الفراش منذ اشهر وقد اجريت له أكثر من عملية دون ان تتحسن صحته. انتهزت

مناسبة الحديث عن ود ضياب لأسال عبدالخالق ما اذا كان عبدالرحيم هذا ابن سليمان ود ضياب بائع البرسيم في

سوق قريتنا قديما فأجاب بما وافق ظني ..." بس ياهو ذاتو..بالله لي هسع بتتذكره..الله يرحمه ويرحم الجميع..دا

مات من زمن طويل "!! .

وقبل ان نغادر دار العزاء عائدين الي قريتنا ذهبت في رفقة شامير الذي مضي لمعاودة عبدالرحيم ودضياب منذ ان علم
بمرضه فمنزله ليس بعيدا عن مقر العزاء وجاء يلحق بنا صديقي عبدالخالق.. وعلي الرغم من انه لا

توجد سابق معرفة بيني وبين الرجل الا انني احسست وكأن شيئا يدفعني لزيارته.. مضينا نسير علي مهل وطيلة

سيرنا ما انفك عبدالخالق يحكي لشامير عن الظروف الصعبة التي يمر بها عبدالرحيم ومعاناته الطويلة مع

المرض وعسر حاله..." حتي الكارو الكانت ياها اكل عيشو وعيش وليداتو باعها..والله معلم الله عديل..البوكلو

للوليدات ماعنده...والمشكلة ناس الحلة زي ما انت شائف كلهم واقعين .. الواحد فيهم رزق اليوم باليوم.. يوم في

ويومين مافي.. لا زراعة بقت نافعة لا غيرها نافع.. بس قول ربك يصلح الحال "!!.

( 4 )

الحال يغني عن السؤال !!... كان في استقبالنا في دار عبدالرحيم ود ضياب السيد/ الفقر في ابهي حلله..هاشا باشا

ولأول مرة اسمع له صوتا ً بهذه الحدة... كان مثل ذلك الصوت الذي نحدثه بالنفخ بوضع افقي علي عنق زجاجة

فارغة او كالذي يحدث عند اصطدام ريح الشتاء ليلا بسلك النافذة.. و رأيته من بعد ذلك عيانا بيانا

متجسدا في فناء الدار وعلي الجدران وعلي وجوه الأطفال واجسادهم... استملك كل شيء وطغي علي كل شيء

فلا تري في الدار شيئا سواه.. احتل مكان جميع الأشياء حتي مربط الحمار كان خاويا الا من كومة بعر لا أدري

ان كانت معدة للبيع ام لترميم بعضا من الجدران المتهالكة !! .. وعلي عنقريب بال ٍ استعيض عن احدي أرجله

برصّة من الطوب الأحمر يرقد صاحب الدار وهو يحاول جاهدا تعديل وضعه لملاقاتنا.. ارتددت الي الوراء

بحركة لا ارادية حين رأيت وجهه.. ليس من فرق بينه وبين وجه ذلك الرجل الذي كان له الفضل في اخراج

سيارتي حين غرزت في الرمال.. الوجه المستدير ومسحة الحزن التي تشوبه.. تطابق تام بين الوجهين..ساورني

ذات الأحساس بالدهشة وسرت قشعريرة في كافة جسدي ولا انكر حقيقة شعوري بالخوف ايضا. جلس شامير و

عبدالخالق علي العنقريب المقابل له بينما جلست انا علي الكرسي الوحيد علي مقربة منهما وبينما مضيا يبادلانه

الحديث ويسألانه عن حاله وصحته جلست صامتا مأخوذا بحال الرجل ومدي البؤس الذي يعيش فيه..تأثرت

كثيرا ولشد ما آلمني ان يجتمع الأثنان ...الفقر المدقع والمرض...عجبا لأمر هذه الحياة ومسار الحظ فيها..أناس

يموتون بالتخمة.. يبنون القصور والفلل ويغتنون السيارات الفارهة ويمتلكون المزارع لا لأجل نتاجها ولكن

لتكون مسرحا لنزواتهم وشهواتهم.. يبعثرون ويبعزقون الأموال هنا وهناك ولما لا يجدون ما يفعلونه بها يلعبون بها علي

الموائد الخضراء.. وبعضهم يكنز المال ويحرم نفسه نعمة التمتع به ويظل لاهثا طوال عمره وراء جمعه

وتكديسه دون ان يهدأ له بال وفجأة وعلي غير مايتوقع يذهب من الدنيا خالي الوفاض لايحمل فلسا من جملة

ملايينه... اموال تكتنز من قبل اشخاص يعدون علي اصابع اليد يكفيهم القليل الأقل منها لعيش حياة رغدة وتوفير

العيش الكريم لآلاف سواهم ولكن مع ذلك تظل رهينة خزائنهم حتي بعد موتهم وعلي مقربة منهم يرقد مثل

عبدالرحيم ود ضياب يقتله الناسور و لا يملك ثمن الدواء ولا مايقيت به اطفاله فيضطر الي بيع عربة الكارو

مصدر دخله الوحيد ومن بعدها الحمار الذي يجرها... وهل استثني نفسي !... فأنا واحد من هؤلاء... فهذه السيارة

اتركها متوقفة لمدة عام او اكثر من ذلك لأعود استخدمها اثناء تواجدي في اجازتي السنوية لشهر او شهرين ثم

اذا انقضت الأجازة اعيدها الي موقفها لتبقي فيه لعام آخر ومئات من حولي في حاجة لثمن الخبز وثمن الدواء...

اين التكافل واين الأنسانية التي نتحدث عنها و اين الأشتراكية وكل تلك الشعارات الجوفاء التي نطلقها وننادي بها دون ان نطبق

ايا ً منها... ماذا لو فعلنا ذلك ولو لمرة واحدة في العمر فتقاسمنا لقمة مع جائع او اعنا مريضا بجرعة دواء !!.

" والله يا عبدالخالق عبدالرحيم المرض كبّره قبّال يومه.. بقي صورة من ابوه الله يرحمه !" فأضاف عبدالخالق

مؤيدا كلام شامير ونحن عائدين الي دار العزاء : " فعلا بقي يشبه عمك سليمان شبه شديد .. بس ناقص الفلقة

الفي نص الجبهة "!!.. اتسعت حدقات عينيّ ونظرت الي عبدالخالق طويلا تسود دواخلي احاسيس
امتزجت معانيها ولذت بالصمت لوقت طويل.

احسست وكأنني اصطنت الي خطبة سياسية لا خطبة صلاة جمعة فأظل أقاوم احساسا يدفعني بشدة لمقاطعة الأمام ذو اللحية

المنمقة والذي بدا انه لم يدخر وسعاً في سبيل تدجين الوقار والهيبة وتطويعهما.. عينان مكتحلتان وقفطان

فضفاض ومحاولات جادة لتضخيم الصوت يحالفها التوفيق في موقف ويجانبها في آخر..كانت الخطبة عن

الجهاد والشهادة فعجبت كيف يجاهد الجائع والمريض واي جهاد اشد بأسا من الجهاد في سبيل لقمة العيش !! واي شهادة يدعوا اليها والشهداء آلآف من حوله يقتلهم الجوع ويحصدهم المرض !

هل الجهاد والشهادة هما قضية الساعة حتي يسترسل الخطيب في الحديث علي ذلك النحو !!؟..لماذا

لا تكون خطبته عن العدل والمساواة والتكافل وأكل مال الناس بغير وجه حق..أهذا أحق ام دعوة

للجهاد والشهادة في قرية جل أهلها شهداء ومجاهدون !!؟ .

قال شامير لعبدالخالق وقد مرت من امامنا سيارة جلس في مقعدها الأمامي ذلك الخطيب المستوقر

يقودها ابنه الشاب :" هسع عليك

الله ياعبدالخالق شيخ مصطفي دا .. الطوب المرصوص قدّام قصره دا داير بيه شنو..ماكان اوْلي يصلّح بيه حوش الجامع المتهاير دا " !! .


سعدت كثيرا وانا أختتم قراءة الرسالة التي بعث بها اليّ صديقي عبدالخالق بعد اشهر تلت ذلك اليوم يخبرني فيها بأن

عبدالرحيم ودضياب قد تعافي تماما بعد العملية التي اجريت له في المستشفي الخاص وعاد يعمل بعربة الكارو

الجديدة بهمة ونشاط جديدين ويردد امام الجميع بأنه يحس وكأنه عاد للحياة من بعد الموت .

تراءي لي بائع البرسيم من بعد..كان وجهه مشرقا ً وقد اختفت مسحة الحزن التي كانت تشوبه وبت علي يقين لا يقبل الشك مطلقا بأن الذي أتاني في ذلك اليوم لم يكن سواه … المرحوم سليمان ود ضياب.


( انتهت )

سيد محمود الحاج
09-06-2009, 11:31 AM
البحث عن ايام تاهت في مدينة مفقودة ( 1 )


كان ذلك ما ظل يمارسه خلال عقد مضي..يأتي الي محله باكرا فيجلس علي الكرسي العتيق المصنوع من خشب وألياف الخيزران مستهلا يومه بتناول كوب من شرابه المفضل ثم اذاما فرغ من ذلك سحب درج الطاولة الهرمة فيخرج ساعة قديمة ماركة ( رومر) ويظل ينظر اليها طويلا كأنه يقرأ رسالة مسطرة علي مينائها ثم يعود يضعها بعناية في مخبئها الآمن.. كان هذا دأبه في كل صباح علي الرغم من ان قلب هذه الساعة كان قد توقف عن النبض منذ سنوات طوال وعبثا حاول صاحبها ايجاد من يصلحها ويعيد خفقات قلبها الي ان اقتنع في نهاية المطاف بأن أفضل وضع لها هو ان تظل نزيلة هذا الدرج في صحبة بقايا أصالة لم يعد لها من مكان في غيره.. لفة شريط لمبة كيروسين كاملة مثبتة بدبوس عند رأس الشريط ..نصف لورقة مالية من فئة الجنيه تاريخ صدورها العام 1962 وأخري من فئة الخمسة وعشرين قرشا(طرّادة) تمزقت اوصالها ولم يعد من الممكن قراءة تاريخ اصدارها بجانب عدد من قطع معدنية من كل الفئات تقريباً اضافة الي اشياء اخري منوعة فهنالك علبتا كبريت ( ابو مفتاح) واخري (ابوغزالة) وعلب سجاير فارغة مازالت في حالة جيدة بحيث يمكنك التمييز بينها بكل سهولة فهذه علبة سجاير (البحار) وتلك(555) تليها (ابوكديس) بجانب قفل ماركة (كاتو) لحق الصدأ بالرقيقة المعدنية التي تزينه و هنالك أيضا صباع معجون (كولينوس) يبدو وكأنه لم يفقد محتواه اضافة الي أشياء اخري تبدو في هذا الزمان وكأنها قد أخرجت من مقبرة أثرية. وما ان يضع (حاج خير) تلك الساعة في مكانها موصدا الدرج بتأن حتي يرفع بصره متنقلا بين ملصقات عدة مثبتة علي الجدار المقابل له والآخر الذي يليه.. كانت في معظمها من مواد الدعاية التي درجت الشركات التجارية علي توزيعها في سالف الأيام..فهذه لأمواس (ناسيت) حيث تبدو شفرة عملاقة تقطع تمساحا ضخما الي نصفين وبجانبها دعاية لحلويات (سعد) بأنواعها المختلفة تليها اخري لحبوب(اسبرو) في صورة مكونة من ثلاث لقطات : في اولاها رجل يضع كفه علي رأسه وفي الثانية يتناول الحبة وفي يده كوب ماء وفي الثالثة يبدو وهو يبتسم بعد ان زال أثر الصداع ثم صورة لحذاء (الحرس) من شركة باتا مازال لونه الأبيض ناصعا رغم تراكم الغبار علي الملصق وعلي مقربة من ذلك لوحة معدنية لحبوب( الكاسلتزر او الكزرزر) الفوّارة تبدو وهي تفور داخل كوب وأسفلها كتبت عبارة :" سريع المفعول في حالات الصداع وتلبك المعدة والأوجاع الجسمية ). وعلي الجدار الآخر دعاية لحليب (جيتانا) ابو بنت في علبة ذات لون اصفر يسر الناظرين ثم قاعدة لتقويم حائطي قديم يعلوه اسم(شركة جرتلي هانكي وشركاه) تجاوره لوحة أكبر حجما تطل منها حسناء تحتضن زجاجة بيبسي كولا بدت اطول قامة منها خارجة من بين جبال من الثلج وهي تواصل تلك الأبتسامة الساحرة والتي لعلها الشيء الوحيد الذي يبتسم في ذلك المكان الذي لا شيء فيه سوي أشباح ايام سادت ثم بادت فقبل ان يتحول هذا المحل الي مكتب (قومسيون) كان بقالة تكاد تكون الأكبر والأكثر شهرة في ذلك الحيز من السوق العربي وكان معظم عملائها من الأجانب الذين استوطنوا العاصمة فيما مضي ولكن حين غيّرت الرياح مسارها وجاء فصل لم يكن معهودا مضوا في ركب اسراب الطيور وبرحيلهم اصبح المحل رفوفا خاوية تلوذ بها الجرذان والأوزاغ . كان علي ( حاج خير) ساعتئذ ان يجد مايعينه علي كسب عيشه والأبقاء علي محله بأي صورة من الصور فكان أيسر الأمور ان يتحول الي تجارة ( القومسيون) ذات العائد السريع والأمكانيات الأقل فبدأ عمله علي نحو مبشر وسرعان ما قويت علاقاته مع أصحاب البضائع وسائقي الشاحنات بيد ان الأمور لم تلبث ان سارت في اتجاه آخر اذ جن جنون الأسعار فجأة وانعدمت قطع غيار السيارات في الأسواق فأصبحت قيمة اربعة اطارات تعادل قيمة الشاحنة فيما مضي فانصرف أصحاب البضائع الي الشحن عن طريق وسائل اقل كلفة فاضطر عندها الي ان يؤجر من الباطن المخزن التابع لمحله الي مستأجر آخر كخطوة لمجابهة التزاماته الأخري.. قاوم كل الأغراءات التي قدمت اليه للتخلي عن محله فهو يري ان في ذلك تنازلا عن الشرف وعن الحياة ايضا اذ لاذ بهذا المحل وهو يافع ذلك حين جاء به خاله (ابوعاقلة) ليعمل معه ومنذ ذلك الماضي البعيد لم يتغيب عنه الا لأيام تحسب علي اصابع الكف الواحدة..هنا مضي عمره وهنا انفق اجمل ايام حياته وانطبعت اجمل ذكرياته فأني له ان يتنازل عن تاريخه الطويل مقابل دراهم لا تلبث ان تنفد فيصبح شخصا بلا ظل وبلا هوية وبلا تاريخ...يعرف كل شبر في هذا الجزء من المدينة وكل فرد حتي الشحاذين والنصابين ويعرف تاريخ كل محل من المحلات المنتشرة فيه وما اكثرها فعلي يمينه مثلا كان محل(المفتي) تاجر المواد الغذائية بالجملة يليه محل (اولاد كمير) لبيع التمر والزيوت يليهما محل (ابومرين) تاجر القوارير الفارغة يجاوره مطعم النيلين الملاصق لمحل( خواجة كوستو) لبيع لساتك السيارات وعلي الناحية الأخري مطعم (الانطلاقة) ثم بار(الزهرة) وفي الناصية اجزخانة(المدينة) يجاورها محل(جمعة)العجلاتي ثم محل (عم رزيق) القبطي العجوز تاجر الدمور وعلي الجانب الآخر موقف البصات التي تربط اطراف العاصمة ببعضها يعج بأكشاك بائعي الأطعمة والمرطبات فهذا كشك(الله جابو)بائع الفول والسمك يواصل قفشاته مرددا :" الماعندو ياكل بلاش " يقابله كشك(الشفيع) لبيع المرطبات يعتمر طربوشه الأحمر وينفث دخان سيجارته غير التقليدية غير مبال بقانون ولا سواه وعلي مسافة منه محل(اب سروال) بشاربه الطويل وصوته القوي والناس من حوله يتناولون الشاي بالحليب المقنن ويستلذون بأكل اللقيمات المقرمشة .

( 2 )

في صبيحة احد الأيام وعلي غير عادته ترك حاج خير مقعده علي تلك الطاولة ليجلس علي باب دكانه علي صندوق خشبي قديم كان موضوعا بجانب الباب مع مجموعة من شاكلته اعتاد(العتالة) الجلوس عليها في انتظار من يطلب خدماتهم فانشغلت عيناه لفترة بالمارة في ذهابهم وايابهم فلاحظ لأول مرة ان ثمة موتا بطيئا يستشري في الشوارع وان نبضاتها باتت واهنة وعادت به تلك الملاحظة سنوات الي الوراء أيام ان كانت الضوضاء الصادرة عن هذا الشارع بالذات تكاد تصم الآذان.. صرير عجلات عربات الكارو التي تجرها الأحصنة وابواق بائعي (الغريبة والداندرمة) وصياح بائعي الصحف.. ضحكات المارّة وقفشاتهم.. المظاهرات التي كانت تنشأ من غير مقدمات وحدة الهتافات التي تهتز لها ارض الشوارع.. الحركة الدائبة التي لا تنقطع في ليل او نهار..انماط من الناس من شتي بقاع الدنيا.. ثم اعتلت شفتيه ابتسامة حين طافت بذهنه مجموعة (ملوص) واحتيالهم علي السذج والبسطاء بذلك الشريط الملفوف.. يذكرهم بأسمائهم.. ( الكضمي.. السريع..عبدو..خزنة..آدم..انجلو).. وعلي ذكراهم طافت بذهنه قصة ذلك القروي الذي كان قد وصل لتوه من الريف فأغراه اولئك المحتالون بأن جعلوه يكسب جنيها في باديء الأمر ثم ما لبثوا ان جردوه من كل ما كان في جيبه من مال ولما لم يكن أمامه الا ان ينخرط في بكاء مرير لم يجد حاج خير بدّاً من التدخل لصالحه حتي أعاد له ما سلبه اياه اولئك الأوغاد... انساق تماما وراء ذكرياته حول ذلك الشارع لدرجة انه لم يفطن الي ان ابتسامته قد تجاوزت الحد المعقول بالنسبة لمن يحادث نفسه ثم ضرب كفا بكف وهو يتمتم بصوت مسموع: " سبحان الله.. سبحان مغير الأحوال"!! وعاد يحادث نفسه قائلا انه علي الرغم من سوء أعمال اولئك المحتالين الا ان الحياة علي أيامهم كانت ذات معني وذات طعم وكانت للناس آمال وأحلام بحجم هذا الكون وان نقاء السرائر كان متغلبا علي سوء أفعال الآخرين .. نعم لقد كان ناقما علي افراد مجموعة ملوص وأمثالهم من المحتالين والنشالين وسواهم وكثيرا ماكان يزجرهم اذاما رآهم ينصبون شراكهم علي مقربة من متجره اما الآن فلم يعد يساوره ذلك الأحساس لأنهم جزء من ماض افضل كثيرا من هذا الحاضر الذي اصبح النفاق عملته المتداولة وتجارته الرائجة.أخذته ذاكرته النشطة الي مواقف واماكن عدة ومضي يناظر الشارع الواقع في جهة اليمين الذي كان من قبل اكثر الشوارع نشاطا وازدحاما فهو يقود الي أزقة ضيقة لا تبعد عن مكانه هذا الا خطوات محسوبة.. ازقة لا تنقطع عنها رائحة البخور المختلطة برائحة الخمور ودخان السجاير واريج البن المقلي وغبار المارة المشبع برائحة النشادر النفّاذة.. كان يشتم كل ذلك وهو في متجره..عرف الكثيرات من نزيلات هذه البيوت اذ كان معظمهن من زبائن محله يأخذن علي الحساب أحيانا وسرعان ما يسددن ما عليهن ويندر ان يتخلفن عن تسديد دين فمع غياب الشرف لديهن في ناحية الا انه يظل متوفرا في اخري. ولكن من بين كل الصور وكل الوجوه التي غشيت متجره ظلت صورة واحدة منحوتة في ذاكرته دون ان يلحق بها وهن..بقيت عالقة بذهنه في يقظته و نومه وفي ليله ونهاره... (مللو ) او( أميرة) كما يطلق عليها ممن هم حولها..كانت من أجمل ما رأته عيناه في هذه الحياة وأرق من كل امرأة عرفها وأكثر فتنة
واثارة.. لا يدري ما الذي أتي بمثلها لتنمو في ظلمات تلك الأزقة ومكان مثلها قمم الجبال. كان يري ان مثلها يجب ان يعيش في كنف زوج يفرط في تدليلهاوتبجيلها و اغراقها في بحر من السعادة.. و علي الرغم من السنوات الطوال التي حالت بينه وبينها الا ان صورتها مازالت تتراءي له كلما تناول في الصباح كوبا ً من (الفرنساوي) الذي لم يعد يفضل سواه منذ اول مرة رآها فيها فيظل يتأمل الكوب طويلا عقب كل رشفة.. لقد كانت (مللو) او أميرة وردة من سلالة نادرة نتجت عن لقاء عابر بين اب من اراضٍ تكسوها الثلوج وام ٍ من ارض تتدثر بشجيرات البن فأخذت من كليهما اجمل مافيه ليأتي لون بشرتها كهذا الشراب الذي لم يعد يفضل سواه منذ ان وقع بصره عليها. كان ذلك في اول ايام مقدمها فقد جاءت الي محله في صحبة احدي الرائدات.. لم تستطع اغواءه اي منهن من قبل ولم يخط علي عتبة احداهن يوما الا ان هذه الغازية العتيدة استطاعت ان تهزمه من اول نظرة اذ استقر سهمها الباتر يحيل احشاء قلبه نتفا واجهزت علي ما تبقي فيه من رمق حين امطرته بابتسامة حملتها شفتان تبدوان كما كان يقول:( متل فقش الكلي النيّات) فأحس بفولاذ عزمه ينثني ثم ينصهر ثم ينتفش قطنا. حاول استعادة رباطة جأشه بعد انصرافها وتمالك نفسه واعادة ترتيب جنده ولكن هيهات ان ينتصر من رمته سهام تلك الغازية الجامحة.. مازال يذكر اول لقاء بينهما لكنه لايذكر عدد المرات التي تلته فقد كانت اكثر من ان تحصي... كانت تلك اول مرة يترك فيها محله في عهدة أحد سواه منذ ان جاء يعمل فيه .. لقد استسلم تماما للهزيمة ومضي بعد سويعات معدودة ليعرف مقرها ولما وصل اليه والتقاها كاد ألا يبرح ذلك المكان وكلما هم بالانصراف الي متجره يحس بأصفاد سحرها تكبله وتشل ارادته .. لم تسله مالا مثلما تفعل الأخريات وحينما أدخل يده في جيبه ليمنحها ثمن المتعة صدت يده بقوة وذات الأبتسامة القاتلة علي شفتيها وهي تتمتم بما لم يفهمه .
كاد ألاّ يعود الي واقعه لولا الضجيج والدخان الصادران عن محرك عربة (كومر) مرت امام محله كانت مكتظة برجال الشرطة فظل يتابعها بنظراته حتي تعدت ذلك الشارع فذكرته خوذاتهم الصدئة بأيام المظاهرات وذكر علي وجه الخصوص صديقيه(محمود ) الترزي و(ود العقاب) سائق التاكسي فقد كان يمازحهما كلما التقاهما ويثير حفيظتهما بقوله ان هؤلاء العسكر باقون في السلطة الي ان يشاء الله فهم علي ظهرها كالقُراد علي ظهر كلب لن يرتاح أحدهما الا بموت الآخر... وذكر علي أثر ذلك مجئيهما له في محله ذات صباح واصطحابه مرغما الي وسط جحافل الثائرين في المظاهرات التي فجرت ثورة اكتوبر.. أخرج من اعماقه زفرات ملتهبة وهو يستعيد شريط تلك الأيام..آه ما أقصر عمر الشباب وما أسرع عجلات الزمان.. تبدو له تلك الأحداث وكأنها حدثت بالأمس لا قبل عقود.. يتذكر كل مافيها بدقة متناهية وبكل تفاصيلها ثم نأي بذهنه بعيدا حين وقعت عيناه علي محل (خواجة كوستو) المقفل.. تذكر آخر كلماته له وهو يهم بالعودة الي بلاده عندما تبدلت الأمور :" تعرف يا خير عسكر دول هم مشكلة بتاع أفريكا كلو "!!.

سيد محمود الحاج
09-06-2009, 11:44 AM
( 3 )

في ذلك الصباح وقبل ان يفرغ حاج خير من تناول كوب (الفرنساوي) توقفت مروحة السقف العتيقة عن الدوران بغتة فأحس بحاجته الي الهواء فمضي والكوب في يده ليجلس علي الصندوق الموضوع بجانب باب المحل لكنه لم يستطع البقاء خارجا بسبب تصاعد رائحة نفاذة أسالت دموعه.. خيّل اليه ان نبضات الشارع قد نشطت في غير مايتوقع وكأنما عادت تضخ فيه تلك الحياة التي افتقدها منذ زمن طويل وسمع هديرا آتيا من علي البعد فضحك علي صداه ضحكة خرجت من بين لواعج صدره كما يخرج الوليد من بين آلآم الطلق فذكر لحظة ان جاءت ابنته البكر الي الوجود وذكر ايضا صديقيه (محمود ) الترزي و(ود العقاب) سائق عربة التاكسي الهيلمان.. اين هما ياتري من بعد هذه السنوات الطوال؟!!.. يبدو ان الخريف علي الأبواب فأين له بهما ليشاركانه الفرحة بمقدمه !! .
في صبيحة اليوم التالي كان بعض من قادة الجيش قد استولوا علي السلطة ووعدوا في بيانهم بأنهم زاهدون فيها ولن يتوانوا في تسليمها للشعب ريثما يستتب الأمن وتستقر الأوضاع وشوهد حاج خير بعد ان اتضحت الرؤيا يحمل في يده ولأول مرة منذ أعوام طوال منفضة من ريش النعام يزيل بها الغبار وخيوط العنكبوت التي تراكمت علي الأرفف الخاوية مترنما ً :" ليالي الخير عادن " ثم يخرج تارة يطالع الشارع ويرقب المارة وعلي شفتيه ابتسامة تعبر عن تفاؤل لا حدّ له. كان يرقب الأفق ليري اسراب طيور الخريف في رحلة العودة الي أوكارها القديمة فهو يتوقع مقدمها الميمون بين لحظة واخري منذ ان انقشع الغبار وانطفت تلك السمائم القاتلة بحلول الخريف وهو يمني نفسه بعودة الحياة الي ارفف محله بعد ان جافتها زمانا.. لام نفسه علي استسلامه وخضوعه للظروف دون ان يبدي مقاومة تذكر في سبيل الأبقاء علي بقالته فقد كان قدره ان يفرط في كل شيء جميل !! ان عزمه الآن قوي كالحديد او أشد فغدا يعلق اللافتة القديمة علي واجهة متجره... قدم انذارا لمستأجر المخزن لأخلائه في بحر شهر فهو الآن في انتظار ان تستهل شركات الأستيراد نشاطها السابق وعقب ذلك ستعود المياه الي مجاريها تباعا ويعود كل شيء كما كان .. ماهي الا أيام قلائل فيستعيد هذا المخزن الفارغ سالف مجده وتنشط حركة الحمالين بداخله.. سيعملون حتي يسيل عرقهم فالخير آت ٍ لنا ولهم ولكل الناس .

كان حاج خير غارقا ً تماما في تفاؤله ولم يتح مجالا لشيء دون ذلك لذا فقد خطر له في وقت مبكر من صباح يوم تال ٍ وحتي قبل ان يتناول كوب (الفرنساوي) ان يقوم بجولة لعله يري طلائع ذلك الخير الذي ظل يمني به نفسه وان من مضوا قد عادوا وفي ركبهم ذلك الزمان الجميل فمضي في ذلك حتي وقف قبالة محل (خواجة كرياكو) تاجر الأواني المنزلية في ناصية الشارع الأمامي ولما كان المحل مقفلا ولا يبدو عليه انه استعاد نشاطه انصرف الي الشارع التالي ثم الذي يليه ثم الي آخر الي ان وجد نفسه امام محل لبيع المحاصيل فوقف حينا ً امام مدخله وبدا وكأنه يقاوم قوة غير مرئية تحول دون تقدمه بينما تنشأ أخري من خلفه تدفع به تجاه المدخل فكان في لحظته تلك مثل ابرة وضعت بين مغناطيسين وبتغلب احدي القوتين علي الأخري وجد نفسه داخل غرفة اتخذت مكتبا للمحل مازالت نوافذها (الشيش) محتفظة بذات اللون الأخضر وان بهت..كل الذي تغير فيها هو ان بابها الخشبي استبدل بآخر من الحديد.. لم يأبه بالشاب الذي كان ساعتها جالسا ً علي طاولة المكتب واذ لم يقو علي الجام أدمعه وضع كفيه علي وجهه وانفجر باكيا وهو يطوف بأركان الغرفة وسط دهشة ذلك الشاب الذي لم يملك الا ان يربت علي كتف هذا الزائر المجهول وقد اخذته الحيرة تماما .. بكي حاج خير بكاء مرا و كأنه قد بلغه للتو نبأ رحيل عزيز لديه ولما فضفض عن ما جاش بمشاعره استغفر الله مرارا ودون ان يلتفت الي الشاب خرج عن المحل وطفق يجوب الشوارع لا يقصد مكانا بعينه وقد عاد بكل أحاسيسه الي أيام تلك الغرفة التي اصبحت الآن مكتب متجر لبيع المحاصيل و كأن تلك الأيام لم يفت عليها سوي سويعات معدودة فهاهو حديث (مللو) العذب ينساب في مسمعه حتي لكأنها تحادثه بالفعل..ذكر كلماتها المفعمة بالحب والحزن معا تسأله دون ان تنظر في وجهه ما اذا كان جادّا في الاقتران بها..مابرح يستشعر حرارة ادمعها ذلك المساء وهو يكفكفها بيمناه دمعة فأخري...آه لو لم تكن في عصمته وحيدة خاله صاحب الفضل الأكبر عليه في هذه الحياة بعد الله والذي لولاه لما آل هذا المتجر اليه.. ذكر يوم ان جاءته تطلب مقابلته علي عجل.. أخبرته في تلك الغرفة التي غشيها لتوه ان ضابطا لاجئا من اهل بلادها يضغط عليها للزواج منها.. كانت ادمعها تسابق كلماتها وهي تحدثه وحاول من جانبه ان يثنيها عن ذلك ولكن دون ان يبدي مبررا او يحدد موقفا بعينه . لا يذكر مطلقا انه قد بكي منذ ان بلغ سن الرشد سوي في الساعة الماضية وذلك اليوم البعيد بعد ان عاد الي المدينة عقب انقضاء ايام عزاء خاله ابوعاقلة فقد كان يتوق الي مقابلتها ليمنحها الأمل الذي ظلت تنشده ويفاجئها بقراره الذي سوف يفرحها كل الفرح ولكن ساعتها كانت مللو قد عبرت بحارا وانهارا اذ ارتحلت في صحبة ذلك الضابط الهارب ليستقر بهما المقام في كندا ... لقد عاش خاله أطول مما كان يتوقع له ان يعيش!!!.

وجد نفسه في محطة السكة الحديد وهي خاوية علي عروشها.. ساكنة كأنها معاقل الموت .. لاشيء يري سوي جيف لعربات نافقة علي قضبانها تفوح منها روائح نتنة بعد ان غدت مراحيضا لقضاء حاجة السابلة..كان كل شيء فيها قد أدمن الفناء فوقف ينظر في أرجائها طويلا ثم تقدم خطوات تجاه شجرة اللبخ العملاقة التي درج المودعون والمسافرون الجلوس تحتها فألفاها قد ماتت هي الأخري وتساقطت اوراقها ولم يعد من ظل لها سوي ظل ساقها العملاق الذي وقف كمقاتل يرفض الأستسلام برغم سقوط كل أفراد كتيبته من حوله .. فاضت أعينه بالدمع وكتم عبرات ماكان يقوي علي كبتها سواه ثم اشاح بوجهه ومضي يسير بين حطام القاطرات والقضبان المتناثرة وعلي يمينه أبنية خالية تبدو مثل آثار امم خلت وحينما توقف عند آخرها ردد بصوت مسموع:" ألا ليت لو ان للأشياء بذورا تستنبت"!!.. وعلي حين غرة ودون مقدمات تنفرج أسارير حاج خير وتنقشع سحابة الأسي ويعود التفاؤل يملأ نفسه وهو يقول ان موسم الخريف قد حل وبحلوله لا بد ان تعود الحياة وتسري في كل الأجساد .. ستخضر هذه الشجرة الجرداء وتتكاثر اوراقها وتعود كما كانت ظلا ً وريفاً يظل المودعين والمسافرين وسوف تصلّ اجراس المحطة المحنطة صليلا يصم الآذان وتدوي صافرة هذه القطارات النافقة مبددة هذا السكون الموحش ويعود كل الذين مضوا حتي تضيق بهم ساحاتها العريضة ويتكاثر الباعة كما كانوا بالأمس وتتعالي أصواتهم وهم يروجون لما معهم... انهم قادمون دون ريب فأن لم يأتوا هذه الساعة فالقادمة موعدهم!!.

( 4 )

لم يدم ذلك الخريف طويلا ولم تعد اسراب الطيور ولم يقلع اي من الأشياء عن عادة ادمان الموت كما كان يأمل حاج خير ولكن لا شيء لديه سوي الأمل والتفاؤل عائشا علي أصداء ذكريات كان يؤمن بأنها ستعود لتصبح واقعا .. سابحا في أحلامه وهو يدندن بالأغنية التي لم يعد يدندن بسواها " ليالي الخير عادن " وهو يواصل ازالة الغبار عن الأرفف الخاوية مستخدما المنفضة المصنوعة من ريش النعام ثم ينصرف الي المخزن بعد ان أخلاه مستأجر الباطن فيجول فيه لبعض الوقت ليعود ثانية يواصل نفض الغبار وازالة خيوط العنكبوت عن الأرفف اليباب.. يواصل ذلك لوقت يطول حينا ويقصر حينا ثم يخرج عن محله ممسكا بالمنفضة ليري ان كانت المتاجر المقفلة قد استعادت نشاطها ام لا.. ظل هذا دأبه الي ان غيّرت الرياح مسارها ذات صباح واضعة النهاية لذلك الفصل وهبت أعاصير وثار غبار يحجب الرؤيا عن كل شيء فوضع اصبعيه يسد أنفه اذ بلغتها نتانة اشد تركيزا من تلك التي تنبعث من عربات القطارات النافقة علي قضبانها.

كان قد توقف تماما عن الدندنة ومداومة تنظيف الأرفف وعاد يؤجر المخزن مرة أخري دون ان يضع شروطا هذه المرة وباتت ذكريات ايامه الخوالي هي رأس ماله وكل أصناف متجره..يفتح الدرج ليأخذ تلك الساعة ثم ينظر اليها نظرات تطول وتقصر ثم يضعها بعناية في مكانها في الدرج ويعود يجول ببصره بين تلك الملصقات التي تملأ جدران متجره فلا يكاد يري منها الا ماكان قريبا من حيث يجلس. ولما بات ذلك الغبار النتن أكثر انتشارا لم يعد بأمكانه الجلوس علي مدخل المتجر فكان يقضي معظم ساعات يومه بالداخل.. لم يعد يراوده ذلك الأمل بعودة الماضي ولم يبق في نفسه من ذلك التفاؤل الا ثُمالة وخرج شريط الذكريات عن بكرة ألتفافه فتشابك فأذا ماحاول عرضه ظهرت الصور مشوشة ومتداخلة في بعضها فلا يكاد يميز بينها .

ذات صباح ما كان يجلس علي مدخل المحل فوق الصندوق الخشبي الذي اعتاد الجلوس عليه فقد تعدّي ذلك الغبار المتعفن الشوارع وبات يأتي الي الناس داخل بيوتهم ومتاجرهم ومكاتبهم و أينما ذهبوا فلم تسلم منه حتي قبور الموتي منهم ولم يعد هنالك فرق بين ان تجلس في الداخل او في الخارج فقد تشبعت الأنوف بالرائحة النتنة تماما... خيّل اليه وهو يجلس ان هنالك رائحة بن حبشي منبعثة من مكان ما طغت علي تلك الرائحة النتنة فتذكر نعمة(الفرنساوي) التي زالت فابتلع ريقه ثم داهمته نوبة شرود استمرت طويلا ثم عاد يجفف ادمعه بكم جلبابه ليعود يطالع وجوه المارّة وحين تأملهم عن قرب تبين له ان المارّة ماعادوا الا أشباحا تكلم انفسها وان اعين الجميع ممتلئة بالدموع ولم تخل منها حتي محاجر هذا السائل الضرير الجالس قبالته... بدا له ان نبض الشارع هذه المرة قد توقف تماما وان الموت مطبق بكفيه علي كل شيء وما هذه الدموع المنحدرة من اعين الناس الا رفات آمالهم وأمانيهم.. استجمع قوّاه لينهض عن مقعده امام الباب حين أحس برغبة في الدخول والجلوس علي الطاولة وحين فعل سمع(تكتكة) داخل الدرج فأذا بساعته العتيقة قد عادت الي الحياة فجأة بعد جفوة دامت عقودا..حملها مهرولا وهو يصيح كطفل حصل علي لعبة كانت حلمه الذي لاحلم له سواه....يصيح علي نحو لا يتفق و وقاره:" اشتغلت... الساعة اشتغلت ياجماعة"!! ومضي في ذلك حتي وصل الي محل (جرجس الساعاتي) ليخبره بأن ساعته قد عادت تعمل من تلقاء نفسها الا ان جرجس لم يكن هنالك ولا من أثر له... سأل عنه من هم في الجوار فلم يجد من جواب سوي ابتسامات اختلطت فيها السخرية بالشفقة ولكن مع ذلك مضي في بحثه ولم يتوان َ الا حين أحس تخاذل أقدامه.

سيد محمود الحاج
09-06-2009, 12:16 PM
( 5 )

حين عاد الي محله تملأ الفرحة جوانحه اذ رفرفت الحياة في قلب ساعته العتيقة فوجيء بوجود شخصين كانا في انتظاره وقد جلس احدهما ذو الجلباب الأبيض واللحية الكثة علي كرسي الطاولة بينما جلس الآخر الذي يرتدي سترة ذات لون رمادي علي مقربة منه فوق واحد من تلك الصناديق الخشبية وفي ازدراء بالغ قدم الأخير ورقة لصاحب المحل كانت امرا بأخلاء الموقع في مدة لا تتجاوز الأسبوعين.. اعاد حاج خير قراءتها ثانية وتجهم وجهه وتمتم بكلمات لم يفهم الزائران شيئا منها وأطال الوقوف يطالع الأرفف الخاوية والملصقات التي تغطي الجدران وتارة يطالع السقف.. رأي المنفضة معلقة علي الجدار فأخذها ثم خرج حاملا امر الاخلاء في اليد الأخري.. صعد درج العمارة المقابلة لمحله الي حيث يوجد مكتب المحامي(عبدالحق) ودفع باب المكتب بعنف فأذا بالمحامي العجوز واضعا رأسه بين كفيه وقبل ان يوضح الزائر ما جاء من أجله مدّ له المحامي ورقة علي شاكلة الورقة التي يحملها تحوي انذارا بأخلاء المكتب في بحر اسبوعين... خطر علي باله وهو في تلك المحنة القاضي(عدلي) الذي كان احد زبائنه القدامي..لم يلجأ اليه في شيء في اي وقت مضي فليلجأ اليه الآن بطلب مشورته وعونه.. يعرف مسكنه فقد زاره من قبل لتقديم واجب العزاء في وفاة والده... ودون ان يلوي علي شيء استغل سيارة اجرة لتقله الي منزل القاضي عدلي في حي يقع في الطرف الجنوبي للمدينة وهنالك مضي يطرق علي الباب بقوة حتي خرج اليه رجل عبرت قسمات وجهه عن استيائه وانزعاجه علي الطريقة التي مارسها صاحبنا في الطرق علي الباب ولما بادره بالسؤال عن القاضي المنشود أفاد الرجل بكل برود و قبل ان يصفع الباب بقوة اهتزت لها حيطان السور بأن المنزل قد آل اليه منذ عشرة اعوام.

عادت نوبة الشرود تلاحق حاج خير وهو داخل سيارة الأجرة عائدة به الي النقطة التي اقلته منها ولم يفق من شروده حتي بعد ان ترجّل عن المركبة ممسكاً بالمنفضة في يمناه وفي يسراه يحمل امر الأخلاء وقد اختلطت الأمور لديه تماما وتشابكت خيوطها.. خطر له ان يجمع أكبر عدد ممن يمكن ان يشهدوا لصالحه ويؤكدوا ان عمر علاقته بمحله تقارب الآن نصف قرن من الزمان.. نعم هذا افضل ما يواجه به هؤلاء المتسلطين وكان اول من قصدهم في هذا الشأن صديقه (حاج ياسين) الصائغ المعروف ولما وجد المحل مقفلا قدّر ان يكون صاحبه في المسجد فمضي الي هنالك وبتأدية الصلاة رأي واعظا يعتلي المنبر فينطلق صوته الأخّاذ متحدثا عن الظلم وعواقب من يمارس الظلم.. كان حديثه مؤثرا بحيث انشغل حاج خير عن امره وهو يصغي لكل كلمة يدلي بها مواصلا الزحف للأمام شيئا فشيئا حتي كاد ان يلاصق المنبر فأذا بوجه الخطيب كان من بعض وجوه مألوفة لديه ويكاد يميزها.. استحث ذاكرته الخربة وهو يحاول العودة بها الي الوراء ولما اسعفته نهض مغادرا وهو يردد بصوت اقرب للهتاف : " سبحان الذي يهدي من يشاء ويضل من يشا ء.".!! وظل مستمرا في ذلك الي ان خرج عن سور المسجد وحتي وصوله الي محل الصائغ حاج ياسين ليستقبله رجل ذو لحية بيضاء تكاد تتجاوز صدره ولما ابتدره بالسؤال عن صاحبه قطب الرجل حاجبيه وهو يقول في تعنت بأنه في هذا المحل منذ عشرة اعوام ولم يضف كلمة اخري. وقبل ان ينصرف صاحبنا عن معرض الصياغة الأنيق خيّل اليه ان نبرات صوت هذا الرجل ذو اللحية البيضاء المنمقة مدوزنة في مسمعيه لذا فقد عاد يتفرس الوجه بامعان فأذا به يصيح علي النحو الذي خرج به من المسجد :" سبحان الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء... سبحان الذي يحيي الأموات ويميت الأحياء"!! ومضي يواصل الصياح حتي توقفت به الخطي عند محل (دنيش) الهندي وحين لم يره همّ بالسؤال عنه ولكن حين طالع اللافتة المعلقة أعلي المدخل قرأ عليها اسم(شركة تهليل للأستيراد والتصدير) فعادت علي اثر ذلك حاسة الشم تعمل فجأة فوضع اصبعيه يسد منخريه ثم انصرف مسرعا يواصل الصياح علي ذات النحو.

( 6 )

كان قد وصل الي اجزخانة الوطن ينشد عون صاحبها دكتور(عبدالعزيز) وهو من قدامي معارفه دون ان يلحظ ان اللافتة قد انزلت وحين وقف امام الكاونتر ألفاها وقد عادت مثل متجره.. رفوفاً خالية نصبت عناكب الدنيا شباكها حولها فنظر الي المنفضة التي في يده مرارا قبل ان يلقي التحية علي صاحبها أسعده ان يجده الدكتور عبدالعزيز ذات نفسه وليس شخصا آخر لكنه كان علي كرسي متحرك ويده في حركة دائبة فيما بين نظارته السوداء وبين السماعة المثبتة علي أذنه ولما لم يتلق ردا ألقي التحية مرة ومرة ومرات حتي اضطر أخيرا للدخول من باب الكاونتر ليهز علي كتف الرجل وهو يصيح : " انا حاج خير يادكتور عزيز...انا خير بتاع بقالة الخير "!! الي ان استجاب الرجل اخيرا :" ايوة قلت عاوز ايه"!؟ فلم يجد حاج خير بدا من تكرار ماقاله:"انا خير.. خير بتاع بقالة الخير يا دكتور " فرد الرجل :" لا والله الدواء دا خلصان.. شوف الاجزخانة الجنبينا جائز تلقاه عندهم".

لم يكن حاج خير في حاجة لدواء فالذي يحتاجه بات صنفا نادر الوجود بحث عنه طويلا حتي أعياه البحث ومع ذلك لم ينل منه اليأس ولم يقنط من وجوده وعليه فانه حين لفتت نظره لافتة تحمل اسم(صيدلية ام المؤمنين) وجد ان خطاه تسوقه ناحيتها ورغم انه لم يرد ذلك الا ان الأمل لديه كان قويا في ان يجد بداخلها من قد يشهد لصالحه فما اكثر معارفه وحين دخل وقف مبهورا يطالع أرففا زجاجية اكتظت بكل أصناف الأدوية والمستحضرات وقد وقف شابان يباشران خدمة مجموعة من الزبائن فظل يطالع الوجوه لعله ان يجد أحدا ممن هو في أثرهم ولما كان الأقرب الي الباب لفت انتباهه صوت محرك سيارة توقفت علي مقربة من مدخل المحل ترجل عنها رجل عربدت علي وجهه سيماء النعمة والبطر وحين أفسح له الآخرون الطريق أدرك انه صاحب الصيدلية فظل يتمعنه اثناء انشغاله بالحديث مع موظفيه الي ان باغتته نوبة الصياح تلك فظل يردد وهو يواصل الزحف للوراء : " سبحان الذي يحيي الموتي ويميت الأحياء... سبحان الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء "!! .

عندما أفاق من غفوة سرقته لهنيهة وهو يجلس علي تلك الطاولة ورأسه علي الكرسي العتيق تذكر ان مابينه وبين المدة المحددة للأخلاء يومان فقط وحتي الآن لم يتمكن من جمع اي من الشهود ممن يقفون في جانبه في قضيته..لم يترك شبرا في المدينة لم يطرقه.. كان آخر من كان يرتجيهم (حاج علي اليماني) بائع الفاكهة في سوق الخضار فقد كان من أعز أصدقاء خاله ابوعاقلة ولكن حين قصده وجد ان خنجر السفّاح قد لخّص مجمل السوق في ركيزة واحدة ظلت تقف مثل كلمة حق بين آلآف الأباطيل وقد كتب عليها المارّة بأعقاب الفحم عبارات عديدة توقف عند واحدة تقول :" هنا سرح المجد طويلا " واسفلها أخري :" من قتل الماضي شهد عليه الحاضر وحاكمه المستقبل" فعاد ادراجه وهو يردد واحدة كتبت بالعامية : " يهدكم البلي.. يهدّكم البلي "!!

أخذ يعيد التفكير في الأمور من كل جوانبها لعله يهتدي الي شيء يعينه في هذه المحنة فاذا به ينهض عن مقعده فجأة ثم يحمل المنفضة وهو يقول بصوت مسموع : " نعم.. ذلك الواعظ الذي اعتلي المنبر بالأمس متحدثا عن الظلم وعواقبه وذلك الذي امتلك معرض الصياغة الجديد الذي كان قبل ذلك ملكا لصديقه الحاج ياسين وصاحب صيدلية ام المؤمنين والآخر الذي اغتصب ( شرعا ) محل (دنيش) الهندي.. سيذهب اليهم جميعا فهم الآن في كل مكان وهم خير من يشهد لصالحه.. سيمضي اليهم ثانية ويذكرهم بنفسه وتلك الأيام .. انهم يعرفونه حق المعرفة ولن يتوانوا عن مساندته والوقوف في صفه.. نعم لقد كان يعتب عليهم وكثيرا ما يؤنبهم علي افعالهم لكنه ما بات كذلك اذ تغير احساسه تجاههم.. مهما يكن فهم بعض من رفات ذلك الماضي الجميل.. ربما لم يعد في مقدوره التمييز بينهم من حيث الأسماء لكن هذا لا يهم طالما انه يعرفهم بسيماهم فلا حرج اذن اذا ما نادي ( الكضمي ) بأسم (السريع) او نادي علي (عبدو) بأسم ( خزنة) فهم في النهاية أصابع كف واحد.

قبل ان يستهل حاج خير مشواره تذكر ان صورته حينما انعكست علي مرايا معرض الصياغة في اليوم الذي مضي بدت وكأنها لذلك السائل الضرير (سليمان) الذي وجده يجلس علي ناصية الشارع منذ ان رأي المدينة لأول مرة ولهذا السبب عزا عدم معرف (الجماعة) له حين التقاهم بينما عرفهم هو بنبرات أصواتهم وعليه فقد فتح الدرج ليأخذ تلك الشفرة التي كانت تقطع فيما مضي التمساح لنصفين ليزيل شعثه وتذكر شال (السكروتة) الذي فرقت بينهما سنوات طوال.. لا يذكر متي وضعه علي كتفه آخر مرة ومضي يبحث عنه بين أكوام الخيش والكراتين القديمة... نظر الي جلبابه من كل جوانبه ثم بدا وكأنه قد ألغي فكرة ساورته وهو يقول كمن يحادث احدا بجواره: "كانت جلابيبهم اسوأ حالا منه" ثم انسل علي عجل يغادر محله.

سيد محمود الحاج
09-06-2009, 12:24 PM
( 7 )


كان اول من قصدهم في تلك الظهيرة ذلك الذي رآه يعظ الناس في المسجد الكبير .. وجده يؤم المصلين هذه المرة ثم اذا انتهت الصلاة صعد المنبر متحدثا عن اكل اموال الناس بغير حق.. اسهب في الحديث ولما اختتم خطبته تنفس حاج خير الصعداء واستبقه الي باب المسجد الي ان جاء ( يطأ الثري مترفقا من تيهه كأنه آس ٍ يجس عليلا ) في صحبة رجلين كانا في مثل هيئته ولما تقدم نحوه ليذكره بنفسه وهو يمد يده مصافحا دس الشيخ ورقة مالية في باطن الكف الممدود للمصافحة دون النظر في وجه صاحبه الذي قذف بها بعيدا وهو يصيح :" أنا حاج خير بتاع بقالة الخير..انا حاج خير ياعبدو.. انا حاج خير يا الكضمي... انا حاج خير ياالسريع... يا انجلو... يا خزنة .. انا حاج خير بتاع بقالة الخير يا اولاد ملووووووص" !!ولكن الشيخ ساعتها كان قد امتطي عربة فارهة انطلقت به وصاحبيه مثل سهم مخلفة من ورائها غبارا ودخانا له ذات الرئحة التي مابرحت تغمر الشوارع.

في اليوم المحدد للاخلاء كان حاج خير جالسا علي الطاولة ينعم في شروده وقد كاد ينسي الأمر برمته ففي تلك اللحظات كان شريط الذكريات قد شفي واستعاد عافيته من تلقاء نفسه وعاد يدور علي بكرته فاذا (مللو) الأميرة الغازية تطل من بين ركام الأزمان كجوهرة بين قناطير مقنطرة من النفايات واذا أرفف متجره مكتظة بأصناف البضائع واذا الحياة تسري في جسد المدينة المتحلل فتغمر شوارعها الأضواء الباهرة وتخضر الأشجار الجرداء وتتفتح الأزهار والورود في الحدائق التي أدمنت الموت... يكاد يسمع الآن أغنيات شجية تنبعث في آن واحد من اجهزة الراديو الموجودة لدي (الترزية) في براندات المتاجر.. وهاهي صافرة قطار يتهادي صوب المحطة وازيز طائرات تعلو وتنخفض... بلغت أنفه رائحة البخور المختلطة برائحة الجعة ودخان السجائر والغبار المشبع برائحة النشادر النفّاذة..وسمع ازيز رصاص متبادل من مسدسات سريعة الطلقات يتخلله صهيل جياد.. ضحك من أعماقه .. نعم الخريف قد حل بالفعل وهاهي دور السينما تعاود نشاطها وخيل اليه ان ضحكات المارة قد تعالت ولم تعد حشرجة.. لعلهم الآن قد عمّروا رؤوسهم من الحانة المجاورة فهذه القهقهة تدل علي أنهم في قمة النشوة..لا يذكر متي كان آخر عهد له بسماع ضحكات صادقة خارجة من الأعماق كتلك التي يسمعها الساعة...انه الخريف دون شك... نعم.. جاء الخريف بكل عتاده وجنده.. سمع اناشيدا تهتز لها الوجدان والجدران والشوارع .." نحن في الشدة بأس يتجلي وعلي الود نضم الشمل أهلا"..." هبت الخرطوم في جنح الدجي ضمدت بالعزم هاتيك الجراح".."نرفع راية الثورة الغالية عالية ترفرف فوق السارية "... نعم جاء الخريف يعيد الحياة لكل شيء في المدينة ثم يعود يدندن بتلك الأغنية التي توقف عن ترديدها دهرا " ليالي الخير عادن"... بدا له وهو في غمرة نشوته تلك ان نبض الشارع عاد اكثر قوة وان الشوارع تموج بالثائرين القادمين من كل فج.. فتح درج طاولته علي عجل ليفرغ كل محتواه في جيبه ويضع ساعته الرومر علي رسغه وحين وقف علي عتبة محله وجد انه يقف وجها لوجه مع اولئك النفر الذين سبق ان قابلهم.. انفرجت أساريره ثم ضحك ضحكة مجلجلة خرجت من أعماقه وهو يقول : " كنت علي يقين من انكم ستأتون فالعشرة لاتهون الا علي من جاءوا سفاحا "!!.. بسط ذراعيه لضم كبيرهم الي صدره الا أنه ابتعد عنه في تأفف وقدم له في خيلاء و ازدراء ورقة كانت عبارة عن تفويض رسمي بتنفيذ عملية الاخلاء.

تجمدت تلك الأبتسامة علي شفتيه وطافت عيناه تحمل نظرات منكسرة مهزومة متنقلا بين وجوه عرفها حقا ذات يوم ثم انفجر ضاحكا باكيا وهو يخرج من جيبه لفة شريط مصباح الكيروسين الذي صادره ذات يوم حينما كانوا ينصبون شراكهم امام متجره وقد كان من ضمن تلك المقتنيات قائلا لهم وهو يمد يده ناحيتهم :" خذوا ثأركم الآن..فهذا رأس مالكم أعيده اليكم كما هو و دون نقصان"!!.

قبل ان تسوق حاج خير خطاه الي حيث لا يدري بلغ مسامعه نشيج باك علي مقربة منه فاذا به ذلك السائل الضرير وهو يمد يده ناحيته ليأخذ بها وكلماته تغالب عبراته في محاولة لمواساة نفسه ومواساة هذا الذي يأخذ بيده قائلا ان الدنيا أخذت منهم ماتريد ولم يعد لديهما ما يمكن ان تأخذه ثانية وأضاف ويده ممسكة بيد رفيقه:" انا في هذا المكان منذ ان كان خالك ابوعاقلة بائعا متجولا يدور بكفتيرة الشاي واليوم يأتي هؤلاء الذين أعرفهم برائحتهم يأمرونني ألا أعود ثانية الي ظل هذا الحائط الذي آواني عمرا اطول من اعمارهم مجتمعة قائلين انه سوف يزال في غد ولما سألتهم الي أين أذهب وانا لاأعرف سواه قالوا لي بأن رزقي سوف يسعي اليّ حتي أعتاب بيتي:!! ثم بدا وكأن ضحكة تصارع عبراته لتخرج من بينها فتوشك ان تختنق فيما بين العبرات والسعال فتخرج في النهاية واهية متعثرة متسائلا: " ولكن اين بيتي هذا الذي سيأتيني الرزق حتي أعتابه "!!؟

في فجوة من ذلك الجذع المارد الذي بقي صامدا كمحارب يأبي الأستسلام في محطة القطارات الخاوية علي عروشها كانت يمامتان تسخران بالموت وترسمان الأمل برّاقا علي هامته فقد أحاطتا عشهما ببضع وريقات خضر وضعت علي نحو يوحي لمن يراه وكأن الحياة قد عادت تستهل دبيبها في هذا الجذع الأجرد.. كانتا بصنيعهما هذا وكأنهما تشتهيان له الحياة وعلي بعد خطوات من حيث انبري المارد ساخرا بالموت كان حاج خير ورفيقه (سليمان) السائل الضرير ينامان ملء جفنيهما وكأنهما علي بسط من حرير فكانا وهما في مرقدهما الأبدي اوفر حياة وأكثر التصاقا بالثري من كل متسلط وكل جائر وكانت تكتكة عقارب تلك الساعة العتيقة في يد صاحبها اقوي من كل الهتافات وهي تحث السير في الأتجاه المغاير .


يوليو 1999

سيد محمود الحاج
09-07-2009, 12:56 PM
ود دفع الله
زول مسكين قدر حالو
لا زول قلنا لا قالوا
كان طيّاني في الحِلّة
ودّر عمرو في الجالوص
يعين الناس علي السترة
يبني جدار ويسقف بيت
ويلْتَخ درقة مخروبة
ويسَوْ ان دُرْتَ راكوبة
لا بقطع ولابْفاصل
البتجيهو برْضابا
ان خلوهو مابطالب
وانْ ادّوهو مابيابا
زيّو غلابا عارْفَ الناس

كان ودناس وكان ونّاس
وكل حكاية عندو ليها طقوس
لا بقرا ولا بِكْتِبْ
بس لاكين معدول راس
يحكي ليك عن الصين
تقول شافا
والجولان وعن يافا
وام الدنيا واريافا
وعن كوبا وعن تكساس
لا مكتوب ولا كرّاس
زول طيّاني ما اكتر
بس ممحون وسيد طُرْفة
الا عديل زي الخيط
وساسا ً مابِخَزْلْ الحيط
يلَقْلِقْ يقولّك دا افرنجي
ويرْطُن مرّة طلياني
ويحْكي هندي والماني
ونِحْنَ صغار نستغرب
كيف يارب قِدِر يعرف
واَصْلو الحلة مافاتا

نفسو كبيرة
لابنافق ولا بداهِن
لا بيحسد ولا بشاحن
ولا بتمني حق الناس
راسمالو كان عباس
وفوق عباس جاتو بتول
ربّاهن بدم قلبو
لا بدسْدِس ولا بيبخل
ولا من فقرو كان بِخْجل
ولا بِمْشي قاصد زول
يومَنْ في ويوم مافي
يعشيهن وينوم جيعان
يكسيهُن ويمِشْ حافي
قرّاهُنْ وكانوا نجاب
لا في شينة انْدقّوا
ولا في غياب
بي نفسو قرّاهن
كيف الزول يصون قدْرو
ويجلّ القبْلو والقَدْرو
وكيف رايك تقولو عديل
وكيف تعدل بنايا ً يميل
بي نفسو ورّاهُن
كيف الزول يشيل بلدو
جوّه عيونو زي ولدو
وكيف يدّي دون مايشيل
وكيف يتقاسموا النبقة
وكيف يتجاوزوا العقبة
وكيف الناس فِرِدْ رقبة
تقيف ماتلين ولا ترْكع
كانوا نجاض وكانوا نجاب
لامِنْ خاب ولامن عاب
ولا واحدا ً مشي اتْسكّع

( حكاية بتول )

بتول الفي الفريق فرْضة
كانت وَرْدة شالت دوب
وكانت مضرب الأمثال للعفة
للأخلاق ولي العِرْفة وكلّ جميل
قط ماوصفوها بي خِفّة
وِلي القشّة البشيلا السيل
لامن قال ولامن قيل
كانت في شموخ النيل
في يوم منحوس
بتول جات صادّة ميرودة
انجدعت فوق عنقريب هبّاب
فوقو ملاية مقدودة
جابوا الفَرْده غطّوها ماكفّت
تكورك يمة برْدانة ماادفّت
شالْتَ الليل علي اكتافا
ورغم انّو الحكيم شافا
الاالحمّي ما خفّت
قالوا ملاريا نوعا جديد
هروها ابَرْ هروها حبوب
بس نيرانا ما طفّتْ
أخير يمْشوبا للخرتوم
ود دفع الله مااتردّدْ
ولا فكّر يجيب من وين
ولا في شرْعو ابدا ً دين
داكْتَ الحزّة قصد السوق
باع عنْزو وبناتا اتنين
ودّي بنيتو للخرتوم
سريع وافوها بالمحلول
معاه دواء
وبدل الحال يمِشْ معدول
بتول صبحت كلاما كُتُر
وحالا ً بيها تبْ مابْسُر
بتول الحمّي من جاهلة بتجيها
شنو الجدّ !!؟؟
وكلّ الناس
شنو الكِسْبوه غير وِرْدة !!؟؟
لا مرْيوق لِقي الياكْلو
و لا ملهوف قدِر يهْدا
لا مكتول دِرَي الكاتْلو
ولا حيران عِرِفْ مبدا
دا مو معقول
ماشفنا حمّي كتلت زول
شنو الجدّ !!؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

تالت يوم بتول فاتت
وكان في الركب معاها كتار
وبائع الموت اخد حقّو
قبض فاتورتو بالدولار
تمن سما ً قرض آلآف
ودخل غابتو
لامن سمع ولامن شاف
ياما دقون تغطي جبال
وياما دقون تنيص اهوال
وياما دقون خاربة بيوت
وياما دقون رمَت ملقوط
وياما دقون أخير قوم لوط

ود دفع الله بِلع الوجعة في بطنو
و رضي بالجاتو في بنيتو
المحلول ما بكتل تمّ اليوم
وفات الغول نفد من تار
وحشا الأمّات مولّع نار

حكاية عجيبة تب ياناس
ود الزين في سجنو
تمّ الحول في سخلة
لقاها مطرّفة وساقا
كان يومين بطنو خلا
تب الحبّة ماضاقا
دا قانون وين ياامّة !!؟؟
ودالزين شان سرق سخلة
فوق الحول هداك محبوس
وزول شغّال دهِجْ في الناس
يلقي حسابو جاه وفلوس !!؟؟؟؟؟؟؟
زول يكتل يسووا وزير
وزول سافل يودّوا سفير
وزول نصّاب تشوفو مدير
وزول مقْضي يكون قاضي
وزول مفتوت يقوم يفْتي
بركة المتّي يمة زمان
وما شفتي الشفناه في الدنيا !!!
(حكاية عباس )


وداب الحول عليها بتول
كان عباس يعد مشغول
قبض يوميتو يادابو
لسه ترابو في ايديه مااتغسل
و لا اتغدّي
كان مبسوط ماشّي براه يتبسّم

حيلو انهدّ من المونة والملطم

رسوم الجامعة دوب تمّت
يوم يومين ويجي الملبوس
لسه الباقي اسبوعين
كمان مصروفو بتدبّر
مو شتّن بيقطع راس
وعندو هناك باقي حساب
في الحفّير ودك الساس
شاف اللمة في دربو
ناس واقفين وامّة تحوص
وشاف بهناك كم مجروس
قافلة السكة قدّامو
ماسك دربو مالفّ
لا راوغ ولا انزفّ
حافظ صم دروس والدو
درب العيبة مابقالدو
ولا النَيّة من ناسا
نفسو عديلة من ساسا

اقيف يازول دربك وين !!؟
واحدا ً أحَم وليه دقين
وواحدا ً نيْ مسيخ وعفين
عباس : دربي عديل علي الحلة
الأحم : شغال وين ؟
عباس: طالب بقرا في الجامعة
النّيْ : في الجامعة وكلّك طين
طالب مين يااخونا!!؟
قال عباس في حرقة :
ابوي طيّاني ود طيان
وبيت من طين مو فيلا
بس راضين بي حالنا
تب ما بنشكي من قلّة
شغل المونة قط مو عيب
عيب الزول يكون عالة
وعيب الزول يقيف علة
فتّش مالقي بطاقة..
قبيل ختّاها في الطاقة
ساعة ماشّي يتوضا

في الجنيات أكان فرْضة
غير محمودة مابرضي
اركب هناك يازول !!
من ميسو طفّر فوق
ولدا ماعرف عاقة
ضهر الشاحنة كان زي سوق
لقي الكمساري والعتّال
والشائل خدارو معاه هسع جايّ من السوق
واحدا ً يبكي داقنّو
وواحدا ً دمّو شار مفلوق
وواحدا ً قدرو في سنّو
وواحدا ً شال همومو جبال
وواحدا ً ماشفع جنّو
وواحدا ً لا نضم لا قال
عباس بالو كان مشغول
يتاوق كان يلقالو زول حلة
يوصيه لي اهلو
يقول ليهن وداعة الله
شايل هم ابوه هناك
يقوم يصدم وينشلّ
جرح بتول فيه مااتّاوي
لسه حولو ماهلّ
قدر ماتاق ماشاف زول
لامن شلّعو اللمة
وكانت اول مرة لعباس
يمِشْ لي حاجة دون همّة


ود دفع الله ماخلّ
مكان في الجابرة ماكاسو
وكان كاسو جهاد وقهر
لاعباس لقالو اتر
ولا من زول عدل راسو
لاهدّن ولا قيلل ولا لاقَي
ولا من وجعة ماضاقا
شهر بي حالو لافّي يكوس
لامن يوم جاهو وليد
كان فكّوه بي واسطة
قال لاقاهو في المجروس
وكانوا سوي في معسكر
ناسو الفيه مُن عسكر
ناس ربّاطة مااكتر
يسوقوا الناس للأحراش
يجاهدوا هناك
في بلدا ً تشوفو طشاش
ود دفع الله شاف الدنيا زي خاتم
وكل الكون قلب عاتم
كورك هاش
بطول حسّو :_
هاناس :
عباس ماتخلوه في جهادو
زول مسكين قدر حالو
عباس مولود و طوريتّو في ايدو
يجابد في لقمة العيش
بحال عباس عليم سيدو
وليد يا اخوانّا كان زي ديش
يجاهد جيهة في فقرو
وجيهة يجاهد البطّال
سلاحو همّتو وصبرو
كتابو في يمينو نصال
عباس ياناس لحافو الخيش
زولا ً عيشتو في ضراعو
بجيب مصروفو من زندو
زولا ً ساعة ماعندو
جهادو الفيه كان كافي
وهمّو الفيه كان وافي
مو محتاج جهاد ادغال
من مولود نصيبو كتال

وكان عباس والمتلو
دِرْوة زاحفة في الواجهة
مرق من موتة في الأولي
وسِلِم من ضربة في التانية
الا التالتة ماجلّت
فات عباس من الفانية
جات الطلقة زي صاقعة
وقبل الروح تفوت مارقة
مرق الصرّة من جيبو
زي ماهي ماانحلّت
كان دخريه للجامعة
شالا ادّاها للجنبو
وآخر كلمة قال يابا
شالا الريح مشي يدنْدن
وبقت انشودة في الغابة

ود دفع الله لاكورك ولااتبشّع
لا اتبشتن ولا اتكتّح
لا اتهاير ولا اترتع
كان مدفع
وشال برقا ً في القبل يلكع
ود دفع الله مات واقف
وعينيه في السماء تعائن
ضاب طوريتّو في باطو
لامديون ولا دائن
والجلاد هداك راكع
مكبّل ايدو دم عباس
وكاتم نفسو ظلم الناس
ود دفع الله زي الشمس
فضل ساطع
يقلق راحة الديجور
ويدفق في الغياهب نور
ود دفع الله مات واقف
وكل ماحولو كان هاتف:_

ود دفع الله حي مامات
ولا عباس شهّل فات
بتول بنشوفها في الغيمات
شمِس برّاقة مابتندس
وتارا ً باقي مابينداس
وكل الراحو ريحن جات
عاصفة قوية ياجلاد
لاصرصر ولا ريح عاد
عاصفة عنيدة ياجلاد

سيد محمود الحاج
09-08-2009, 12:14 PM
الدرويــــــش (1)
كان ذلك النداء العذب الرخيم في سكون ذلك الليل الدامس يسري كالسحر في بعض نفوس يملؤها الإيمان وينساب في خلجاتها فتشع ضياء مرددة شيئاً مما يرد على نبرات ذلك الصوت الملائكي الأخاذ :-
حكم المنية في البرية جــــــــار ما هذه ا لدنيا بدار قرار
يا خاطب الدنيا الدنيــة انـــــها دار الردى وقرارة الأكدار
دار متي ما اضحكت ابكت غدا بـعداً لها يا صاح مـن دار
كان الصوت رناناً وكان اللحن عذباً متناغماً ماطرق علي خلية في الوجدان حتي فتحت له جميع مداخلها … فيه نغمة حزن من نوع تشتهيه الأنفس ، فحينما يعانق احزانها يتمخض عن ذلك فيض من نور إيماني يغمر الجوانح كافة .. كان وكأنه يخص اناساً من أهل تلك المدينة المتواضعة دون سواهم ولا يأتي الا في الهزيع الأخير من الليل في الأيام التي يسود فيها الظلام وفي فترات متباعدة. وظل مصدر الصوت مثار إهتمام الناس ومحط تساؤلاتهم وذهبوا في تفسير ذلك مناح شتى وحيكت حوله روايات عديده ومتباينة .. فقد ذكر شيخ مختار انه عندما كان يتوضأ لصلاة الفجر سمع النداء وكأن الريح تسوقه وأنه حين فتح الباب لم ير الا هالة من نور مارأت عيناه مثله بهاء وفاحت رائحة المسك والبخور من حيث كانت تسير تلك الهالة النورانية والتي بدأ له وكأنها تسبح في فضاء وانه ساعتئذ احس برعشة تسري في اعضاء جسده كانت نتيجتها فيما بعد ان زالت كل الآم المفاصل التي كان يعاني منها طويلاً .. وقالت الحاجة صلحة وهي كفيفة البصر انها حين سمعت النداء عندما كانت تنام في فناء الدار ازالت الغطاء عن وجهها فأحست بان نوراً قوياً اجتاح ناظريها وبدأ لها وكأنها قد رأت الأشياء من حولها لثوانِ . أما فتاح الميكانيكي فقد زعم في روايته انه كان ثملاً كعادته وفي منتصف الطريق الى داره تعثر على كومة احجار فاخذه النوم حيث سقط ولم يشعر بعد ذلك الا بقوة تهزه بعنف فاذا به يقف على قدميه ووجهه يقطر ماء مزج بالصندل وهو في كامل وعيه وكان الصوت ساعتها يأتيه من على البعد : كفي ما فات يا عاصي .. لا تحسبن ا لموت عنك بقاصي .
قال فتاح انه منذ تلك اللحظة لم يدان الخمر وبات وكأنه لم يعرفها يوماً على الرغم من انه ظل يعاقرها لسنوات طوال . ومن الذين ادلوا بدلوهم أيضاً حول هذه الظاهرة المحيرة كان على توت صاحب البقالة فقد روي انه استيقظ من نومه بسبب الم مريع في احد اضراسه ولما لم يقو على مواصلة النوم لم يجد بداً من الخروج الى الشارع لعل ان يمر به من يجد لديه (سعوطاً) يسكن به ألم ضرسه وقال انه اثناء تجواله اشتم فجأة عبير طيب لم يعرف مثله من قبل وبدأت امامه سحابة من دخان ابيض لم تلبث ان انقشعت ليرى من ورائها خلف الله الدرويش في ثوب كأنه مطرز بخيوط من نور ومثلما اختفت السحابة اختفى هو الآخر فجأة ، ولما سئل عن ألم ضرسه وما إذا كان قد وجد ما يسكنه به قال انه منذ تلك الحادثة تلاشى الألم ولم يعاوده من بعد ذلك أبداً .
ولعل ما رواه صاحب البقالة قد وضع ذلك الدرويش الأخرس موضع قداسة بالنسبة لكثيرين وجعل آخرين يحجمون عن السخرية به فما ان يظهر في المدينة رافعاً رأيته الحمراء حيناً والخضراء حيناً آخر والبيضاء والسوداء في احيان اخرى حتى يتهافت اليه البعض لنيل بركته فكان ذلك يثير غبطته ويزكي شيئاً من الخيلاء في نفسه فتنتفخ اوداجه ويسير متبختراً ثم يصيح مردداً عبارته اليتيمة (والله حكاية) ويرغي بكلمات يقصد بها الدعاء لمريديه وهو يدعو لهم بان يمكنهم الله من زيارة مكة والمدينة وان يدخلهم الجنة والنار .. وبينما يروي شيخ مختار والذين آزروه رواياتهم حول ظاهرة (المنادي) تنفي شلة (علي محمود) الضابط المتقاعد حقيقة هذه الظاهرة فيقولون انه لم يحدث لأي منهم ان آوي الى فراشه قبل الثالثة صباحاً ومع ذلك لم يسمعوا شيئا سوى نباح الكلاب ولم يقابلهم ما يلفت النظر خلال مشوارهم الطويل من مزرعة العقيد على محمود الى منازلهم الواقعة في احياء متفرقة من المدينة وان كان المهندس احمد يوسف ، وهو من افراد المجموعة ، كان يقول في ذلك انهم اذا كانوا لم يسمعوا يوماً صياح الديوك وهم يقضون الليل في مزرعة دواجن ولم يروا البرق وهم على جانب النهر فاني لهم ان يسمعوا صوت ذلك المنادي واني لرائحة المسك بالنفاذ من خلال رائحة الشواء ؟؟..
أما الدرويش فقد كان يظهر بمثل ما يختفي ويختفي بمثل ما يظهر .. لا أحد يدري من اين يأتي والى أين يذهب ، يغيب عن المدينة لفترة تتجاوز العام أحياناً ثم يرى فجأة وهو يتجول في شوارعها كانه لم يغب عنها يوماً يضرب على طبله ويلوك عبارات مبهمة ثم يقهقه باعلى صوته دونما سبب مرددا عبارته التي لا ثاني لها (والله أكّاية) ومما زاد في اعتقاد الناس حول العلاقة فيما بينه وبين ذلك النداء ان الصوت لا يسمع الا في أيام تواجد الدرويش بالمدينة واذا ما غاب عنها احتجب الصوت وحول هذا كان يقول (الرشيد المبسوط) في سخريته المعهودة وهو على ظهر حماره لو أن مثل هذا النداء العذب الذي يتحدث الناس عنه ومثل هذا الكلام الذي يتردد مصدرهما ذلك الدرويش الأخرس فانه يتوقع ان يغدو نهيق حماره تغريدا .
وما كاد الناس ينشغلون عن ظاهرة النداء المجهول وعن أمر ذلك الدرويش لولا ان ذاع خبر مصرع الشاب (عاصم علام) فقد وجد مقتولاً في الوقت الذي كانت تجري فيه الإستعدادات لإقامة حفل خطوبته .. وكان القتيل قد عاد من بلاد الغربة قبل شهر تقريباً وقبل يوم واحد فقط من الموعد المحدد لإجراء مراسم الخطوبة وجدت جثته في احد الأزقة والدماء قد تجمدت على مؤخرة رأسه . لم يتم العثور على أي بصمات أو اثر يمكن ان يستدل بهما على الفاعل ووفقاً للتقرير الطبي فان الجريمة ارتكبت قبل ساعتين من إكتشاف الجثة أي حوالي الثالثة صباحاً فقد اعتاد المجني عليه ان يسهر مع شلة من الأصدقاء وبإستجوابهم اقروا جميعاً بان عاصم كان معهم ولم ينصرف الا عند الساعة الثانية صباحاً تقريباً أي قبل ساعة من إنصراف الآخرين وكان الذي اكتشف أمر الجثة هو شيخ مختار ورفيقه حاج موسي عندما كانا في طريقهما الى المسجد لأداء صلاة الفجر . وجدت محفظة القتيل في جيبه بكامل ما فيها وكانت ساعة يده الغالية الثمن ما زالت في معصمه . تم ايقاف اربعة اشخاص على ذمة التحقيق وافرج أخيراً عن ثلاثة منهم بينما تم التحفظ على رابعهم المدعو (عامرعيسي) وهو سائق باحد المصالح الحكومية لادلاء بعض الشهود باقوال تفيد بان مشاجرة جرت بينه وبين المجنى عليه قبل أيام اثناء تواجدهما في حفلة عرس وأن عامر ردد في وجه القتيل عبارات اعتبرت تهديداً وبرغم ان آخرين ذكروا ان عامر كان كعادته من ضمن المصلين في المسجد وقت صلاة الفجر وانه كان عادياً جداً الا انه ظل رهين الحبس .
كان السكون يطوق المدينة في تلك الليلة الباردة المظلمة ولا شيء يسمع سوى عويل الرياح على النوافذ او تكتكة الساعة الحائطية المعلقة في مكتب الملازم اول (بكري) .. كان وهو منهمكاً في قراءة الأوراق المتكدسة على الطاولة يبدو وكأنه في سباق مع الزمن ما يكاد يقرأ ورقة أو يكتب على اخرى حتى يطالع ساعة يده حيناً وحيناً يطالع الساعة الحائطية العتيقة ,, أعاد قراءة التحقيقات التي جرت مع المشتبه فيهم واقوال الشهود وبصفة خاصة اقوال السائق عامر عيسى .. لم يكن دافع القتل قوياً لديه ولا شيء يؤخذ عليه سوى تلك الكلمات التي اعتبرت وعيداً والتي يمكن لاي شخص ان يدلي بمثلها عندما يكون في حالة غضب كما ان اسباب المشاجرة كانت تافهة لا ترقى الى حد القتل فكل ما في الأمر ان المجني عليه كان مخموراً في تلك الحفلة وحينما القي بعقب سجارته لم ينتبه الى انها استقرت على ملابس المتهم الذي كان جالساً خلفه ولعل الامر كان يمكن الا يتطور الى الحد الذي وصل اليه لولا ضحكات البعض وسخريتهم مما اثار غضبه وأدى الى حدة في الكلام كادت ان تصل الى حد استخدام الأيدي لولا تدخل الآخرين وكان كل الذي قاله لا يزيد عن توعده للمجنى عليه بانه سوف يقابله على انفراد وسيريه ما يفعله به .. وحتى ان المتهم ذكر في أقواله ان المجنى عليه قد جاءه معتذراً في اليوم التالي وتصافيا الا ان احداً لم يشهد على ذلك .
وفوق ذلك فقد شهد الكثيرون على استقامة سلوك المتهم منذ ان عرفوه كساكن في الحي . اما الذين تم توقيفهم في أول الأمر فقد كانوا من افراد شلة القتيل وقد ذكروا جميعاً اقوالا متطابقة وتم التأكد من صحتها . والذي لاجدال فيه ان دافع الجريمة لم يكن بقصد النهب او السطو على مال القتيل اذ وجدت جميع اشياءه كما هي ، وتم استتجواب افراد اسرة عاصم علام لمعرفة ماذا كان له اعداء او ان هنالك أي نزاع فيما بينه وبين أي من الناس في أي من الامور فاجمعوا على ان المجنى عليه كان طيباً ولا اعداء له ولانزاع بينه وبين أي أطراف اخرى وتطرق البحث الى موضوع الخطوبة على افتراض انه ربما كانت هنالك اطراف غير راضية وان عداء لم يكن موجوداً خلقته هذه المناسبة كأن يكون هنالك من تقدم لخطبة الفتاة قبل ان يتقدم اليها المجني عليه غير ان التحري عاد بوفاض خال فلم يكن هنالك شيء مما يرغب الملازم بكري في ان يكون موجوداً حتى يستطيع بموجبه الإمساك برأس شعرة تقوده الى فهم لغز هذه الجريمة المحيرة .

سيد محمود الحاج
09-08-2009, 12:19 PM
الدرويــــــش (2)
استنفذ الملازم بكري طاقتة وطاقة فريقه من رجال المباحث وكان كلما ظنوا انهم على وشك الوصول الى الطريق الصحيح الذي يقودهم الى حيث المجرم ، وجدوا انفسهم يسيرون خلف سراب .. اتبع وسائل مختلفة مع المتهم الوحيد في القضية لحثه على الإعتراف الا ان ذلك لم يجد فقد كانت اقواله ثابته في كل مرة لم يغير فيها ولم يضف اليها شيئا جديداً .. وليت الأمر توقف عند هذا الحد ، فقد بلغ السوء مداه بحدوث جريمة ثانية قبل ان يمضي الشهر الثالث على الحادثة الأولي وكان ضحيتها هذه المره موظف كبير يعمل في مصرف معروف.. في اوائل الاربعينيات من العمر ، وهو من شلة العقيد علي محمود .. غير متزوج ويسكن وحيداً في المنزل الكبير الذي يملكه .. وجد مخنوقاً بحبل متين وهو على سريره بملابس النوم وكان كل ما شهد به بعض الجيران انهم سمعوا صوت محرك سيارة المجني عليه عندما كان عائداً الى منزله في وقت متأخر من الليل .. اثبت الكشف الطبي ان الجريمة وقعت بينما كن الضحية يغط في النوم وانه كان ثملا بعض الشيء .. وكما في الجريمة الاولي لم يترك الجاني من خلفه أي اثر يقود اليه ولم توجد بصمات على أي من الاشياء في مسرح الجريمة .وأجمع كل من عرف (احمد جيلاني)بانه كان هادئ الطبع يميل الى الإنطواء فيما عدا علاقاته مع افراد شلته ونادراً ما يرون من يدخل الى منزله فهو يعود عند الثالثة عصراً ولا يخرج الا عند السابعة مساء ليعود في وقت متأخر .كانت الجريمة قد اكتشفت عند الساعة الثامنة صباحاً تقريبا عندما تبين لاحدى نساء الحي ان ماعزاتها ترتع داخل سور المجني عليه اذا كانت بوابة المدخل مفتوحة على غير العادة والسيارة في موقفها المعتاد تحت مظلة المدخل فطلبت من احد الصبية الدخول لإخراج الماعزات فظلت احداها تراوغه حتى مكنته من الدنوء من غرفة نوم صاحب المنزل حيث رأي ما رأي فعاد مذعوراً ينبيء المرأة فمضت للتأكد من زعم الصبي خاصة وانها قد لاحظت ان الوقت قد تأخر وان سيارة الرجل ما زالت في مكانها وان باب الدار كان مفتوحاً وكل هذه امور لم تعهد في السيد( احمد جيلاني) الذي عرف بالحرص والدقة في المواعيد ولما تيقنت من الأمر اسرعت في الخروج تذيع النبأ في الحي فهرع اليها رجلان كانا في طريقهما الىمحطة الحافلات ليقفا على الحقيقة المرعبة .. الرجل على سريره والحبل يطوق عنقه حتى جحظت عيناه وليس من اثر للحياة في جسده .
قامت سلطات الأمن باستجواب العديد من أهل الحي كما تم استجواب افراد شلته ونفوا جميعاً ان يكون للسيد احمد جيلاني أي من الأعداء فهو شخص هادئ مرح الطبع وان كان الكثيرون يعتقدون بانه شخص انطوائي.. فهو في الواقع ليس كذلك الا انه من النوع الذي ينتقي نوعاً معيناً من الأصدقاء ويكتفي بمن يختار دون ان يزيد .وذكر افراد المجموعة وعلى رأسهم العقيد معاش علىمحمود ان المجني عليه كان معهم حتى انفضاض سامرهم عند الواحدة صباحاً وانه استغل سيارته عائداً الى مسكنه لوحده .
وبالنسبة لمسرح الجريمة فلم يكن هنالك ما يشير الى ان الجريمة ارتكبت لاجل السرقة او السطو على اشياء القتيل فجميع محتويات المنزل كانت كما هي ولم تلاحظ أي بعثرة او فوضى يستدل منها على ان القاتل كان يبحث عن مال أو أي اشياء ثمينة اخرى ، لذا فانه حينما وصل الى علم فريق التحري ان هنالك نزاع حول ارث بين المجني عليه وبين بعض اقاربه في بلدته لم يتوانوا في تقصي الحقيقة هنالك على امل الإمساك برأس الخيط غير انهم وجدوا ان الأمر لا يتعدي نطاق خلافات بسيطة حول قطعة ارض زراعية عائد للجد الاكبر لعائلة (جيلاني) وثبت بما لا يدع مجالا للشك انه ليس من بين اطراف النزاع من غادر القرية ليلة وقوع الحادثة او حتى قبل ذلك أو بعده .
بات الملازم اول (بكري ) في وضع لا يحسد عليه ففي غمرة حيرته وانهماكه في محاولة حل طلاسم جريمة مقتل الشاب عاصم علام تحل عليه مصيبة اخرى لا تقل غموضاً عن الأولي بل وتلاشي على اثرها امله الوحيد في القضيه الأولى اذ كان يأمل ان يعترف المتهم عامر عيسي الذي مازال رهين الحبس ويقر بما نسب اليه ، فها هي جريمة اخرى تشير بوادرها الى انه قد يكون الفاعل واحد في كليهما .. كان العبء الذي القى على عاتقه وعلى عاتق رجاله ثقيلا بحق ، فقد ظلوا مرابضين في مواقع عملهم لا يعرفون للنوم ولا للراحة طعماً .. انتشروا في كل مكان للحصول على شئ يعول عليه يستطيعون من خلاله الحد من استيضاحات وملاحقات ادارته التي يتولى امرها العقيد (قاسم ) ذلك الرجل الصارم الذي يتابع كل شيء بدقة متناهية ولا يكف عن طلب اعداد تقارير مفصلة اول بأول ويسأل عن كل خطوة تم القيام بها علاوة على انه لا ينتهي عن التعنيف والتأنيب حتى حول ابسط الأمور .. كان وهو يقوم باعداد تقرير عن اخر ما استجد في امر الحادثة الأولي قد اجهز على علبة سجائر برمتها دون ان ينجز اهم ما يجب ان يتضمنه تقريره ذلك فيضع رأسه بين كفيه بين حين واخر وحين يحس بثقل رأسه يزداد يميل به على الطاولة فيبدو لمن يراه وكأنه في سجود طويل ولم يتحول عن ذلك الوضع الا حينما رن جرس الهاتف يمزق ذلك السكون الرهيب . ابلغه احد رجال التحري السريين بمعلومة جديده حول الحادثة الأخيرة وضح انها فرجّت كثيرا من همومه ومنحته طاقة جديده مكنته من انهاء التقرير الذي كان تحت يده ..فقد وافاه المخبر بمعلومة علق عليها الكثير من الأمال فقد كانت ذات قيمة ، اذ توصل المخبر الى ان (حسن منصور) وهو احد افراد مجموعة العقيد (على محمود) كان متغيباً عن الشلة منذ ان خسر على طاولة (البوكر) مبلغاً كبيراً من المال قبل اقل من اسبوع من وقوع الجريمة وكان الرابح الوحيد في تلك الليلة هو احمد جيلاني الذي رفض ان يقرض زميله الخاسر ما يمكنه من مواصلة اللعب عله يسترد شيئاً مما خسره فما كان من الأخير الا ان ركل الطاولة بقدمه حتى انقلبت على جانبها الاخر ثم خرج يرغي ويزبد ولم يعاود اللعب منذ ذلك الحين بل ولم يره احد من افراد الشلة .
ليلة حصوله على تلك المعلومة الهامة استطاع الملازم بكري ان يقضي ليلة هانئة وان ينام ملء جفنيه فقد اعد تقريراً فورياً لا يشك في انه سوف يقابل بالرضاء من قبل رئيسه واعطي رجاله الاوامر في الحال للبحث عن (حسن منصور) والحضور به الى مركز الشرطة للتحقيق فهو الان قبله اصابع الاتهام فدافع القتل متوفر لديه كما ان اختفاءه المفاجئ امر يثير الريبة ويطرح تساؤلات عدة . ومضى رجال البحث في اثر حسن منصور الذي يعمل في احد المختبرات الطبية ويسكن مع شلة من اصدقائه فتبين ان المذكور متغيب عن العمل وعن السكن ايضا ولا يعلم رفاق سكنه عنه شيئا لكنهم ذكروا انه كثيرا ما يتغيب عن السكن لأيام دون اشعارهم ثم يعود بعد ذلك لذا فهم لا يشعرون بغرابة في الأمر أما تغيبه عن عمله فهو الذي لم يكن امراً عادياً لا سيما وانه لم يتقدم بعذر رسمي ولم يشعر ادارته فهو برغم ميوله الى اللهو الا انه مواظب على عمله ومن النادر ان يتغيب او حتى يتأخر عن مواعيد العمل ..ولعل هذه الحقيقة قد زادت من عزم المخبرين للمضي في اثره ورجحت من كفة الشكوك ولكن كم كانت خيبة امل الملازم اول بكري كبيرة حين جاءت نتيجة البحث الذي استغرق ثلاثة ايام متواصلة بان حسن منصور موقوف على ذمة التحقيق في قضية اصدار شيك بدون رصيد ولا يزال في الحبس منذ ان كان احمد جيلاني على قيد الحياة .
اشهر مضت والملازم بكري ورجاله يواصلون البحث عن المجرم ولم يتركوا بابا لم يطرقوه دون ان يمسكوا بما يعول عليه وكان ان حدد العقيد قاسم مهلة اسبوع واحد فأن لم يصلوا خلاله الىما يدفع باي من القضيتين الى الأمام فانه سوف يعهد بالأمر الى ضابط اخر وهذا ما كان يثير قلق الملازم بكري الذي كان ينتظر الترقية الى رتبة اعلى لإدراكه بأنه اذا ما فشل في هذه المهمة فان مسألة الترقية سوف تصبح امراً معلقاً وحلما لا يتحقق ولا سبيل الى نيلها سوى كشف اللبس عن أي من الجريمتين اللتان تبدوان وكأن من فعلهما هو الشيطان بعينه . مر ذلك الأسبوع وكأنه سويعات وكان جملة ما احرقه الضابط بكري من السجاير خلال ذلك يعادل راتبه لشهر وكان قد ارسل رجاله في كل فج لعل ان يأتيه احدهم بالخبر اليقين غير انهم وبرغم الجهود الجبارة التي بذلوها لم يأتوا بشيء جديد ولم يحصلوا على اثر للفاعل في أي من الجريمتين وفي الساعة المحددة لنهاية المهلة تلقي الضابط بكري المحادثة التي كان يتمنى الا يتلقاها وجاءه صوت العقيد قاسم قويا يسال عما تم التوصل اليه فاجابه بصوت مرهق محزون الا جديد في الأمر .
قال النقيب سعد الدين بينما كان يستلم محتويات ملفي القضيتين من زميله الملازم بكري في محاولة للتخفيف عنه ان المجهودات التي بذلها ورجاله مقدره حقا وانهم قدموا كل ما في وسعهم وان الجريمتين يسودهما الغموض بالفعل وانه لن يستطع من جانبه ان يفعل اكثر مما فعلوه لكنه سوف يحاول ان يصل الى شيء ما امكنه ذلك . والنقيب سعد الدين شاب متدين هادئ الطبع نشط وحاد الذهن وحاضر البديهة يرى الامور من حيث لا يراها الآخرون وهو دفعة الملازم اول بكري الا انه حصل على ترقية استثنائية عند تمكنه في مدة وجيزة جداً من الكشف عن جريمة قتل غامضة ظلت متداولة لاكثر من عام قبل ان تحال اليه وفي اقل من شهر كان قد وصل الى المجرم الذي اعترف بما نسب اليه وتم تقديمه الى العداله ليلقي جزاءه .

سيد محمود الحاج
09-08-2009, 12:29 PM
الدرويــــــش (3)
عاد ذلك النداء بعد طول غياب يبعث الطمأنينة في النفوس ويطرد شبح الخوف الذي سيطر على المدينة عقب وقوع تلك الحادثتين .. كان الصوت اعذب وأبلغ أثرا .. يتغلغل في النفوس فيذهب اكدارها ويمسح احزانها .. كان متجانساً مع ذلك السكون بحيث لا تلتقطه الا قلة من مسامع الناس
الموت يطلبنـــا حثيثا مسرعــــــا ان لــم يزرنا بكرة مسانا
انا لنوعظ بكــرة وعشيـــــــــــــــة وكأنــما يعني بذاك سوانا
غلب اليقين على التشكك في الردى حتى كأني قد اراه عيانا
وكان من بين الذين سمعوا الصوت هذه المرة (الرشيد المبسوط ) الذي لم يضف ملاحظة اخرى غير سماعه الصوت اما ذلك الضياء الباهر الذي تحدث البعض عنه وذلك العبير الفواح فلم يذكر من امرهما شيئا .. كل ماقاله ان الصوت عذب حقاً وانه يبعث الإيمان في النفس وقال وهو يكيل السخرية اقداحا ضاحكاً في وجوه اولئك النفر الذين يعظمون من شأن الدرويش انه منذ ان سمع ذلك النداء طفق يعلف حماره قصب سكر بد لا من القصب الجاف الذي يؤذي الحلق وانه تعاقد مع الحلواني (عمر الدغلوب) لتوريد صينيه (باسطة) صباح كل يوم لتحل محل (عليقة) الذرة التي اعتاد ان يقدمها لحماره لا ليصقل فقط صوته ولكن ليجعله نجما من نجوم الغناء واخبر فيما اخبر ان مزاجه للسيجارة قد بات اشد من ذي قبل.
ولدهشة الناس فقد شاهدوا الدرويش يجوب شوارع المدينة في الأيام القليلة التي اعقبت سماعهم النداء وهو في هيئته المعهودة يضرب على الطبل ويرفع راية ذات لون ارجواني مردداً عبارته (والله اكاية) ويدعو للذين يطلبون منه ان يدعو لهم : ( اشا له آمكة آمدينة .. آجنة آنار ) وزعمت (حاجة صلحة) العمياء انها قد سمعت النداء للمرة الثانية وانها اشتمت ذلك العبير الطيب لكنها لم تذكر شيئا عن ذلك الضياء النفاذ الذي مكنها في المرة السابقة من رؤية الاشياء من حولها الا انها جاءت بزعم اخر لم يسبق ان زعمه غيرها فقالت انه ما كاد ذلك الصوت الملائكي يكف عن ترديد ما كان يردده حتى سمعت طائراً يصيح من علي الشجرة التي تتوسط فناء دارها مرددا في كلمات واضحة :((اخير قبل … اخير قبل )) أي ان ما ضى افضل بكثير من ما هو آت .. وقد يختلف ماروته (نعيمة الداية ) حول ظاهرة النداء عن جميع ما سبقه من روايات ومزاعم ، وهي امرأة لا يرقي الشك الى دلوها ولو انها كانت لوحدها عند سماعها ذلك النداء لما تحدثت عن ذلك ابداً الا انها كانت تسير في رفقة امرأة اخرى عند الثانية صباحاً تقريباً في طريقها للاشراف على ولادة سيدة في حي قريب من محل سكنها ، فقد ذكرت انها سمعت النداء يأتي من على مبعده من حيث كانت تسير ورفيقتها وانه في مدة وجيزة اصبح قريبا جدا منهما ‏ ثم لم يلبث ان ابتعد بذات السرعة كأن صاحب الصوت ينطلق بدراجة او شيء من هذا القبيل . وبينما افادت الأخرى بان عبيراً طيباً غشى انفها نفت (نعيمة الداية ) ان تكون قد اشتمت شيئا من ذلك العبير وعزت ذلك الى انها كان مصابة بالزكام .
لم يكف النقيب سعد الدين منذ ان عهد اليه الأمر عن العمل المتواصل ، فقد اعاد قراءة كل الاوراق الخاصة بالحادثتين وراجع اقوال من تم توقيفهم على ذمة التحقيق واقوال الشهود والتقارير الواردة من قبل المخبرين وعقب ذلك وضع ملف القضية الثانية جانباً ليجري تحقيقا جديداً مع السائق عامر عيسى الموقوف على ذمة الجريمة الأولى ولم يتردد بعد ذلك من اطلاق سراحه بكفالة حضورية وكتب في اول تقرير بعث به الى رئيسه ان المجرم مازال طليقا وقد يرتكب جريمة اخرى ما لم يتم القبض عليه في اقرب وقت ممكن وعلى ذلك فقد طلب ان يمنح صلاحيات اوسع دون ان يضطر للرجوع الى الادارة في كل مرة كما طلب امداده بثلاثة من رجال البحث الجنائي حدد اسماءهم في التقرير الذي بعث به .
كانت المهمة التي اسندت الى الرقيب (خضر) هو البقاء على مقربة من المتسكعين وغيرهم ممن يمكنهم الانزلاق الى ساحة الاجرام بسهولة وهذا الرقيب هو احد الرجال الثلاثة الذين وصلوا الي المدنية اثر التوصية التي رفع بها النقيب سعد الدين بينما اسندت الى كل من الرقيب (عطا) وزميله الرقيب (حماد) مهمة الاستماع الى مايتردد على السن اهل المدينة وتعليقاتهم حول الجريمتين . ومنذ ان وصل ثلاثتهم لم يتوانوا في تنفيذ الواجبات الموكلة اليهم دون ان يستجد شئ في الامر . وكان الشيطان بالمرصاد فلم يمض اسبوع على قدومهم حتى اطلت الشمس على جريمة اخرى كان ضحيتها (ابراهيم النجار) وهو رجل بسيط في اواسط العمر لا يملك من حطام الدنيا الا المرح وخفة الظل ولا غرو فهو من افراد شلة الرشيد المبسوط التي قوامها (المعلم عبدو) والباشمهندس (عوض طحنية) و(عبد اللطيف الحلاق) و(حسن تيكة) والذين ما ان تغرب الشمس حتى يعمر مجلسهم ويفوح عبير الند من حيث يجتمعون وتتوالي ضحكاتهم التي لا تنقطع الا عند العاشرة .اما في ذلك المساء فقد استأذنهم (ابراهيم النجار) لاجل ان يحضر فيلما يعر ض في احدى دور السينما .. وكان قد فارق الحياة اثر ضربة تلقاها على مؤخرة راسه حسبما جاء في تقرير الطبيب ، وكما هو الحال في الجريمتين السابقتين لم يترك المعتدي اثراً يدل عليه ولم يعثر على بصمات او مخلفات اخري يمكن ان تقود اليه.. وكانت الجريمة قد تمت اثناء مرور القتيل عبر حديقة صغيرة واقعة على مقربة من مسجد الحي الذي لا يفصل بينه وبين منزل المجني عليه سوى خطوات معدودة .
قال الرشيد وهو يكفكف ادمعه اثناء استجوابه من قبل الشرطة ان المرحوم كان على قدر حاله لم يعاد احداً في حياته ولا يعرف اكثر من ان يضحك ويضيف قائلا ، انه يستطيع ان يجزم بان المجنى عليه كان ضاحكا حتى لحظة ان هجم عليه المجرم ليقتله وربما انه يضحك الآن حتى وهو في قبره ...ولعل كل من عرف ابراهيم النجار لم يزد على ما قاله الرشيد فهو فعلا رجل طيب القلب بسيط الحال لم يعاد احداً من قبل ولم يكتسب عداء احد من العالمين وقل ان يرى في غير رفقة شلته اللهم الا اذا تحدث الناس عن فيلم كوميدي في أي من دور السينما فانه عندئذ لا يتردد في الذهاب لمشاهدته .. يعيش في بيت غاية في التواضع تشاركه فيه زوجه واطفالهما الثلاث .
لم يلحظ أي من العامة غداة الجريمة الاخير ذلك التحول الطارئ في سلوك خلف الله الدرويش ، فقد كان على غير عادته صامتاً يسيطر علي وجهه رعب بالغ فكان يبدو مثل فأر اتاه من على البعد مواء قط ، فيظل يلتفت يمنة ويسرة في حركة سريعة وقد كف عن تلك القهقهة وتظل شفتاه تتحركان كانهما تحاولان التعبير عن شيء ثم تتراجعان فجأة ومضى في ذلك الى ان عاد صوته اخيراً فطفق يجري مردداً :( الدم .. ابويا .. الدم .. اموت .. ابويا) ولكن لم يلق احد بالاً لما يقول فقد كان من الصعب فهم مفرداته .
ولعل الجريمة التي حدثت مؤخراً كانت ذات فائدة كبيرة لسير التحري فقد بات المحققون على قناعة تامة بان المجرم هو نفسه من نفذ الجريمتين السابقتين فالاسلوب واحد في كل الأحوال وان المجرم يفاجيء ضحاياه فيأخذهم على حين غرة . واستطاع النقيب سعد ان يرسم في خياله صورة لهذا المجرم الخطير الذي من الواضح انه يمتلك قوة غير عادية وانه شخص يتمتع بذكاء حاد ينفذ جريتمه بدهاء وحذق يدلان على تمرسه في الاجرام .او ربما كان شخصا يعاني من اضطرابات عقلية وهذا اقرب الإحتمالات فالذي يلاحظ ان دافع القتل لديه لم يكن بغية الاستيلاء على اشياء ضحاياه بل يقتل من اجل القتل .
وبناء على هذه التصورات الجديدة اجرى النقيب سعد الدين بعض التعديلات على خطته في البحث والتقصي واستعان ببعض اطباء الأمراض النفسية والاختصاصيين للحصول على صورة متكاملة لشخصية هذا المجرم .

سيد محمود الحاج
09-08-2009, 12:33 PM
الدرويــــــش (4)
لم يعرف النقيب سعد الدين طعماً للراحة منذ ان جاء فكان في عمل وبحث متواصل لا ينقطع ليلا كان ام نهارا وازداد الطين بلة بحدوث الجريمة الثالثة ، فكان في حاجة الى ان يبدل هذا الجو الخانق حتى يستطيع ان يستعيد صفاء ذهنه ومن ثم ترتيب افكاره والمضي بها في الوجهة الصحيحة التي تمكنه من الأمساك بضالته وعليه فانه لم يتردد في الاتصال بالعقيد قاسم ليبين عن رغبته في اخذ قسط من الراحة لمدة يومين لا اكثر يقضيهما بين افراد اسرته .
وهنالك كان في غرفة والده يرتل القرآن في خشوع وتمعن عقب تأديته صلاة الفجر وقد كان ذلك ديدنه فجر كل جمعة .. يقرأ اجزاء من القرآن ثم اذا ما فرغ جلس يدعو طويلا مترحما على روح والده وما ان اتم دعاءه حتى قام من مجلسه ووجهه صوب الخزانة التي تحوي كتب والده لاعادة ترتيبها وأزاله ما تراكم عليها من غبار فهو لا يذكر منذ متى قام بذلك برغم انه كان مواظباً على هذا الفعل منذ رحيل ابيه ومنذا ن آلت تلك الكتب الى عهدته .. وقبل ان يكمل ذلك العمل تماما لفت نظره عنوان صغير على الصفحة الأولى لصحيفة قديمة :((عندما تقتص عدالة السماء .. المجرم الهارب يلقي حتفه حرقاً .. تفاصيل اوفي بالداخل )) .. حين انتقل الى الصفحة المعنية كانت صورة المجرم غير تلك التي ارتسمت في ذهنه لحظة ان طالع العنوان فقد بدأ شاباً وسيماً لا يحمل من سيماء المجرمين شيئاً . ويقول الخبر انه أي المجرم كان قد تمكن من الفرار من السجن الذي يقضى فيه حكماً بالاشغال الشاقة المؤبدة بسبب قيامه بقتل اثنين من اصدقائه في جريمتين منفصلتين ما كان ليكتشف غموضهما لو لا ان الضحية في الجريمة الثانية لم يمت في الحال بل بقي فيه رمق مكنه من الافصاح عن اسم القاتل . وتضيف التفاصيل ان المجرم الشاب كان يعمل فني كهرباء في احد المصانع وقد كان شخصا محبوبا بين افراد شلته العريضة التي يضيع ليلها فيما بين الحانات والحدائق وليالي الأفراح وغيرها من اماكن اللهو غير انه تحول فجأة من ذلك المجون وانتهج سلوكا اقرب الى الهوس منه الى التدين واستحالت خفة روحه هدوءاًً لا ينسجم مع طبيعته المرحة ويختتم النبأ ان المجرم لقى حتفه في الحادثة الأخيرة التي كان ضحيتها اكثر من خمسين قتيلا وجريحاً عندما اصطدم احد البصات السفرية بشاحنة ثقيله فادى ذلك الى انقلاب البص واشتعال النيران فيه . عقب تصفحه التفاصيل الواردة بالصفحات الداخلية ظل النقيب سعد الدين يطالع وجه ذلك المجرم طويلا لعله يرى عليه امارة واحدة من تلك التي تحملها وجوه المجرمين وبرغم انه لم يفلح في ذلك الا انه وجد ان هنالك تشابه في الاسلوب وفي الطريقة التي يمارسها هذا المجرم ونظيره الحالي الذي هو بصدده فقد قتل ضحيته مباغته بضرب كل منهما بآله حادة على مؤخرة الرأس .
بكي مريدوا الدرويش كثيراً وحزنوا حينما اسلم الروح الى بارئها في ضحي اليوم التالي لمغادرة النقيب سعد الدين المدينة فقد شاهده البعض ملازما لمرقده طيلة اليوم دون ان يبرحه لحظة ولما لم يعهد فيه ذلك فقد دنوا منه قليلاً ليجدوه وهو يتلوي من الألم ويداه تمسكان بقوة ببطنه وقبل ان يتمكنوا من فعل شيء كانت روحه قد فاضت فاخذوا الجثمان الى المسجد الكبير ليغسل ويصلي عليه وهنالك تكفل الشيخ عبدالباسط امام المسجد بغسل المتوفي وتكفينه وقرأ عليه من الذكر الحكيم ما تيسر دون ان يقوي علي مسك ادمعه فهذا الدرويش كان بمثابة ابن له لا يقصد دارا الا داره في المرات التي يأتي فيها الي هذه المدينة ويقدم له الشيخ الطعام والشراب ويجود عليه بما زاد عن حاجته من ملابس ويتولاه بعطفه دوما.
وظل قبر الدرويش لأيام طويلة اعقبت وفاته مزاراً يستقطب العديدين وكادوا لا ينفكون عن ذلك لولا ان جاء احد سائقي الشاحنات بنبأ اثار رعب اهل المدينة فنسوا كل ما كانوا فيه .واقسم السائق الذي لم يكن يعلم بوفاة خلف الله الدرويش الا بعد ان حضر ، بأنه قد رآه صباح امس اثناء توقفه في احد المقاهي الواقعة على الطريق ، وانه في نفس هيئته المألوفة يردد عبارته المعروفه (والله حكاية ) جاعلا عصاته حصاناً وبرغم ان مساعد السائق قد ايد هذا القول الا ان البعض لم ياخذ هذا الكلام مأخذ الجد وقد شذ عنهم هذه المره الرشيد المبسوط الذي كان على غير عادته صامتا لم يعلق على الامر بخير او بشرّ وهو الذي كان من قبل لا يكف عن السخرية في مثل هذه الأمور وبخاصة في كل ما يقال حول هذا الدرويش ، وعندما سأله احدهم عن رأيه في الأمر اخذ نفسا عميقاً من سجارته قبل ان يرمي بعقبها وقال وهو يهم بالمغادرة ان من الأفضل له ولكل عاقل البحث عن بلدة اخرى غير هذه البلدة التي عما قريب سيصبح دراكولا عمدتها وزاد الأمر سوءا حين ذكر البعض انهم وجدوا قبر الدرويش وكأنه قد تعرض للنبش بل وتأكد للبعض ذلك.

بات النقيب سعد الدين اكثر هدوءا واكثر اطمئنانا من ذي قبل بالنسبة لسير الامور تجاه الكشف عن تلك الجرائم وان كان قد اصبح كثير التغيب عن المدينة في الأونة الاخيرة فهاهو في المسجد الكبير في وقت مبكر قبل صلاة الجمعة يقرأ ما تيسر من القرآن حيناً وحينا يصغي الى الشيخ عبد الباسط وهو يرتل القرآن بصوت خافت لكنه مع ذلك كان مؤثراً ولا يملك الانسان امامه الا ان ينصت مستمعا . وفي اللحظة التي تأهب فيها الشيخ عبد الباسط لصعود المنبر واستهلال الخطبة دنى منه النقيب سعد الدين يرجوه ان يدعو له ورجاله بالتوفيق في مهمتهم وان يمكنهم الله من هذا المجرم الذي اراق دماء الابرياء ، فارتجل الشيخ خطبة تحدث فيها عن خطيئة القتل ويأس القاتل من رحمة الله ورفع يديه قبالة السماء وقد تهدج صوته بالبكاء يدعو الله ان يقتص من هذا المجرم القاتل وان يجعله عبرة لمن لا يعتبر : (( اللهم عليك به فان كان قوياً فأنت الأقوى وان كان ماكراً فانت خير الماكرين . اللهم خذه اليك اخذ عزيز مقتدر )) .. وفجأة تختلط الكلمات على لسان الشيخ فتخرج متثاقلة وغير واضحة ثم يمزق ذلك السكون دوي رصاص ويرى المصلون الشيخ وقد هوى على المنبر والدماء تغطي وجهه الوقور وتسيل فتخضب لحيته البيضاء وساد الهرج ودون ان يتمكن احد من المصلين من مغادرة المسجد وقف النقيب سعد يعاونه البعض على بوابة الخروج يصدون الناس ويطلبون منهم ان يلزموا أماكنهم وان يجلسوا في هدوء ولما انصاع الجميع للأوامر لم يبق الا خلف الله الدرويش الذي كان واقفاً في اخر الصف ويده على زناد مسدسه في محاولة لاطلاق المزيد من الطلقات ولما كانت قد نفذت فقد مضى يواصل ذلك باستخدام فمه ..: ((اتو . تو .. تاخ .. تل )) . ولعل الرعب الذي اثاره ظهور الدرويش وعودته الى للحياة ثانية اكبر من ذلك الذي اثاره قتل الشيخ عبد الباسط على المنبر ، وكاد الفزع ان يذهب بالناس مذاهب شتى لو لا ان وقف من بين المصلين رجل ينبئهم بأن هذا الذي يرونه ليس هو خلف الله الدرويش وانما هو شقيقه التوأم ((شكر الله)) وكان شكرالله هذا قد دخل المسجد في الوقت الذي كان فيه الشيخ عبد الباسط يواصل الخطبه فلاذ بآخر الصفوف دون ان ينتبه لأمره احد ولم يكن المسدس الذي في يده سوي لعبة كتلك التي يلهو بها الأطفال.
اكدت نتائج الكشف الذي اجرى على جثة الشيخ ان الوفاة حدثت نتيجة صدمة عصبية حادة وما تلك الدماء التي غطت وجهه الا نتيجة اصطدام مقدمة رأسه بمسمار ناتئ كان موجوداً على الحاجز الامامي للمنبر .وكان من جملة ما عثر عليه رجال البحث في المسكن الذي ظل الشيخ عبد الباسط يعيش فيه لوحده منذ ان وفد الى هذه المدينة منذ اكثر من عقدين من الزمان دراجة هوائية مزودة بعدد من الانوار الكاشفة وعلى سرجها الخلفي ثبت جهاز تسجيل مزود بسماعة كبيرة وعلى الجانبين كان هنالك مبخران من الصفيح مثبتان باحكام . وفي مخبأ ما داخل السور تم العثورعلى قضيب معدني مدور يقارب طوله نصف المتر وبجانبه قفاز ثقيل ذو لون اسود .
وما فات على الناس معرفته ان خلف الله الدرويش كان قد مات مسموماً كما أثبت التشريح الذي اجري علي الجثة في وقت سابق لانه ردد في صبيحة مقتل ابراهيم النجار عبارة لم يفهم العامة مغزاها ورأي مالم يره سواه ولم يشا المجرم ان يكرر ذات الخطأ الذي كان ثمنه من قبل (تأبيدة) وثمنه الحالي لن يقل بأي حال عن حبل المشنقة .
إنتهت ..

سيد محمود الحاج
09-08-2009, 02:26 PM
يمة خلاص غلبنا الراي
---------------
القرن ربعو انكسر
في بطن غربة ما بتنقد
وانا محتار غلبني العد
ألف سؤال تقول شلال
مسهي بعيد كايس رد
هموم يا يمة واقفه جبال
لا بتنزاح ولا بتنهد
وانا بالجد خلاص ضعت
بين الموج بعوم عقدين ومابان حد
يمه الدين واقف سد وانا غلبان
بين البقرو في السودان
وبين الطشوا في البلدان
وبين حظا ً غطس مابان
وبين الرقعتن واجب
بين صاحبن يكون مغروض
وبين السنه والمفروض
وبين طلبا يجيك مرفوض
يمة العمر روّح انسهك نعلات
و انا طيرا قدرو يعيش حياتو شتات
شهر عدّي و شهر قاعد هداك مافات
سنين راحت سنين ماشة وسنين ماجات
دحين يمه بتطري يومك داك
يوم وقفن بكاسي تلات تنزل في الشنط كيمان
وقدلوا فوق التراب جنيات
ود حمدين .. ود عثمان وود الجاك
عجبك يمة خمخيمن عجبك يمه نغنيغن
ومن ساعتك يمه دسترتي
تراكي كايسة لي سترتي
وما درتي الا رحيح مع الرحّو
وديك سيرة بقت حديثك يوت
كلاما يمه طال شرحو
شفتي جنياتك يمة كيف فرحو
يوم جيت شائل قيدي والبزبورت؟
من ديك زولك مرق ماعاد






من ديك يمة وليدك نتح جرحو
نزح فات البلد روّح
شال في جرابو الأمل كيمان
وفوق سنتين حلف مابزيد
يلم قرشين
يحل الدين ويتم الدين يجيب تيمان
قائل يمة رايو سديد
ناسي الغربة قيدها حديد
وطال الليل دفر بوّح
وعشمو الكان زلف طوّح
من ديك زولك يمه شال جرحو
دارت محنو طاحونه
لافه وشائلة ماعونه
جاهل كعبو من سمحو
سقف البيت بدور ينشال
وخالي ابزيد و عشره عيال
وعمي حسين ضراعو انشال
وضوالبيت طالب شال
معاه التوب لي امونة
محن مولوده بي سنونه
والدكان السوّاه راحة بال
ودرقا في وش الزمان الشين
نام بالفيهو اخوك تورشين
فضّل فيه صابونتين وكوز امباز
وباقي دقيق بعد هيرت ملاهو الجاز
ولدك في ايد الدنيا دار مترار
يغزل الهم ليل ونهار
يجابد في الظروف بي جاي
ويكابد في المحن من جاي
والعجب يمه حكومة الجن
عشاري المشرع اللفاح
لا بشبع ولا بقنع ولا برتاح
ينقي الزول تقول قصبه
يقاسمك في التجيبا عديل
قائل الزول اكيد نهبها
وطال الليل ونومنا ابا
نفكر في كتالنا الطال مع الغربه
ندبر كيف نسد قربه
قدودها غلبت الوكّاي
يمه بكاي كتر بلحيل
يمه براي مقابل سيل
يمه الروووووووووب
يمة الويل
غلبني الراي !!!!!!

سيد محمود الحاج
09-18-2009, 03:32 PM
لص أرأف من حكومة

المواطن (ابو الماحي) خدم الدولة لما يزيد عن ربع قرن من الزمان الا ان ذلك لم يشفع له امام جبروت المتسلطين اذ فصل عن العمل مع مجموعة من زملائه للصالح العام ومنذ ذلك الحين لم يدخر جهداً في سبيل الحصول على عمل في موقع اخر ولما اعيته الحيلة لم يكن امامه الا ان يلزم بيته ليظل معظم يومه على سريره ووجهه تجاه الحائط لئلا ان تتجسد مآساته في كل لحظة يطالع فيها وجه طفل من اطفاله السبع .
وفي مدة وجيزة كان كلما ادخره لليوم الأسود قد نفذ وبات لا يملك حتى حق (التمباك) .. حاول في عدة مرات الخروج لتعلم صنعه تعينه في معيشته الا ان الإحباط الشديد الذي سيطر عليه كان يصده عن ذلك ويقتل الطموح في نفسه ..
في ليلة ما كان في مرقده بمعزل عن بقية افراد اسرته الذين مضوا في ثبات عميق .. كانت عيناه تحصيان النجوم وهو يقلب الفكر هنا وهناك ولا شيء يسليه في وحدته تلك سوى الحقة التي ما برح يعاودها كلما خطرت له فكرة ولما تكاثرت افكاره كان قد اجهز كلية على محتوي الحقة .. كان وهو (يباصر) قعر الحقة وجوانبها ليجمع من حثالتها (سفة) يحمل هم تعبئتها في غد ومضت يداه تتحسس جيبي (العراقي ) لعل ان يجد في احدهما بقايا كيس يكون منسياً فلم يجد سوي مسواكه وحبات قرض يستخدمها في علاج الكحة والزكام .. لا يدري ان كان (قسم الله )بائع (السعوط) سيقبل ان يعطيه على الحساب ام لا ففي اخر مره (نقنق) كثيراً وهو يضرب بحرقة على غطاء الحقة بعد تعبئتها قائلا له انها المرة العاشرة على الحساب .
وفي وقت متأخر من تلك الليلة تسلل زائر ليلي الى دار (ابو الماحي) من خلال جدار السور المتآكل ولم يجد صعوبة في دخول الغرفتين .. بحث في جوانبها طويلا دون طائل ولما لم يحظ بشيء رأى جلباب صاحب الدار معلقاً على المشجب فراوده الأمل في ان يجد منه ما يجعل مغامرته ذات فائدة غير ان المحتويات لم تزد على عدد من الوصفات الطبية وبعض اكياس السعوط الفارغة وقصاصات من ورق الصحف وكان اكثرتلك المحتويات قيمة مسواك اخضر لم يستعمل بعد .
عندما استيقظ صاحبنا في الصباح الباكر كان همه الأول (سفة) الصباح التي بدونها لا يستطيع تقليب الامور على جانبها الصحيح ولم يجد بداً من ان يقصد جاره(عبد الباسط) فنادي على ولده ليلحق بعبد الباسط هذا قبل ان يخرج للعمل ويطلب منه على لسان ابيه ان يضع له في الحقة سفتين او ثلاث ولكن عندما رفع الحقة احس بانها ممتلئة فاستغرب الامر فهو على يقين من انها كانت فارغة تماما وانه بالكاد جمع مما التصق بقعرها وجوانبها سفة. سأل افراد اسرته وهو يكور سفة اكبر حجماً مما اعتاد تكويره ما اذا كان احداً من اصدقائه قد زارهم صباحا وعبأ هذه الحقة فقالت زوجته ساخره :"ومنذا الذي يقصد الناس في هذا الوقت المبكر وفي مثل هذه الايام السوداء ليمنحهم شيئاً .. اللهم الا اذا كان نبي الله الخضر "!!
لم يفطن الوالد ولا الابن الى وجود ورقة مكتوبة على جانبيها كانت مثبتة اسفل الحقة ، ولولا ان تحركت مع حركة الرياح واصبحت امام ناظري صاحبنا الذي كان ساعتها يرقد ووجهه الى اسفل وهو يخطط با صبعه على التراب ، لما علم احد من أمرها شيئاً فأمسك بها يدفعه الفضول ليقرأ بين اسطرها ما يلي :_"صديقي صاحب الحقة الخاوية .. عفوا لعدم المامي بالإسم ومعذرة لدخولي داركم دون إذن .. واني لآمل ان تشكرني على تطفلي هذا في يوم قريب .. اصارحك بانها ليست المرة الاولى التي ازوركم فيها .. فاذكر انني قد زرتكم من قبل ولا اذكر على وجه التحديد ان كان ذلك قبل ثلاثة او اربعة اعوام .. المهم اني غادرت الدار ليلتها سالماً غانماً مسروراً أما الآن فاني اخرج وأنا في غاية الحزن والأسى لا لأنني عائد بخفي حنين ولكن لما آل اليه حالكم وبسبب هذا البؤس الذي تنامون فيه . اين الثلاجة وأين التلفزيون وأين البوتوجاز؟؟..وأين المفارش؟؟.. لا تحسب اني بسؤالي هذا كنت ارغب في اخذها .. كلا ان تحسب هذا فانا لا اخذ الا ما خف وزنه وعظم ثمنه لكني فقط اتساءل عن مصيرها . لقد وضعتني هذه الزيارة وجها لوجه امام نفسي ولعلها اول مرة احس فيها بصغر نفسي ومدى حقارتها ودناءتها . اصدقك القول بانني حين احترفت هذه المهنة كانت ظروفي افضل بكثير من ظروفك هذه ومع ذلك بقيت انت على حالك ولم تسول لك نفسك بأن تقلق راحة الآخرين وتسطو على اشيائهم . انني لم ار ومنذ ان صرت ممارساً لهذا النوع من العمل بيتاً يخلو حتى من قطعة خبز جاف ولا تتعدي اثمن مقتنياته ثلاثة اطباق خزفية وفنجان مليء بالسكر وانني اعلن لك عن اسفي العميق لكسر احد هذه المقتنيات اثناء بحثي في جوانب خزانة الملابس في منزلكم الخاوي الا من رحمة الله واعدك بانني سوف اعوضكم عن ذلك بعدد من امثاله . ان اكثر ما يدهشني هو كلبكم فقد فقزت على مقربة من حيث كان يرقد بل وقد وطأت ذيله ورغم ذلك لم يحرك ساكنا ولولا ان رفع رأسه قليلاً لحسبته ميتا ولكن بعد ان اطلعت علىحالكم عرفت سر عدم نباحه وقدرت حقاً صموده .. صحيح (الولف كتال) !! .. بدأ لي جيب جلبابكم المعلق منتفخاً مثل جيوب (الجماعة اخوانّا ) فأغراني أيما إغراء قبل ان اكتشف انه لم يكن يحتوي الا هباء (الله يخيبك ياخي..شرطت عينّا ) وإني لأتساءل ما جدوى الإحتفاظ بأكياس السعوط الفارغة ؟.. "طبعاً للشحدة .. يخسي عليك ياشحاد...كمان بعين قوية"!! .. عفواً فانا احب المزاح وخطر ببالي ان أسألك عن سبب إلغائك الجيب الآخر .. هل لم يعد لك أمل في ان تتبدل الأمور الى الأحسن ؟!.. ألا تعلم يا صديقي انه لا حياة مع اليأس ؟.. عموماً بارك الله لك في مسواكك الأخضر ولا تحمل هم (الروشتات) فقد قطعت عهداً ان آتيك بالأدوية في اقرب فرصة ممكنة لانني قدرت من نومكم هذا انكم جميعاً في حاجة لمثلها فمثل هذا النوم الذي لا يقطعه تكسر صحن على البلاط ولا ضوء مصباح ساطع مسلط على العيون لا يدل أبداً على العافية واتمني ان لو أجد دواء لكلبكم ايضاً .. اطلعت كذلك على كشف الديون ولاحظت من خلاله انعدام أي تعامل بينكم وبين الجزارين .. هل انتم نباتيون يااخي ام انكم تعانون من ارتفاع الكلوسترول ؟؟.. يمكنك يا صديقي و بدءا ًمن يوم غد زيارة الجزار (عبد العاطي ) وكل ما عليك فعله أن ترفع ابهام كفك الايسر في وجهه ولن يتواني عن منحك اللازم .. وبما انني قد قمت بحصر اجمالي الديون التي في ذمتك فسوف افعل ما في وسعي لتجميع المبلغ المطلوب حتى لو استعنت في ذلك ببعض زملاء المهنة فلا تحمل هماً .في الختام لا يسعني الا ان اقول لك .." جينا لي مكة تغنينا قلعت طواقينا " .. وأرجو الا تحسب ذلك سخرية أو تأففاً فأنا فقط أمازحك يا صديقي والى ان نلتقي لك خالص تحياتي .
صديقك الحرامي
ملحوظة : افرغت لك كل محتوي كيسي في الحقة وامنياتي ان تنعم بسفة صباح هانئة "..
طوي صاحبنا الورقة بعناية ليضعها في جيبه وارتفع صوته الأجش في ذلك الصباح الباكر مغنياً :" يسلم لي خال فاطنة بلالي البدرج العاطلة "..

عمر العشا
09-18-2009, 05:33 PM
الف شكر الاخ سيد محمد الحاج وجزاك الله الف خير
http://www6.0zz0.com/2009/09/18/13/805732908.jpg (http://www.0zz0.com)

سيد محمود الحاج
09-21-2009, 02:02 PM
الف شكر الاخ سيد محمد الحاج وجزاك الله الف خير
http://www6.0zz0.com/2009/09/18/13/805732908.jpg (http://www.0zz0.com)


ياالف مرحبا اخي عمر وكل عام وانتم بخير..شكرا لمرورك الكريم وربنا يديم التواصل ولك مني اجمل المني.

سيد محمود الحاج
09-26-2009, 02:15 PM
محاكمة امرأة سرقها العهر ( 1 )


لم يعد طعم الأشياء كما عهدته من قبل...كل الأشياء تقريبا تغير طعمها ونكهتها حتي مذاق الماء لم يعد كما كان في السابق..ليس عذبا ولا مالحا ولاتشوبه رائحة بعينها لكنها باتت تحس به متغيرا.. مذاق الأطعمة.. رائحة العشب..رائحة التراب عندابتلاله بالماء... وقع الألحان..صدي الكلمات...كل شيء تقريبا تعرض للتغير ليس للسيء ولا للأفضل لكنه تغير من نوع لاتستطيع تمييزه منذ ان بارحت ذلك الماضي الذي آواها لسنوات طوال... تناظر الأشياء امامها وكأنها تراها للمرة الأولي ولم تكن نظرات المتطلع الي المعرفة و يود معرفة المزيد لكنها كانت نظرات زائغة وحائرة او قل نظرات ساخرة راي صاحبها مالايقاس بكل ما حوله فبات يستخف بكل شيء آخرحوله .

" امسكي الشاي ياماما"... وامسكت بكوب الشاي قاطعة تسفارها في الخيال وبدت علي شفتيها ابتسامة درجت علي ابدائها امام ابنتها كلما تحدثت اليها او طالعت وجهها مرددة مالايسمعه سواها:"لعنة الله علي ابيك لا علي ابي".. وتكاد هذه العبارة ان تكون ملتصقة بكل كلمة اوجملة تحاول ان تعبّر من خلالها عن حبها لابنتها كلما ارادت ان تشكرها علي امرمن الأمور .

ظلت عفاف في جلستها تلك في فناء المنزل الذي استأجرته منذ عهد قريب بينما دلفت (سامية) ابنتها الي داخل الغرفة تواصل مطالعة دروسها.

الحب الذي تكنه كل منهما للأخري كان عميقا فسامية وقد تخطت العاشرة الا انها ترفض ان تنام لوحدها بل كانت تشارك امها مرقدها ملتصقة بجسدها كطفلة في عامها الأول دون ان تحس اي منهما بضيق او نفور او عدم ارتياح ولم يكن ذلك بسبب خوف من الظلام او غيره لكن يبدو ان روحيهما قد وصلتا الي درجة من التوحد والأندماج فأصبحت كل واحدة منهما لاتجد نفسها الا في وجود الأخري...ولاعجب في ذلك فلا أهل لعفاف ولا اقارب سوي فتاتها ومنذ ان اضحت سامية تدرك وتميز بين الأشياء من حولها لم تجد قريبا سوي امها هذه.. يتشاطران الفرح والحزن والسعادة والشقاء والألم والصحة.. ينامان معا ويخرجان معا ويتبادلان الحديث بينهما وغالبا ماكان حديثا يملأه الود فلا لوم ولا زجر ولا شكوي.

تري عفاف ان اهم انجاز قامت به في حياتها وسيظل ابدا هو تربيتها لسامية.. لم تبخل عليها بشيء تري انه يسعدها ويبعث الفرح في نفسها طلبته ام لم تطلبه ولم تعبس في وجهها يوما او تبدي تذمرا في تعاملها معها...لم تبد لها غير الحب والعطف حتي في حالة اصدار توجيهات وارشادات تُري ضرورية ولازمة...لم تبدِ شيئا غير الحب برغم ان في دواخلها يكمن بركان تمكنت من احتباسه بقوة خارقة دون ان تتمكن شرارة واحدة منه من الخروج الي السطح . كانت حممه تحرقها دون سواها في ساعات متأخرة من الليل حينما لا يبقي مستيقظا سوي النجوم وفي ساعات وحدتها .



( 2 )

نعم.... كانت سامية الأنجاز الأكبر بل و لعله الأوحد الذي قامت به عفاف... لم تدخر جهدا في سبيل تنشئتها تنشئة تفاخر وتتحدي بها قسوة ظروفها وجور الأيام.. وظل شغلها الشاغل هو الكيفية التي تمكنها من المحافظة عليها في زمان لا يهدأ له بال الاّ اذا رأي الأخيار يغوصون في وحل آسن فكيف بها وهي تتوسط هذا الوحل... سنوات قلائل وتبلغ سامية ذات السن التي سطرت مأساتها من قبل وقادتها الي دنيا لا رحمة فيها فلم تبرحها الا ّ وهي حطام تتقاذفه امواج الحياة فتارة يتجمع عند اطرافها وتارة تسوقه الي حيث تريد.... تجرعت محتوي كوبها وهي هائمة في فصول امسها ذلك الأمس الذي كلما حاولت الأبتعاد عنه والتنكر له أتاها من حيث لا تقوي علي صده... ( مصطفي ) موظف البنك الذي تعلق بها الي درجة ان عرض عليها الزواج... كانت فرصة لانتشالها من عالم الضياع لكنها تأبّت وفضلت ان تبقي العلاقة كما كانت عليه.... يأتيها كثيرا فيسهران معا ً ويلعبان الورق ولا يحلو له كأس لا تقدمه يدها وغالبا مايقضي الليلة في أحضانها...رفضت طلبه بحنكة تمزج بين نعم ولا فطبعها يمنعها من بناء سعادتها علي انقاض سعادة الآخرين فمصطفي النضيف رب اسرة وله زوج وابناء.... ( كابتن كمال )... التقت به صدفة وعاد من بعد ذلك يتردد علي بيتها وتطورت العلاقة الي ان اخذها في رحلة علي نفقته الي القاهرة وبيروت....(حاج الفاضل ) تاجر المحاصيل كان من ضمن من التقتهم في مشوار حياتها وضمتهم القائمة...رجل شهم وسخي لا يحسب للقرش حسابا... استمرت علاقته بها طويلا وماكادت لتنتهي لولا قرارها المفاجيء بمغادرة ذلك النفق...كان يردد امامها كلما اجتمعا :" عليّ اليمين المتلك محلّو مو هنا "!!..(الرائد حسن كلاش) كان ايضا احد حبّات ذلك العقد.. احبها من كل قلبه وظل يعبر عن احساسه ذاك كلما أتاها...كان صادقا ولم يكن احساسه مجرد كلمات خاوية تقال في مثل تلك اللقاءات لكنها كانت واقعا احسته عفاف.. شعرت بدفئها ونقائها فالحب القوي يتساقط من القلب كما يتساقط الماء من اناء مثقوب.. مازالت تذكر مؤازرته لها وجهوده التي نأت بها عن ايدي المحققين وجرجرة المحاكم اثر جريمة القتل التي شهدها (البيت الكبير) حين قتلت ( استير ) خنقا ً علي يد عشيقها من ابناء جلدتها...وعلي الرغم من انه قد تم القاء القبض علي القاتل وشهد بجرمه الا ّ ان التحقيق جر ّ كافة اهل الماخور... انقطعت اخبار الرائد حسن كلاش عقب ذلك بعد نقله المفاجيء الي حامية جوبا.
(اسماعيل طه المحامي)... (يحيي نورين) المذيع الوسيم...(عثمان ياسين) الموظف المرموق بأحدي الوزارات...( علي سعيد ) الصحفي...اسماء كثيرة وصور عديدة لم تزل حية في ذاكرتها.. مواقف ومناسبات عدة ما فتئت تذكرها.

( 3 )


كان حاج الفاضل تاجر المحاصيل محقا ً في قوله لعشيقته:" عليّ اليمين المتلك محلّه ما هنا "..كان يردد ذلك بين حين وآخر فلعله مصيب في ذلك الي حد بعيد فلم تكن عفاف كسائر رفيقات مهنتها فطبعها وخلقها لا يتناسبان مع وسط كالذي كانت تعيش فيه لكن الأقدار تأبي الا ّ ان ترضي طموحها وتحكم ارادتها فتضعنا امام مواقف محيرة واسئلة لا نملك الأجابة عليها وامور يستعصي علينا تفسيرها...فعفاف لم تأخذ من طباع رفائقها مايذكر فلا افعالها ولا صفاتها تماثل اي منهن..لم تكن نظرتها الي من يأتيها مبنية علي سخائه وما يدفعه مقابل معاشرتها بل تستقبل زائرها كرجل هي زوجته وهو زوجها فلا غرابة ان كلا من عرفها عن قرب لم يشأ مفارقتها من بعد اوالنظر الي سواها... صادقة في مشاعرها وعاطفتها.. لا تبيع الهوي بل تهبه و تمنحه الي من تحس بصدق عاطفته... مهذبة طيبة الأخلاق لا ينطق لسانها بفاحش القول كما هو شأن غيرها من مرتادات ذلك الوسط ولا تتشاجراو تدخل في عراك او مشاجرة مثل تلك التي تنشأ بين حين وآخر بين(الموظفات) كما كانت تطلق عليهن(حاجة مدينة) مديرة اول دار لجأت اليها وظل ذلك ديدنها في كل بيت انتقلت اليه فيما بعد وربما اصابوا كبد الحقيقة حينما اطلقوا عليها لاحقا ً لقب(الأستاذة) في بيت(سالم وزير) وغلب هذا الأسم عقب ذلك واشتهرت به في تلك الأوساط فيندر ان تنادي بغيره.

منذ ان جاءت طفلتها تسألها ذات يوم وهي التي لم تكمل الخامسة بعد : " ماما...ماما انت شمروتة يعني شنو "؟...منذ ذلك الحين بدأ القلق يساورها كلما فكرت في مستقبل هذه الطفلة البريئة وهي نزيلة اوساط تموت البراءة فيها في مهدها...كيف لها ان تقيها سماع مثل هذه الألفاظ النابية والتي تكاد تكون هي المفردات السائدة دون سواها فغدا قد يصبح القول فعلا...هي الآن تقارب الخامسة وهي السن التي يبدأ فيها الطفل بناء حصيلته اللغوية وتقليد ما يفعله من هم حوله فأي مفردات ستشكل بنية حصيلتها واي افعال تلك التي ستبدأ في تقليدها... الغدوة امامها كتل من السوء والأنحلال والأخلاق هنا عملة غير متداولة ... جل مايثير قلق عفاف هو ان تتشرب روح طفلتها من هذا المستنقع الآسن فيصعب بعد ذلك شفاؤها من داء عضال يلوذ فيروسه بالروح مباشرة لا بأي من سائر الأعضاء.

منذ ذلك الحين بات شغلها الشاغل مراقبة الطفلة وابعادها بكل ماتستطيع عن كل مايمكن ان يؤثر سلبا في تنشئتها...تدرك وتعلم علم اليقين ان المهمة ليست باليسيرة ان لم تكن في حكم المستحيل فالسخام متراكم علي كل الجدران من حولها وعلي الأرض بل ويخالط الهواء الذي تتنفسه فأني لها ان تبقيها بمنأي عنه فلا تتلوث بشيء منه !!؟ لذا فانه حين اتتها الفرصة التي مكنتها من الأستقلال عن بيوت الآخرين لم تتوانَ في اغتنامها فوجدت سامية نفسها في بيت آخر ذو غرف محدودة لا يشاطرها فيه سوي امها .

سيد محمود الحاج
09-26-2009, 02:25 PM
( 4 )

سامية التي اعتادت الهرولة بين اروقة وغرف البيت السابق ، لم يرق لهاالبيت الجديد في باديء الأمرفقد افتقدت ذلك البراح وتلك الأروقة وربما لم تعتد علي مثل هذا الهدوء الذي يسود الدار الجديدة ولكن علي كل فهو بيتهما دون سواهما فقد اشترته امها بحر مالها ولاسيطرة لأحد فيه عليهما وعرف فيما بعد ببيت الأستاذة... تستقبل فيه زائريها من طالبي المتعة ولكن لا تأوي احدا وقد حددت لذلك مواعيد معينة بعد ذهاب ابنتها للمدرسة ومساء ً بعد خلودها للنوم وكان جل عملائها ممن تثق في تصرفاتهم حتي بعد ان تلعب الخمر برؤوسهم فلا ضوضاء ولا شجار.
في السنوات العجاف التي توالت لم يكن في امكانها الأحتفاظ بالمنزل فالأمور لم تعد تجري كما كان في السابق وكان يلزمها ان توفر المال اللازم ً لأجل احتياجات طفلتها فلا بد ان تظل تنعم بمستوي العيش الذي ألفته... باعت المنزل دون تردد والمشتري كان عشيقها حاج الفاضل تاجر المحاصيل وسمح لها بالأقامة في البيت الي أجل غير مسمي ودون مقابل فكان بيتها في الظاهر واكتفي من جانبه بالأحتفاظ بأوراق البيع في خزانته.

كان اكثر ما تخشاه هو ذلك الذكاء الحاد الذي يميز طفلتها وذلك الفضول والرغبة الملحة في التعلم واكتساب المعرفة فهي لا تنفك تسألها عن كل شاردة و واردة.. صغيرة وكبيرة... تسائلها عن اسماء الأشخاص ممن يفدون الي المنزل في وجودها وعليه فقد كان لزاما عليها ان تصحو مبكرة قبل ان تستيقظ طفلتها لتخفي زجاجات الخمر الفارغة واعقاب السجائر وكل اثر تخلف عن زوار المساء والا فأن اسئلة سامية لن تقف عند حد من الحدود.
امرأة مثل (حليمة قرقريبة) وامثالها كنّ مثار قلق عفاف كلما اتين لزيارتها في وجود طفلتها اذ لا يتورّعن او ينظرن حولهن اذا ماامسكن بعنان الكلام... يتفوهن بأقذر العبارات بلا مبالاة ولا احتشام ولا يرين غضاضة في الأمر... جاءت حليمة قرقريبة الي بيت عفاف تعرض مامعها من عطور وحلي مقلدة اعتادت علي بيعها في مثل تلك البيوت متنقلة بقفتها من بيت الي آخر ...تعرف معظم صاحبات تلك البيوت فهي (موظفة) سابقة تقاعدت قبل أوانها اذ كانت بضاعة غير محكمة الصنع في سوق رائجة تحتد فيها المنافسة ولما تساءلت سامية عمن تكون هذه المرأة وتكرر الحاحها همست امها في اذنها مما اثار فضول البائعة المتجولة فالتفتت الي عفاف : " الرسول يا الأستاذة سامية دي بتقول ليك في شنو "؟... وحين علمت بأنها تسألها عنها وجهت حديثها الي الطفلة : " تعالي هنا يابت ام.....نسيتي خالتك "!!؟ وكادت ان تتمادي في ذلك وتأتي بما هو افظع لولا ان تداركت عفاف الأمر طالبة من ابنتها الذهاب الي غرفتها فلم يكن في مقدورها ان تطلب من امرأة كحليمة قرقريبة الكف عن التفوه بمثل هذا السخف مخافة ان تأتي بما لم يأت به الأوائل... فعبارة مثل تلك قد تكون افضل محتوي قاموسها وامام ذلك لم يكن من امر سوي ان تقوم عفاف مجبرة بشراء مالم تكن في حاجة اليه حتي تتقي شر ّ هذا اللسان الذي يمطر السوء رغدا .


( 5 )

وكما توقعت عفاف فقد كان اول سؤال عقب خروج البائعة المتجولة : " انت ياماما بت ام ..... يعني شنو "؟ فأجابتها الأم التي احتاطت لذلك بأن تلك كلمات ليست ذات معني تصدر عن رعاع لايجيدون الحديث وهي كلمات لايرغب الآخرون في سماع مثلها وهي تحاول بذلك اثناء طفلتها عن مباشرة تطبيقها في محادثتها اقرانها.

لعل وجود كثيرين في سني طفولتها الأولي لم يتح مجالا لسامية لتتساءل عن الأب فقد كان هنالك كابتن كمال ومثله حاج الفاضل وغيرهما فلم تشعر بفراغ في هذا الجانب فكل كان يعاملها بعطف وحنية... احضروا لها الكثير من الملابس واللعب والهدايا الا ّ انها حين اضحت اكثر ادراكا واختلطت امامها عدة امور تساءلت عن ذلك مرة فأخبرتها امها بأن اباها اسمه(رشيد صادق) وهو من اصل مصري وقد عاد الي مصر قبل ان تولد لزيارة اهله لكنه توفي هنالك...اعقب ذلك تساؤلات في ذات السياق افلحت الأم في الأجابة عليها جميعها دون ان تبقي مامن شأنه ان يبعث المزيد من الأسئلة فالحنان والعطف الذي اسبقته عليها كان كافيا عن الهائها عن اي سؤال آخر .

لم تكن عفاف كسائر رفيقات مهنتها تجمع بين عشيقين او اكثر في آن واحد وما ذلك الا ّ لأنها لم تأتِ الي هذا الوسط بدافع البحث عن المال او تحت وطأة الحاجة وانما جاءت بها ظروف قاهرة وقاسية ولم يكن امامها وقت للتفكير فيما تتخذه فسنها آنذاك لم تؤهلها للتفكير بشكل سليم ...كانت تهرب من الموت والوقت امامها ضيقا فأما ان تلوذ بأول جحر يقيها شره او ان تكون هدفا سهلا للموت فكان اقرب جحر في طريق الفرار ماخور قادتها اليه الصدفة وحدها... لم تخطط لذلك ابدا ولا معرفة لها بمثل اوساط كتلك لكن اقدارها تكفلت بأختيار الطريق لها.... وكان الماخور هو ذلك الطريق..لم تتوانَ صاحبته في ايوائها وتقديم المساعدة لها ربما لم يكن بدافع الشفقة ولكن لأستثمار مثل هذه الزهرة اليانعة التي لا ريب في انها ستجعل للماخور قيمة تؤهله لمنافسة سواه بأجتذابها المزيد من العملاء الذين يتطلعون لكل جديد وكل جميل.

مازالت تذكر ذلك اليوم النحس وكل ماحدث فيه وبكل تفاصيله... الشمس توشك علي المغيب وهي جالسة علي اطار شاحنة قديم كان موضوعا علي مقربة من باب احد المنازل...ربما جلست لساعة او اكثر من ذلك...لا تدري علي وجه التحديد كم من الزمن قضته جالسة علي ذلك الأطار فقد كانت تعيش ساعتها خارج نطاق الزمن المعروف ولا تدري قبلة تقصدها في تلك المدينة الواسعة الأرجاء... مشغولة تماما عن كل ماحولها وماكادت تفيق من ذلك الشرود الا حينما جاء من يحادثها فالتفتت لتجد شخصا يقف علي مقربة منها...بدأ في هيئة الرجال الا ّ ان نبرات صوته ذات نعومة تعوزها اصوات الرجال...اكتفت بالتحديق في وجه دون ان ترد علي تحيته وربما لم تسمع مما قال شيئا ولما لم يجد تجاوبا انصرف يستعجل الخطي فظلت تتابعه بنظراتها الي ان اختفي داخل الحارة.ولم يمض طويل حتي ظهرت من حيث مضي امرأة...كانت سيدة قد تعدت الخمسين ممتلئة الجسد بدأ علي وجها شيء من الوقار او هكذا خيل اليها .



( 6 )
\

" يابتي عليك النبي تنعلي الشيطان...انا مازي امك وللا يمكن حبوبتك كمان...قعادك في الشارع كدا ابدا ما صاح وكمان الدنيا ليل..كدي قولي بسم الله وتعالي علي البيت والصباح رباح يابتي "...علي هذا النحو نجحت (حاجة مدينة) في اقناع عفاف بمرافقتها الي بيتها ... وكان اول مالاحظته عند دخولها المنزل وجود عدد من النساء ربما اربعة او خمسة اختلفت سحناتهن واعمارهن كما بدأ للزائرة... تبادلن النظرات والهمزات فيما بينهن ثم انصرفن سريعا ولم يبق في معيتها سوي الحاجة مدينة التي بادرتها بالسؤال عن اسمها قبل ان يؤتي لها بكوب من عصير المانجو الطازج...جلست حاجة مدينة تحادثها في وداعة وحنية اضفت شيئا من الأطمئنان في نفسها وشيئا فشيئا سادها هدوء تام وتلاشي ذلك القلق وذلك الخوف فمثل الحاجة مدينة يجيد العزف علي اوتار الحديث.

قضت عفاف تلك الليلة وكأنها لم تنم من قبل ولم تستيقظ الا ّ ويد الحاجة مدينة تربت علي كتفها الصغيربرفق : " يلا ياعفاف صحي النوم...الفطور جاهز " وعلي منضدة صغيرة امام سريرها وضعت فرشة الأسنان والمعجون والصابون وزجاجة عطر.... واثناء وجودها داخل الحمام وصل الي مسامعها حديث تبين لها ان احد طرفيه الحاجة مدينة والطرف الآخر امرأة لعلها واحدة من بين من رأتهن الليلة الماضية...كانتا تتحادثان في غرفة مجاورة تبين لعفاف فيما بعد انها غرفة المطبخ..كان الصوت يخفت حينا ويعلو في آخر لكن برغم ذلك استطاعت ان تسمع شيئا مما كان يدور بين المرأتين دون ان تفهم مغزي تحاورهما.... " والله غايتو ياحاجة مدينة كان قدرتي تنزلي البرتكانة دي من شجرتها عاد يايمة يبقي غرتنا لي صرتنا.... وعهدا علي اقوّم ليكم حفلة علي حسابي وارقص لامن نفسي ينقطع...عاد اريتا يايمة في يمين (امين الشيخ)...والله لو سمع بجنس دا يجن عديل كدا ويحت جنس حت...بس عليك ياالحاجة تدقي الصدر وتطوعي المُهُر...تنفتح ليك الخزاين وتخدّر الجناين ".

ولدهشة عفاف فأن ماحسبته امرأة اخري كان هو ذلك الشخص الذي جاءها في الليلة السابقة عندما كانت تجلس علي الأطار الموضوع علي جانب الشارع قبل ان تلج بيت الحاجة مدينة...كان يتولي امر الطبخ واعداد طعام الفطور...ابتسم لها ابتسامة عريضة وغامضة في آن واحد عندما تقابلت اعينهما واضحي فيما بعد الأقرب اليها بعد حاجة مدينة يخدمها بكل تفان ٍ ويعينها في كل امر تود قضاءه ولا يقصر في واجب تجاهها...كانت في باديء الأمر تحس بشيء من الحياء حين تناديه بأسم ( علوية ) لكن الجميع ألفتهم ينادونه بهذا الأسم وعلمت من بعد انه لايرضي ان ينادي بسواه فأصبح وكأنه الاسم الذي اطلق عليه منذ مولده ولم تسمع من يناديه بغير ذلك حتي في المرة التي نادته بها الحاجة مدينة سهوا بأسم (علي) رجعت تتدارك الخطأ غير المتعمد وكررت النداء بصوت اكثر حدة فبدا اكثر بشرا واستجاب علي الفور للنداء .

سيد محمود الحاج
09-27-2009, 09:37 AM
( 7 )

ألمت حاجة مدينة بكل تفاصيل مأساة عفاف وأدركت معاناتها اذ لم تخف عفاف عنها شيئا فقد كانت

في حاجة ملحة الي من يقف بجانبها ويشد من أزرها ويقاسمها هذا العبء الثقيل الذي ناءت به كافة

جوانحها ويعينها علي الخلاص من محنتها التي لم تحسب لها حسابا... لم تبح

الحاجة مدينة بشيء مما دار بينها وبين الفتاة لأحد سواها وابقته في طي الكتمان ولم تعد تتحدث

في الأمر من بعد ذلك ابدا حتي مع صاحبة الشأن نفسها فالشرف قد يعوز المرء او يحسب المرء ذلك لكن

يظل اثر منه موجودا في مكان ما لانستشعره ولا نحس بوجوده الا ّ في مواقف معينة تمر بنا او نمر

بها خلال سيرنا في دروب الحياة... ولم يطل الأمر حتي تلاشت معاناة عفاف حين اصطحبتها

الحاجة مدينة ذات صباح الي حيث لم يعلم احد وعادت بها بعد سويعات .ورغم الأجهاد كان بأمكان

صاحب النظرة الفاحصة ان يري سعادة علي وجه الفتاة تطفو فوق سطح الألم....جري كل ذلك

بمنأي عن فضول الآخرين فالحاجة مدينة علمتها الايام كيفية معالجة مثل هذه الأمور وربما اعتادت

علي مثل هذه المواقف ولها في ذلك خبرات طويلة.

كان علي عفاف ان تقرر بعد ان تبددت محنتها هل تبقي مع التي آوتها ومنحتها من العطف مالم تجده

لدي امها ام تمضي لتبحث عن مأوي آخر الي حين ان تهدأ الأمور...راودتها فكرة العودة الي بيت

اهلها...الي امها وابيها وليكن ما يكن لكنها بعد تفكير طويل تراجعت عن هذه الفكرة اذ لاشيء

ينتظرها هنالك سوي الموت فهي ادري الناس بأهلها...كانت نصيحة امها لها

حين لجأت اليها في مصيبتها وفاتحتها بالأمر وبعد ان شدتها من شعرها بكل ما تملك من قوة

وضربت برأسها الحائط مرات ومرات, نصحتها بأن تقتل نفسها بنفسها...مازال وقع كلماتها يصل ّ في مسامعها

دون ان تخف حدته... " انا بأيدي مابقدر اكتلك لكن هدي الصبغة وهدي الكباية...صلحي غلطتك "!!

فأذا كان ذلك هو ماأشارت به الأم موطن العطف والحنية واللين والرفق فما عسي ان تكون ردة فعل

الأب الذي صفع ابنة الجيران صفعة ارتعدت لها فرائصها حين ألفاها واقفة علي الباب في غيرما

حشمة ؟؟.... لقد زلت عن الطريق المرسوم لسيرها وعليها اذن ان تجيد الأنزلاق في المنحدر ........
"
البتبلبل بعوم" هكذا قالت لنفسها.

جرت الأمور بكل سلاسة في الأيام التي توالت ومارست معها الحاجة مدينة سياسة ترك الحبل علي

الغارب فلم تغصبها علي امر لا تريده ولم تنهها عن شيء ارادت فعله.. اسبقت عليها كل عطف ممكن وكانت

تعاملها كأبنة لها ... وجدت في عالمها الجديد ما انساها ذلك الماضي المفعم بالألم المرير وان كان

الي حين فما ان تصحو صباحا حتي تتجسد المأساة امامها بكل فصولها فتتعمد النسيان بالأنغماس في

اعماق ذلك الوحل.

امين الشيخ... منعطف هام في حياة عفاف...كان اول الفائزين بالبرتقالة فمنذ قطفها من شجرتها علي

يد حاجة مدينة ومنذ ان طوعت المهر دون غلظة ودون شدة ودنت لتشرب من ماء ذلك المستنقع

بأرادتها طار علوية فرحا واوفي بالعهد الذي قطعه علي نفسه يوما فكانت ليلة ليلاء..الخمر والذبائح ,

وصنوف الأطعمة ... غناء ورقص وكان اكثر الراقصين بشرا صاحب الدعوة .. ممسكا بالطرف

الأسفل للعراقي في ابطه واضعا الكأس علي جبهته دون ان ينزلق كأنه مثبت بمسمار..رقص حتي

تقطعت انفاسه وزغرد حتي بح صوته وبين حين وآخر يزيح الي جيبه كمية من اوراق العملة من

كل الفئات تراكمت علي جبهته... فتح امين الشيخ محفظته ولم يقفلها من بعد ذلك... يرمي بأوراق العملةوكأنها قصاصات صحف بالية ... يعطي بنفسه ويعطي عفاف لتعطي...لم يبق من لم يشارك في البهجةوالرقص حتي الحاجة مدينة عادت لأيام صباها في تلك الليلة ونسيت كل ما حولها. ومنذ تلك الليلةباتت الليالي الحمر لا تنقطع...يأتي امين الشيخ بسيارته المحملة بكل صنوف الأطعمة في اوقات غير محددة فيهمي الغيث ويعم نفعه الجميع ويصيح (علوية) مبتهجا :" ترانا في جاه الملوك نلوك " .




( 8 )

حين ترسخت العلاقة بين امين الشيخ وبين عفاف فلا يذكر الا وتذكر ولا تذكر الا ويذكر..كانت كثيرا ماتلومه علي هذا البذخ وتؤنبه علي بعثرة امواله بهذه الطريقة فيجيبها ضاحكا :.."مايهمك ياستي.. يطلع جنيه وتخش عشرة ".. باتت تحس وكأنه ملك لها دون سواها توجهه وتنتقده وتعاتبه ولاتخفي غيرتها كلما مازح غيرها او نظر لسواها وكأنه كان يستلذ بتملكها هذا فانقاد اليها تماما وفي ذلك كان يقول للأصدقاء انه عاشر مئات النساء لكنه حين التقي عفاف احس وكأنه يفعل ذلك للمرة الأولي في حياته ويردف قائلا انه علي يقين من انه وحتي اذا ما تزوج بغيرها فسوف تبقي عفاف هي المرأة الوحيدة في حياته... كان يصر عليها ان تشاركه الشرب فيطلب منها ان تأخذ رشفة واحدة فتري اثرها لكنها تصد الكأس وتقول ضاحكة يكفيها ان تري اثر ذلك عليه وعلي الآخرين.... يأخذها بين حين وآخر في سيارته الفارهة ويسهران معا في الحفلات والمسارح والحدائق... يعطيها بلا حساب لكنها لا تأخذ الا ما تحتاجه فتقول له كلما اصر عليها في ذلك ان لا شيء ينقصها وليست في حاجة لكل ذلك المبلغ وتضيف بأنها حين تحتاج شيئا فلن تطلبه من سواه... أي فتاة تعيش في وسط كالذي تعيش فيه تصد يدا ً تمد لها المال بلا حساب !!؟...امرأة مثلها نادرة الوجود فلا عجب ان يصبح امين الشيخ كظل لها.... وعلي الرغم من انه اكبر رواد مثل هذه البيوت ويندر ان يقضي ليله في سواها متنقلا من بيت لآخر ومعروف لدي الكثيرين من مديريها وزبانيتها الا انه كان يعد العدة لأخراج عفاف من ذلك المستنقع اذ بات علي يقين من ان تلك الأوساط لا تناسب خلقها...كان يخطط لأيوائها في شقة من شقق عمارتيه... مثلها مكانه القصور لا ماخور يأوي البغايا والمخنثين.

امين الشيخ شاب في اواخر العشرينات من العمر... شهم كريم وطيب القلب لاشيء يعيبه سوي المجون والجري وراء الملذات... كان الأبن الوحيد وسط ثلاثة بنات... توفي والده وهو مازال طالبا في المرحلة الثانوية وترك له عمارتين وعدد من المحلات التجارية في اكبر اسواق المدينة يأتيه وامه واخواته العائد من الأيجار شهريا وكانت الوالدة تشرف علي ذلك بنفسها ولكن بعد ان اكمل امين دراسته جاء يدير الأمور بنفسه مواصلا العمل في مجال الأستيراد والتصدير كما كان يفعل والده وتوسعت تجارته لتشمل مجالات اخري غير الأستيراد والتصدير.

الصورة الوحيدة التي بقيت عالقة ومثبتة في ذهنها دون ان تطمس الأحداث معالمها او تضمحل فباتت وكأنها جزء لايتجزأ من ذاكرتها هي صورة امين الشيخ... تذكرها في اسي بالغ فتخنقها العبرات وتتساقط ادمعها حتي بعد سنوات عديدة اعقبت مضيه عن الدنيا ... تمنت في قرارة نفسها وكانت صادقة في ذلك ان لو قبلت ان ترافقه في رحلته تلك فقد يكون ذلك اهون من لسع جراحات الأحزان... تذكره وتستعيد في ذهنها آخر كلماته بعد ان اخفقت كل محاولاتها في اثنائه عن السفر في تلك الرحلة المشؤومة التي ذهب فيها يشارك صديقا له فرحة زواجه في مدينة ود مدني...قال لها ودخان سيجارته يتخلل ضحكته العذبة : " ماتخافي علي... المصريين بقولوا عمر الشقي بقي..بكرة في نفس المواعيد او بعدها بشوية ح اكون معاك.."!... جاء الوقت الذي حدده لمجيئه لكنه لم يأت من بعد ذلك ابدا اذ قضي ورفيقاه في طريق العودة عندما انحشرت سيارته المسرعة تحت شاحنة كانت متعطلة علي جانب الطريق .

سيد محمود الحاج
09-27-2009, 10:26 AM
( 9 )

سطرت الأقدار مأساة اخري في حياة عفاف وتوالت الأيام من بعد ملؤها الأحزان...أنكأ جرحها الجديد جراحات قديمة حسبتها اندملت فقد كان امين الشيخ وسط تلك الظروف هو الأهل الذين افتقدتهم وهو من ملأ في نفسها كل الفراغات التي كانت قبله ملاذا للحزن والخوف والقلق...احست في وجوده بأنسانيتها وبالطمأنينة والأستقرار فلو ان الأقدار امهلته قليلا لكان الحال غير هذا الحال.. ماكانت لتبقي نزيلة بيوت تعبق اجواؤها برائحة السجائر والخمور وبخور اللبان ورائحة البن الحبشي... لم تحسب ان جرحها سيندمل ذات يوم وتعود للدنيا وللأفراح والأحزان بقلب خافق ... نعم عادت تحيا من بعد امين الشيخ او (امين عفاف) كمايحلو القول لعلوية ومن ينحو نحوه ,ّ حياة جافة كأنها واجب ثقيل يلزم تأديته ... تعتصرها الأحزان وتخنقها العبرات كلما طافت ذكراه او تراءي ما يذكرها به برغم مرور اعوام طوال... كثيرا ما تسائلها طفلتها عن سبب اغروراق اعينها بالدموع بين حين وآخر فتعزي ذلك الي شعورها بالنعاس وكثرة التثاؤب... ولم تكن عفاف وحدها من اخذته دوامة الأحزان اذ ترك رحيل امين الشيخ اثرا بالغا في نفوس جميع نزلاء ورواد بيت حاجة مدينة بل وشمل بيوت اخري عرفته... استبدل علوية عراقي السكبيس الأبيض بآخر من قماش قاتم حالك السواد خشن الملمس فقد كان امين يحل فيهم كالربيع كلما جاء...يأتيهم بالفرح حيثما حل حتي قبل مجيء عفاف... سادهم الحزن زمانا طويلا الا ان الحياة لا تتوقف عند موقف من المواقف وبذرة النسيان سريعة النمو سرعان ما تغدو شجرة تغطي ظلالها أحزاننا... تتساوي المواقف امام الحياة فهي ساقية تكيل قواديسها من بئر تنفجر فيه عينان تنضح احداهما عسلا ً والأخري نضحها حنظل.

جاء من بعد ذلك مصطفي النضيف ليدخل حياة عفاف... لم يحتل في قلبها ذلك المكان الذي احتله امين الشيخ لكنه كان موقفا من المواقف لا يمكن تجاوزه فقد بقيت العلاقة بينهما زمانا... كان موظفا مرموقا في احد البنوك التجارية المعروفة ورغم انه متزوج ورب اسرة الا انه تعلق بها الي درجة ان عرض عليها الزواج في اكثر من مناسبة...كان جادا في عرضه لكنها لم تشأ ان يكون ذلك علي حساب سعادة الآخرين وهذا ماكانت تردده كلما عرض عليها الأمر... مازالت تعيش بمثل هذا الضمير في مكان وزمان كان الضمير فيهما ضربا من الأساطير والخرافات.... ربما كان تلك نظرتها وربما انها قد اختطت طريقها منذ ان رحل امينها... استمرت العلاقة بينها وبين مصطفي النضيف موظف البنك زمانا وماكادت تنقطع لولا نقله للعمل في مدينة اخري بعيدة كل البعد. جاءها بعد مرور عام او اكثر يتفقدها ويسأل عن اخبارها قبل ان يعود لتلك المدينة مرة اخري ولكن مابينهما لم يعد اكثر من ماضي تولّي وذكريات تحكي .
وضمت القائمة كابتن كمال... كان شابا وسيما وانيقا جمعتهما الصدفة عندما كان يمر بسيارته وكانت هي واقفة علي جانب الطريق تنتظر سيارة تاكسي وكان المطر قد بدأ في التساقط فتوقف بسيارته علي مقربة من حيث كانت تقف ... لم تتردد في دخول السيارة فقد اشتد هطول المطر... غمرته انوثتها ورقتها وجمالها الأخّاذ فأطال الحديث وطفق يدور الشوارع بلا هدف معين قبل ان يسألها عن المكان الذي تقصده...اصر علي ان يوصلها حتي باب بيتها... عرفها وعرفته ومنذ ان تعارفا تكررت زياراته حتي انه في كثير من الأحايين كان يقضي الليل معها... كانت تلك حال كل من دنا من عفاف وعرفها عن قرب... ذات سحر لا تجدي تجاهه رُقْية... تمنح الهوي ولا تبيعه حين تحس بصدق العاطفة...اخذها وطفلتها في رحلة الي القاهرة ومنها الي بيروت مازالت تفاصيلها بصغيرها وكبيرها عالقة في ذهنها فلا تبرح ذاكرتها... رأت الأهرامات والقناطر واصطافت علي ساحل البحر في الأسكندرية وتمشت في شارع الحمراء في بيروت وذهبت الي الجبل والي صيدا واماكن كثر غير ذلك. لكن الأيام ظلت تناصبها العداء فبعد ماكاد يندمل جرح امين الشيخ بحلول كابتن كمال في حياتها عاد الجرح يحيا ثانية... قضي معها ليلة ممتعة حقا وكانت من اجمل الليالي ليخبرها في الصباح بأنه قد تعاقد مع شركة طيران خليجية وانه سوف يغادر خلال ايام ليبدأ عمله هنالك. ودّعته باكية ووعدها باللقاء من حين الي آخر الا ان مابينهما بات حكايات تسلي بها نفسها في شدة الأيام.. يؤخذ علي عفاف صدق عاطفتها اذ لم تفرق بين حياتها الماضية وبين تلك الحياة التي جاءت بها اليها اقدارها... مازال الضمير عملتها المتداولة في بيئة ينبغي علي المرء التأقلم عليها واتقان كل اساليب التعامل فيها لكنها تصر علي ممارسة الصدق وتحكيم الضمير في كل شيء حتي في عاطفتها فلا تمارس بيع الهوي في اماكن ماخلقت الا لعرضه والترويج له بشتي الوسائل والمتاجرة فيه بأتباع كافة الحيل والوسائط... اماكن حالها حال الدنيا لا تستقر علي حال... اناس يمضون واناس يأتون... اشكال وانماط متبائنة.. بائعون ومشترون ووسطاء يكذبون ويغشون ويحتالون ويسرقون ويقتلون وعقب ذلك يمضي كل في حال سبيله وقليل منهم من يترك وراءه بصمة او اثرا ً .


( 10 )

الرائد (حسن كلاش) احد العابرين في حياة عفاف.. وجد لديها ما لايوجد عادة في مثل تلك الأوساط ظن في باديء الأمر انها تمارس معه اسلوبا متقنا في عملية التسويق والترويج لايلبث ان يتبدل بعد شراء السلعة لكن تبين له لاحقا سوء ظنه وادرك ان الصواب قد جانبه في حكمه عليها فوجدها صادقة في عاطفتها... زهرة ذات عطر فواح في مستنقع تزكم الأنوف نتانته وقطعة من ذهب حر ملقاة بين اكوام من قطع صفيح ونحاس صدئة فالتقطها من بين الركام وسعد بها زمانا. وكما كان حال من جاء بعده فقد كان في تواصل مستمر معها ولم يفارقها الا ّ بعد ان تم نقله الي حامية القيادة الجنوبية في مدينة جوبا حيث انقطعت اخباره عنها ولم يظهر في حياتها ثانية. كان اكثر ما يسليه هو المناوشات التي تكاد لا تنقطع بين (علوية ) ورديفه (عبدو سكر).. سجال وسجع لا يقفان عند حد ولا ينتهيان:"هوي يا السندة الخلاء البفوتها القطر ويا الخراب المحاربو المطر ".. ." السندة الخلاء انا ياالزفارة المنها الضبّان بتْضَاري ".....و يبلغ الشجار مداه كلما جاء(عبدالقادر وثّار العناقريب) الي منزل الحاجة مدينة حيث اعتاد المجيء في احايين متباعدة لاصلاح العناقريب او اعادة نسج حبالها اذ يبدي (علوية) اهتماما خاصا به فيأتيه بالفطور(المدنكل)وبالشاي المحلي بالقرفة وبالقهوة المعتقة بالزنجبيل والقرنفل ويظل جالسا قبالته علي بنبر بينما يجلس عبدالقادربقامته الطويلة وجسده النحيل الذي برزت عروقه فبدا كخارطة تضاريس متقرفصا يشد الحبال او يعالج الأرجل بالقدّوم وتتعالي ضحكاتهما : " عليك الرسول ياقدورة هسه مرتك دي شديدة ولضيضة كدي"؟... ويرد عبدالقادر ضاحكا: " الله يجازي محنك ياالمسخوت... مالا تحمدالله شديدة وفي امن وامان ".... فيتدخل (عبدو سكر) متعمدا اثارة رفيقه : " هوي يا انتو حاسدين والا بغرانين... عاد الليلة في ناس تموت كمد "!! ويظل يفرك بكفه الأيمن مقبوضا وبحركة دائرية باطن كفه الأيسر مواصلا :" يسمكم عاد " ويبتعد مسرعا مترنما ً ... : " وين وين تلقوا زي دا" فيقذفه علوية بفنجان او بعلبة السجائر فيتفادي ذلك بالأبتعاد متابعا سخريته من علي البعد :"غايتو ياحاجة مدينة الله يكون في عونك... انتي تصلحي وناس هناية يكسّرو... عِنْية كدا عشان قدورة دا اصلو ما يفوتهم " .. وتتواصل قهقهة عبدالقادر وثّّار العناقريب او قدورة كما ينادي من قبل علوية حتي تكاد سفته المكوّرة ان تطير الي حلقه مرددا بين حين وآخر : " الله يجازي محنك ياالمسخوت "!!.

ويمر شريط الذكريات طويلا فيأخذها الي اماكن وازمنة ومواقف متفرقة منها مايضحك ومنها مايبكي وآخر كلمات امها ناقوس يدق في مسامعها بذات النبرة القوية الجادة ويتراءي وجهها يشتعل غضبا وغيظا لم تعهدهما قبل ذلك : " هدي الصبغة وهدي الكباية...صلحي غلطتك... انا بأيدي مابقدر اكتلك "..وتذكر ابنة الجيران وتلك الصفعة القوية التي نالتها من كف ابيها حين كانت تقف علي باب منزلها بالفستان ودون ستر.... أما كان من الأولي لها في ذلك اليوم ان تعمل بنصيحة امها فتتجرع السم هذا الذي ظلت تتجرعه عمرا... ماذا كان سيحدث لو انها بقيت ولم تعمد الي الفرار...ماذا يضير امها لو كانت قد فعلت معها مافعلته حاجة مدينة دون ان يعلم زيد من الناس بما جري !!؟... لا والف لا.. ماكان بأمكانها البقاء والعار عرض السموات والأرض... دلتها امها الي الحل الناجع الذي يخفي وراءه كل شيء ولا يترك اثرا... كانت كلماتها قوية وحاسمة لارحمة فيها ولا شفقة واذا اكتفت امها بالنصح فأن اباها لن يكفيه الحديث بل وقد لايدلي بكلمة بالتأكيد ولكن ستتحدث عنه مديته او ربما كفّاه..سوف ينحر عنقها كما تنحر الشاة او يلويه بيديه القويتين مستلزا بفرقعة الفقرات وهي تتكسّر واحدة فواحدة...لجأت الي من حكم عليها بالموت لكنه اوصد الباب في وجهها وانكر اي علاقة له بها وهو يأمرها في غلظة ألاّ تأتي اليه ثانية... ألم تعدني بالزواج حين فعلت فعلتك واغتصبتني عنوة !!؟ كانت صغيرة وتجاربها في الحياة محدودة.

سيد محمود الحاج
09-27-2009, 02:20 PM
( 11 )

نعم لم تكن تمتلك تجربة... فتاة كانت تتدثر بالبراءة.. خدعها بأسم الحب كما يخدعنا حكامنا بأسم الدين فتكون النتيجة كفر بالحب وكفر بكل معتقد فلا نعود نصدق حتي انفسنا... كانت عاطفة متدفقة لم تقو َ علي كبت جماحها.. احبته بصدق وسلمته امر نفسها...لم تفطن الي تلك الأنياب البارزة بين فكيه... انياب الذئب... حين دعاها الي غرفته لم يخطر علي بالها ان يحدث ماحدث لكنه اغراها وغشها بمعسول الكلام وعبارات الحب المنتقاة من المسلسلات وكتب الروايات... اخذها في صدره طويلا وحلق بها في سماء لم تدر انه سراب ووهم وتقاربت الشفاه واختلطت الأنفاس فلم تعد تري او تحس بما يجري في الكون وتوقفت الأرض عن الدوران ومخالب الذئب تطوقها لتفترس جسدها الغض.

حين اعادت الكر ّة تستعطفه وتستجديه ليأخذ بيدها فينقذها من براثن الموت كان قد اختفي.. رحل عن القرية دون ان يترك اثرا... كان الأمر سهلا بالنسبة له فهو لا اكثر من عابر سبيل ولا يربطه بالقرية رابط... جاء ضمن فريق مسح جيولوجي في مهمة محدودة ولا تدري ان كان دوره فيها قد انتهي ام أنهاه بيده لينفد بجلده بعد ان فعل ما فعل... رأته اول مارأته في حفلة عرس ومنذ ان تلاقت نظراتهما لم تنقطعا طيلة الحفل... لم تغلبه الحيلة في الوصول اليها عقب ذلك فالذئاب تحذق الصيد وتعرف كيفية الوصول الي الفريسة وقد كانت عفاف فريسة سهلة لم يبذل جهدا يذكر في سبيل الوصول اليها فوقعت بين يديه او بالأحري بين مخالبه.. افترس جسدها بنهم ولم يبقي منها الا اشلاء تلهو بها وتتقاذفها الأيام. حدث ما حدث وهي طالبة في سنتها الأولي بالمرحلة الثانوية.. طالبة مثالية ومتفوقة.. نظيفة وانيقة ومحبوبة بين قريناتها ومعلميها... في غفوة من الضمير بدد الذئب سعادة غامرة كان يموج بها بيت عبدالهادي وحكم علي فتاة بريئة بالموت... كانت كثيرا ما تتساءل في نفسها ماذا كان يكون الوضع ياتري لو انها كانت ولدا وفعل مافعل بفتاة ما.. هل كانت تكون نصيحة امها ذات النصيحة التي نصحتها بها فتطلب منه ان يتجرع السم او ان يقوم ابوه بليّ عنقه او ذبحه !!؟؟؟؟؟ ..... الطبيعة تتعامل بمعيار واحد فلا تفاضل ولا تفرق بين ذكر وانثي فكلاهما يحس بالجوع والعطش وبالألم والمرض وبالحب والكره وبالرضاء والغضب وكلاهما يموت اذا انقطع الهواء وكلاهما مثلما يحيا يموت وكلاهما يخطيء ويصيب ويضحك ويبكي ولكن بينما يسمح للرجل ان يضحك كما يشاء يطلب من المرأة ان تضحك بقدر معلوم... يخطيء الرجل كيفما يشاء فأن هتك عرضا يطلب منه او يترجي ان يصلح خطأه بالزواج وان رفض ذلك وأبي تدفع الفتاة ثمن خطئها وخطأه معا ً فتؤمر بتجرع السم بيدها وان تباطأت في ذلك تقتل في الحال... الموؤدة في عالمنا هذا واقع باق وملموس وليست عادة جاهلية كما ندعي.. وكل الفرق اننا لم نعد نقتلها وهي طفلة لكننا جاهزون لقتلها في اي وقت آخر وبوسائل متعددة ولا نسأل ولا تسأل بأي ذنب قتلت !! الوأد ليس عادة جاهلية علي الأطلاق بل عادتنا في كل عصر وان اختلف شكل التنفيذ.... ما أتعس نساء عالمنا يخرجن من ارحامهن قتلتهن و وجلاديهن...قد افلحت انثي العقرب فمنذ ان يخرج الصغار عن البيض لا تستبقي من الذكور الا ّ واحدا !! .
وشأن الوأد شأن عبادة الأصنام حطمناها حجارة وعبدناها لحما ودما.. نصنعها بأيدينا من اللا شيء ونظل حولها هاتفين .. تدق الدفوف وتعزف المزامير حتي تغدو آلهة تحيي وتميت.. تغني وتفقر..تمنحك الصحة او ترميك بالسقام...الهة تعز من تشاء وتذل من تشاء ..تأمر وتنهي ونقدم لها القرابين زلفي... نخشاها اكثر من خشيتنا الله... نسبح بحمدها ونكفر بنعم الخالق وآلآئه.. حطمنا اللات والعزي ومناة وهبل ومن قبلها ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا ولكنا عدنا من بعد نعبد آلهة لاحصر لها... آلهة تغفر لنا اساءتنا للوطن وهتك الأعراض واغتصاب الحقوق وتغفر ماتشاء الا ّ ان تكفر بها او تنازعها الوهيتها .


( 12 )

حادثة مقتل ( استير ) من المواقف التي ظلت في ذاكرتها دون ان تمحو الأيام ايا من تفاصيلها ربما لأنها المرة الأولي التي تقف فيها عن كثب علي حادثة مثلها .. فحين وفدت عفاف الي بيت حاجة مدينة للوهلة الأولي كانت قد رأتها ضمن من رأت.. فتاة في مقتبل العمر لا تفارق الأبتسامة شفتيها... خفيفة الظل وطيبة المعشر علي الرغم من ان حصيلتها من العربية لاتتعدي سوي مفردات معدودة تنطقها حسبما شاءت... وجدوها جثة هامدة في غرفتها بينما اختفي عشيقها الذي كان قد قضي ليلته معها... سائق (قندران) من بني جلدتها اعتاد زيارتها كلما جاء الي المدينة حاملا أكياسا من الطعام وكرتونة بيره وما ان يأتي حتي يرتفع صوت جهاز التسجيل بأغنيات ( منليك)... لم يُرَ مغادرا في الصباح ولم تخرج هي من غرفتها في الموعد المعتاد...تذكر عفاف وعلي شفتيها ابتسامة يخالطها الحزن( جرسة ) علوية في ذلك اليوم وهو يصيح ويضرب علي وجهه بكفيه وعلي جوانب رأسه وماكاد يكف عن الولولة لولا ان انتهرته الحاجة مدينة بنهرة تفوق قوة صوته مائة مرة : " انستر ياخملة ... اسكت يامائل الرجال ... عمي يقلع عينك "!!! وتلك كانت من المرات القلائل التي تحتد فيها لهجة حاجة مدينة لا سيما تجاه علوية... وكان هو اول من اكتشف الواقعة.. الوسادة مازالت فوق صدرها وعيناها جاحظتان... علي مقربة منها كان جهاز التسجيل موضوعا علي منضدة وزجاجات فارغة ملقاة هنا وهناك ومازالت بقية منها في الكرتونة دون ان تفتح... عاينت مديرة الدار المتمرسة وبكل هدوء اعصاب مسرح الجريمة وهي تطلب من الجميع الخروج وعدم لمس اي ٍ من الأشياء بينما همست في اذن عفاف بمالم يسمعه سواهما. ولحسن حظ عفاف فقد كان الرائد حسن كلاش متفرغا في ذلك اليوم و منذ ان هاتفته لم يستغرق طويلا من الوقت حتي جاء يلبي استغاثتها قبل حضور رجال الشرطة . وحسب مااقترحته الحاجة مدينة نزولا عند الظروف المحيطة بعفاف انصرفت في رفقة الرائد حسن كلاش دون ان ينتبه الآخرون لمغادرتها. وبما انه قد القي القبض علي المتهم الذي اعترف بجرمه دون مراوغة الا ّ ان عفاف لم تعد ثانية الي ذلك البيت .

كان بيت ( سالم وزير ) هو الملاذ الجديد لعفاف ويقع في الطرف الآخر من المدينة وفي حيّ اكثر رقيا لا مقارنة بينه وبين منزل حاجة مدينة من حيث شكل البناء والنظام والترتيب...ذهبت اليه في ذلك الصباح برفقة صديقها الرائد حسن كلاش كملجأ مؤقت الي حين ان تهدأ الأمور ولكن لما كانت تمتلك موهبة افشاء الحب في كل ماحولها فقد عمل صاحب البيت بكل ما في وسعه لاستبقائها . وسالم وزير هذا من فصيلة علوية لكنه اكثر طموحا وتطلعا وتربطه علاقات حميمة ووثيقة مع كثير من كبار المسؤولين والموظفين فاستغل تلك العلاقات جيدا فامتلك هذا البيت كما امتلك غيره. وفيه التقت عفاف بالعديد من هؤلاء وتعلمت الكثير وتفتحت مداركها فاحتلت المرتبة الأولي في تقدير مديرها فكان هو بنفسه من اطلق عليها اسم الأستاذة. كان يوكل اليها ادارة المنزل في غيابه و يعتمد عليها في ذلك كل الأعتماد فهو كثير التسفار.. يسافر منتقلا بين مصر ولبنان واثيوبيا وغيرها فيوم هنا ويوم هنالك .

سيد محمود الحاج
09-28-2009, 09:57 AM
( 13 )

معظم رواد بيت (سالم وزير ) كانوا من اصحاب السيارات الذين يأتون بما تصطاده ايديهم وغالبا مايأتون خلال ساعات النهار.. زوجات ينتهزن فرصة غياب الأزواج وانشغالهم ربما دفعت بعضهن الحاجة وبعضهن ربما يشبعن رغبة ويكملن نقصا او يبادلن خيانة بخيانة.. قد تتكرر زيارات البعض منهن فتأتي في كل مرة بأسم غير الذي جاءت به في المرة السابقة ومثل هذه الظاهرة تطلق عليها عفاف مجازا اسم ( صفية عزالدين )... وصفية عزالدين هذه كانت تأتي في زيارات متباعدة في صحبة رجال مختلفين فجاءت مرة بأسم شادية ومرة بأسم نادية ومرة بغيرهما ولكن كشفت المستور وريقة تحوي وصفة طبية صادرة من احدي مشافي الأقاليم باسم (صفية عزالدين) سقطت من حقيبة يدها خلسة وتأكدت عفاف من انه اسمها الحقيقي حين نادته بها فاستجابت للنداء ومدت يدها تستلم الوصفة دون ان تعلق بشيء.

من ضمن من التقتهم في مشوارها الطويل حاج الفاضل تاجر المحاصيل ...كان ذلك اثناء حضورها الحفل الذي دعيت له والمقام علي شرف حاجة مدينة بمناسبة عودتها من الأراضي المقدسة بعد ادائها فريضة الحج للمرة السابعة... وفي ذلك تتباهي الحاجة بأنها بذلك تكون قد اكملت سبعة حجات وانها ادّت العمرة سبعة مرات وقبلت الحجر الأسود في مرات لاتحصي ووقفت علي استار قبر المصطفي عليه الصلاة والسلام مرات و مرات ويتباهي علوية من جانبه مفاخرا ان مثل ( القعدة ) التي اقامها علي نفقته العام قبل الماضي في مناسبة كتلك لم يتكرر مثلها ابدا مذيّلا ً تفاخره..." هي ْ لاكين الحاجة مابتستاهل... الزي الحاجة منو يايمة البتدي الكاشيت والسيكو "!!!.

هنالك التقت عفاف بحاج الفاضل...فمنذ ان جلست علي مقعدها ظلت نظراته تلاحقها .. كانت في البدء نظرات مسترقة ثم لم تلبث ان غدت احتكارا... لاتفارقها الا ّ حين يفرغ كأسه فينشغل بتعبئته علي مهل حتي تفيض الرغوة علي جانب الكأس.... رجل في اوائل الأربعين اختلطت في قسمات وجهه الطيبة بالصرامة... يحتسي كأسه المترع وكأنه الماء ومع ذلك لا يبدو عليه مايبدو علي الآخرين... كلمات محسوبة فلا لغط ولا هزيان... كان يجلس بجوار حاجة مدينة وبدأ انها تكن له احتراما وتقديرا مميزين... كان امر ذلك جليا فمن حين لآخر تشير بأمر الي علوية فيدخل ويعود بصحن يضعه امام تاجر المحاصيل...انواع مختلفة من ( المزة )... جبن وزيتون وفول سوداني وعجور مخلل وغير ذلك لكنه بات في تلك اللحظات منشغلا ً بالنظر الي عفاف اكثر من اي شيء آخر... رأته فيما بعد يأخذ علوية جانبا وهو علي مقعده يتبادلان حديثا فهمت من النظرات المسترقة من قبل كليهما انها موضوع ذلك الحديث وقد صدقت توقعاتها اذ جاء علوية يسعي وبسمة ماكرة علي شفتيه : " عاد يايمة اريتو بختي... حاج الفاضل ماجنّ جن عديل كدا...الرسول ياعفاف انت الرجال ديل بتسوي ليهم شنو... اها كدي ورينا عندك طريقة للحاج دا والا نقول لي سكّو " !!؟... ويبدو ان علوية يود في قرارة نفسه ان يُقال للحاج ( سكّو) فعفاف لم تعد موظفة في بيت الحاجة واذا توثقت المعرفة بينها وحاج الفاضل فسوف يخسر هو الكثير فكرم وسخاء حاج الفاضل لا يدانيهما كرم او سخاء منذ ان رحل امين الشيخ ...." يجدع ابو عشرة زي ورقة الحلاوة "!!.
وكان لتاجر المحاصيل ما اراد ... توثقت المعرفة بينه وعفاف ومنذ ذلك الحين صارت شغله الشاغل فلا يمضي يوم دون ان يراها او يكون في صحبتها... يأتي بعربته (البوكس) حاملا كل مالذ وطاب يسهران معا ولا يبارح بيتها الا في وقت متأخر. وقف بجانبها في مواقف عدة يؤازرها بكل مايمكنه ويعينها في كل امر سوي طلبت ذلك ام لم تطلب ولا ينفك يردد : " عليّ اليمين المتلك محلو ماهنا " !!! .


( 14 )

" لعنة الله عليك يا رشيد صادق "!! ... عبارة درجت علي ترديدها كلما عادت من شرودها الطويل والمتلاحق وكلما فكرت في هذا الضياع الذي تعيشه... لا تفتأ تردد ذلك في نفسها في مواقف عدة ولنفسها فقط فحتي ابنتها التي تنام في احضانها لم تسمع حرفا من تلك العبارة التي تخفي تحتها بركانا يهتف ويزمجر في دواخلها دون ان ينفجر.. واكثر ما كانت تخشاه ان ينفجر يوما فيحرق كل ما حولها ويحيل كل شيء الي رماد . فعل فعلته ومضي وكأن شيئا لم يكن... تركها تجابه محنتها لوحدها ولاذ بالفرار الي حيث لا تدري ولا يدري احد... هؤلاء هم القوّامون علي النساء... ذئاب مكشرة عن انيابها لا هم لها الا ان تشبع نهمها. لم تضع في حسبانها ان الأيام ستجمعها به يوما ويعود في حياتها بطريقة او بأخري... كان ذلك بعد اكثر من عامين اعقبا تلك الليلة التي تحولت فيها من فتاة بريئة تنعم بالعيش وسط ام واب وبيت شرف الي مومس في اوساط واوكار لا تدب الحياة فيها الا ّ اذا حل الظلام وسكنت الكائنات... غناء ورقص.. طرب ومجون... وعود زاهية وآمال تخضر وتزدهر كلما اوغل الليل في مسيره وحين ينبلج الصباح تكشف الشمس عن اوهام واحلام زائفة فلا يبقي سوي قوارير ملقاة هنا وهناك واباريق خاوية واعقاب سجائر واثر باهت من عطر وحثالات في قعور اكواب ونساء مكللات بتيجان العهر يتدثرن بأثواب الرذيلة.... كان ذلك في ثاني او ثالث ايام عيد الفطر لذلك العام.. لاتذكر ذلك علي وجه التحديد لكن الذي تذكره ان حديقة الحيوان كانت تعج في ذلك اليوم بأعداد غفيرة من الناس... منهم من اهل المدينة ومنهم من جاء من الأقاليم والأرياف .. تكاد تضيق بهم الحديقة برغم اتساع رقعتها... ومن بينهم اجانب تتدلي حقائبهم علي اكتافهم ومجموعة منهم تلتقط صورا لبعض الحيوانات انشغلت بهم لبعض الوقت مصطنتة الي تحاورهم امام قفص وحيد القرن لعلها تفهم شيئا مما يدور فقد كانت مهتمة باللغة الأنجليزية منذ ايام دراستها. كانت قد جاءت الي الحديقة علي اثر الملصقات التي تعلن عن حفل كبير تحييه نخبة من كبار الفنانين... عثمان حسين..محمد وردي... حسن عطية... احمد المصطفي...سيد خليفة...احمد الجابري... ثناي النغم مع ألعاب خضر الحاوي... ومنذ ان قرأت ذلك الأعلان صممت علي حضور الحفل المعلن الذي يجمع القمم في مكان واحد ويوم واحد... احست بشيء من التعب بعد ان طافت بأرجاء الحديقة الواسعة فجلست علي احد المقاعد الأسمنتية تأخذ قسطا من الراحة قبل ان يبدأ الحفل الذي بات وشيكا فهاهي مكبرات الصوت المثبتة علي اشجار اللبخ واشجار النخيل قد بدأت بثها بترديد بعض الأغنيات المسجلة يتخللها صوت مذيع يعلن عن الحفل الكبير... انشغلت بمشهد اسرة تفترش النجيلة التف افرادها في بشر حول بعضهم ومن بينهم امرأة كبيرة في السن ذكرتها ملامحها بجدتها لأبيها ... جعلت تسترق النظرات اليهم لتملأ فراغا ت في نفسها خلّفها فقدانها الأهل والعشيرة... انساقت وراء ذلك طويلا وعادت الي الوراء تذكر مواقف ومناسبات فتدمع اعينها... تجمعت كل احزانها في تلك اللحظة وماكادت ان تبرحها الا ّ حين اعلنت مكبرات الصوت عن وصول الفنانين .

بارحت ذلك المكان متقدمة الي حيث نصب المسرح لعلها ان تجد كرسيا تجلس عليه قبل ان يتكالب زوار الحديقة فيصعب الحصول علي مقعد ... لفت نظرها رجل يجلس علي مقربة من مكان الحفل علي واحد من تلك المقاعد الأسمنتية وكأن امر الحفل لا يهمه.... مايزال جالسا في وقت يتزاحم الناس فيه حول المسرح لايجاد موقع يمكنهم من المشاهدة... عجبت للأمر ولكن الأعجب انه كان رشيد صادق... نعم كان هو بشحمه ولحمه ... ذلك الوحش وعيناه المليئتان بالخبث والمكر تطالع في كل الأتجاهات... لم ينتبه الي وجودها ربما لأن مجموعة من النساء كانت تحتشد علي مقربة من حيث كان جالسا... لا بدّ انه يبحث عن فريسة من بينهن يخدعها ثم اذا قضي وطره مضي الي حيث لا يدري احد... احست بكل حقد الدنيا يتجمع في دواخلها وغلي الدم في شرائيينها وفار حتي اشتمت رائحة احتراقه وتلبستها رغبة قوية في الأنتقام فنسيت كل ماحولها في تلك الساعة ولم تنتبه الي بدء الحفل ولا الي لعلعة مكبرات الصوت... همت بالتوجه نحوه والأنقضاض عليه بكل قوتها واخذتها رجفة سرت في كل اوصالها :

احسن تخليه لليالي والزمن
يمكن يحس ضميره ويهديه للصواب
اغفرلو ياحنيّن وجاوز لو ظلم
ما أصلها الأيام مظالم والعمر بمضي في ثواني
واصبر واصبر علي جرحك وان طال الألم

هدّأت تلك المعاني السامقة الرفيعة من تلك الثورة العارمة التي احتشدت في دواخلها ومضت تحلق بها في فضاء بعيد واسع الأرجاء... لله درّك يااباعفان تفعل مالا يفعله السحر فتطفيء بشدوك حمم بركان... ولكن هل يستحق الغفران من لا يرحم !!؟؟؟

سيد محمود الحاج
09-28-2009, 10:02 AM
( 15 )
نعم مثل رشيد صادق لا يستحق الغفران... خففت روعة اللحن من روعها فكان كماء بارد سكب علي قضيب متوهج ولكن كان ذلك الي حين اذا رأت عفاف طفلة ترتمي في احضانه دون ان يأبه بها ومن جملة ماكانت ترغي به لم تفهم سوي كلمة ( بابا ) التي لم تكف الطفلة عن ترديدها لكن الأب منشغل عنها تماما وماكاد يريح نظراته من ملاحقة النساء و يستجيب لنداءات الصغيرة الا حين جاءت في اثرها امرأة لا يظهر من وجهها الا عيناها جلست تشاركه مقعده والطفلة تحاول ان
ان تحشر نفسها بينهما.... بدا لها انه لم يرحه مجيء المرأة وجلوسها بجانبه ولم ترحه مشاركتها له المقعد... ايقنت عفاف انها زوجته وتلك لامحالة طفلته... لقد خدعها اذن في اكثر من مرة... حين فعل فعلته بها كان متزوجا وله طفلة عمرها عام او ربما اكثر من ذلك ولم يكن عازباً كما اوهمها.. احست بمزيد من البغض والكره وانبعثت تلك النار تسري في كل خلية من خلاياها... عضت علي شفتيها الرقيقتين بقوة وعادت تلك الرغبة القوية بالأنتقام تتلبسها مرة اخري... قامت عن مقعدها وقد بدت في شراسة لبوءة فجعت في اشبالها ... غادرت حاضرها تماما عائدة الي تلك الليلة التي رأته فيها للمرة الأولي في مناسبة العرس...ابتسامته الزائفة والأناقة التي يختبي تحتها كل قبح عرفه تاريخ القبح....كلماته المنتقاه ورقة الطبع المصطنعة..كان شيطانا تلفح بدثار الملائكة.... وعادت الي الليلة التي تلت ذلك وكيف غرر بها و نجح في استدراجها الي غرفته وهتْك عرضها دون رحمة واستباحة عذريتها... وذكرت يوم ان لجأت اليه عقب ذلك ليصلح ما افسده... تنكره لها ... لم يزل صدي كلماته يتردد في مسامعها... تنصل عن كل شيء وانكر اي علاقة له بها وطردها كما يطرد الكلب فمضت عنه تتجرع مرارة الخيبة والخداع... كان لعنة تجسدت في هيئة انسان... لعنة الله عليك ايها الذئب..تنعم بدفء اسرتك وترمي بي علي جمر الأيام فأظل احترق واحترق وتتعالي صرخاتي فلا منقذ ولا مجير.... شريدة تتنقل بين المواخير كما يتنقل الذباب بين الجيف... يحكم عليها بالموت ويغتصب عمرها الغض فيهنأ بعيشه وتشقي هي بحياة ملؤها ألم وبؤس لا تبدده الأيام... لن تدعه يفلت من العقاب فالفرص لا تتكرر...هذه ساعة الثأر فلتثأر لشرفها وعمرها الذي استباحه هذا الوغد ولتذيقه من ذات الكأس اللاذع. ظلت تراقبه من حيث لا يراها تنتظر اللحظة المواتية للأنقضاض ولم تعد تسمع من بعد لحنا ولا ايقاعا ولا اي صوت آخر سوي ذلك الصوت المنبعث بقوة من دواخلها.
وحين ماجت الحشود تحت وطأة الطرب و جاءتها الفرصة التي انتظرتها طويلا ترددت لبرهة وارتجفت اوصالها لكنها تمالكت نفسها وتقدمت خطوات للأمام لتسدد للوحش طعنة نجلاء من وراء ظهره فلا دماء ولا انّة متوجّع...طعنته وهو بين الحشود ملتصقا بأجساد النساء غير آبه بما حوله فمثله لا يشجيه غناء ولاتتسع وجدانه لغير الخبث... تلقي الطعنة غير آبه وذات الأبتسامة البغيضة علي شفتيه...حضرها بيت المتنبيء : " اذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظنّن ان الليث يبتسم "..".لن تبتسم من بعد ايها الذئب اللعين... قد لا اسمع صرختك المنكرة ولا أري دماءك القذرة تلطخ الثري الساعة الا انني علي يقين من انني سوف أظل أري ذلك طيلة سنوات عمري" ....لا يساورها شك في ان الطعنة نافذة ومميتة فأني له ان يحيا وهاهي ممسكة بكبده في يمناها !!؟
مضت علي عجل تغادر ساحة الجريمة تاركة الذئب القتيل ينعم بموته ملتصقا بأجساد النساء وانثاه محشورة بين الذكور تقنع بثوبها اسفل وجهها فلا تُظهر الا عينيها ... وأنبأت الأيام عفاف بعد اعوام طوال تلت ذلك ان الذئاب لا تشتهي لحم بعضها .


( 16 )

جاء تاجر المحاصيل في الوقت الذي اعتاد ان يأتي فيه متوقفا امام باب المدخل فهاهو بوق سيارته يدعو (خزنة ) الخادم لفتح الباب... يمضي خزنة علي عجل ويأتي حاملا كرتونة البيرة ومن بعدها بقية من ما اعتاد حاج الفاضل ان يأتي به... اكياس تحوي انواعا من اللحوم والخضر والفاكهة وما ان يدخل حتي يخلع الجلباب ويضع عمامته جانبا فلا يبقي الا بالعراقي والسروال ويتجه الي حيث وضعت الكراسي لاستهلال برامجه الليلي فيجلس حافيا ضاغطا بقدميه علي اعشاب النجيلة مستمتعا برطوبتها ويريحهما من عناء يوم حافل بالحركة والتنقل في اسواق المحاصيل. وبعد اخذه قسطا من الراحة يبدأ في تحديه للبيرة كأن بينه وبينها ثأر وصحون المزّة في غدو ورواح .
الا ان ذلك المساء لم يكن كسائر الأمسيات التي سبقته...كان مختلفا تماما بالنسبة لحاج الفاضل ولم تكن الأمور كما عهدها... كان ذلك بعد ان قضي الأمسية وارتدي الجلباب استعدادا للمغادرة في الوقت المعتاد لأنصرافه فقد فاجأته عفاف بقرار مفاجيء لم يحسب له حساب..كان قرارها الذي اتخذته هو ترك المنزل وتسليم المفتاح لصاحبه وسبق ذلك شكرها وامتنانها علي كرمه وشهامته وكل ما فعله لأجلها و قالت له بانها لن تنسي شيئا من ذلك الا ان الظروف تحتم عليها اخلاء المنزل... نظر اليها في دهشة وعاد يجلس بعد ان تأهب للخروج واطرق في صمت طويل وتعابير وجه تكشف عن مايعتري دواخله في تلك اللحظة وعندما تغلب علي ذلك الشعور واستطاع ايجاد الكلمات تساءل ان كان قد بدر منه ما أثار عدم رضائها ودعاها لأتخاذ هذا القرار. قالت له عفاف في جدية من اتخذ قرارا لا نكوص فيه ان لاشيء ضده البتة وان مواقفه النبيلة ستبقي قيدا يطوقها مابقيت في الحياة الا ان ابنتها في طور النضج وانها حتي اللحظة تمكنت بقوة خارقة من اخفاء الأمر عنها ولم تجعلها تحس بحقيقة الوسط الذي تعيش فيه لكنها لاتضمن ان تظل الحقيقة مخفية لأبعد من ذلك واذا استمر الحال يسير كما هو عليه فلابد ان تتجسد الحقيقة امام اعين طفلتها في وقت قريب جدا فسامية الآن في عمر يظهر الأمور بشكل اوضح من ذي قبل واذاما تكشّفت الحقيقة فان ذلك سيكون ودون ريب وبالا وسيدمرها دمارا لا يمكن اصلاحه من بعد فلا شيء امامها الآن الا ان تنأي بها عن هذه البيئة غير الصالحة للنموء ولا بد لها من المضي بعيدا والبحث عن حياة جديدة في بيئة نظيفة تليق بفتاتها..بيئة تصونها وتوفر لها حياة كريمة.

قال حا ج الفاضل بشكل صارم و دون تردد : " خلاص انا معاك ودا الكلام الصاح..بكرة الصباح نجيب المأذون واعقد عليك " !!... ألجم قرار تاجر المحاصيل لسان عفاف فجلست مطرقة تقلب الأمور في ذهنها علي عجل وتوازن بين هذا وذاك.. ليس في شخص الرجل مايعاب..رجل شهم يتحلي بكل صفات الرجولة الحقة... وقف معها في اوقات شدتها ولم يبخل عليها بشيء طلبته ام لم تطلبه ويكن لها كل حب واحترام ولم تحس يوما بأحساس غير ذلك ومنذ ان عرفته لم يجرحها حتي بكلمة واحدة... أليس هو من ظل يقول لها منذ ان عرفها وحتي اللحظة " المتلك علي ّ الحرام محلو مو هنا " ويكفي انه منذ ان عرفها لم يغب عنها سوي في ظروف قاهرة... لكن أليس من الجائز ان يعتقد حاج الفاضل ان قرارها هذا ماهو الا نوعا من الأبتزاز والضغط علي اليد الجريحة !!... طال صمتها والرجل ينتظر بفارغ الصبر ردها علي ما اقترحه... قلبت الأمور علي كل الجوانب... " ولكن ... حاج الفاضل ركن من اركان ذلك الماضي الذي هي بصدد الهروب منه فوجوده في حياتها يعني استمرار الماضي حتي وان اختلف الوضع علاوة علي انه لم يتخذ هذا القرار الا حينما اضطر اليه اضطرارا...ربما ستظل في نظره عشيقة لا زوجة حتي في ظل رباط شرعي وهذا مالاترضاه وفوق هذا وذاك فهو رجل متزوج وله اولاد وبنات في سن الزواج... كيف لها ان تبني سعادتها علي انقاض سعادة الاخرين!! من الأفضل ان يبقي كل ماكان ذكري من مجمل الذكريات. الخروج من نفق كالذي تعيش فيه يستوجب تضحيات جسام...الدواء مرّ وطعمه لاذع غير مستحب لكنه يأتي بالشفاء... شحذت عزمها تماما فكان مدية اجتثت الأواصر التي تربطها بحاضر عافته نفسها تماما.

سيد محمود الحاج
09-28-2009, 02:07 PM
( 17 )

شيئا فشيئا بدأت تستعيد طعم الأشياء من حولها ذلك الطعم الذي افتقدته منذ ان جاءت تتخذ هذه المدينة ملاذا من نتانة اوساط ساقتها اليها الأقدار قسرا... استغرق ذلك وقتا فسنوات طوال من حياة صاخبة تبدأ حين يهجع الأنام ولا تنتهي الا اذا هجعت النجوم...حياة الأجساد فيها سلعة تباع وتشتري واجود صنف للأكثر سخاء , لايمكن ان يزول اثرها بسهولة وحتي مع زواله فأن شيئا منه سيظل باقيا في النفس. تجرعت عفاف الدواء بامتعاض باديء الأمر الا ان عائد ذلك كان شفاء لم تحلم بنيله وماحسبت ان يصبح كل ماكان ماضيا لا يربطه بحاضرها رابط... تري ماجري معجزة من المعجزات.
سماحة طبعها وطيبة اصلها.. بساطتها وحبها للآخرين وتوخي الصدق في تعاملها معهم وسعيها المتواصل في التواصل مع الناس من حولها وتقديم العون والمساعدة لمن يحتاجها واحساسها الدائم بالحاجة الي أهل تستعيض بهم عن الأسرة المفتقدة .. كل ذلك ساهم في الشفاء من التلوث وسهل عليها امر اندماجها في مجتمعها الجديد كما كان لنضوج فتاتها وتفوقها المتواصل في دراستها وسعادتها بهذا الوسط الجديد الذي ربطتها به صداقات عدة , كان له اثر فعّال في الأنصهار وفي استعادة الطعم الحقيقي للأشياء. افتتحت مشغلا صغيرا للخياطة والتطريز داخل منزلها المستأجر وكانت قد تعرفت علي (نعيمة) وهي امرأة عانس فاتها قطار الزواج ذات اخلاق حميدة وسيرة حسنة بين الآخرين لها خبرة طويلة في اشغال الخياطة والتطريز وبمساعدتها ازدهر المشروع الصغير فوفر لعفاف ماتستطيع به مجابهة الحياة ومتطلباتها .
شهور معدودة وتكمل سامية دراستها في المرحلة المتوسطة .. من يري قامتها الجامحة يحسبها اكبر من عمرها الحقيقي.. جميلة ممشوقة القوام وذات جاذبية لا تقاوم وهذا ما رأته امها قبل غيرها مذ كانت الفتاة طفلة فكان ذلك يخيفها بقدر مايسعدها لذا فقد كانت تفعل كل ما في وسعها للمحافظة عليها وحمايتها من كيد الذئاب ذلك الكيد الذي هي أعلم الناس بمثله.... أوليس الأنتقال الي هنا ألا ّ وسيلة من تلك الوسائل ... لأجلها وقبل كل شيء آخر ..بحثا عن الصوْن والعفاف .
نعم... كان الأنجاز الأوحد والأعظم لعفاف هو تنشئتها لفتاتها... تلك التنشئة التي ربما لم تحظ َ بمثلها قرينات لها تربين في بيوت عز وشرف وفي رعاية اسرة من اب حمش وام لا تغفل لحظة عن رعاية بيتها واطفالها ... لم يكن ذلك بغلظة او شدة في التعامل بل بالثقة المتبادلة وباللين والعطف فلا زجر ولا حدة... لم تكن تتدخل في امورها بشكل مباشر حتي وهي طفلة بل تقودها الي الطريق القويم طوعا ً غير مكرهة ودون ان تحس الطفلة بذلك ... ترسم الحروف لها لتقوم الفتاة بوضع النقاط عليها من تلقاء نفسها... فلا غرو ان عرفت بين صديقاتها ومعلماتها وكل من تعامل معها برفعة الخلق وبالصدق والاخلاص والبراءة وبكل ما يحمد... تتنافس قريناتها في التقرب منها واكتساب صداقتها فلا عجب ان حظيت بصداقات جمة في المدرسة وفي الحي ّ ايضا فتفيض مشاعرالأم بشرا
كلما ضاقت الدار بصديقات فتاتها.

( 18 )
ماعاد الأمس الا بعض ذكريات واهية وصور باهتة تتراءي في ذاكرة عفاف في مواقف معينة فقد تبدل حالها تماما فهي اما تعمل برفقة نعيمة في المشغل او تطالع كتابا اوصحيفة او منشغلة بقراءة القرآن عقب كل صلاة تؤديها ونادرا ما تغادر الدار لزيارة مريض او أداء واجب عزاء او تلبي دعوة تلقتها لمناسبة من المناسبات...أحبها كل من تعامل معها فلا يكاد يخلو بيتها من صديقة زائرة او زبونة ترغب في خياطة فستان او تطريز ثوب او ملاءة... وفوق ذلك فقد باتت موضع ثقة نساء الحيّ يأتمننها علي نفائسهن واسرارهن و يستشرنها في امورهن الخاصة ويطلبن رأيها فقد وجدنها ذات خبرة بأمور الحياة ومثقفة واسعة الأطلاع.... " ياسبحان مغير الأحوال يعز من يشاء ويذل من يشاء "... كانت تردد ذلك بينها وبين نفسها كلما فكرت في الأمور وما آل اليه حالها... عوضت خيرا عن كل ماقاسته وعانته بعد ان ظنت كل الظن ان ينقضي عمرها مرتحلة بين المواخير.. لا يأتيها من يأتيها الا ّ لأبتياع الرذيلة وشراء الشرف المعروض بأبخس الأثمان... ياسبحان الله مغير الأحوال فهاهي اليوم في بيت يأتيه الناس ويتوافدون عليه ليودعوا فيه نفائسهم واسرارهم ثقة في قاطنته او ليجدون النصح منها او المشورة في امر من امورهم.. بون شاسع بات يفرق بين امسها وحاضرها.... نعم فالمعدن النفيس لا ينال منه الصدأ حتي وان طمره سخام الأزمان..مسحة خفيفة كفيلة بأعادة بريقه ولمعانه .
انشغلت تماما عن ماضيها القاتم بحاضرها المشرق الوضاء... تقدم يطلب يدها الأستاذ (عبدالكريم ) ناظر مدرسة الأولاد... رجل يحظي بأحترام الجميع وتقديرهم منذ مجيئه الي الحي ّ قبل سنوات من وصول عفاف... ارادها ان تكون اما ً لأبنتيه وان يكون أبا ً لفتاتها سامية فقد توفيت زوجته في ريعان شبابها وكان ذلك اثناء ولادة الطفلة التي هي الآن في سن سامية او اصغر بقليل وكانت واسطة الخير في ذلك ( شامة ) اعز صديقات عفاف وزوجة المساعد الطبي الذي يدير ( شفخانة ) الحي ّ.. لم تفاجأ عفاف بالأمر فقد ساورها احساس من هذا القبيل تولد عن كثرة التصاق ابنتي الأستاذ بأبنتها وترددهما علي المنزل وتوددهما اليها بشكل خاص واحساسها بأنهما تحاولان اتخاذهما امّا ً بديلة من خلال استشارتها من حين لآخر في امورهما الخاصة جدا علاوة علي ماكان يبدو علي وجه ابيهما كلما التقاها... كل شيء فيه كان ينطق بهذه الرغبة... كل ذلك جعلها لا تستغرب الأمر. اكبرت ذلك فيه واحست بسعادة غامرة تملأ مشاعرها فمثل هذا يعني لها الكثير وهي التي لم تخرج من اوكار الظلام الي ساحات النور الا ّ منذ امد قريب... زادها ذلك ثقة في نفسها اكثر من ذي قبل فقد حظيت بالقبول وبالأحترام والثقة من قبل الآخرين فهاهو رجل في قامة (عبدالكريم سعيد ) يطلب يدها ويتخذ وسطاء لأجل الحصول علي موافقتها. وعلي الرغم من ان الأمر لم يكن مفاجئا لها الا ّ انها لم تجد ما تقوله لصديقتها شامة زوجة المساعد الطبي فرجل مثله لا يُرفض لا سيما وان ظروفهما متطابقة تماما فهو أرمل في عهدته فتاتان في عمر يستوجب وجود ام ترعاهما وتعينهما في مرحلة كتلك وهي الأخري عزباء لديها فتاة تحتاج مثلما تحتاج هي ايضا الي رجل يوفر لهما الحماية ويشعرهما بالأمن والأمان ويكون لهما معينا في وجه الأيام. اطرقت تقلب الأمر ذات اليمين وذات اليسار ومن فوق ومن اسفل لتجد نفسها انها ليست اهلا وغير مستعدة لتحمل مسؤولية كتلك فعلي الرغم من قوة حاضرها الا ّ انها مازالت تخشي بطش ماضيها فلا بد ّ ان يسألها يوما عن زوجها الراحل..اصله وفصله وعن امور اخري لا تود ان تُسأل عنها فتلك صفحة قد تخطتها ولاتريد ان تعود او تعيد قراءتها.. لئن كذبت يوما فليس في وسعها ان تضطر الي الأتيان بكذبة اخري تتولد عنها سلسلة من الأكاذيب لا تنقطع وربما هوت بها واحدة منها الي قاع سحيق فتدمر كل مابنته.... الحياة الزوجية ينبغي ان تبني علي اساس متين من الصدق والصراحة والثقة فأين لمثلها بلبنات او احجار لبناء مثل هذا الأساس. هكذا اختطت لها الأقدار ويتوجب عليها ان تسير علي خطي اقدارها... لتكن حياتها لفتاتها فقط ولن تبخل بشيء في سبيل مساعدة من يطلب مساعدتها.
وبدل ان توفق (شامة) في مساعيها بأقناع صديقتها اقتنعت تماما برأي عفاف وبكل المبررات التي ساقتها لعدم قبول العرض وكان ذلك بأسلوب رفيع لا يخدش احساسا فهكذا جبلت عفاف .

سيد محمود الحاج
09-29-2009, 09:29 AM
( 19 )
أنهي ذلك الصباح قطيعة دامت أعواما بين عفاف ومدينتها السابقة وماكانت لتنتهي تلك القطيعة لولا ان الظروف اقتضت ان تذهب في معية مجموعة من نساء الحي ّ لزيارة زوج احداهن الذي كان طريح الفراش بأحدي المستشفيات هنالك... اتخذت مقعدها في الحافلة المكتظة بجوار النافذة وانشغلت منذ تحركها بمرأي معالم الطريق ... القري والأرياف التي كانت تجتازها المركبة في طريقها الي وجهتها ونسمات الصباح المشبعة برائحة العشب والماء تأخذها في غفوة لهنيهة ثم لا تلبث ان تفيق علي هدير محرك شاحنة تجتازها الحافلة او عند صرير مكابح مركبة تسير علي مقربة منها فتمضي عيناها تتابع المروج والحقول والبيوت واللافتات التي تبين اسماء القري الواقعة علي الطريق ولعلها المرة الأولي التي تمر بها عبر هذا الطريق ففي المرة التي جاءت فيها اولا كان الوقت مساء فلم تتح لها فرصة مشاهدة تلك المعالم... أفاقت من احدي غفواتها عندما شعرت وكأن الحافلة توشك علي التوقف وبدا ان عطلا ما قد ألم بها فها هو السائق يترجل عن المركبة يسبقه المساعد لفتح غطاء المحرك... لم يستغرق ذلك طويلا من الوقت ويبدو انه لم يفعل شيئا غير اضافة ماء التبريد ... تساءلت في سرها عن اسم القرية التي توقفت عندها الحافلة فاللافته التي تحدد الأسم غير موجودة في مكانها لكنها سمعت تعليقا من احد الركاب :
" اصلها لفة ابوعشر دي دائما محل كوارث ... حتة نحس "!!! ... كان لوقع الأسم صدي قويا ً ظل يجلجل في دواخلها فمالت بوجهها علي ظهر المقعد المقابل واضعة يديها واحدة فوق اخري ... وعلي صليل تلك العبارة عاد الماضي كله في لحظة واحدة وكأنه أفعوان ساحر هندي يتلوي علي صفير مزمار كما انكأ جرحا حسبته عفاف قد اندمل مع الأيام لكنه لم يندمل... هنا وقعت الحادثة التي راح ضحيتها (امين الشيخ) ورفيقاه قبل اعوام طوال من ساعتها تلك.... رأته في تلك اللحظة وعلي شفتيه تلك الأبتسامة .. ممتلئا شبابا وحبا للحياة ومنذ ان جاء يحيا ثانية لم يفارق مخيلتها طيلة الرحلة... مشاهد ومواقف تتكرر مرارا منذ اول يوم اجتمعا فيه حتي آخر لحظة قبل ان يودعها مغادرا في رحلته التي لم يعد منها الا لتتلقفه احضان قبره..." عمر الشقي بقي "!!... البقاء لله وحده!!؟... لم ترحها الذاكرة من تكرار المشهد ولم تقو َ علي مسك ادمعها ولا كبت عبراتها... بكت وكأن الفاجعة قد حدثت للتو وظلت علي ذات الوضع... منكبة بوجهها علي ظهر المقعد الواقع امامها.... حسبت جهلا ان الماضي يمكن قتله ودفن رفاته ولكن دمعة واحدة كفيلة ببعث الحياة فيه في ثانية واحدة فها هو يحيا ثانية ويطوقها بجنده وعتاده فلا تجد منفذا للهروب.
وعاد فيمن عاد علوية يعاكسه عبدو سكر وبينهما يجلس متقرفصا عبدالقادر وثّار العناقريب يشد الحبال ويعالج رجل عنقريب وحاجة مدينة جالسة علي سريرها الموضوع في الناحية الغربية لغرفتها ويداها تعيدان جدل ضفائر بيض تصر علي تحدي الزمان بها.. وامامها علي حافة منضدة صغيرة حقتها المعدنية المزينة بمرآة صغيرة مستديرة ... ومرت حادثة مقتل ( استير )... صور متعددة توالت ... سهرات وقعدات في مناسبات عدة وفي اماكن متفرقة... اطلت وجوه كثيرة.. صور تضمحل واخري تظهر بوضوح واخري بين هذا وذاك... الرائد حسن كلاش..مصطفي النضيف موظف البنك.. كابتن كمال.. حاج الفاضل وبرزت وجوه اناث كثر من بينهن وجه استير القتيلة و وجه صفية عزالدين ذات الأسماء التي لا تعد واطل من بين ذلك اقبح الوجوه يعكر صفو الذكريات.. وجه الشيطان.. محور مأساتها ومع ذلك احست بتبدد ذلك الكره الذي تحمله تجاهه فقد علمتها الأيام ان التسامح والغفران يصقلان الروح ويجملان النفس...مضت في فصول امسها تدفعها طاقة قوية كأنها من كان يبحث عن ذلك الماضي وليس الماضي من كان يبحث عنها... وتوغلت الي حد بعيد في مسيرها بين شعاب ذلك الأمس حين بدت معالم مدينة الأمس في الظهور .

( 20 )

" ألف ألف سلامة ياحاج الفاضل .. شدة وتزول ياراجل.. سلامتك ياخي وكلنا كرامتك "!!.. هكذا دوي صوت الزائر وهو يصلح وضع عمامته ويتوجه هاشا الي حيث يرقد المريض علي سريره القابع في زاوية العنبر من الجهة الأمامية ويفصل مابينه وبين سرير الرجل الذي تزوره عفاف مع صاحباتها ثلاثة اسرة... شد ّ انتباهها وقع الأسم فتسارعت دقات قلبها وانطلقت نظراتها تسابق خطوات الزائر الي حيث كان يرقد المريض الذي رأته محاولا تغيير وضعه برفع رأسه عن الوسادة لأستقبال زائره والزائر يلح عليه ان يبقي علي حاله... " اخذ راحتك ياحاج... خليك مرتاح " غير ان المريض يصر علي تغيير وضعه متغلبا علي آلآمه وضعف جسده ويده تحاول التشبث بعكازة معدنية ذات مسند كانت متكولة الي جانب السرير.. جسم هزيل وبقية من شعر علي جانبي الرأس احتله الشيب .. يحاول جاهدا اصلاح جلسته ويسحب علي مهل رجله المبتورة من اسفل الركبة..." لا..لا..لايمكن ان يكون ذلك الرجل هو حاج الفاضل الذي تعرفه... تشابه اسماء لا اكثر..لاشيء فيه يشبه حاج الفاضل.. امسكت بلجام نظراتها المتمردة لتفلت من قبضتها ثانية علي نبرات الصوت الذي لا يخفي عليها ولعله الأثر الوحيد الذي تبقي دون ان يلحق به الوهن... ظلت ضحكته المميزة محتفظة بقوتها رغم المعاناة الظاهرة... تتردد من حين لآخر اثناء تبادل الحديث مع زائره.. همت بالتقدم نحوه واخذه في احضانها ولكن قبل ان يحدث ذلك اسرعت بمغادرة العنبر لئلا ان تقرأ واحدة من رفيقاتها ما بدا علي وجهها فهي ان كانت قد وجدت مبررا لأحمرار اعينها وامتقاع وجهها عند نزولها من الحافلة فأي مبرر ينقذها من هذا الموقف وهذا الأحساس الذي يعتري دواخلها الآن !!؟. وفي مكان منزو ٍ في ذلك السور الفسيح جلست وقد اطلقت العنان لعبراتها وادمعها فبكت وكأنها لم تبك من قبل وقد حق لها ذلك فللرجل معها مواقف لا تنسي وجمائله قيد يكبلها..." علي اليمين المتلك محلو مو هنا "!!... وما كانت لتبرح صومعة آهاتها تلك لولا ان خشيت ان تفطن الي غيابها بقية النسوة فمضت بعد ان غسلت وجهها مرارا لأزالة اثر الدموع والعبرات.. مضت وهي تغالب رغبة جامحة في الدنو من الرجل ومواساته لكنها تخشي ان تنهار امامه وامام الآخرين من حوله وحولها.. وتظل الفكرة تلح بشدة... أيعقل ان تري رجلا مثل حاج الفاضل في وضع كهذا فتتجاهله وتبخل حتي بمواساته وهي التي قطعت مئات الكيلومترات لزيارة رجل لاتعرف عنه اكثر من انه زوج احد نساء حيّها !!؟ ولكن كيف يمكنها ان تقوم بذلك دون ان تفضحها مشاعرها او ان تهزمه مشاعره هو الآخر فيتساءل من حولهما عن سر ذلك !!؟ .. لا..لا.. الفكرة غير صائبة... فلتتخلف اذن عن صاحباتها لتتمكن من مقابلته علي انفراد فترتاح من حمل العبرات ذلك الحمل الذي يكاد يقطع انفاسها.. ولكن اين تقضي ليلها وهي وحيدة... هل تعود تبحث عن وكر من تلك الأوكار فينهار في لحظة ذلك الجدار المنيع الذي انفقت سنوات طوال في بنائه ليفصل فيما بينها وبين ذلك الأرث الذي لا تتمني ان تنال منه ذرة!! واي عذر تسوقه لنسوتها مقابل تخلفها عنهن في رحلة العودة !!؟... نعم كانت محقة في خوفها المستمر من ذلك الماضي فكلما حسبت انها قد اصبحت بمنأي عنه يأتيها من حيث لا تحتسب ويضعها في مواقف يصعب تخطيها ..جاءها بغتة يرافقها في غدوها وهاهو يتأهب لمرافقتها في رواحها .
طوال الساعات التي استغرقتها رحلة الأياب ظلت منكبة علي وجهها متكئة علي ظهر المقعد المقابل تملؤها الأشجان وتتقاذفها امواج من الذكريات .. تعيد سيرة ايامها وذلك الرجل الشهم وكأنها تؤنب نفسها وتحملها مسؤولية ما ألم ّ به..كان قرارها ان تعود في اقرب وقت الي المدينة وحدها لزيارة الرجل فله في ذمتها دين بل ديون وهذه مناسبة عليها ان ترد من خلالها جزءا يسيرا من ذلك الدين فكم آذرها في مواقف ماكانت لتتخطاها دون عونه و العشرة لا تهون الا علي الأنذال وهي ليست كذلك.. واذا كان حاج الفاضل احد دعائم ذلك الأمس القاتم الذي لا تود الأقتراب منه الا ان مشاعره نحوها وتقديره لها ووقوفه بجانبها في كل عثرة تجعل ذلك الجزء من الماضي جزءا ينبغي ان يظل حيّا.. نعم ..قد يكون الماضي مفعما بأشياء لا نريدها ولكن مع ذلك لا يمكننا ان نرميه بأكمله فهنالك محطات يلزم التوقف عندها.... ألم تكن تتمني في قرارة نفسها ان تقابله دون الآخرين !! فهاهي الفرصة قد اتتها !! .

نعم تمنت ذلك قبل الآن ولكن لا لشيء سوي اعادة اوراق ملكية المنزل الذي سبق ان شراه منها بالثمن الذي طلبته عندما اصرت علي بيعه لحاجتها للمال... فقد اعاد الأوراق ووضعها خلسة في خزانة الملابس دون ان تعلم متي وكيف تم ذلك فلم تكتشف الأمر الا مصادفة وبعد زمان طويل من انتقالها الي المدينة التي تعيش فيها الآن.. وجدت اوراق التسجيل والملكية محتواة في مظروف دسّ بين طيات ثياب قديمة وقد اختفي مستند الشراء المحرر من قبل محامي والذي يثبت واقعة البيع وملكية حاج الفاضل للمنزل .

سيد محمود الحاج
09-29-2009, 12:46 PM
( 21 )

لزمن طويل ظلت تتساءل كيف امكنها الوصول الي بيتها القديم ذلك اليوم واي درب سلكته واي وسيلة أقلتها.. فهي لا تذكر شيئا من ذلك ابدا... اغلب الظن انها غابت عن الوعي او غاب الوعي عنها لوقت لا تعلم مداه منذ ان وقع النبأ عليها وقع الصاعقة... انبأتها رئيسة العنبر بشكل عفوي وكأن الموت عرس : " تعيشي انت... الدوام لله ".... نعم الدوام لله ولو كان غير ذلك لدام حاج الفاضل ومن قبله امين الشيخ... تجهل تماما كيف ساقتها خطاها وتجهل اي قوة مكنتها من قطع المسافة فيما بين المستشفي وبين بيتها السابق في ذلك الحي البعيد.. هل استغلت مركبة ام ذهبت سيرا علي اقدامها وكل ما تذكره انها كانت واقفة امام مدخل بيتها القديم منخرطة في بكاء مرير وصبية من علي البعد ينظرون اليها مندهشين... ادارت قفل باب المدخل ولكن هيهات ان يرضخ ما اوصدته السنين... استعصي عليها القفل فقد عشعش بداخله الصدأ وسدت الأتربة منفذه... ذهبت الي البقالة الواقعة في ناصية البيت المجاور.. مازالت اللافته هي ذات اللافتة... ( بقالة الشريف ) وان كان حرف (الياء) قد اختفي لاتدري ان كان ذلك بفعل فاعل ام بفعل الزمن... هل ياتري مازالت تدار من قبل صاحبها(عم الشريف) ام انه مضي هو الآخر في ركب من رحلوا... ولكن لم يكن عم الشريف ولا غيره بل امرأة بدت في الستين من العمر او اقل او اكثر من ذلك بقليل تدلت خصلة طويلة بيضاء علي ظهرها وتضع نظارة سميكة العدسات.. استقبلتها بأبتسامة تنم عن ذوق في التعامل... " أليست هذه بقالة عم الشريف " ؟... ضحكت المرأة ضحكة مقتضبة وردت مازحة : " لا دي الوقت دي بقالة خالتك انجيل ياستي..اي خدمة "؟! وقبل ان تعلق عفاف بشيء اردفت الخالة انجيل : " يوه انت من زمن عم الشريف..دا يكون دا الوكت مات وشبع موت... يظهر انك كنت بره البلد "!!... ظلت عفاف تطالع الأرفف وكأنها تبحث عن صنف من الأصناف مخبأ بين جوانبها دون ان تدلي بشيء تجاه حديث صاحبة البقالة ولما عادت من شرودها واستدركت الأمر لوّحت برأسها ايجابا قبل ان تقول : " ايوة كنت بره البلد "!.

علمت عفاف ان الخالة انجيل هي مالكة البيت وبعد ان تنازل عم الشريف عن البقالة وأقعده الكبر آثرت ان تشغلها لحسابها فهي الأخري قد تقاعدت عن العمل في البنك وجاءت منذ سنوات تسكن في بيتها بعد ان تخلصت من المستأجر.
سكبت المرأة قدرا من (الكيروسين ) في زجاجة صغيرة واعطته لعفاف حسب طلبها وانصرفت الأخيرة تعالج قفل باب المدخل الي ان تمكنت اخيرا من فتحه...واذا الماضي متجسدا ومتأهبا للقائها فكل شبر داخل السور هب يرفع صورة من صور الماضي وما أكثرها... لم تتمالك نفسها وانفجرت باكية.. نوبة تعقب نوبة وفاضت عبراتها تواصل مابدأته منذ ان تلقت النبأ ويتجدد البكاء كلما ذكرها موضع من المواضع بموقف ما... هنا كانت الحديقة الصغيرة حيث اعتاد حاج الفاضل الجلوس مساء يريح قدميه بدسها بين اعشاب النجيلة الرطبة وهنا كان يوقف سيارته مناديا علي (خزنة) ليساعده في حمل الأشياء... لحق الموت بكل شيء وتكاثرت اشجار العشر لتحتل مكان شجيرات الورد وتراكمت الأتربة والأوساخ والأعشاب الجافة في الحيز الذي كانت تشغله الحديقة فيما مضي ولكن رغم كل شيء ظل المكان يعبق بأنفاس الماضي تلك الأنفاس التي قاومت الموت فلما اعيته الحيلة مضي عنها.

لم تستطع مسامحة نفسها علي تقاعسها في مواساة الراحل حين كان لزاما عليها في ذلك اليوم.. تمنت لو انها قهرت الخوف والتردد فربما كان يكون لذلك اثر كبير وربما كانت آخر امنياته ان يراها مرة قبل ان يرحل عن الدنيا فهي ادري الناس بكم الحب الذي كان يكنه لها... جلست طويلا في صحبة احزانها وعبراتها تستنطق الصمت من حولها فلا يجيب الا بمزيد من الأسي وفيض من الذكريات يتوالي فيطيل الوقوف في مواقف ويستعجل الخطي في اخري... احست بشيء من الراحة بعد ان فضفضت عن عبراتها الكثير ولو ان البكاء والحزن يعيدان من رحل لعاد حاج الفاضل تهدهده امواج ادمعها ممتطيا متن احزانها ولا احسب انها كانت ستغادر ذلك المعتزل لولا ان احست بالعطش فخرجت الي بقالة الخالة انجيل التي بدأ انها كانت تستعد لقفل المحل فقد رأت احد المصراعين مقفلا فأستعجلت الخطي. امرأة مثل انجيل جرجس لا يستعصي عليها قراءة الوجوه والنفاذ الي الدواخل لكنها لم تشا ان تسأل عفاف عن امرها.. تأنت وعدلت عن فكرة الأقفال واضعة مجموعة المفاتيح التي ناءت بها الحلقة علي البنك ودعت عفاف للدخول وهي تسحب لها كرسيا قبل ان تقدم لها كوب الماء وشيئا فشيئا ادارت الحديث الي نواح ٍ عدة وادركت ان عفاف هي صاحبة المنزل المجاور الذي ظل مقفلا لسنوات طوال دون ان يعلم احد عن اصحابه شيئا.. سماسرة عقار يترددون ويسألون بين فينة واخري مااذا كان المنزل معروضا للبيع او للأيجار.
اصرت الخالة انجيل علي جارتها عفاف ان تقضي الليلة معها فهي تعيش وحيدة منذ وفاة زوجها لا يؤانسها الا خادمتها ( ميري ) وكلبها (لاكي) فليس لها سوي ابنة وحيدة كانت تدرس في مصر فطاب لها المقام فتزوجت واستقرت هناك .
في صباح باكر غادرت عفاف منزل انجيل جرجس وقد دلتها الأخيرة علي مكتب احد المحامين حين علمت ان المرأة ترغب في التنازل عن ملكية المنزل لصالح ابنتها سامية فهذا اقل مايمكن ان تعوضها به ولربما خفف من حدة ذلك الأحساس الثقيل الذي ظل يورقها عمرا بحاله .

( 22 )

سبحان مقلّب القلوب... مابكينا من شيء الا وقد بكينا عليه.. ما اعجب الأحاسيس وتقلبات المشاعر.. !! .. انفقت عمرا في الفرار من الماضي وفي وقت ما ظنت انها قد تخلصت منه تماما ولكن تبين لها ان ذلك من قبيل غير الممكن فالماضي يتبعنا اينما سرنا وحيثما فررنا يلحق بنا لأنه جزء منا و لا أدل ّ علي ذلك من وقوفها الساعة باكية علي اطلاله.. تنكرت له وهو حاضر ونأت عن حماه ثم عادت يدفعها الحنين بعد ان اضحي مجرد ذكريات واطياف تتراءي ... كانت قد تركت مبلغا من المال في عهدة انجيل جرجس التي تكفلت بالأشراف نيابة عنها علي عملية ترميم المنزل القديم وتجديد الطلاء فعادت الحياة تنبض في جنباته وتخفق بين اركانه ارواح الأمس تدعوها للم الشمل... نعم... ستعود الي بيتها القديم والي مدينتها التي هجرتها مرغمة اذ لم يعد للهروب مبرر.. اينما تفرون يدرككم الماضي تماما كالموت وكالقدر خيره وشره.
بكي اهل الحي كبيرهم وصغيرهم وتزاحموا حول الشاحنة المكدسة بالأمتعة وقطع الأثاث فقد عاشت المرأة وفتاتها فيهم زمانا جميلا وتركت فيهم اثرا طيبا وسيرة حميدة.. تجمعت صديقاتها وصديقات ابنتها نائحات كأنهن يودعانهما الي مثواهما الأخير واكثرهن حزنا بنتا الأستاذ عبدالكريم (ناهد وهدي) فقد كانت عفاف بمثابة ام لهما ولو انها رضخت لطلب ابيهما لكانت كذلك ولأصبحت سامية شقيقتهما.. قالت كبراهما وهي تغالب عبراتها ان امهما لم تمت الا في هذه الساعة.
كانت الأسباب التي ابدتها لتبرير الرحيل وجيهة ومقبولة فهي قد وجدت فرصة لأبنتها في مدرسة من المدارس المشهود لها لايحظي بمثلها كثيرون ولا يمكنها ان تضيع عليها فرصة كهذه.. ولم تشا نعيمة الخياطة رفض طلب صديقتها عفاف لمرافقتها ومواصلة العمل في المشغل فقد احسنت اليها كثيرا وليس لدي نعيمة ما يمنعها من المضي او يقف حجر عثرة في طريقها .
اعادت عفاف غرس شجيرات الورد في مكانها القديم واعادت الحياة للحديقة الصغيرة ونمت النجيلة تحيل تلك الكآبة الي خضرة زاهية ووضعت قطع الأثاث كل في مكانه الذي كان عليه فيما مضي ورصت كراسي النجيلة علي ذات النسق القديم تتوسطهما الطاولة المصنوعة من الحديد والمطلية باللون الأبيض اخلاصا لذكري ذلك الراحل الذي احتل في نفسها مكانة لا يعلمها سواها فكأنها تريد ان تكفر عن صدها وتعوض روحه عن تلك السعادة التي حرمته منها ذات يوم .. يوم ان اتخذت قرارها بهجران الماضي ومقاطعته.

توثقت اواصر الصداقة فيما بين عفاف وانجيل جرجس فقد لمست كل منهما في الأخري الصدق والأخلاص والوفاء فلا تنجز احداهما امرا مالم تقره الأخري وتبدي الرأي فيه.. تقضيان معظم الوقت قرب بعضهما وبفضل ارائها النيرة اصبح المشغل يوفر دخلا كافيا لتغطية كل حاجيات صاحبته بل واكثر من ذلك.
ظلت عفاف تسعد لشيئين اكثر من سواهما.. عودة الحياة الي دارها القديمة وازدهار ورودها ونمو شجيراتها و اكثر من ذلك تفتق انوثة فتاتها وتألق شبابها.. ولكن وحتي في وجود هذه السعادة الآ انها لاتدري سر هذا القلق الذي بات ينتابها بشكل اكثر حدة من اي وقت مضي وعلي الرغم من ان الماضي لم يعد بعبعا يخيفها ولم تعد تخشي مباغتته وعلي الرغم من ان وجود انجيل جرجس ونعيمة الخياطة قد اضفي مزيدا من الأطمئنان وجعلها تحس حقا بوجود العائلة التي افتقدتها علاوة علي توافد صديقاتها وصديقات ابنتها من حين الي آخر كلما جئن الي العاصمة الا ان شيئا من الخوف والقلق عادا يساورانها كلما مضي الليل وخلد الاخرون للنوم... تأخذها افكارها الي مناح شتي فتمد يدها لتأخذ الفتاة النائمة في احضانها كأنها تخشي ان يأتي الصباح فلا تجدها.. تنامان ملتصقتان جنبا الي جنب وكأن سامية تلك الطفلة ذات العامين لا فتاة توشك علي اكمال المرحلة الثانوية.كانت سامية كل حياتها واغلي ماتملكه في هذا الوجود.. بذلت في سبيل اسعادها كل نفيس وضحت بعمرها لأجل ان تصونها وتوفر لها عيشا رغدا كريما.. لاتذكر متي كانت آخر مرة نظرت فيها الي المرآة لتري صورة نفسها فيها.. ربما مرت سنوات طوال علي ذلك لكن كانت مرآتها فتاتها تنظر في وجها طويلا وتتأملها وهي نائمة فتري صورة نفسها بوضوح فتحس براحة لا حد لها ولكن بقدر ماكان ذلك يسعدها فأنه بقدر ما كان يثير في نفسها مخاوف جمة ويبعث مزيدا من القلق فالزمان غابة تعج بذئاب شيمتها المكر والمكر يغلب الذكاء في كثير من المواقف .

سيد محمود الحاج
09-29-2009, 12:56 PM
( 23 )
عندما جاءت سميرة وطفلتاها كانت وكأنها قد التقت عفاف وفتاتها من قبل وكأنها كانت تعيش معهما قبل ذلك بوقت طويل.. تعرف عنهما الكثير.. قابلتهما بكل عفوية ودون ابداء ذلك النوع من التحفظ الذي يحدث عادة بيننا وبين شخص نلتقيه لأول مرة في الحياة ويبدو ان الخالة انجيل ظلت طيلة السنوات الماضية تحكي لأبنتها عن جارتها وفتاتها من خلال خطاباتها لها حتي انها كانت تقضي معهما من الوقت اكثر من ما تقضيه مع امها في الأيام التي اعقبت مجيئها.. وحتي طفلتاها كانتا تنتظران عودة سامية من الجامعة بفارغ الصبر وكأنها شقيقتهما الكبري.. قالت انجيل لأبنتها التي جاءت من القاهرة بعد غياب سنوات لتعرض علي امها فكرة مرافقتها وزوجها الي استراليا حيث قررا الهجرة : " شوفي ياسميرة لو كنت فاكرة انو ماعندي غيرك تبقي غلطانة..انا دي الوكت عندي عفاف وعندي سامية وعندي كمان نعيمة.. روحي لآستراليا بتاعتك انت وجوزك لكن انا مش ممكن افوت بلدي ولو للحظة.. ايه الفضل من العمر يابنتي عشان ابعزقو غربة "!! .
ذات مساء كان الجميع منشغلين داخل منزل عفاف دائرين فيما بين المطبخ والحديقة واطباق من الفواكه والبسكويت ترص علي الطاولات تتوسطها آنية الشاي والحليب.. كانوا يقيمون حفل شاي بمناسبة حصول سامية علي مرتبة الشرف في امتحانات الكلية.. وعلي الرغم من انها كانت تود الأنخراط في سلك المحاماة بعد اكمال الدراسة واجتياز المعادلة الا ان الخالة انجيل تصر علي مناداتها ب (مولانا سامية ) بدل الأستاذة سامية فالخالة انجيل كانت قد درست في مدرسة الحقوق في بداية حياتها وكانت تتمني ان تصبح قاضية لكنها لم تواصل الدراسة... كان الحفل اشبه بليلة سمر غنت عفاف وغنت سميرة ورقصت ميري ولم تنفك انجيل جرجس تطلق النكات وتقوم بمحاكاة بعض الأفراد والشخصيات المعروفة بطريقة تثير ضحك الجميع فقد كانت تمتلك موهبة من ذلك القبيل.. غنوا وضحكوا كثيرا وقبل ان يختتموا الحفل مضت سامية تجهز المكان لأداء تمثيلية من فكرة امها عفاف لعبت فيها دور الدفاع والخالة انجيل دور القاضي بينما مثلت عفاف الأدعاء وجلست سميرة ونعيمة بجانب القاضي تكملان هيئة المحكمة وجلست في قفص الأتهام الخادمة ميري تمثل المتهمة.. ولو وضعت انجيل شعرا مستعارا علي رأسها لبدت مثل قضاة المحكمة الكبري في لندن فهيئتها والصرامة التي غلفت وجهها وعدسات نظارتها جعلتها تبدو مثل قضاة الأنجليز ولعل مقدرتها علي المحاكاة قد ساعدت في ذلك.
وقفت عفاف تمثل الادعاء وتلخص التهمة الموجهة وبدا انها قد استفادت كثيرا من متابعتها الأفلام والمسلسلات وهي تشير بأصبعها الي حيث تجلس المتهمة : " هذه الجالسة هنالك متلفعة بثوب البراءة بينها والبراءة مابين السماء والأرض فقد ارتكبت من الجرم مااطالبكم حياله بتطبيق اقسي و اقصي عقوبة ممكنة والا تأخذكم في ذلك رأفة او شفقة حتي تكون عظة لمن تسول له نفسه ان يحذو حذوها فقد قامت هذه المرأة في لحظة غاب فيها ضميرها وأعمي الحقد بصيرتها بخطف طفلة بريئة من بين احضان والديها فحرمتها من عطفهما وابوتهما كما حرمتهما من تلك السعادة التي كانت تغمر بها دنياهما.. اختطفتها ومضت دون وازع من الضمير وكأنها صغير كلب او قط وليتها اخذتها الي حيث يمكن ان تتوفر حياة كريمة تليق بطفل في مكان آمن ومجتمع سليم يسمو بالأخلاق لكن وللأسف اختطفتها لتعيش معها في وكر من اوكار الرذيلة اصطفته المتهمة دون سائر الأوكار بأرادتها المطلقة ليكون مستقرا لها و كأنها تريد للآخرين ان ينهلوا من هذا المنهل الآسن فاختارت طفلة بريئة لترضعها من ذلك السوء.. وعليه فأني اطلب من هيئتكم الموقرة بالنظر في الأمر مليا وتوقيع اشد عقوبة ممكنة علي المتهمة فمثلها لا يستحق اقل من ذلك.
جلس ممثل الأدعاء والتفت القاضي الي المتهمة يوجه السؤال المعتاد:" هل انت مذنبة ام غير مذنبة"؟ وبدا ان الخادمة ميري لم تفهم شيئا فكرر القاضي السؤال :" يعني انت غلطانة وله ماغلطانة ياميري"؟ فأجابت بكل براءة :" ايوة انا قلتان..جول بسرق جنا بتاء جول .. كيف ماقلتان "!! وانفجر الجميع ضاحكين فاقتربت منها سامية تلقنها الأجابة التي ينبغي ان تدلي بها فاستدركت الأمر واجابت نفيا. عند ذلك انبرت ممثلة الدفاع وقد اعتدلت في وقفتها : " سيدي القاضي ..حضرات المستشارين لا شك اننا هنا جميعا لأجل شيء واحد ألا وهو تحقيق العدالة بأنصاف المظلوم واخذ الحق من الظالم لا لتجريم الآخرين والصاق التهم بهم دون تحر ٍ للأمور وابراز جوانب قد تكون خافية علي هيئتكم الموقرة وفي غياب هذه الحقائق الغائبة قد ندين بريئا ونبريء مدانا وهنا نكون قد حرفنا العدالة عن مسارها الصحيح وحدنا بها عن الوجهة التي ينبغي ان تقصدها فهذه المرأة ياسادتي لا تعوزها البراءة مطلقا.. قد لا نري ذلك واضحا لأن الجانب الأعظم من ذلك ظل مخفيا في دواخل هذه المسكينة.. نعم ياسادتي ظلت لسنوات طوال تقاسي في دواخلها حمم بركان يحرقها ويدمرها دون سواها.. انا هنا لا اقر فعلا لا يقره القانون لكني اتلمس موطن الجرح فيه اذ تكمن في باطنه الحقيقة وما أمرّها من حقيقة.. فمثلما كانت هذه الطفلة ضحية فالضحية الأكبر كانت هذه المرأة اذ افترسها وحش بشري يوما وهي قاصر.. خدعها بأسم الحب ومناها بالزواج فاستدرجها الي حيث كان يسكن ليغتصبها عنوة.. استباح شرفها وهتك عرضها وتركها اشلاء تقتات منها الحسرة ويعصف بها الأسي وحين عادت تتوسل اليه ان يصلح خطأه انكر اي صلة له بها بل ولاذ بالفرار من بعد ذلك دون ان يترك من ورائه اثرا وتركها تتجرع مرارة السقوط ..وحيدة في محنتها وفي احشائها يتنامي عار لا يمحوه الا الموت.. نعم ياسادتي حكم عليها بالفناء ولما كانت صغيرة علي الموت لم يكن امامها الا الفرار منه فحرمت من اسرتها الي الأبد وكانت لديهم في حكم من مات.. فرت لتستقبلها اوساط قادتها اليها الصدفة وحدها.. اوساط لا تعرف عنها شيئا ولم تحسب انها سوف تكون من المنتمين اليها في يوم من الأيام... واي وسط غير ذلك كان سيستقبل مثلها.. هل تعلمون من هو الجاني الحقيقي الذي جني علي طفلته قبل ان يجني علي هذه المتهمة ؟ .. انه والد هذه الطفلة الذي ارتكب جرمه وهو رجل راشد متزوج وله طفلة.. فعل فعلته ولاذ بالفرار مانحا ضميره اجازة لأمد غير محدود.. قابلته مصادفة بعد اعوام من ذلك وهي تصارع اقدارها وتدفع ثمن خطئه..ارادت ساعتها ان تقتص وتأخذ بثأرها منه..همت بقتله ولكن لما كان مثلها لا يقوي علي قتل احد فقد اختارت اهون الشرين فانتزعت كبده لا لتعضها مثلما فعلت هند بنت عتبة بكبد حمزة ولكن لتنأي بها عن اب لايقل سوءا عن تلك الأوكار التي اشار اليها ممثل الأدعاء وهاهي الطفلة امامكم وقد صارت امرأة فأن وجدتم بها اثر سوء او منقصة فلكم ان تحكموا بما تشاؤون .. الأمر بين ايديكم ياسادتي والحكم لكم "!!.
بلغ التأثر مداه علي وجوه الحاضرين وكان ممثل الأدعاء اكثر تأثرا لدرجة ان رفع يده يجفف دموعا تساقطت كالمطر ولوّح القاضي برأسه ايجابا وران صمت طويل قبل ان ترفع الجلسة للمداولة والنطق بالحكم .

( 24 )

مضي زمان وجاء زمان.. مضي زمان كان القبح فيه لا يخلو من سمات للجمال وكانت للرذيلة فيه شرف ومثل وقيم خاصة بها فهي تعلن عن مكان وجودها لتنذر غير اهلها من مغبة شراكها وتوجه دعوة غير مكتوبة ولا منطوقة الي من لايري غضاضة في الدنو منها والتعرف عليها بل وتتفحص هوية مقدم الطلب فلها شروط ينبغي ان تُستوفي دونها لا يُقبل طلبا ..مضي ذاك الزمان و جاءت رياح تهب من كل صوب وعلي هواها فتارة من قبل اليسار وتارة من قبل اليمين وفي اخري من حيث لا يحسب احد.. لم يعد لها مسار محدد او معروف.. وجاء زمان اضحي الجمال فيه مسخا مشوها لا طعم له ولا رائحة وبات الشرف اسما بلا معني .. تسمع عنه كثيرا دون ان تراه فهو ليس الا ظلا لمجسّم غير موجود وتمنطقت بدثاره الرذيلة فعادت تدخل نهارا جهارا من اوسع الأبواب بعد ان كانت تتسلل عبر ثغرات بالغة الصغر... اختلت موازين الأشياء كافة فنضحك حين نهم بالبكاء ونبكي حينما نريد الضحك ونعدل حين نعتزم الظلم ونظلم حين نود ان نعدل ونكذب عندما ننوي الصدق ونصدق حين نكذب.. امتزجت الأشياء بعضها ببعض فلا حقيقة ولا كذب ولا شرف ولا عار ولا عدل ولا ظلم ولا مساواة ولاتفرقة ولا حلال ولا حرام ...اختلطت صور الأشياء والمثل واختلفت المعاني وتداخلت بحيث يصعب التفريق فيما بينها.

جاءت سامية ذات اصيل علي غير عادتها بوجه متجهم وهي التي لا تفارق البسمة شفتيها.. مرت من امام متجر الخالة انجيل دون ان تلقي عليها التحية مثلما اعتادت في كل يوم ودون ان تغشاها لتسلمها الصحف كما جرت العادة.. دخلت الي المنزل وهي علي تلك الحال فنظرت امها في وجهها مستغربة سر هذا التحول المفاجيء الذي سيطر عليها واخفي تلك الأبتسامة ومنعها حتي من الأقتراب من سرير( عفاف) الصغيرة لتطمئن عليها وهي نائمة كما هو الحال في كل يوم... وقبل ان تتساءل الأم اردفت سامية : " تصوري ياماما دي اول مرة اخسر فيها قضية"!! قالت ماقالت وانفجرت باكية.
كانت مرافعتها قوية في دفاعها عن موكلها الا ان هيئة المحكمة لم تقتنع بشيء مما ساقته في دفاعها ولم تقدم دليلا واحدا يمكن ان يبريء المتهم من التهمة المنسوبة اليه او يكون مبررا لتخفيف الحكم فقد ثبتت جريمة قتله زوجته ومن حسبه عشيقها... ذكر المتهم في اقواله انه وجد الرجل عاريا في سريره وبجواره زوجته لكن التحري لم يثبت حقيقة ذلك اذ وجد القتيل بكامل ملابسه كما ان تقرير الطبيب الشرعي لم يعثر علي اي دليل علي حدوث سوء.. كان القتيل موظفا تابعا لشركة الكهرباء وكان قد جاء لتسجيل قراءة العداد.
ولا يُعرف هل اكثر ماكان باعثا لحزن سامية هو خسرانها القضية ام تلك العاطفة التي ربطت بين اسم المحكوم عليه بالاعدام شنقا حتي الموت وبين اسم ابيها... الرشيد عبدالصادق قاتل زوجته صفية عزالدين وقاتل موظف شركة الكهرباء ايضا.
في ذلك المساء نامت عفاف ملء شواردها فلم يعد يساورها ذلك القلق الرهيب الذي لازمها زمانا طويلا وتأكد لها انه في غياب عدالة الأرض فللسماء كلمتها .

(...... انتهت .....)

سيد محمود الحاج
10-03-2009, 09:53 AM
خرج الرعاة مبكرين كعادتهم في كل صباح و أمامهم تتراكض الأغنام في طريقها إلى مرعاها المعهود الذي يصلها بأسباب الحياة إذ ليس في تلك القرية الجدباء مايسد رمقها ، وما أعجب أن يمر الطريق إلى الحياة عبر الموت .. فمقبرة القرية تقع في ذلك الحيز الضيق الذي ينساب الطريق إلى المرعى من خلاله .. وما أشده عجبا أن يرى الرعاة ذلك الذي اسموه حارس القبر أو عابده كما يحلو لبعضهم القول ، قد عدل على غير عادته عن الوضع الذي ألفه واعتاده الناس فيه منذ ان حل بهذه القفار فكان يُري في كل صباح ومساء اما جالساً او متكئاً ووجهه صوب ذلك القبر المنعزل عن بقية القبور والذي ضم رفات تلك المعتوهة التي عُرفت بأسم عجيبة .. كان يلازم هذا الوضع معظم ساعات يومه وقلما يعدل عنه لكأن الشمس تزّاور عنه في شروقها وتقرضه في غروبها .. ولا أحد يدري الكيفية التي يعيش بها هذا الغريب الأطوار وهو على هذا الحال .. فما ملكوا اكثر من أن اطلقوا عليه (حارس القبر) أو (عابد القبر) كما يحلو للبعض ان يقول .

أما في ذلك الصباح الباكر فقد كان الأمر جد مختلف إذا رأى الرعاة حارس القبر أو عابده ممدا فوق القبر كأنه في عناق معه ويداه مغروستان في ثراه .. ماذا في الأمر ياترى؟ هل إنتهج هذا الغريب نهجاً آخر في في عبادته لهذا القبر بعد أن ملّ ذلك الذي درج عليه لما يناهز العشرين عاماً او يزيد !! ولتبديد ما اعتراهم من ريب دنوا قليلاً من الموضع ليتبينوا سر ذلك التحول المفاجئ وألسنة بعضهم لاتكاد تكف عن تهكم وسخرية ، والبعض الآخر صامت لايدلي بشئ .. فمن بين أهل القرية من يرمي ذلك الغريب بالصلاح لغرابة أطواره بينما يضحك البعض من هذا الإفتراض تهكماً .. فأنّى لعبد مثله أن يكون صالحاً .. أنه لا أكثر من عبد معتوه أو ساحر .. وقد تحرش بعضهم به من قبل ذلك ليخرجوه من قريتهم ولكنهم لم يفلحوا فهو لم يقاومهم بل كان صامتاً صمت تلك القبور حيال كل المحاولات التي تمت من قبلهم سوى أن كانت بالضرب أو رشق بالحجارة أو غيرهما .. بل ولم يحاول حتى النظر في وجوه مهاجميه ، وإذ ذاك تركته الشرذمة من متطرفي القرية وشأنه بعد أن نصحهم البعض بالكف عن ذلك مخافة أن يكون هذا المخلوق من الصالحينً فتصيبهم لعنته أو ساحراً فيلحقهم كيده.

وإذ وقفوا عن كثب وجدوا حارس القبر ساكناً بلا حراك .. ممداً فوق كومة القبر وفي كلتا يديه قبضة من ثراه ولم تستطع مرارة الموت أن تنتزع عن وجهه تلك السعادة الظاهرة وذلك الإطمئنان البيِّن فبدأ كمن استغرق في سبات عميق يعج بأحلام المنى.
ولما لم يكن من بين اولئك الصبية من يملك خبرة عن كيفية التصرف في مثل هذه الأحوال فقد قفل بعضهم راجعاً إلى القرية يستنجد باهل المروءة و لم يطل الأمر حتى أقبل من أهل القرية نفر أزاحوا الميت عن موضعه وحملوه إلى ظل شجرة بعد أن ستروه ريثما يهيأ له قبر .. وانقضت المعاول تشق قبراً بجوار ذلك القبر الذي كان يحرسه غير أنها توقفت خضوعاً لإرادة الطبيعة إذ أن الأرض في ذلك الموضع كانت من القوة والصلابة بحيث لم يتمكن الرجال من مواصلة الحفر فتخلوا عن ذلك إلى موضع آخر في الجهة المقابلة .. ومرة اخري تهاوت المعاول تشق الثرى غير ان محاولتهم الثانية لم تكن باحسن من سابقتها فالأرض في هذا المكان متصلبة أيضاً فتوقف الرجال كل يزيح عن جبينه قطرات من العرق تراكمت حتى في غياب الشمس وكل يحدق في وجه الآخر حتى اشار كبيرهم لاهثاً إلى قبر عجيبة مقترحاً عليهم فتحه وإيلاج الجثة فيه جنباً إلى جنب مع ساكنته تلك المعتوهة التي كأن هذا الميت قد جاء ليمسك بخلافتها .. فلا الوافد ولا النزيل يربطهما بهذه الأصقاع رابط حتى يستحقان كل هذا الجهد أو ان يحظى كل منهما بقبر منفرد .. انهما لا أكثر من عبدين آبقين عابرا سبيل لايُعرف من امرهما شيئاً.
ولم يدر ذلك النفر وهم يهيلون التراب على القبر بعد أن اودعوه الجثة ان مافعلوه بمحض الصدفة كان غاية وأمالاً جساماً ثمنها عمر امرء ظل يعدو في الحياة منذ ان تفتق شبابه إلى اللحظة التي ولى فيها عن هذه الدنيا .. وهاهي الطبيعة تنصفه اخيراً فتحقق له غايته بعد ان ادركه الموت .. فإذا بالأرض قد استحالت صخراً لتفرض على من بدد سعادته وفرق شمله واستباح حريته ان يمهد له بيديه ودون ان يعلم لقاء ابديا لافراق بعده .. فهكذا الإنسان .. ظلوم جهول.

لقد وضعت تلك اللحظات خاتمة مأساة ينفطر لها كل قلب اؤتي من الرحمة مثقالا .. مأساة ترعرعت في غياب الضمير البشري فاستفحلت وعظم شأنها .. ولكن ماهي الا أيام قلائل فيندرس ذلك القبر ويصبح نسياً منسياً دون أن يعرف أحد عن أمر ساكنيه شيئاً .. وأنّى لأي من هؤلاء الرعاة بالحقيقة وبينهما بون شاسع .. قفار واحراش وجبال .. سهول وأودية .. فهي قاصية عن تلك الاصقاع .. تكمن في واد بعيد لايربطه وهذه القفار رابط ويختلف عنها في كل شئ .. تنام هنالك في احضان المروج وتشهد عليها تلك التلال الصخرية المحيطة بتلك القرية الافريقية وتخلدها ملحمة الصباح الباكي التي تردد في كل عيد حصاد.
كانت سحب الخريف الماطرة قد ارتحلت منذ ايام قلائل ولم يتخلف عن ركبها سوى غيوم متفرقة لايؤبه بها ، أو بقايا وحل في قيعان الأودية العميقة والبرك المتناثرة حول تلك القرية التي تكاد التلال الصخرية أن توصد منافذها من جميع الجهات عدا من جهتها الشرقية التي ادى انبساطها الى ان تتخذ حقولاً يزرع فيها الذرة والفول السوداني وغيرهما من المحاصيل التي يعتمد عليها في الغذاء .. الشمس ساطعة في كبد السماء والرياح قد غيرت مسارها لتفسح الطريق لفصل جديد ، وسنابل الذرة في الحقول قد نضجت وآن أوان حصادها ، وماهي الا ايام حتى يتم جمعها ، ثم يأتي بعد ذلك الاحتفال العظيم .. عيد الحصاد حيث ترقص القرية شيبا وشبابا ، وتعم الفرحة كل شبر فيها .. وتتواصل ايام اللهو والمرح وفقاً لكمية الغلة المحصودة فان كل المحصول وفيرا طالت وان قل قلت. وعلى ذلك فقد كان الفتية والفتيات هم اكثر اهل القرية حرصاً على ان يكون الحصاد وفيراً فلا غرابة ان خرجوا جميعاً وايديهم تهز بقوة كرات نحاسية مقفلة وضعت في داخلها حصيات صغيرة تحدث صليلاً يفزع العصافير فيبعدها عن الحقول لتسلم من كيدها تلك السنابل التي يتحكم مقدار حبيباتها في موسم الإفراح. كانت الفرحة في مثل تلك الأيام ترتسم على كل وجه في القرية فترتفع الحناجر بالغناء والأناشيد إستقبالاً لذلك العيد الذي تتوق وتهفو اليه افئدة الشباب فتشتعل حُباً مثلما تشتعل تلك السنابل حَباً.

وإلى عهد ليس بالبعيد كان اذا دنى موسم الحصاد وخرج الصبية من اكواخهم في تلك التلال وهم يقرعون نواقيسهم ليبعدوا العصافير عن الحقول كانت تخرج إليهم الجدة (توجو) تلك الهرمة التي لايعرف احد عمرها الحقيقي ولكن هيئتها كانت تدل على انها تجاوزت المائة عام ربما بكثير ، اذ لم يبق من اترابها أو حتى من جيلين اعقبا جيلها أثر .. جميعهم رحلوا عن هذه الدنيا منذ زمن بعيد ولم يبق من تلك الأجيال سواها .. مجموعة عظام يحفظها جلد بالٍ لاتحصى عدد طياته .. وكانت تظل في كوخها معظم أيام السنة ولاتكاد تبرحه الا عندما يحين موسم الحصاد كأن رائحة السنابل الناضجة تجتذبها مثلما تجتذب اسراب تلك العصافير .. فتقف مستندة على عصاها عند اطراف الحقول وترغى بترهات لايفهم صبية الحقول منها شيئاً .. فأسنانها قد تساقطت جميعها منذ أمد وانطبق فكاها حتى عاد فمها مثل محفظة جلدية بالية. ولكن قلة من الناس كانوا يعرفون ماذا تقول .. فهي تطلب من الفتية والفتيات أن يحتموا بمغاراتهم في تلك التلال الصخرية وان يدعوا الطير يقتات من هذه الحقول حتى لا يقتات من اجسادهم .. أما اولئك الصبية فما كانوا يأبهون بقولها لانهم لايعون من الامر شيئاً .. ولكنها دأبت على ذلك حتى اصبحت وكأنها فقرة من مراسم العيد .. وكانت مشاركتها تقتصر على ذلك الى ان ادركها الموت فأراحها وألحقها باترابها الذين سبقوها الى الدار الآخرة. ورغم ان هذا العيد هو عيد الفرح والمرح الا ان هنالك فقرة من فقراته وهي الاخيرة يحرص جميع اهل القرية كباراً وصغاراً على حضورها وهي ماتعرف لديهم بملحمة الموسم الباكي فهي فقرة شجية حزينة .. مرثية تبكي فتية من فتيان هذه القرية اخذوا من ديارهم عنوة .. ظلت ترددها الاجيال عبر السنين في كل موسم من مواسم الحصاد ولعلها تردد لخمسين أو ستين عاماً مضت .. فيلتف أهل القرية في حلقة واسعة يقف الرجال في جهة منها والنساء في الجهة الاخرى...


في ذاك الصباح تلبدت بعض الغيوم
وامطرت السماء بعد ان ولى الخريف
وأوجس القوم خيفة وتعجبوا..!
انى للسماء بهذا وقد عادت الى مهجرها الطيور..!
وغيرت مجراها الرياح
ونظرت الأم (ميكاكا) ملياً تتفرس وجه ذاك الصباح
ثم عادت مقطبة الجبين
اذ لم تر في الافق نورا
لم ترحنا نظراتها
ولكنا تفاءلنا خيرا
ومضينا لاندري شيئاً
حتى اقبل صباح كأنه الليل البهيم
واغار غرباء
على ظهر خيول
والفتية في قلب الحقول
يحرسون السنابل من كيد الطيور
يلهون في بشر وفي قلوبهم اينعت فرحة العيد
فها هوا آت نكاد نسمع وقع خطاه
غدا يرقص جميعنا على دقات الدفوف
ونجمع الحصاد اكواما كالجبال
ونأكل وتأكل الاغنام والدواب
فهي لاشك فرحة بمقدم العيد كحالنا
سوف نصلي للسماء ونبتهل مليّا
ان كفتنا خبزاً وضرعاً
ولكن...
اغار اولئك النفر وفي ايديهم الرعد
يزمجر وهو رهين قضيب ذو عنق طويل
تفوح منه رائحة الحجارة عندما تحتك ببعضها
وارتاع الصبية في الحقول..
كأرانب وحشية تطوقها كلاب
اقتيدوا مكبلين بالقيود
صبية وصبايا واطفال صغار
اقتلعوا من اصلهم في وضح النهار
فكيف لنبتة أن تحيا بلا جذور
ومن حيث ساروا انبعثت رائحة الافراح الميتة في القلوب
ما ابشع ان تموت الفرحة في المشاعر
وخلت تلك الحقول
الا من بعض خزاريف وبقايا ارغفة ممرغة في التراب
بعضهم لم يكمل افطار الصباح
ولم يهنأ ذاك الصبي بخزروفه الجديد
ولا تلك الفتاة بتميمة العيد
لم يأخذوا من اغراضهم سوى تلك البهجة التي كانت تزين التلال والمروج
وانقضت اسراب العصافير على اكواز الذرة
تشقشق في حبور اذ خلت من فتيتها تلك القرى
وتسخر من احجار النواقيس المتناثرة في ارجاء الحقول
فتحط في كبريا ء لتقضي حاجتها عليها
[/color][/size][/font]

سيد محمود الحاج
10-04-2009, 10:54 AM
( 2 )

كان يوم مثل ذلك اليوم منذ اعوام طوال خلت .. السنابل الناضجة تفوح رائحتها في كل الأرجاء والفتية والفتيات في قلب الحقول تحجب عنهم الأفراح حرارة الشمس التي استطاعت التخلص من معتقل السحب الغازية منذ عهد قريب .. يرددون عذب الأغاني على وقع تلك الشخاشخ الطاردة للعصافير وتباشير العيد تحيط بالقرية من كل صوب .. وجميعهم منهمكون في العمل .. يؤدون واجباتهم في بشر وحبور وبجانبهم الصبية الصغار يجمعون ماتساقط من الاوراق والأعشاب وينظفون الحقول .. فهم ايضاً ينتظرون العيد ويحلمون برائحة شواء اكواز الذرة وحبيبات الفول التي سوف تعطر اجواء القرية عما قريب .. والشباب اكثر من في الحقول همة وخفة وعزما .. ترى أيديهم تهز تلك النواقيس بعزم .. كل بقرب من يحب .. يرنو بمقلته اليه ويهمس بما في قلبه .. انه موسم الحب ايضاً كما هو موسم الحصاد .. كل فتى يعمل بقرب فتاته معظم ساعات اليوم .. وجميعهم يتمنى أن تدوم مثل هذه المواسم إلى الأبد .. ولكن هيهات ان يبقى شئ على حاله.

ومن بين الفتيات كانت (بورا) .. تلك الفاتنة المثيرة .. كل مافيها ينبض جمالاً وسحرا .. هيفاء فرعاء مثل مهر يوشك ان يناطح السماء ... جسدها الغض ينم عن انوثة مبكرة تفتقت قبل اوانها .. عيناها مستديرتان واسعتان يموج في اعماقهما الشهد .. تمتزج فيهما معان كثيرة فينعكس ذلك بين حين واخر على وجه مستدير جميل .. صوتها عذب حلو .. كأغاريد الصباح .. ونهداها بارزان كأنهما يهمان بالرحيل عن صدرها الى نقطة ما في الفضاء .. حين تمشي ترى صويحباتها يثقلن من خطواتهن من غير تعمد حتى تكون هي في مقدمتهن لكأن ذلك مكانها الذي خلقت له وحبتها الطبيعة به .. شأنها شأن الغانيات أو شأن من يرى جماله في نظرات غيره .. عنيدة كفرسة لم يمس ظهرها بعد .. كانت نظراتها الساحرة في ذاك الصباح يشوبها قلق بادئ .. فهي تنظر في ارجاء الحقول من حين لآخر كأنها تنتظر شيئاً والفتيات من حولها يمرحن في خفة وبشر وهن يرددن عذب الأغنيات .. والفتى (تورو) يختلس النظر اليها من بين سيقان الذرة على مسافة منها وسرعان ما يحيد بنظره اذا ما التقت نظراتهما متظاهرا بالانهماك في العمل فأولى له فعل ذلك والا فان حظه لن يكون اقل سوءاً مما كان في الموسم المنصرم ويشهد على الذي كان اثار ذلك الجرح الغائر في وسط ظهره وبورا تلقى بنظراتها الحائرة القلقة بعيداً غير ابهة به او ربما لم تكن تحس حتى بوجوده رغم التقاء النظرات .. فالقلوب هي التي ترى في مثل تلك الاحوال لا العيون .. لقد حاول تورو فيما مضى ان يستميل قلبها غير ان جميع محاولاته منيت بخيبة امل اذ لم ينفتح قلب بورا يوماً لسوى اكر ذلك الفتى الجسور الذي يبدو كليث كاسر اذا ماغضب وكغيث ماطر اذا طرب .. فارع الطول .. قوي الساعدين .. مفتول العضلين .. واسع الصدر .. عندما يمشي تحس كأن الارض تئن تحت قدميه .. شهم .. لايخيب ظن من يطلب عونه وفوق كل هذا وذاك فهو البطل الفذ على حلبة المصارعة .. لم يستطع اي من مصارعي القرية ان يحتل مكانه ابدا .. فلا غرابة في ان تعلقت به قلوب الفتيات فكل واحدة منهن كانت تتمنى في قرارة نفسها ان يكون لها .. لكن القلوب عند بعضها .. فلم ينفتح قلبه الا لتلك الفاتنة .. بورا .. كأنما خلقا لبعضهما .. كانت اذ التقت اعينهما يسري الحب فينبثق انبثاق الضياء فيعم ما حولهما .. كلاهما يحيا ابداً في احاسيس الآخر .. فلا ترى عيناها سواه وكذا عيناه لاترى سواها .. اكر وبورا .. كان عشقهما اسطورياً ان لم ير احدهما الاخر خلال يومه ماج قلق رهيب في دواخله سرعان ما ينعكس على تصرفاته .. وامام هذا العشق القوي المتبادل والذي احسه كل فرد من اترابهما كتم كل من له شعور كهذ نحو اكر أو بورا عواطفه في اعمق اعماقه فحب كهذا الذي يفيض فيضا ليس للدخيل مكان فيه .. ولكن كان من بين اترابهم من لم ييأس فقد حاول تورو التقرب من بورا وعمل جاهداً لاستمالة قلبها فكانت ترد عليه بالتجاهل حيناً أو بالعبوس احياناً لكنه لم يرعوِِِ الى ان وصل ذلك الى علم اكر .. فواجهه بالامر واقترح عليه ان تكون حلبة المصارعة هي الفيصل بينهما فمن يهزم الاخر يفسح المجال لغريمه .. ان اكر متيقن من النتيجة في كل الاحوال ولكن ابت عليه نخوته وعزة نفسه الا ان يختار اكثر الحلول عدلا وكرامة فقبل تورو التحدي وجعل يستعد لذلك اليوم الذي قد يحقق له اجمل امنيات عمره ولكن هيهات ان يتحقق ماهو مستحيل .. كان نصيبه من تلك المنافسة جرحاً غائراً كاد ان يودي بحياته فقد حمله اكر وقذف به بعيداً كما يطرح الشئ غير المرغوب فيه فهوى على حجر ناتئ كاد ان يخترق ظهره إلى امعائه فابتعد مفسحاً لاكر الطريق ليكون المالك الاوحد لقلب بورا ولم يعد يقترب من بعد الا عن طريق النظرات المختلسة من وراء شجيرات الذرة.

سيد محمود الحاج
10-04-2009, 11:05 AM
( 3 )
حاولت بورا ان تسيطر على القلق الذي انتابها في ذلك الصباح لكن في كل مرة يلوح لها خيال اكر بقامته السامقة وهمسه العذب .. لماذا لم يأت حتى هذه اللحظة الى الحقول؟ إنه دائماً من المبكرين .. وهو يدرك انها هنا فكيف اذن يسمح بضياع لحظة دون ان يكونا معاً .. لابد ان في الامر غرابة ؟؟ .. كل هذه الاسئلة تتزاحم في عقلها في آن واحد وتبقى الاجابة غائبة .. انها تعمل منذ ان جاءت للحقل .. غير ان عملها كان بحكم ما اعتادت عليه فعقلها بعيد كل البعد عن هذه الحقول وعن هذا العمل .. لم تدر ما انجزت وما لم تنجز .. آه لقد لاحظت ، أو ربما خيل اليها ، ان هنالك بعض علامات الاعياء بادئة على وجهه ظهر امس .. هل المت به الحمى اللعينة ام ماذا ياتري؟! ولم تهدأ خواطرها الا حينما رأت (مويا) شقيقة اكر تخطو نحوها فانفرجت اساريرها قليلاً ولم تنتظر لتصل اليها بل تقدمت بضع خطوات تجاهها لتختصر المسافة برغم ان مايفصل بينهما لم يكن اكثر من خطوات معدودة .. ولكن الذي يدفعها يجعل الشبر يبدو فراسخاً .. قالت لها مويا انها تأخرت عن الحضور للعمل لأن امها تشكو من اعراض الحمى ولا احد معها فقد خرج ابوها وشقيقها قبل طلوع الفجر في طريقهما لزيارة شقيق والدها الذي يقطن التلال الغربية .. فقد رزق بتوأمين ذكرين ، ولما كان ذلك فألا حسنا فقد ذهبا للتهنئة .. وربما يمكثان هنالك ليومين أو ثلاث .. قالت مويا ما قالت ثم اخذت طريقها الى حيث جاءت للعناية بأمها وامور البيت الاخرى .. وكأنها قد تكبدت عناء ذلك المشوار من اجل أن توصل هذه المعلومة الى بورا فهي تعرف تماما تعلقها باخيها وتعلق اخيها بها .. وتدرك ماهي الحالة التي سوف تكون عليها ان ظلت منتظرة في الحقول دون ان تدرك سبب تغيبه .. وبقيت بورا مع صوحيباتها وقد فاجأها ذلك النبأ .. لم تتوقع ذلك .. بالامس كان معها حتى غياب الشمس فلم يذكر لها من ذلك شئ .. همس لها بالكثير فلماذا اخفى هذا الامر عنها .. قال لها منذ ايام قليلة انه مايكاد يفارقها حتى يعود في ذات اللحظة يشتاق اليها كمن غاب السنين .. كان يذكر لها في كل حين انه ما ان يودعها مساء حتى يخال اليه ان الصباح لن يأتي ابدا .. فكيف يطيق فراقها ليومين او ثلاث وانى لها بتحمل ذلك .. لاشك ان اباه قد اكرهه على ذلك .. لابل ان العرف يقضى بمرافقته ابيه في رحلة عبر اودية واحراش وعلى الاقدام .. وظلت تواصل العمل في الحقل ولكن بلا همة وبلا مرح .. تشتت افكارها بعيداً .. وعيناها تعكسان ما ألم بمشاعرها وما يموج في اعماقها .. ستشرق الشمس لمرتين أو ثلاث دون ان تراه .. ولم يكن اثبات تأثيرها يحتاج لبرهان او بينة اذ بدأ ذلك جليا على كل قسمات وجهها .. جميع من حولها من رفيقاتها ادركن ماهي فيه فصرن يتندرن وهي تحاول جاهدة ان تتغلب على ذلك بالتظاهر بخلاف ماهو موضوع تندرهن .. ولكن هيهات ان ينطلي ذلك على من هن في مثل سنها .. واذ ذاك اَثرت البعد عنهن قليلاً حتى تستطيع ان تنعم برحلتها في عالم الخيال .. فالوحدة احيانا خير انيس .. وقليلا قليلا ودون ان تحس بها الاخريات نجحت في الانسحاب من قربهن .. وسبحت في افكارها بعيدا ويدها تتفقد من حين الي اخر حبيبات ذلك العقد الذي يزين جيدها .. فله في نفسها مكانة خاصة .. هدية غالية من ذلك الحبيب الغائب .. انتقى حبيباته من ما تأتي به الاودية من صخور ملونة صغيرة ثم هذبها وشحذها واستغرق زمنا طويلا يحاول ثقبها حتى تمكن فنظم بيده ذلك العقد .. وجلست في مكانها تعاتب في صمت حبيب القلب والعصافير من حولها تزقزق ولسان حالها يكيل لها الشكر اقداحاً .. اذ نسيت ناقوسها تماما فهنئت حصاياه بنوم هادئ وحظيت العصافير بوجبة دسمة .. تخطت كل التلال والاودية ووصلت الي حيث مضى اكر .. فانشغلت في تلك اللحظات عن كل واجب .. هكذا الحب .. عندما يستملك القلوب يجعلها هي الامرة لا العقول .. وظلت غارقة في شرودها ولم تكف الا عندما خيل لها انا تسمع صراخاً منبعثاً من اطراف الحقول فاصغت وسرعان ماتبين لها انها صرخات صويحباتها .. فنهضت تبارح معتزلها ويداها تزيح من امامها نبتات الذرة المائلة من ثقل السنابل لتفسح الطريق قتستطيع الوصول الي حيث توجد رفيقاتها لتستبين امر الصراخ .. قد يكون لظهور حية .. فما اكثر الحيات في مثل هذه الاوقات .. غير ان الصراخ كان اكثر حدة .. ربما ان الامر اعظم من ذلك واخطر .. ولم يطل الامر حتى بانت لها الحقيقة .. وطفقت تشارك غيرها الصراخ .. لم تكن الحية ولاحتى بسبع .. لقد هاجم اناس غريبوا الزي واللسان .. غريبو الهيئة والملامح .. على روؤسهم عمائم كبيرة وعلى جانب وجوههم مايشبه اثار اقدام الطيور على الوحل .. وقف بعضهم على مداخل الحقول وآخرون على الجسر المؤدي الى الاكواخ يحملون الرماح والسيوف .. بينما داهم الحقول فريق مزود بحبال وسياط .. رأت بورا بعضاً من الفتية والفتيات متساقطين على الارض واخرين يحاولون الفرار في ارجاء الحقول بينما وقع نفر منهم في قبضة الغزاة .. فاستدارات مسرعة تحاول طريقا للخلاص .. فهنالك مغارة في الطرف الاخر من الحقول ان استطاعت الوصول اليها فسوف تكون في مأمن .. اذ ليس في وسع هؤلاء الغزاة معرفتها .. عدت باقصى مايمكنها بين شعاب الحقول محاولة التستر ما امكنها بشجيرات الذرة .. ينبغي الا تكون مثل من سقطوا أو اسروا .. فهي اقوى من ذلك يجب الا تستسلم ابدا .. وان لم يكن من ذلك بد فلتكن آخر من يلقي سلاح المقاومة .. نعم .. الثمرة اليانعة الطيبة صعبة المنال فهي إما مستعصمة بالأعالي أو محاطة بالاشواك .. عليها ان تبتعد عن ساحة المعركة ما امكنها ذلك لتلوذ بذلك الكهف الغائر .. ان يكون مليئاُ بالحيات فليكن .. فالحيات ليست باسوأ من هؤلاء فهي لاتكبل المرء بالقيود ولاتأخذه الى المجهول .. قد يموت المرء من لدغتها وقد لايموت .. وفي كلا الحالين فهو باق على ارضه وعلى ثرى اجداده .. واطلقت لساقيها العنان .. لا تلوي على شئ الا ذلك الملجأ .. ولكم تعثرت قدماها حتى تمكنت من الوصول الى وجهتها .. ولدهشتها فقد وجدت نفسها انها ليست اول من وصل اذ الفت هنالك بعض من الفتية والفتيات يكاد زفيرهم يزلزل المغارة .. فهوت من فوقهم تلهث بشدة وهي في حالة اجهاد كاملة .. لقد بذلت جهداً عنيفا في سبيل الوصول إلى هناك .. أدمت الحجارة قدميها كما فعلت فيهما الاشواك فعلتها .. ولكن كل جرح سوف يندمل مابقيت الدماء في العروق .. وكان لايسمع في تلك المغارة سوى الزفرات والعبرات .. ومن سخرية الاقدار ان بورا عندما استفاقت قليلا وجدت ان قدميها تستريحان على صدر تورو .. ولكن اغلب الظن ان تورو في لحظة كتلك لاترى عيناه إلا اولئك الغزاة وفي ايديهم الرماح والسيوف والسياط .. فأزاحتهما في شئ من التأفف .. يالتورو المسكين .. تعافه حتى في لحظة كتلك .. ولكن الى اين؟ والى اي مدى؟ فضيق المكان قد يحتم عليها ان تعيد قدميها الى ذات الموضع فما عساها فاعلة؟! وفجأة ينبري طيف اكر في خيالها .. يقف كالليث .. اين لها به الآن .. لو كان موجودا لكان الامر مختلفا .. فهو لايعرف الاستسلام ولا الهزيمة .. قد زاد ذلك من عزمها وبعث في نفسها بارقة امل .. يجب ان تقاوم من اجلة والا تعرف الاستسلام واذا استطاعت الصمود قليلا فسوف يأتي حتما واذا ماجاء فسوف يكون للأمور شأن آخر .. واذ ذاك همت بالنهوض كأنها تُدفع الى ذلك ولكن الى اين؟! فما كان الا ان اجتذبها احدهم بقوة فارتمت في مطرحها .. وانتهرها بصوت خافت لكنه قوي آمراً اياهابالجلوس .. فارتمت تشاركهم ذلك الصمت القاتل كفئران تحرس مداخل جحورها قطط الدنيا بأسرها .. ومرة اخرى يتراءى اكر .. لاشك انه قادم فهي تكاد تسمع وقع خطاه وتسمع انين الارض تحت اقدامه .. ستنقلب موازين الأمور وسوف يلقن هولاء الغزاة درسا .. ولكن هيهات .. ان يقوى اكر على مجابهة اناس يتسلحون بالنار .. انها لن تكون اكثر من طلقة واحدة لاغيرها تخرج من فوهة ذلك الشئ اللعين ، فيستوي امامها الأرنب الرعديد والاسد الكاسر .. وبينما الجميع تستولي عليهم الرهبة والوجوم اذا بهم يسمعون وقع اقدام قوية مسرعة نحو الكهف .. فازداد الأمر سوءا وتملكهم فزع قاتل وتدافعوا نحو قاع الكهف كقطعان الماعز عندما يداهمها المطر .. بعضهم فوق بعض .. ولكن هل من سبيل؟! فقاع ذلك الكهف غير نافذ ولايؤدي الى مغارة اخرى .. ولكنه الخوف .. لم يدر تورو ان الجالسة على فخذيه هي بورا التي كان يختلس اليها النظر اختلاسا والتي كاد ان يموت في سبيلها يوما .. ولو كان تورو في وعيه لابتهل الى الله كي لا يغير هذا الوضع وان لايخرجه من هذا الكهف ابدا .. ولكن اذهان الجميع كانت غائبة تماماً في تلك اللحظات العصيبة والقلوب يسيطر عليها رعب مميت فتخفق بقوة تهتز لها جدران ذلك الكهف الضيق .. ولم يتنفسوا الصعداء الا حينما تبين لهم ان القادم لاجئ مثلهم .. من رفاق الحقول .. انه يامو .. لم يدل بشئ بل هوى على من تكدسوا لاهثا متأوها ً .. وعاد كل الى سابق وضعه بعد ان طبع هذا الموقف الاخير بصمته على كل الوجوه .. لم يتفوه احد بكلمة ولكن طفقت الأعين تطالع وجه القادم لعلها تستشف حقيقة الوضع خارج الكهف .. وكان ذلك واضحا فظهره يقطر دما اذ الهبته سياط الغزاة .. فالآثار بينة حتى في عدم توفر الرؤية الكاملة .. كان حاله يغني عن السؤال .. فالواقع في خارج الملجأ او بعض منه مطبوع على وجه ذلك المتهالك .. لايبشر الا بماهو اسوأ .. وفجأة انتابت يامو نوبة سعال قوية بددت ذلك السكون .. ولما كان الاقرب الى مدخل الكهف فقد امتدت يد الجالس بجواره لتكمم فمه حتى لايجلب الشر اليهم .. غير ان نوبة السعال ألمت بالجميع.. الكل يسعل بقوة .. واختلط ذلك بعطاس متواصل .. وسالت الدموع حتى اصبح ليس في امكان احد ان يفتح عينيه .. واختلط الحابل بالنابل .. ومرة اخرى اصبحوا كقطعان الماعز يناطح بعضهم بعضاً ويرتطمون بجدران الكهف .. اللعنة .. لابد ان شجيرات الشطة المزروعة على مقربة من هنا قد احترقت .. ولاول مرة يرتفع صوت بالداخل .. انه تورو يسمعون صوته ولايرونه .. يأمرهم بمغادرة الكهف حالا وان يستتروا بالدخان الناتج عن احتراق حقول الشطة وان يتجهوا غربا الى المغارات الواقعة على مقربة من القبور .. فهي اكثر امنا . واندفع الجميع نحو المخرج في حالة من الذعر والفوضى .. كلٌ يحجب وجهه بيديه من اثر الدخان ولم يعلموا انهم خارج المغارة الا بعد ان احسوا بالهواء الطلق يغشي وجوههم .. ولم يدركوا بأنهم اصبحوا في قلب الفخ .. حيث انبرى في الجهة التي ينبغي عليهم ان يهربوا من خلالها اثنان من عتاة المهاجمين يشدان حبلا متينا .. واندفع المساكين بكل قوتهم بناءا على الخطة التي وصفها لهم تورو ، تجاه الحبل المشدود فارتد كل منهم على قفاه فسقط معظمهم بقوة على الارض .. هنا ادركوا بأنهم قد وقعوا في مصيدة وحاول بعضهم النهوض ليواصل الفرار ولكن الى اين؟! .. فالكهف من خلفهم بدخانه الكثيف المسموم والغزاة امامهم بسياطهم وسيوفهم ورماحهم .. وبين هذا وذاك ضاع الطريق الى بر الأمان .. فكان ان وقعوا لقمة سائغة في ايدي الغزاة المكممين بعمائمهم وانهالت بعض ايد توثقهم بحبال متينة.

سيد محمود الحاج
10-05-2009, 09:35 AM
( 4 )
ولما انحسر ذلك الدخان وخفت آثاره من على العيون وجد الجميع انفسهم مكبلين قي رتل طويل ومن حولهم يقف الغزاة وقد تملكتهم نشوة المنتصر .. ولم يكن في مقدور اي من المأسورين سوى الاستسلام للأقدار استسلام العصفور الواقع في الشراك .. لايدرون الى اي مصير يساقون .. يبكون في صمت اذ نضبت دموعهم مما لاقوا وبحت اصواتهم حتى لم تعد تسمع .. وفجاة مزقت صرخة قوية هدوء ذلك الوادي .. فبدأ احد الرجال المهاجمين يجرجر فتاة هيفاء .. وهي تقاومه وتحاول بكل قواها التخلص من قبضته ولما التفتت بعض وجوه .. الفوها بورا الفاتنة .. لم تخضع ابدا ولم تستسلم .. عنيدة كمهرة لم يمس ظهرها .. تقاوم حتى اخر لحظة .. لحظة أن وضع آسرها الحبل حول معصميها
.. ان لم تستطع الخلاص فينبغي ان تكون اَخر من يلقي سلاح المقاومة .. وهكذا كانت .. لقد ادى بهم يامو الى هذا المصير .. فلولا ذلك لكانوا في مأمن في غياهب ذلك الكهف الغائر .. ولكن يامو لما نجح في الفرار من آسريه الذين مضوا في اثره متعقبين ، انطلق مباشرة الى حيث يوجد الكهف .. لم يراوغ بل اتخذ طريقاً مكشوفا ومهد بذلك غنيمة عظيمة للمهاجمين الذين بدأ انهم يجيدون عملهم فلم يكن من العسير عليهم اخراج من في داخله .. فجمعوا من شجيرات الشطة الناضجة ماجمعوا والقوا بها امام مدخل المغارة واضرموا النار فيها .. فلم يطل الامر حتى خرج جميع من لجأ بالكهف يلتمسون طريقهم مابين واقف يرتجف او متهالك على الأرض.

وهم اذ يرسفون في قيودهم .. تحملق اعينهم ناحية الاكواخ على امل ان تاتيهم النجدة مع علمهم بأن الاكواخ ساعتها خالية الا من الأمهات والعجائز فالآباء بعيدون كل البعد عن الحقول .. يرعون الاغنام في الناحية الغربية حيث تشكل التلال ستاراً .. فليس في استطاعتهم رؤية شئ او سماعه وهم وسط اغنامهم داخل تلك الاحراش .. اضافة الى بعد المسافة بينهم وبين الحقول فلا رابط الا ذلك الجسر الذي رصفته الطبيعة في الجهة الشرقية .. اذ تربض الأكواخ في سفوح التلال التي تحيط بها من كل جانب .. ولايكاد الناظر من الحقول ان يرى شيئا ويزيد من حدة ذلك الاشجار الكثة النامية فوق الصخور المحيطة بالجهة الشرقية.
فمن يأتي اذن لنجدتهم وفك اسارهم؟! ولكن الغريق في لهفته للحياة وتعلقه بها يتشبث بأتفه الاسباب .. حتى بالظل المنعكس على صفحة الماء .. وهؤلاء المأسورون كان حالهم اسوأ من حال الغريق .. يساقون الى مصير مجهول .. لايعلمون عنه شيئاً .. فعلمهم لايتعدى تلك التلال الا لفراسخ معدودة .. وظلوا واقفين .. ينظرون في وجوه آسريهم المغلفة بالقسوة والغلظة .. يملؤهم الخوف .. انهم بلاشك لايريدون بهم خيرا .. لقد تعلموا ذلك في حياتهم التي يمارسونها .. فهم ينصبون الفخاخ للغزلان والطيور ليقتاتوا من لحمها وللذئاب والسباع لقتلها والتخلص من شرها!

سيد محمود الحاج
10-05-2009, 09:39 AM
( 5 )

كانت الشمس قد اجتازت منتصف السماء بقليل في اولى خطاها نحو مهدها في التلال من جهة الغرب ، عندما هب الغزاة يأمرون أسراهم بالوقوف .. لم تكن اوامرهم بالقول .. اذا لم تكن لكلماتهم معنى بين هؤلاء الاسرى .. بل كان الأمر بالسياط التي يلوح بها في الهواء مثلما يهش الرعاة على اغنامهم .. فانتصبوا جميعا .. في صف طويل يربط فيما بينه حبل واحد مربوط طرفه على سرج فرس في المقدمة بينما وقف اثنان خلف الفوج واخران كل منهما على جانب وجميعهم على ظهور مطاياهم .. في ايديهم السياط وفي ركابهم الرماح .. ويتقدمهم جميعا من يبدو انه قائد المجموعة .. فهو اكبرهم سناً ويمتطي فرساً ابيضاً قويا .. وفي ركابه اكثر من سيف كما يحمل بجانبه شيئا اخر ليست لهم به سابق معرفة .. اداة ذات عنق معدني طويل .. وتحرك الركب المأسور .. وعيون افراده تلقى اخر النظرات الى تلك المروج .. رباه هل من عودة اخرى ام انه فراق غير وامق؟! وحتى تلك اللحظة كان يراود بورا امل في النجاة فكانت تصارع قيدها وتقاوم الحبل الذي يجذبها .. فهل يجدي ذلك فتيلاً؟! لكنه العناد والكبرياء .. ينبغي الا تكون كالآخرين والا تكون سهلة المنال .. ولمّا لم يكن من ذلك بد احدثت صرخة داوية ظل صداها يجلجل في ارجاء الوادي طويلا .. (لقد اخذوني يا أكر ...) الان فقط باحت بما في صدرها جهارا امام الرفاق لم تذكر سواه ولم تستنجد بسواه وكان ذلك آخر ما ردده الصدى وما ظل يردده في زمان آخر .
واذ مضت قافلة الأسرى وخلت الحقول من فتيتها انقضت اسراب العصافير تعبث بالسنابل ماشاء لها ان تعبث .. فقد خلا لها الجو فلا مانع ولا رقيب .. ولاشئ يُسمع سوى شقشقتها .. جزلة طربة تهزأ من هاتيك الشخاشخ الملقاة بين السرابات وقد تبدد بأسها.
مالت الشمس متثاقلة لتستقر في احضان التلال .. ولم يبق من ركبها سوى خيوط من الضياء الباهت الموشح بالسواد ترسم الحزن على فجاج الوادي وتنعي تلك البهجة التي كانت تسود وجه المزارع والمروج.
لم ينج من الأسر سوى اثنان من الصبية ممن كانوا في الحقول .. فقد لاذا بمنخفض بين نباتات الذرة .. وظلا صامتين الى ان رحل الغزاة .. وحينذاك تركا مخبأهما وطفقا يسابقان الريح الى ان وصلا الى الاكواخ يذيعان في ربوعها ذلك النبأ العظيم .. وما امرها فجيعة .. لقد كان مجموع من اسروا تسعة عشر مابين فتى وفتاة وصبي .. كانوا فرحة الحاضر وأمل الغد .. وسيقوا جميعا كما تساق القطعان مكبلين بالقيود .. أعياهم الدخان وألحت اجسادهم السياط .. ما ابشع ان ينتزع طفل من صدر امه وان يقتل الامل اليانع في المشاعر والأحداق .. كانوا جميعا ينتظرون مقدم العيد ولكن الفرحة لم تكتمل .. فمضوا ومضت في ركبهم الافراح .. وتسارع من كان في الاكواخ الى حيث الحقول مابين ثاكل ونائح ومفجوع فاذا الحقول خالية تماما حتى من تلك العصافير التي عادت الى اوكارها والصمت مطبق فكيه على ارجاء الوادي .. وعلى ضوء الشعلات الباهته وجدوا اَثار من رحلوا .. بقايا ارغفة ممرغة في التراب وتلك النواقيس ملقاة بين السرابات .. وروث خلفته خيول الغزاة .. ساعتها ازداد العويل والصراخ ممزقا ذلك السكون .. رباه ماهذا؟! لما يأخذون الصبايا والأطفال؟ من هم ولأي غاية فعلوا هذه الفعلة النكراء؟ .. ولم يعد يسمع في تلك الأمسية إلا صراخ ملهوف أو بكاء نائح أو تأوه مفجوع .. وهرع في أثر هؤلاء الآباء ومن كانو مع الاغنام في المراعي حين وجدوا الاكواخ خالية .. قرأوا المأساة متجسدة هناك .. حقول خالية ونساء ثاكلات نائحات .. فثكلوا وناحوا مثلهن ولكن في صمت .. وما امره بكاء ان يبكي المرء في صمت .. غير انهم لم يركنوا الى احزانهم فلا الحزن ولا البكاء وسوف يعيدان من فقدوا .. وينبغي عليهم ان يسعوا في اثر اللصوص لاستعادة ابنائهم وتخليصهم من قبضة سارقيهم مهما كان الثمن .. واجتمع كل من قوي على حمل سلاح وبدأت مسيره الخلاص يقودها اشدهم قوة .. وسلاحهم الرماح والخناجر والسهام .. يتخذون من اعواد الشجر مصابيحا يهتدون بها بعد ان دهنوا رؤوسها بالشحم .. مقتفين سيرا على الاقدام اثر اللصوص الذين بدأ انهم سلكوا طريقا خفيا وعرا .. كان عدد افراد فريق النجدة يفوق العشرين فردا ولحق بهم اخرون في الطريق .. تقدح عيونهم شررا وهم يحثون السير .. يحلمون بتلك اللحظة التي ينقضون فيها على اولئك الدخلاء فيجعلونهم نادمين على اللحظة التي وطئت فيها اقدامهم الدنيئة ثراهم الطيب .. وستخترق سهامهم الحادة اجسادهم مثلما تخترق الابرة اطراف الثوب القديم .. فيعيدون فلذات اكبادهم الى ارضهم سالمين .. فهم الاقوى والاكثر عددا .. اذ قال الصبيان الناجيان ان عدد اللصوص لايتعدى عدد اصابع الكفين .. وهاهم عصبة .. ان لم تكن لهم الغلبة فهم اذن لخاسرون. ولما كانت هذه ارضهم وكانوا بالطبع ادرى بشعابها فقد حادوا عن ذلك الطريق الوعر الى طريق اخر اقل وعورة ويلتقى في النهاية بذات الطريق ويجعلهم في وضع افضل من وضع اعدائهم .. ومضوا في طريقهم صامتين لاشئ يدل عليهم الا تهافت اضواء خافتة منبعثة من مصابيحهم البدائية التي مازال بعضها متقدا .. يسيرون في رتل واحد بعضهم خلف بعض يقودهم (دلدوم) ذلك الذي عرفته حلبات المصارعة لسنوات طويلة .. وان كان قد تخلى عن ذلك الآن بحكم السن الا انه مازال يفخر بأنه الأقوى فكم تصدى للسباع الضارية حتى دحرها وصدها عن الاكواخ .. ليس له من بين من سبيوا ابن او ابنة فهو لم يرزق بأبناء لكنهم جميعاً ابناءه .. فهم ذخر القبيلة وحماتها في الغد .. فمن اتى لاسرهم اليوم سوف يأتي في الغد ليأسره وغيره .. لذا يجب عليهم ان يجعلوا اللصوص عبرة لمن يليهم .. وان يتركوا جثثهم متناثرة بين الاحراش تلهوا باشلائها الذئاب وجوارح الطيور .. فهم من بدأ بالظلم والعدوان.
كاد ذلك الليل الحالك أن ينتصف ومسيرة الخلاص تحث السير غير آبهة بدواب الارض ولابغيرها من سكنة الأحراش وشعلات مصابيحهم قد لفظت انفاسها تماما اذ احترق زيتها ونضب معينها .. ولكن ذلك لايهم فهم قد اعتادوا الظلام كما اعتادهم .. وتعلموا من خلال حياتهم في الطبيعة ان هنالك حواس خفية تعمل في غياب حاسة الابصار .. فالرؤية لدى من مثلهم لاتقتصر على البصر وحده .. ولم يكفوا عن زحفهم الا حينما استدار قائدهم دلدوم بصورة مفاجئة رافعا يسراه باسطا كفه الى اعلى .. حينها ادرك جنده ان ذلك امر بالتوقف والصمت فانتصبوا في اماكنهم و كأنهم تماثيل نحتت من خشب الأبنوس .. وتقدم عنهم بضع خطوات ثم مد جسده على الأرض راقدا على بطنه وقوسه بجانبه .. وأرخى رأسه حتى لامس ذقنه التراب وشخص ببصره عبر ذلك الستار الحالك من الليل ثم أمال برأسه لاصقاً اذنه باديم الأرض كأنه يتصنت إلى شئ بداخلها وظل على ذلك لبعض الوقت ثم هب واقفا متأبطا قوسه آمراً رجاله ان يسيروا على رؤوس اصابعهم فهم على مقربة من هدفهم.
كان صادقاً في ماتوقعه فما ساروا طويلا حتى بلغ مسامعهم وقع حوافر الجياد واقدام الأسرى وهي تدوس على الاعشاب واعواد الشجر اليابسة فأصدر امراً بإلتزام الصمت إنصاع له الجميع وصاروا يمشون على امشاجهم حتى اصبحوا على مقربة من الهدف وبانت لهم في الظلال اشباح الاسرى يزحفون في رتلهم وآسريهم على جيادهم .. وبدأ لهم ان الركب يوشك على التوقف اذ بات السيربطيئا والأسرى يجرون اقدامهم جرا .. وماهي الا لحظات حتى توقف الركب بالفعل وانهارت اجساد الاسرى على الارض يحيط بهم الغزاة من كل الجهات بينما ترجل قائد المجموعة ورجاله يوثقون جيادهم وانشغل البعض بأعداد مكان لقضاء الليل في بطن ذلك الوادي .
أمر دلدوم رجاله ان يكونوا على استعداد وان يختبئ كل واحد خلف شجرة والا يطلق اي منهم سهما الا حينما يشير لهم بالاشارة المتفق عليها فالظلام مازال حالكا ويصعب التمييز فقد تصييب سهامهم بعضا من ابنائهم الأسرى .. لذا فينبغي عليهم ان ينتظروا قليلاً ريثما ينقشع الظلام فيمطروا هؤلاء اللصوص بوابل سهامهم التي لن تخطئ منها احدا .. سوف يأخذونهم على حين غره تماما مثل ما فعلوا فموقعهم في المعركة يتيح لهم ذلك اذ انهم في موقع اعلى نسبياً عن موقع اعدائهم الذين نزلوا ببطن واد تحف به الاشجار كما ان باستطاعتهم رؤية الاعداء من حيث لايرونهم وهذه ميزة ستجعل النصر في ايديهم دون أدنى ريب .. ارتسمت على شفتي دلدوم الغليظتين ابتسامة ماكرة وهو يوازن بين تلك الأمور .. ستشهد السويعات القادمة ملحمة البطولة وسيرتفع رأس القبيلة عاليا بفضله وفضل اعوانه من رجالها عندما يعود ذلك الفوج المأسور من الشبان متحررا سالما الى الاكواخ والحقول .. وسوف تتضاعف الأفراح .. فرحة العيد وفرحة النصر.

سيد محمود الحاج
10-05-2009, 09:46 AM
( 6 )
بدأ الظلام ينحسر شيئاً فشيئاً وبانت في الافق بعض خيوط من ضياء الفجر ورجال دلدوم على اهبة الاستعداد لاطلاق سهامهم .. كل يشد على قوسه ويرقب بفارغ الصبر اشارة القائد .. وزاد تلهفهم حدة عندما رأوا اولئك اللصوص وقد خلد بعضهم للنوم بينما البعض الاخر يقوم بحراسة الفوج المأسور .. يكاد كل شئ ان يكون واضحا مع انبثاق الضياء الذي لم يكتمل بعد ..
وجاءت الاشارة المنتظرة .. وارتسمت علامات الجد على وجه دلدوم وهي يوجه رجاله .. فاعتدل كل في موقعه .. وشدت الاوتار حتى لامست ثنايا الاقواس وهي موجهة نحو الرجال الاربعة الذين كانوا في نوبة الحراسة والذين كانوا ساعتها يجلسون في استرخاء على مقربة من الاسرى وسيوفهم في اغمادها على افخاذهم .. ولعل تلك النظرات التي كانت ترقبهم من حيث لايشعرون تسخر من تلك السيوف التي لن تغني عنهم الساعة شيئا فالسيوف للمبارزة والمواجهة اما في مثل هذه الحالة فهي ليست بأكثر من دمية في اليد .. وستظل في اغمادها بقرب جثث اصحابها .. وكان أمر الاطلاق .. فانطلقت اربعة اسهم كما تنطلق الشهب الراجمة للشياطين .. مصدرة مثلما يصدره جناحا الصقر عندما ينقض على فريسته .. وشخصت ابصار المهاجمين لتتحقق من اصابة الاهداف ومافعلته سهامهم .. ولكن يالحسرة دلدوم ويالخيبة رجاله .. فقد حالت حركة الرياح من ناحية وعدم كفاءة الرجال من ناحية اخرى دون تحقيق الهدف المنشود .. فلم يفلح اي من السهام في اصابة مرماه .. وكان احسنها سهم دلدوم اذ اطاح بعمامة احد الرجال بعيدا ولولا أن الرجل قد امال وجهه الى اسفل قليلا في اخر لحظة لاخترق السهم جمجمته .. ولكن يالسوء الحظ ويالتعاسته .. لقد تنبه الأسرى والآسرون الى ماحدث واستبشر الفتية والفتيات خيراً وهم في اصفادهم وصاحت بورا بصوت جهور : (( اكر .. اكر .. لقد كنت على يقين بأنك قادم)) واختلط صوتها بأصوات اخرى ووقفوا جميعا على اقدامهم يهتفون ويتصايحون .. لقد جاء فرسان القبيلة لنجدتهم وتخليصهم من قبضة هؤلاء الاشرار الذين استباحوا حريتهم .. نعم سيعودون الى اكواخهم وحقولهم .. الى اهلهم واحبائهم .. وماهي الا لحظات حتى تصبح هذه الحبال المتينة التي تكبلهم اشلاء ونتفا وسوف يفر هولاء الغزاة ان وجدوا الى الفرار سبيلاً .. ولكن جاء هرجهم ووقوفهم على ذلك النحو في مصلحة آسريهم الذين استيقظ من كان نائماً منهم وزحفوا جميعا على بطونهم مخافة ان تصيبهم سهام المهاجمين الى ان استقروا في وسط المجموعة شاهرين سيوفهم فيما يشبه الدائرة.. واصبح الغزاة في قلب الدائرة جاعلين من اسراهم دروعاً بشرية ومتاريساً تقيهم خطر السهام وقد استعدوا تماما لمواجهة المهاجمين .. ولفت انظار الفتية ذلك الرجل الذي حسبوه قائد الفرقة وهو منشغل بذلك القضيب المعدني ذو العنق الطويل ورجاله يرقبونه بإهتمام شديد وهو يفكه ويلقمه شيئا .. ولم يطل الامر حتى اندفع احد الرجال يباعد بين الاسرى الى ان اصبحت هنالك فرجة تكفي لمرور رجل زحف اليها كبيرهم الي ان استقر في وسطها تماما موجها ذلك الشئ الغريب الى الجهة التي اتت منها السهام ثم نظر طويلا من خلال القضيب وبعض من اصابع يده اليمنى مثبته على مكان اسفله.
استشاط دلدوم غضبا ً وهو يري السهام تخطئ مرماها.. فإن أخطأ رجاله في اصابة الهدف فلماذا يخطئ هو وهو القائد والفارس الذي لايشق له غبار .. مضى يعيد ترتيب الامور على عجل .. تبا لهولاء الاغبياء الذين وقفوا متراسا يقي آسريهم واللعنة على هؤلاء الجبناء الذين بدا انهم قد حسبوا لكل شئ حسابه .. لم يعد في الامكان اطلاق السهام والا فسيكون الموت من نصيب ابنائهم المصفدين .. ولم يبق لدلدوم ورجاله الا ان ينتظروا الفرصة المؤاتية للانقضاض بسهامهم ورماحهم .. وخرجوا جميعا من مخابئهم يحملون اسلحتهم .. لم يعد للإختباء فائِدة ولا جدوى وعليهم ان يرقبوا حتى يحكموا عليهم الخناق فليس في مقدورهم الأن فعل شئ اذ باتوا محاصرين خلف حصونهم البشرية كما انه ليس في جعبتهم سهام فيتبادلون معهم الرمي انهم الأن دون ريب يسعوا جاهدين لايجاد مخرج أو وسيلة تمكنهم من الفرار لكن الى اين المفر؟ سوف يقفون لهم بالمرصاد ولن تخطئ السهام منهم احداً هذه المرة. وبينما هم كذلك حدث دوي هائل مثل دوي الرعد مجلجلا في كافة ارجاء الوادي فاذا الاسرى الذين كانوا يقفون دروعا يرتمون على الارض في رعب وفزع .. واذا دلدوم ورجاله على الأرض ايضاً في حالة من الفوضى والرعب شديدين .. وحينما انجلى الغبار المختلط بدخان البارود كان جميع افراد قوة الخلاص قد لاذوا بالفرار ولم يتخلف عنهم الا دلدوم الذي كان اذ ذلك مجندلا فوق العشب وقوسه في يده .. لقد نال منه الغزاة فسار في ركب الشهداء وكتبت دماؤه المراقة على الثرى انبل واسمى ايات التضحية والفداء وذهب من الاوغاد اثنان وعادا يجرانه مثلما تجر جثة كلب ميت .. ولما افاق الاسرى مما اصابهم وجدوا جسد دلدوم فارس القبيلة مطروحا امامهم سابحا في دمائه فصرخوا جميعا في آن واحد واشاحوا بأنظارهم بعيدا .. نعم .. ان لذلك الشئ ذو العنق الطويل بأس شديد .. فهو يزمجر كالرعد وتنطق من فوهته النار فتترك خلفها مثل ماتتركه الحجارة من رائحة عندما تصطك ببعضها البعض .. لايفرق هذا السلاح بين قوي وصعيف .. كل الناس امامه سواء .. وعادت بورا مرة أخرى تنظر الى الجسد المسجى على الثرى والقوس لم يزل في اليد .. فترى فيه اكر .. فهو الاستاذ المعلم واكر تلميذه الفذ .. لقد كان يجمعهما حب واحترام .. وكان دلدوم المثل الاعلى لأكر فهو الذي علمه اصول المصارعة والرمي بالسهام .. وكثيرا ماكان اكر يرافقه ليستمع الى حكاياته البطولية الشيقة وليتعلم منه ما لايعلمه .. وتساءلت بورا وهي بعيون دامعة .. هل كان اكر من بين الذين فروا من رجال القبيلة بعد ان اطاح ذلك السهم الناري بدلدوم؟ ياللعار لو ان ذلك قد حدث فعلا .. هل يفر كما يفر الجبناء تاركاً من قال لها يوما بانه مايكاد يفارقها حتى يشتاق لها في ذات اللحظة !! بهل نسي كل ذلك وتركها لمصيرها المجهول والى الابد؟ وفوق كل هذا أيترك جسد مثله الاعلى مهملا في العراء ليغدوا طعاما للسباع والعقبان؟ والى اين سيكون فراره وهو الفارس المنتظر !! اليس هو بسيد حلبة المصارعة اليوم وهو الذي تأهل على يدي هذا البطل وكان من الذين يفاخر ويعتز بهم كثيرا !! لقد مات دلدوم من اجل القبيلة كما عاش من اجلها وكان على اكر ومن فر معه ان يفعلوا شيئا اقله الا يتركوا جثته وفي ايدي هولاء الاوغاد .. ياللعار كان افضل لهم ان يموتوا جميعا والا يعودوا للأكواخ بمثل ماعادوا .. فارين بأجسادهم كما تفر الأرانب واراذل الحيوان !! ثم اطرقت طويلا وعادت تسائل نفسها .. هل يمكن لاكر ان يفعل مثل هذا؟ انها تعرف اكر حق المعرفة وتحس به في كل مشاعرها كأنهما روح واحدة .. فمثله لايمكن ان يفر .. عرفته في مواقف كثيرة قبل هذا .. عرفته عندما اشتعلت النيران في كوخ شيخ هرم ولم يكن من سبيل لانقاذه فبينما وقف البعض مكتوفي الايدي اقتحم هو النيران المشتعلة وعاد يحمل الشيخ بين يديه كما يحمل الطفل الرضيع .. فاذا كان قد ضحى بحياته من اجل شيخ لم يكن بينه وبين الموت سوى بضع خطوات وهو فتى في ريعان الشباب فكيف تخونه شهامته ورجولته فيفر مذعورا لينجو بنفسه ويدع من يحب بين ميت ملقى على الثرى واسير يرزح في الاغلال يقاد الى مصير غير معلوم؟ عرفته في مواقف شتى ولم تر منه الا مايحمد ويكبر فمثل اكر لايفعل ذلك ابدا .. لو كان اكر من بين من هاجموا لما رضى الا بالفوز او الموت دون ذلك .. ولكان جسده مطروحا الآن جنبا الى جنب مع هذا الجسد المسجى امامها .. ان اكر دون شك لم يعد بعد من رحلته مع ابيه واذا عاد فسوف يلحق بركبها ولن يثنيه عن ذلك شئ .. لكن ليته لايفعل .. فلدى هؤلاء اللصوص مالاتنفع امامه قوة ولاجسارة .. لكنها تدرك صلابته وعناده وصعوبة مراسه .. سيأتي حتما وسوف لن يدخر وسعا في سبيل خلاصها مهما كلفه من ثمن .. ولكن ما أغلاه ثمن .. خير لها ان تموت قبل ان تراه في هذا المصير الذى آل اليه دلدوم .. ولدهشة بورا ورفاق اسرها فقد شق اللصوص القساة قبراً في مكان يرتفع قليلا عن ارض ذلك الوادي وحمل بعضهم الجثمان وبعد تغطيته بخرقة بالية وآووه مثراه الاخير ثم اهالوا عليه الثرى ووضعوا فروعا من الاشجار الشائكة على القبر حتى لاتتمكن السباع من نبشه. لقد اصاب هذا الصنيع شيئا من الرضا في قلوب هولاء المغلوبين على امرهم برغم ماهم فيه .. فمثل دلدوم فارس قبيلتهم وحامي حماهم والذي مات من اجلهم يستحق مثل ذلك بل اكثر.
وما ان انتهى الدفن حتى تأهب الركب للرحيل ولوح الغزاة بسياطهم يهشون على اسراهم ومضوا يتقدمهم كبيرهم على فرسه الأبيض .. كان ذلك عند الضحى وهو افضل الاوقات للمسير .. وسار الركب على عجل مستغلا طراوة الهواء واعتدال الشمس .. وعليهم ان يسرعوا بقدر مايمكنهم حتى يبتعدوا عن هذا الوادي الملئ بالأشجار الكثة التي تشكل ستارا ودرعا لِمن يمضي في اثرهم .. فهم لم يأمنوا بعد شر من يتعقبهم فقد ياتي من فروا بجيش اخر اكثر عدة وعتادا لايغطيه مامعهم من بارود .. وكان ذلك عبئا على الاسرى اذ بات لزاما عليهم ان يواكبوا السرعة التي كان يسير عليها الفرس المربوط عليه الحبل الذي يشدهم جميعا والا تعثرت خطاهم وآذتهم الاوثقة ايما اذىً .. كان ذلك كان امرا شاقا .. فجميعهم حفاة الاقدام .. ادمت الحجارة والاشواك اقدامهم .. وهم يواكبون سرعة فرس من يقودهم فان اسرع اسرعوا وان ابطأ ابطأوا.
وقبل حلول ظهيرة ذلك اليوم الباكي كان بعض من رجال القبيلة الذين ذهبوا لتخليص الاسرى قد وصلوا الى الاكواخ في حالة من الاعياء والاجهاد لاتوصف .. بعضهم عراة مثلما ولدتهم امهاتهم وقد مزقت الاشواك اجسادهم واقدامهم وبعضهم فقد رشده أو كاد وقليل منهم من عاد برمحه أو قوسه .. منكسة رؤوسهم .. تسيطر الهزيمة الشنعاء عليهم تماما .. وهرع اهل الاكواخ من نساء وشيوخ وأطفال لاستقبالهم فقد كانوا في انتظار عودتهم على جمر تزيده الريح تأججا .. ونظروا في الوجوه قبل ان يطرحوا سؤالاً لعلهم يقرأون مايبشر بخير .. ولكن لم يكن فيها الا مايغني عن السؤال .. كل شئ بدأ واضحاً .. رجال لم يبق من ثيابهم مايستر عوراتهم وآخرون بلا سلاح ينظرون بعيون زائغة منكسرة .. وانشأت بعض عيون تتفقد قائد الرجال من بين من عادوا فهو الاجدر بالسؤال .. لكنه لم يكن من بين من عادوا .. فهو غائب ومثله آخرون .. وبينما النظرات تحصى ذلك رأوا ثلاثة من بقية الرجال قادمين يحملون رابعا .. لم تكن حالهم باحسن من حال من سبقوهم الا انهم بدأوا اكثر ثباتا .. وتهافت البعض اليهم لينوبوا عنهم في حملهم .. وكان المحمول يعاني من جرح بالغ وهو في شبه اغماء وحرارة جسده تزيد الامر سوءا .. ووقف احد القادمين يعلن في الناس النبأ الصاعق الأليم .. (( لقد قتل اللصوص دلدوم .. كان اول من سقط !! ومضى يروي تفاصيل ماحدث.
وما ان حكى ما حكي حتى انفجر باكيا وانخرط الجمع يشاركه البكاء وثكلت النساء وهن يكلن على رؤوسهن التراب .. لقد تيقنوا الآن أن الابناء قد مضوا الى الابد وليس من سبيل الى استعادتهم .. وسقط في سبيل ذلك اشدهم قوة و بأسا .. دلدوم .. ذلك المقدام الجسور .. وقد بذل رجال القبيلة كل ما كان في وسعهم بيد ان الظروف كانت اقوى منهم واعتى.

سيد محمود الحاج
10-05-2009, 10:01 AM
( 7 )

توشحت القرية ذلك المساء بثوب اسود قاتم .. وعشعش الحزن فوق كل كوخ من اكواخها وفوق كل سنبلة من سنابل حقولها التي باتت في قبضة العصافير .. كل شئ يوحي بالحزن والاسى .. ولاشئ يكاد يسمع سوى العويل والنواح .. تجسدت المأساة في كل الارجاء .. رباه انهم كانوا اسباب الفرح ومصدر السعادة وكانوا بهجة الحقول وزينتها .. وكانوا الآمال النامية التي ينتظر قطف ثمارها في الغد .. فلماذا يؤخذون منا عنوة .. ولأي مصير يساقون؟ اليس لدى من سبوهم ابناء !! اليس لهم اكباد مثلما لنا حتى يعلموا مدى الفجيعة التي لحقت بنا من شنيع صنيعهم .. حتى الطيور تحب صغارها وتعرض
نفسها للتهلكة في سبيل انقاذها .. الم يشاهدوا عصفورا صغيرا واقعا على الارض قبل ن تقوى جناحاه على التحليق .. عندئذ تحلق امه حوله مشقشقة تستغيث بمن حولها من الرفاق فتحلق حوله مجموعة تصيح غير ابهة باي خطر .. وكافة الحيوانات القوي منها والضعيف تخشى على صغارها فتبتعدبهم الى الاماكن الآمنة ..فكيف بنا ونحن بشر مثلهم تماما.. ام اننا في انظارهم احط منزلة من ذلك لمجرد اختلاف الواننا والسنتنا؟ عجبا لبني ادم! وكيف لنا رباه ان نحيا من بعدهم .. هل نمسك ارحامنا حتى لا نخلف خلفا يترعرع ثم يأتي من يأخذه منا عنوة!!.. وأنى لحياتنا ان تستمر على هذا المنوال .. نلد فنربي ثم نفجع .. تماما مثل هذه السنابل التي رعيناها حتى نضجت او كادت ان تنضج ثم اصبحت حقا مشاعا للعصافير بعد ان غاب رعاتها ومضوا.
وفي وقت متأخر من ذات المساء مات بابور متأثرا بجرحه البليغ .. ولم يستطع حكماء الاكواخ ان يفعلوا شيئا .. فكان بذلك الشهيد الثاني من بين افراد مسيرة الخلاص تاركا وارءه زوجه واطفاله .. وعند بزوغ شمس اليوم التالي حمل الرجال الجثمان ليواري الثرى في مقبرة القرية ومن خلفهم سار قارعوا الطبول يصدرون ايقاعات حزينة ومن ورائهم تسير النساء موشحات بالسواد يسترسلن في البكاء والنواح على وقع الدفوف يتبعون فقيدهم ليودعونه مرقده الابدي.

سيد محمود الحاج
10-05-2009, 10:06 AM
( 8 )

كادت الابتسامة العريضة تكون شيئا ملازما لشفتي اكر وهو يضع اولى خطواته في بداية الطريق الذي يعود به الى قريته .. فقد طفرات جوانحه فرحا وسعادة وامتزجت فيها احاسيس عدة .. فهو يحمل فرحة العودة وفرحة العيد وفوقهما فرحة اللقاء .. لقاء معبودته بورا .. يتحرق شوقا ً اليها .. ينتابه احساس من غاب اعواما طوالا .. يتظاهر بالاصغاء الى احاديث ابيه وحكاياته خلال مسيرهما ولكنه في الواقع لا يصغي الا لحديث قلبه وهمس جوانحه .. فأحاديث ابيه لاتخلو من التكرار لقد سمعها ربما اكثر من مرة فهو لاينفك يحكي عن سالف الايام وعما كان عليه الحال آنذاك والفرق بين اجيال الامس واجيال اليوم .. لذا فقد حلق ذهنه بعيدا عن حكايات ابيه وعن الطريق الذي يسلكانه .. جسد يسير بلا لب اوفؤاد فكلاهما قد سبقاه الى الحقول التي تستضيف من بين من تستضيف بورا تلك التي سيطرت على كافة احاسيسه فلم تنج خليه من خلاياه الا وهي متجسدة فيها .. ينظر طويلا الى اسراب الطيور والعصافير وهي تطير لتفسح الطريق امامهما كأنه يحسدها هذه الأجنحة .. آه لو كانت له اجنحة مثلما لهذه الطيور لكان حينئد في قلب الحقول لا ليعبث بالسنابل او يقتات منها ولكن ليقتات من حسن بورا ويستمتع بالنظر اليها ويصغى لحلو همسها .. ولكن آه .. يالطول هذا الطريق !!.. لو كان يسير لوحده لكان قد سابق الريح ليصل في نصف الزمن المقدر للوصول ولكن رفقة والده تحول دون ذلك وليس له الا ان يواكب خطواته المتئدة .. ومع ذلك فقد وجد نفسه في كثير من الاحيان ينساق بعيداً عن حيث يسير والده فيضطر الى التوقف احيانا او الرجوع الى الوراء في احيان اخرى .. ولعل الاب قد لاحظ مدى تعجل الابن فكان يقول له عند ذلك : "يابني ان من يسلك الطريق الصحيح سوف يصل الى وجهته مهما كان طول الطريق .. فلم التعجل ونحن نتبع الطريق القويم "؟ لقد كان العم (سايس) يلم بأسباب تعجل ابنه لكنه لم يشأ ان يفاتحه في هذا الامر من قبل وقد وجدها الان فرصة مؤاتية لتغيير مسار الحديث إلى وجهة يستطيع بها ان يعدل من تعجل ابنه ومن شروده فهو رجل خبير بمثل هذه الامور ولايخلو من حكمة ودراية .. فقد عرف الحب يوما عندما كان في مثل هذه السن .. سن الشباب .. فقد عشق (توجو) زوجته وام اكر الى حد الجنون وهام بحبها ولم يهد له بال الا بعد ان ظفر بها وتزوجها .. فمثل العم سايس لاتفوت عليه فائته في هذا المضمار .. يدرك مايسود مشاعر الشباب في مثل هذه الايام .. ايام الحصاد ولقاءات الحقول .. ومواسم الاعياد .. بدأ حديثه عن الزواج على ايامهم وكيف كان الشاب يختار عروسته من بين الفتيات .. وبدا ان ذلك الحديث قد اصاب مغزاه وضرب على وتر رنان في مشاعر اكر .. نعم .. ان مثل العم سايس يعرف كيف يعزف على مثل هذه الاوتار .. اذ عادت خطى اكر الثائرة تهدأ شيئا فشيئا الى ان كاد الوالد أن يتقدمه احيانا .. وعند ذلك قال لإبنه انه رجل تقدم به العمر وانه الان اقرب الى الاخرة من الدنيا فهو يود ان يرى خلفا لمن يحمل الراية من بعده ويحمل اسم العائلة لذا فانه سوف يقدم بعضا من ماشيته الى اهل بورا بعد اعياد الحصاد مباشرة كجزء من المهر على ان يكون الزواج في الموسم القادم .. اوشك قلب اكر على التوقف من شدة الفرح واحس وكأنه قد امتلك جناحي طائر واحس وكأنه يحلق في الفضاء بخفة ذوات الريش .. آه متى يكون الوصول الى الاكواخ ومتى تكون اللقيا بين المروج حتى يبوح بهذا النباء العظيم لمحبوبته الاسطورية بورا .. نعم انه الان يشعر بالرجولة الحقة وبالمسئولية .. ينبغي عليه ان يواصل حياة الاجداد .. ولكن متى لهذا الدرب الطويل ان يدرك مداه !! .. لقد انقطع ذلك الحديث الشيق ولم يبق ما يقال حوله .. والعم سايس ينظر بعيدا في ذلك الافق وكأنه قد مل المسير ايضا .. او ربما عاد الى الورادء كثيرا .. ايام ان كان العمر غضا .. ايام اللهو والحب بين الحقول والمروج .. ثم عاد من حيث كان يهيم خياله .. يجتاز اعواما واجيالا .. وقد لاحت من على البعد شجرة المنتصف القائمة في منتصف الطريق بين القريتين تميزت عن سائر اشجار تلك المنطقة بكبر حجمها وامتداد اغصانها مما جعلها تبدو كسقيفة او عريشة واسعة .. ولما كان قد طال المسير بالعم سايس وابنه فقد دلفا اليها ليأخذا قسطا من الراحة ويستطعمان شيئا من ما معهما من طعام زودتهما به زوجة شقيق العم سايس .. وفرش العم سايس فروته على العشب وجلس ويداه تدلكان ركبتيه وساقيه بينما وضع اكر المخلاة عن كتفه وانشغل باخراج محتواها وطفقا يلتهمان الطعام في شره فقد سارا طويلا واستنفذا من مخزون طاقتيهما الكثير .. لقد بدأ الطعام لأكر اشهى من ذي قبل .. ليس بسبب ما اضيف اليه من توابل ولكن بسبب ما اضافه حديث العم سايس الى نفسه .. تلك المفاجأة الحلوة التي لم يضعها في حسبانه من قبل.. وبعد تناول الطعام رفع العم سايس ابريقه الفخاري يجتزع شيئا من الماء ثم رقد على فروته يريح جسده وقد شخصت عيناه تتفحصان فروع تلك الشجرة الضخمة .. يهز برأسه من حين الى حين في تعجب وفجأة طاف بخاطره ماسمعه من بعض اهل القرية التي كانو فيها .. لقد زعم رعاتها انهم سمعوا من رعاة آخرين من اهل قرية مجاورة ان اناسا غرباء قد اغاروا على بعض القرى الواقعة في اقاصي التلال واسروا العديد من الصبية والاطفال من قبل مايزيد على العشرة ايام .. وتساءل اكر مستغربا هل يمكن أن يحدث شئ كهذا؟ قد يهاجم البعض آخرين لسرقة مامعهم من اغنام وماشية لكن كيف يهجمون ليأخذوا اناسا مثلهم ولأي سبب او غاية يحدث هذا؟ صمت العم سايس طويلا قبل ان يبدي رأيه في الأمر فربما كان يستحضر شيئا او يستذكر شيئا ثم قال بعد تأنٍ "لقد سمعنا بمثل ذلك منذ سنين طويلة ولكن لم يحدث مثله في قريتنا ولا في اي من القرى المجاورة لها بل يقال ان ذلك حدث في القرى التي تقع في اقاصي التلال وهي غالبا ماتكون قرى مكشوفة خالية من المغارات ولاتحرسها تلال .. وسمعنا ان المهاجمين من قبيل آخر من الناس يختلفون عنا في السحنة واللسان .. يأتون من مناطق بعيد عنا كل البعد ليأخذوا شباب هذه القرى لاستعبادهم وجعلهم رقيقا مملوكين يسخرونهم لاداء كل ماهو شاق" قال اكر ابن الستة عشر خريفا وقد زاد حديث والده من دهشته : "وكيف يقبل الفتى ذلك ويرضى ان يكون مملوكا" !! ابتسم العم سايس لحديث ولده قبل أن يجيب :"من يقع في الاسر يابني ليس امامه الا فرصة ان يفر منه اذا كان ذلك ممكنا .. اما اذ لم يكن ممكنا وابدى اي مقاومة او عنف فمصيره اسوأ من الأسر والذي يصبح مملوكا بالقوة ويساق الى ارض ليست بأرضه .. ماعساه ان يفعل .. اذا قاوم فسوف يهزم واذا انتصر فسوف يقتل كما تقتل الذئاب والثعالب عندما تغير على القرى .. لذلك فليس هنالك سوى الخضوع والاستسلام للأقدار"!! .. صمت اكر طويلا يتمعن ماقاله والده الذي كان ساعتها قد نهض من مرقده وانحنى يطوي فروته ثم وضعها فوق رأسه ورفع ابريقه يجترع شيئا من مائه متأهبا لمواصلة المسير ومضى يتبعه الابن في الجزء الاخير من رحلتهما صوب القرية.. لم يستطع اكر مقاومة العديد من الاستفهامات التي بدأت تفرض نفسها حول موضوع هؤلاء الغرباء .. انشغل بذلك تماما فلم تعد سيرة بورا هي المسيطر الوحيد .. ومضى في طريقه صامتا ينظر في البعيد .. وفجأة قطع حبل الصمت بسؤال في ذات الموضوع وجهه الى ابيه يسأله هل من الممكن ان يحدث شئ مثل هذا في قريتهم .. ان يهجم غرباء في وضح النهار على الاكواخ فيأخذون ما يشاءون من فتيتها وفتياتها دون ان يلقوا مقاومة من اهلها ورجالها .. تأني العم سايس في الاجابة بعض الشئ كمن يفكر في اختيار الكلمات او استجماع بعض المعلومات .. وقال مجيبا انهم اذا ما هاجموا قرية مثل قريتهم في وجود رجالها فانهم بالطبع سوف يلقون مقاومة شديدة ولن يكون الامر سهلا بالنسبة اليهم الا اذا كانوا اكثر عدة وعتادا .. ولكن في الغالب مثل هؤلاء لايغيرون الا على القري المنعزلة والمكشوفة وفي غياب رجالها .. ولاسبيل لهم على قرية محصنة كقريتهم ولن يكون في وسعهم فعل شئ او سبي اي من اهلها والا فتكت بهم السهام والرماح .. ولعل العم سايس قد لاحظ مابدا من قلق وعدم ارتياح على وجه ابنه بسبب هذه الحكاية المزعومة وماقيل فيها .. فعلق على كل ذلك بانه قد لايتعدى حدود ترهات القول وانها لا اكثر من شائعات تتداول بين الأجيال .. فهو قد سمع عن ذلك في حداثته لكن شيئا لم يحدث البته سوى في قريتهم او في سواها من القرى المجاورة .. وتنفس اكر الصعداء على اثر ذلك وعاد الى سابق مرحه وسعادته ومضى في طريقه بنشاط وهمة جديدين وطيف بورا ماثل امامه .. يراها امامه في طريقه ويراها واقفة بين الاعشاب والمروح والاشجار .. انه الان يعود اليها بمفاجاة كبرى .. وستكون اغلى هدية يستطيع ان يقدمها لها .. سوف يأخذها بعيدا بين المروج ويلقى عليها هذا النبأ العظيم وسيرى اثر ذلك في عينيها الساحرتين وعلى خديها المتوهجين .. لن يتوانى في ضمها الى صدره هذه المرة حتى يحس باختلاط نبضات قلبه ونبضات قلبها رغم انه قاوم ذلك كثيرا من قبل .. يشعر الآن بانه لن يستطيع المقاومة .. سيضمها حتى تضل نهداها سبيلهما في صدره الواسع وليكن مايكن .. ولما فطن اكر لنفسه وهو يهيم في تلك الخواطر وجد انه قد ابتعد عن ابيه كثيرا فتوقف يؤنب نفسه على ذلك وعلى ماجاء في ذهنه من افكار قد تؤدي الى ما لا تحمد عقباه .. عليه ان يكون حذرا وان يكون قويا حتى في أكثر المواقف اثارة وان يتحلى بالصبر مهما كان الاغراء عظيما .. ان كل مافي بورا مغري ومغوي ولكن ينبغي عليه ان يتحلى بصفات الرجل القوي .. لن تكون لاحد سواه وعما قريب سوف يجمعهما سقف واحد وساعتها له ان يلتهم مفاتنها التهاما مستمتعا بكل مافيها فهو سيدها الآمر الناهي . وقبيل الظهيرة كان اكر ووالده على مشارف القرية فقد وصلا الى حدود المراعي التابعة لقريتهم وظهرت امامهما بعض قطعان الاغنام والماعز تتراكض وتلهو في تلك المروج الواسعة الارجاء .. وحاول اكر ان يقاوم ابتسامة ظاهرة كادت ان تنفجر قهقهة .. فهو الآن قاب قوسين أو أدنى من ديار الأهل والأحبة .. ولاحظ العم سايس أن الأغنام طليقة بلا راعي وعلق على ذلك إلا ان اكر كان مشغولا بما هو أهم من الاغنام ورعاتها وأهلها .. لم يعِ شيئا مما كان ابوه يرغي به .. وظل العم سايس يعتب على هؤلاء الفتية الذين يهملون مهماتهم ويذهبون للسباق واللهو تاركين اغنامهم هائمة بلا رقيب فتعتاد الطريق الى الحقول وعندها سوف يكون امر اعادتها الى المراعي شاقا وعسيرا .. واكر يحصي ماتبقى من خطوات .. يسابق اشواقه فتسبقه حينا ويسبقها في آخر .. ولولا الحياء لتوجه الى الحقول مباشرة فبورا حتما هنالك .. لابد انها في انتظاره على احر من الجمر .. قد تعاتبه وتكثر العتاب لعدم اخطاره لها يوم مغادرته ولطول غيابه عنها .. لكن المفاجأة التي حملها اليها ستغير الموقف وتنسيها عتابها .. آه لو أنه يستطيع الذهاب الى الحقول قبل ان يمضي الى اي مكان آخر .. لكن الأصول تحتم ان يغشى داره أولا مع والده ليسلم على أهل بيته .. أن امه لم تكن على مايرام حينما غادرا فينبغي ان يعودها اولا ليطمئن على صحتها وبعد ذلك يمكنه التسلل الى الحقول.

سيد محمود الحاج
10-06-2009, 09:28 AM
[color="black"]( 9 )

هاهو اكر يختتم نهاية الطريق ويدخل ذلك النفق الضيق المظلم الذي يخترق تلّين شاهقين فيمضي مسرعا متجاوزا أباه بخطوات عدة .. يدفعه شوق يئز كبركان مسلماً للقلب زمام نفسه .. والابتسامة العريضة التي سعى بكل قوته للسيطرة عليها رفضت الخضوع لإرادته ولازمت شفتيه والعم سايس يمضي في خطوات متئدة تنقبض أساريره حينا وتنبسط حينا .. إن مايفصلهما عن الاكواخ لم يكن سوى خطوات تحسب على اصابع اليد لكنه يدرك انها تتراءئ لابنه بونا شاسعا .. فليسرع ماشاء ان يسرع .. وليستمتع بشبابه فما الشباب إلى سويعات سرعان ماتنقضي .. خرج أكر من النفق ووقف يضع يده فوق ناظريه بعد ان سار طويلا في ذلك الدهليز المفتقر إلى الضياء ويوشك ان يحث اباه ليستعجل خطاه إلى ان خرج أخيراً من ذلك النفق الضيق المظلم حاجباً ناظريه بيمناه من فرط الضياء .. وجلس يرتاح قليلا مانحا ابنه الخيار في البقاء معه أو الإنصراف إلى الاكواخ .. غير ان أكر آثر البقاء تأدباً واحتراما .. فجلس على مقربة من والده ولكنه كان كمن يجلس على نار .. ولم يطل المقام بالعم سايس حتى نهض يستند على عصاه ليهبط المنحدر المؤدي إلى السهل التي تقبع فيه الأكواخ .. واكر يسير بجانبه مخافة ان تزل قدمه في ذلك المنحدر الوعر إلى أن هبطا بسلام وتوجهت انظارهما الى اكواخ القرية وقد بدأت أمامها في سكونها المعتاد في مثل ذلك الوقت .. ولكن ما ان تقدما قليلا حتى تبدد ذلك السكون وغشيت اسماعهما دقات طبول .. انها ليست طبول افراح .. فهما يعرفان ذلك جيدا .. بل هي ايقاعات المآتم والأحزان .. استبد القلق بهما يبدد فرحة العودة وتعجلت خطوات العم سايس هذه المرة .. ياللحسرة لو ان أم عياله قد المّ بها مكروه في غيابه .. ومثل ذلك كان اعتقاد اكر .. فأمه لم تكن بخير عندما غادرا الأكواخ .. وتقدما بلا وعي كل فاغر فاهه دهشة وقلقا .. ولما إقتربا بدت أمامهما رايات سود تكاد تكون مرفوعة على كل كوخ من الاكواخ .. رباه ما الأمر .. انها ليست امه وحدها بل القرية جميعها واخذ يحصي عدد الرايات السود .. واتسعت دهشة العم سايس .. نعم ان كل دار في القرية تخفق فوقها راية سوداء .. رباه ما الخطب هل انقضت سباع الاحراش جميعها على اهل الاكواخ ام انها نار لم تبق ولم تذر .. ولكن الأكواخ سليمة كما تبدو وليس هناك أثر للحريق .. وما ان اصبحا في وسط الاكواخ حتى تدافع نحوهما نفر من الناس ممن كانوا في دارة الدفوف حيث اجتمع اهل الاكواخ جميعهم لبكاء من فقدوا .. يزفون نبأ المأساة .. فكان كالصاعقة .. وظن اكر أن مايعيشه اللحظة لا أكثر من حلم مزعج.. وفرك عينيه لعل ان ينقشع هذا الحلم المرعب .. ولكنه وجد نفسه في قلب الواقع المرير .. اخبروهما بأن رجال القرية لحقوا باللصوص لتخليص الفتية ولكنهم لم يفلحوا في ذلك اذ ان في جعبة الغزاة سلاح يدوي كالرعد ويردي المرء قبل ان يرتد اليه طرفه .. وقد قضى ذلك السلاح اللعين على حياة دلدوم البطل المقدام كما قتل بابور أيضا .. واخذ احد الرجال يعدد امام العم سايس من فقد من فتية الاكواخ وفتياتها واكر يتابع ذلك في اضطراب دون ان يرمق الرجل بنظره .. وكأن الرجل قد تعمد الا يذكر اسم بورا الا في النهاية .. ولما عدد ثمانية عشر تردد قليلا ثم رمق اكر بطرف حزين منكسر وتلعثم بعض الشئ قبل ان يضيف الى القائمة اسم بورا .. وحملق اكر في وجه الرجل وهو يكاد ان يفترسه .. وصرخ " لا .. لا .. ان بورا ليست من بينهم ليس في استطاعة اي من كان ان يأخذها " .. وصاح مزمجرا حتى التف حوله جمع غفير .. واحس بالظلام يكتنف الكون من حوله شيئا فشيئاً واخذت الأجسام تضمحل امامه وتلاشت الأصوات الى ان غاب في الظلمة تمام ثم انهار كما ينهار الطود العظيم .. وأمتدت ايدي الرجال تسنده ثم حملوه وهو في حالة اغماء كامل.
وقبيل المساء بدأت الحياة تدب في جسد اكر درجة فدرجة .. وفتح عينيه لأول مرة منذ ان صعقه ذلك النبأ القاتل .. يطالع في وجوه من حوله من اهل الأكواخ الذين تركوا دارة المآتم وجاء معظمهم الى دار العم سايس .. ومرة اخرى يفرك عينيه لعل ان يكون ما يعيشه الساعة ليس الا حلما غير انه يرى الدموع والاسى في وجوه الجميع .. حتى وجه ابيه الصارم القسمات بللته الدموع وغلفه الحزن .. وجد امه تجلس بقربه تمسح على رأسه وعلى مقربة منها تجلس شقيقته مويا وهي باكية متحسرة .. انها تحس بجرح اخيها العميق الذي لايمكن ان يندمل .. وتحركت شفتاه قليلا كمن يريد الادلاء بشئ ثم عاد مرة اخرى يضع رأسه على الوسادة .. وكرر المحاولة مرة ثانية وجال بنظره يتفحص وجوه الجميع كمن يبحث عن وجه معين بين الوجوه .. ثم تأتأ بكلمات غير واضحة .. وكرر ذلك مرارا الى ان غدا لسانه اكثر طلاقة وخرجت كلماته .. يسأل ان كان ماحدث واقعا ام ان ذلك لا أكثر من اضغاث احلام !! ويصمت الجميع حيال ذلك ولم يجرؤ أحد من الحاضرين على ان يجيب تساؤله وظلت العيون تطالع بعضها .. وفي هذا وجد اكر الاجابة البينه .. هي الحقيقة إذن !! فان لاذ الجميع بالصمت ولم يجب منهم احد فمعنى ذلك ان صمتهم قد اجاب على تساؤلاته .. فهم لايقوون على الاجابة .. ورأى دموعاً اكثر على كثير من الوجوه .. رباه ما اقسى ان يفجع عاشق في عشقه وما اقسى ان يتراكم الشوق دون ان يبتل وأن يموت كل ذلك البشر في قلبه وبين جوانحه .. لقد كان يسابق الخطى ويكاد أن يحلق في الفضاء لأجل أن يحط في الحقول ويرى بورا .. كان يود مفاجأتها بذلك الخبر السار ويضمها الى صدره حتى يذوب ذلك الشوق العارم .. ولكن هاهي الآمال قد تلاشت وماتت الأمنيات بعد أن حان قطافها .. وانقطع الرجاء .. يالجبروت الحب .. إنه اقوى من كل قوة اخرى .. فها هو اكر القوي الجسور يرقد متهالكا وهو المصارع الجبار على حلبة المصارعة قد خانته قوته الجسدية ولم تنفعه جسارته المعهودة .. يتكور الآن على آهاته والآمه غارقا في سيل من الأحزان والأشجان كأنه لم يعرف القوة ولا السعادة يوما رغم انه قبل سويعات كان اكثر اهل الأرض سعادة واشدهم قوة واعظمهم بشراً .. وهاهوا الآن تتقاذفه الهموم والأشجان .. ان جرحه عظيم وخسارته فادحة .. قد تندمل جراحات الاجساد مهما عظمت واستفحل امرها ولكن تبقى جراحات الأفئدة والأكباد دامية لايجدي حيالها بلسم أو دواء .. يالحسرة اكر .. وقد فنيت في احاسيسه الأفراح وماتت في احداقه الدموع .. فلم يعد يرى الحياة من حوله كما كانت قبل لحظات .. حب وافراح ومروج خضراء .. قد استحال الكون في ناظريه الآما واحزانا واشواكا .. يكتنف الظلام كل شبر فيه بعد ان تلاشى الضياء وتفرقت الآمال وتبددت الامنيات .color]

سيد محمود الحاج
10-06-2009, 09:34 AM
( 10 )
وبينما الجميع يفترشون الأرض في دار العم سايس .. يتأملون وجه اكر الذي تكدست عليه هالات من الحزن .. يصحو حينا ويغفو حينا اذ به يهب من مرقده في غير مايتوقع .. وكأن قوته المفقودة قد عادت اليه مثلما تعود المياه الى مجاريها لحظة ان تمطر السماء بغتة .. وصاح بأعلى صوته وهو يدق الارض بقوة بقدمه رافعا يده في وجوه الجميع .. مقسما امام الأشهاد بأنه سوف يخلص بورا ورفاقها من قبضة الاوغاد أو ان يهلك دون ذلك .. ولكن هل من سبيل الى ذلك ايها الفتى ؟! لا أحد يعرف وجهة للسارقين ولا الى اي ناحية ذهبوا فقد مضى الرجال في اثرهم لكنهم عادوا وقد خلفوا هنالك جثة رجل كان اكثرهم قوة واشدهم بأساً .. وأتوا بآخر لم يلبث أن مات ايضاً .. وانت الفتى اليافع انى لك بمثل هذا وخبرتك في هذه الحياة لا تتعدى حدود هذه الاكواخ المختبئة بين التلال وان الدرب وعر والطريق شائكة ولاتقود إلا الى المجهول والغموض .. وفوق كل هذا وذاك فان في جعبة اولئك الاشرار مايجعل الموت محتما على كل من يتعقبهم .. فأمامهم يتعادل الجبان والجسور ولاتنفع قوي قوته ولاباسل بسالته والا لكان قد عاد دلدوم ظافرا منتصرا وهوا الذي صارع الأسود وضواري السباع .. ان هذا هوا المستحيل بعينه يابني .. وليس امامك الا الاستسلام لارادة السماء والتحلي بالصبر والايام كفيلة برأب الصدع ودمل الجرح.
لقد ظن أهل الاكواخ المجتمعون في الدار ان مايقوله اكر ماهو الا ضرب من الهذيان من جراء مابه ولم يعتقد اي منهم انه قد عاد الى كامل وعيه وانه يعي مايقول .. فوقف العم سايس يهدي من روعه كما وقفت امه حوله وهي ممسكة بوسطه كمن يخشى عليه من الوقوع .. ترجوه ان يجلس إلا أنه ظل يذرع فناء الدار جيئة وذهابا يطالع تلك الوجوه الواجمة دون ان يتفوه بكلمة واحدة ثم لا يلبث ان يشيح بناظريه بعيدا كأنه يبحث عن شئ ما في الافق .. ولمح العم سايس بعينه التي لاتخطئ على وجه ابنه مالم يلحظه غيره .. اذ قد تجسد مابين حاجبيه ذلك الاصرار الذي قلما ينجح احد في صده او اثنائه عنه . فهو يعرف ذلك جيدا .. منذ ان كان أكر في المهد صبيا انه ما أن تكتمل تلك الدائرة مابين حاجبيه فانه لايتراجع عن مايريد فعله ابدا .. عنيد وصلب كجلمود صخر .. واثارت هذه الظاهرة قلقا شديدا في نفس العم سايس .. فإذا مامضى اكر في ماصمم عليه فسوف تكون بلا ريب هي الطامة الكبرى .. وسيمضى بارادته في طريق اللاعودة الذي سبقه اليه اترابه مرغمين.
وحين غابت الشمس كان الجمع قد انفض عن دار العم سايس وبدأ اكر يعود الى طبيعته لكنه كان صامتا كتمثال قد من حجر .. يسرح في الافق بعيون تصارع الدموع لقد كانت الصدمة عنيفة.
ومضى يجلس على صخره بجوار مدخل الدار واضعا رأسه بين كفيه .. قد مضى كل شئ جميل عن عالمه .. وتجمدت كل الأحاسيس الا احساس قوي بالانتقام .. لذا فقد احتمى بالصمت وجلس مطرق الهامة يحاول ان يجد النقطة التي يمكن ان تنطلق منها افكاره .. كيف ومن أين يبدأ .. شلت افكاره تماما وغدا كل شئ امامه ظلاما شديد العتمة .. يجب عليه اتخاذ خطوة ما فليس هنالك وقت .. يجب ان يكون اقوى مما كان من قبل حتى يستطيع ترتيب الأمور وانجاز ماينبغي انجازه .. وعليه التحرر من ما هو فيه الان من احزان واحساس بالهزيمة والا فانه لن ينتصر في معركته وابدا وسيظل عبدا لهذه الاحاسيس تسيره انى شاءت .. وهنا وجد اكر نقطة الانطلاق لمسيرته .. نعم .. الخضوع للاحزان هزيمة اخرى اقوى واكبر من تلك التي يعيشها الان لانها هزيمة وعليه فقد مضى الى مرقده داخل الدار وقد عزم على شئ ما واستحالت تلك الهالة الى دائرة كاملة فيما بين حاجبيه.
استلقى اكر على حصيرته يراقب نجوم السماء وقد خلد افراد اسرته للنوم بعد يوم مجهد ملئ بالمعاناة والالم .. تخرج الزفرات من جوفه كسموم الفلوات في نهار الصيف الغائظ .. يستعيد في ذهنه صورة ماحدث ويمضى يتابع اولئك الأوغاد الذين هدموا حياته وخربوا عش غرامه وهواه .. فيعض على شفتيه متوجعا .. يرى ركبهم يجتاز الأحراش يجرون من خلفهم اترابه ومن بينهم بورا .. مكبلة كغيرها .. ثم يأتيه خاطر آخر .. لا .. ان مثل بورا لاتكبل بالقيود .. لاشك ان قانصها قد ميزها عن الاخرين خضوعا لسحرها وفتنتها .. ربما خصص لها مطية تحملها دون سواها .. وقادته الافكار والتخيلات في ذلك المنحنى الى امر اخر اشعل النار في قلبه وبين اضلعه فهب من مرقده كأنه ينقض على شئ .. رحماك اللهم .. فقد اصبح قلب هذا الفتى مرتعا لنيران شتى .. نار الاسى ونار الفرقة ونار الظلم وهاهي نار اخرى اشدها ضراوة واحتداما .. نار الغيره .. رأي اكر فيما يرى الغارق في الخيال احد الغزاة يقف مزهولا عند حسن وبهاء معشوقته بورا .. فيعاملها معاملة خاصة ويعزلها عن بقية الاسرى وقليلا قليلا يدنوا منها لينال من أنوثتها .. نعم فحسنها الوضاء الباهر وانوثتها المتدفقة أمران لايستطيع مقاومتها حتى من كان شهما أو متعففا ناهيك عن أولئك الأوغاد الين تعوزهم الضمائر والاخلاق .. هي الآن حق شائع لأي منهم اذ لم تعد تملك نفسها .. يفعلون بها ما يشاؤون .. ويقسم اكر مرة اخرة امام نفسه وهو يمد اصبعه يتوعد الأعداء وينذر.

سيد محمود الحاج
10-06-2009, 10:02 AM
( 11 )

لم تغمض عينا اكر البتة في تلك الليلة وقد جفاهما الكرى تماما وهجرهما مثلما تهجر الطيور الصحراء صيفاً .. فأني له وقد فقد اغلى مايفقده عاشق وعلى ذلك النحو من القسوة والظلم !! لو كانت بورا قد ماتت فقد يكون ذلك اخف بكثير واهون فانها حينئد تكون مشيئة الاقدار وهو امر ليس لاحد يد فيه وقد مايندمل الجرح ويذهب كل شئ في طي النسيان .. لكن بورا لم تمت .. بل سيقت عنوة وفي وضح النهار باسلوب وحشي واقتيدت مكبلة بالحبال. وعندما انقشعت تلك الهواجس قليلا هب يبارح فراشه وخرج عن الدار يقصد طريقا لطالما سارت عليه خطاه طربة نشطة .. ذلك الذي يقود الى الحقول ومضى حزينا واجما يقارن بين الامس واليوم .. قلب مفجوع وروح محطمة .. ماحسب يوما ان يحدث ماحدث ولم يصدق مثل ذلك حتى عند سماعه تلك الاقاويل منذ وقت قريب .. وزاد من ذلك قول ابيه الذي رأى ان الأمر لا أكثر من شائعات .. واجتاز اكر ذلك الجسر الطبيعي الرابط بين الاكواخ والمزارع .. ومع بواكر الاشراق كان قد وصل الى اطراف الحقول ولكن خطاه تعلن العصيان وتأبي ان تطاوعه .. فيزجرها فتسير مغلوبة على امرها .. ويجد اكر نفسه في مرتع حبهما .. واكواز الذرة منكسة تلهو من فوقها العصافير في ازدراء وتهكم .. النواقيس ملقاة في كل حيز .. وتقدم خطوات اخرى يقصد مكانا بعينه وسط الحقول .. لطالما كانت بورا ترتاده كثيرا وتفضله عن سائر الاماكن .. وهاجت به الذكريات والاشجان وهو يلج ذلك المكان فتراءت له بين الشجيرات وسمع همسها الشجي وضحكاتها الحلوة وتجمعت العبرات تخنقه بشدة وهو يحاول ان يبتلعها ويتمالك نفسه الا أنه يخفق .. اذ تفجرت ينابيع الدموع وتدفقت كسيل عارم وانفجر يبكي بكاءا مريرا بأعلى صوته .. ما أشد بكاء الاقوياء وما أمره .. وتهاوى على صخرة كانا يجلسان عليها عندما ينشدان الراحة من عناء العمل .. وظل في بكائه الى ان فضفض عن بعض مايختلج في دواخله .. ولعله لم ير والده الذي كان يرقبه منذ ان خرج من الدار حتى وصل الى هنا .. فالعم سايس لم يامن الخطوة التالية لابنه منذ ان رأي تلك الهالة تكتمل بين حاجبيه لذا فقد تبعه خفية الى ان وصل إلى الحقول .. ولقد اراحه بكاء اكر لإعتقاده بأن ذلك سوف يفرج عن كثير من احزانه المحبوسة في اعماقه .. واذ ذاك انسحب راجعا بنفس الطريقة التي جاء بها من غير ان يحس به الابن .. وبقي اكر في ذلك المكان يستعرض شريطا من الذكريات الجميلة .. في كل شبر في هذا المكان كان له وبورا موقف .. هناك قالت له كذا وهنالك قال لها كذا .. هنا وقفا وهنالك جلسا .. ويراها ماثلة امامه بجسدها الغض وقوامها الممشوق وعلى شفتيها تلك الابتسامة الساحرة التي لاتكتمل الا له .. رباه كيف كان حالها في ذاك الصباح المشؤوم وكيف غدر بها اولئك الاوغاد .. هذه الشجيرات قد رأت وسمعت الكثير في ذلك اليوم .. ولو قدر لها ان تنطق لروت له المأساة بجميع فصولها .. هل ذكرته ساعتها؟ وهل استنجدت به ياترى!! ياليته كان معها ولم يذهب في تلك الرحلة المشؤومة .. فاي شئ يحدث وهو بقربها يكون نعيما حتى ولو كان الموت .. ولو انه كان حاضرا حين جرى ماجرى لكان الأمر على غير ماهو عليه الان .. انه يعرف كيف يتصرف في ظروف كتلك .. ومرة اخرى ينأى بذهنه إلى حيث بورا الآن .. مكبلة في قافلة الأشرار .. انها بالتأكيد لم تيأس منه وانها تتوقعه بين حين وآخر أتياً لخلاصها .. ولسوف يفعل .. نعم لن يكون ابنا لأبيه ان لم يقم بذلك .. ومن هنا .. من مهد حبهما الابدي الذي تعهدا فيه على ان يكون كل منهما للآخر .. تفتقت خطة اكر الرامية الى تخليص معشوقته .. وترك الحقول عائداً الى الاكواخ يسير بعزم وجد ومضى إلى دارة المآتم يشارك أهل الاكواخ في مصابهم الجلل وينصت حزينا الى نوح النائحين على انات الدفوف وهو يغالب الدموع التي عادت مرة اخرى تفيض من عينيه واشرأبت كثير من الأعناق ترمقه وقد تحسن حاله عن الأمس وعاد اليه بعض نشاطه .. ومن بين الجالسين بقربه لمح اثنين من الرجال سمع انهما كانا من ضمن افراد قوة دلدوم وظل بقربهما الى ان توقفت الدفوف وتفرق كثير من الحضور .. فاستدار يصافحهما في تأدب ثم سار معهما الى ان ابتعدوا عن دارة المآتم قليلا ثم سألهما باسى بالغ عن ما صار منذ أن غادروا الاكواخ حتى مقتل استاذه ومعلمه دلدوم .. ان لموته جرح اخر في قلبه ولكن مايصدره الجرح الأكبر من الالم يغطي على كل جرح آخر .. وأخذ الرجلان يرويان له كل ماجرى وهو يتابعهما باهتمام بالغ .. وصفا له كل شئ في اسهاب .. حتى عدد اللصوص وعدد جيادهم .. وعدتهم .. كما وصفا له المكان الذي تقاتل فيه الطرفان وطريقهم الذي سلكوه بقيادة دلدوم .. وحال الاسرى وهم يرسفون في اغلالهم وكيف يسيرون .. نعم .. إن هذا ما ينشده .. هذه هي المعلومات التي يحتاجها .. اصبحت لديه الآن فكرة ما عن ذلك المكان المجهول الذي ينوي الارتحال اليه .. لقد عرف بداية الطريق وكما قال أبوه العم سايس أن من يسير في الطريق الصحيح سوف يصل إلى وجهته مهما بعد الطريق .. وتذكر ايضاً ان هنالك مصادر اخرى لديها معلومات عن اولئك الاوغاد .. ذياك الصبيان اللذان نجيا من الأسر .. فلابد أن لديهما ماهو في حاجة اليه ايضاً .. وذهب يبحث عنهما حتى وجدهما وساقهما بعيدا عن اعين الناس وطلب منهما ان يرويا له كل ماحدث مفصلاً منذ ان كان الهجوم الى ان ذهب اللصوص بالاسرى .. فرويا له كل شئ .. كيف هجم اللصوص بغتة .. هيئتهم وازياؤهم .. انهم من عرق آخر يختلفون معهم في السحنة واللسان .. على خدودهم مثل ماتتركه اقدام الطيور على الوحل .. وظلا يرويان له بإسهاب وهو مطرق لكل كلمة يدليان بها .. كلما فات احدهما ذكر شئ من التفاصيل قام الآخر بإضافتها .. الى ان اختتما حديثهما باللحظة التي تم فيها القبض على بورا .. وهنا رفع اكر رأسه ينظر في وجهيهما متابعا الحديث بمزيد من الاصغاء والاهتمام .. انها كانت اخر المأسورين .. لقد كانت تصيح وتقاوم بضراوة ولم تعرف الاستسلام الا بعد ان أثقلتها الاصفاد .. وصمت الصبي المتحدث لبعض الوقت وبدأ وكأنه يريد قول شئ آخر ولكن امرا ما يحول دون ذلك وهنا انتهز الصبي الآخر الفرصة ليكمل الحديث قائلاً لاكر ان بورا كانت تنادي مستنجدة به الى ان رحل الركب عن الحقول .. وهنا احتدمت العبرات وتفجرت الدموع وعاد اكر للبكاء ثانية والصبيان يرمقانه بعيون باكية ايضاً .. ثم جلس يكفكف دموعه وطلب من الصبيان ان يمضيا في حال سبيلهما وعادت تلك الدائرة وقد بدأت اكبر حجما من ذي قبل .. لقد كان في قلب بورا حتى اخر لحظة .. برغم السياط والرماح والاغلال لم تركن لجلادها بل ظلت تقاوم لكي لاتكون لغيره .. انها لم تكن تستنجد بأي شخص اخر من اهل الاكواخ بل كانت تنادي باسمه هو وهي تعلم بأنه بعيد عن الأكواخ وهاهو الآن قد عاد ومازال لديه الوقت لعمل ماينبغي عمله كما ان كل شئ اصبح واضحاً .

سيد محمود الحاج
10-06-2009, 10:12 AM
( 12 )

لقد عرف الآن الطريق الي أعدائه وألمّ بالكثير مما يعينه في دأبه فهبّ واقفا ً ينفض عن كفيه ماعلق بهما من تراب ثم مضى يقصد دار اهله .. ومع انه لم يكن للسعادة مكان بين اهل الاكواخ في تلك الايام الا ان مسحة من ذلك بدت على وجه العم سايس وزوجته وابنته مويا حيما بدأ أكر يعود الى طبيعته بعد تلك المحنة القاسية التي مر بها في الأمس .. وجاءت شقيقته مويا تحاول ان تواسيه في الآمه واحزانه وان تخفف عنه قليلا وهي تعلم حق العلم ان لاشئ يسليه عن بورا .. وابتدرت كلامها تخبره بانها في ذلك اليوم كان من المفترض ان تكون من ضمن الذين وقعوا في الاسر اذ انها ذهبت الى الحقول وجلست لفترة مع بورا تتحدثان ثم عادت الى الاكواخ لتكون بقرب امها ولم يمض على ذلك طويل من الوقت حتى حدث ماحدث .. وساقها الحديث الى امور اخرى .. غيرن ان اكر لم يكن يشاركها ي اي مما قالت بل ظل صامتا يرمي بنظره بعيدا .. ربما انه سارح في واد آخر .. بعيد كل البعد عن هذه الديار .. ذلك الذي تسير فيه قافلة الاشرار الذين فجعوه في اغلى ماكان يدخر .. وكأن مويا قد قرأت مايدور في ذهن اخيها من افكار مخيفة .. ومضت الى امها تنقل اليها ذلك الاحساس الغريب الذي انتابها فجأة تجاه اخيها .. انها تحس بأنه يبيت النية على فعل شئ ما .. ربما يود ان يسلك طريق الموت الذي سار فيه دلدوم .. فأحاسيسها كما عهدتها لاتكذب ابداً .. فهي تعرف اخيها حقا وتعرف عناده كما تدرك مدى تعلقه وحبه لبورا .. انه لو ترك وشأنه فسوف يمضي للموت على قدميه ولن يعود ابدا .. وعاد القلق القاتل يساور الأن وابنتها فإختليا بالعم سايس يعبران عن قلقهما تجاه ذلك وتطلبان منه ان يفرض عليه رقابة صارمة لمنعه من تحقيق مايريد بأي اسلوب اخر غير الإقناع .. ومضى العم سايس يقف على الأمر بنفسه واختلى بابنه يحدثه ليقف على حقيقة ماعزم عليه غير انه لم يستطع ان يقف على شئ سوى ذلك الاصرار القوي الذي ارتسم على جبينه بوضوح .. فلجأ الى اسلوب العاطفة لعل ان يكون فيه الشفاء .. فجلس يضرب الامثال ويتحدث عن المحن التي تلم ببني الانسان والمصائب التي تحل بالكثيرين والفرق بين الاقوياء الذين يتحملونها ويصبرون عليها والضعفاء الذين يتخذون مواقف مزرية حيالها ويتصرفون على نحو عاجز معيب .. واعاد سيرة دلدوم ورجاله .. قائلا انه لم يكن بين اهل الاكواخ من هو اشد قوة واعظم بأسا وامضى سلاحا منه .. كان الرجل الاقوى على الدوام .. وليس من بين الرجال من يقوى على مجاراته في رمي السهام والرماح .. كان جسورا لايهاب شيئا .. ولكن لم تنفعه جسارته ولاقوته ولا سهامه لأن لدى المهاجمين الأشرار مايفوق القوة ويسخر بالشجاعة والبسالة .. وهم بالطبع ليسوا اقوياء انهم اشد ضعفا وجبنا من نعامة لكن ذلك الذي يدوى كالرعد يكسبهم قوة زائفة هي ليست لهم في واقع الأمر ومضى العم سايس في وعظه واكر في شغل عنه .. لم تلج اذنيه كلمة واحد من مجمل ماقيل رغن انه يحاول التظاهر بالانتباه والإصغاء .. غير ان فراسة العم سايس كشفت له ماتنطوي عليه سريرة ولده .. فيأتي بالمزيد من مايستدر به عطف إبنه .. فقال له انه الآن قد تقدم به العمر كثيراً وليس له ابن سواه فهو وحيده الذي اتاه على الكبر لذلك فهو كل شئ بالنسبة له .. هو الأمل والحاضر والمستقبل .. وهو من يفترض أن يواصل المشوار من بعده ويحمل العبء عنه ويرعى الأسرة في غيابه .. ولكن كان اكر قد اتخذ قراره في هذا الشأن وأعد العدة للقيام بما عزم عليه اللحاق ببورا اينما كانت لتخليصها ومن ثم العودة بها .. لم يستكن لاي حديث أو أي محاولة لتثبيط همته أو الحياد به بعيدا عن الطريق الذي صمم على ارتياده .. فانتقى قوسا وخير مافي كنانته من اسهم وتزود برمح كان قد اهداه له معلمه الراحل دلدوم .. واخفى هذه الاشياء جميعها بين الاعشاب على جانب طريق ضيق على مقربة من الدار كما تحصل على قربة صغيرة لتعينه على حمل الماء وضعها في مكان اخر بقرب ذلك الطريق .. وذهب الى فراشه مبكرا ليقضي اخر ليلة أو جزء من الليلة اذ كان قد نوى على الرحيل .. عندما يهجع اهل الاكواخ جميعهم .. نعم سيرحل خلسة والا فلن يرحل إلى الأبد .. فليس من خيار امامه الآن فإما أن يمضي أو ان يستسلم ويستكين للواقع ويؤمن ان لا لقاء بينه وبين بورا إلى الأبد ويقطع كل رجاء في هذا الصدد .. وظل متيقظاً يطالع النجوم ويرى فيها طريقه الذي لم يعد يفصله عنه سوى سويعات قلائل .. ويرى ركب الغزاة ويرى بورا ومن معها من الأسرى ويذهب مع خياله الى اماكن شتى وكان هذا حاله الى ان سكنت الأكواخ تماما ولم يعد يسمع سوى نباح الكلاب وعواء الذئاب الواصل من أماكن بعيدة أو سقسقة الجنادب والحشرات بين الأعشاب ساعتها مضى يسترق الخطى ببطء وحذر شديدين ولم يتجه عبر مدخل الباب بل اتخذ سبيله زحفاً عبر كوه في السور المشيد من سيقان الذرة الجافة .. وما ان اصبح خارج الدار حتى اسرع الى حيث خبأ عتاده ولوازمه ليأخذها على عجل حاملاً رمحه في يده اليسرى وأنسل من بين الحشائش يتوسط الطريق الضيق الذي يمر من خلالها إلا أنه ماكاد يفعل ذلك حتى كاد يسقط من هول المفاجأة التي لم يتوقع حدوثها ابدا ولولا ان هوى الرمح من يده لكان العم سايس في عداد الموتى في تلك اللحظات .. لقد ظهر فجأة من بين الحشائش يسد الطريق في وجه اكر سائلا اياه في صوت قوي جاد (إلى اين طريقك يا أكر؟ لاتحسب انني غافل عنك .. فأنا على علم بكل شئ وقد كنت على يقين بانك سوف تفعل هذا لانني اعرفك حقاً .. عد الى الدار اذن أو أجعل قدميك تدوس على جسدي ان اردت المضي في طريقك!!) وانبسط العم سايس على الطريق وظهره على الأرض امام ابنه وهو يقول (الذي يريد الذهاب في طريق مثل الذي تود السير فيه لايسير بجنح الليل متسللا كما تفعل اراذل الحيوان بل يذهب في رابعة النهار على مرأى من الناس .. لقد كنت احسب انك قد صرت رجلا تتصرف كما يتصرف الرجال ولكن يبدو ان ظني لم يكن في موضعه فها انت الآن تفعل فعل الاطفال وعلى اساس ذلك ينبغي ان يكون تعاملي معد من الآن فصاعدا!!) وظل اكر واجما كتمثال .. ترتجف اوصاله وفرائصه من شدة المباغته التي لم يحسب حسابها.. لم يستطع أن يقول شيئا أو ينطق بحرف بل استدار ومضى يتقدم اباه في الطريق الى البيت تاركاً رمحه في مكانه بين الأعشاب.

سيد محمود الحاج
10-06-2009, 03:56 PM
( 13 )

لم يذق العم سايس للنوم طعما تلك الليلة وفي الصباح الباكر طلب من ابنه مرافقته دون ان يقول له شيئا .. ليس هنالك مايقال فقد قال له الكثير والكثير غير ان كل ماقال ذهب ادراج الرياح .. لم يعد لديه من سبيل الا ان يستنجد بساحرة الاكواخ (ميكاكا) لعله يجد لديها مايغير مابنفس وحيده اكر ويعيده الى رشده اذ لم ينفع النصح معه ولا التوسل .. ومضيا كلاهما صامت متجهم الوجه يسلكان شعبا ضيقا تكثر به الصخور والحشائش الشائكة كأنهما يفران من اعين الناس .. والا فقد كان هنالك طريق اخر افضل من هذا الطريق ذلك الذي يمر من امام الأكواخ ويتجه عبر الجسر تم يمضي وراء الحقول ومنها الى الحيز الذي توجد فيه المقبرة .. فهنالك صومعة الساحرة ميكاكا منعزلة تماما عن السهل الذي يضم الاكواخ وتختلف عنه ايضاً فهي على قمة تلة متوسطة الارتفاع تحيط بها أشجار عالية وواجهتها تطل على المقابر مباشرة فيعتقد المرء ان قاطنيها يستأنسون بالموتى دون الأحياء.
كانت ميكاكا العجوز عند مقدم زائريها في ذلك الوقت المبكر تقف على مقربة من حافة التلة مستندة على عصاها وعيناها ترقبان القبور كأنها في انتظار اشارة ما من أحد ساكنيها .. وتوجه العم سايس الى حيث يمكن ان تراه .. فصعد على حدبة صخرية مواجهة للحافة التي تقف عليها ثم رفع صوته يلقي التحية .. لم ترد عليها ولكنها اشارت له بيدها ان يبقى مكانه .. فجلس واشار على ابنه ان يفعل مثله وبقيا في الانتظار الى ان فرغت المرأة من اداء طقوسها و شعائرها .. ثم استدارات تهبط من تلتها في خفة لاتتناسب وسنها .. فهي في العادة لاتستقبل زائريها في كوخها الا نادرا ً بل تنزل اليهم وتقابلهم تحت شجرة كبيرة عند سفح التلة .. ولما استقرت تحتها اشارت بعصاها تدعو زائريها .. ولعلها المرة الاولى التي يراها فيها اكر عن كثب .. فهو اعتاد ان يراها في بعض الأحيان من علي البعد.. وكأنه قد اشمئز من منظرها فهي تبدو كقرد عجوز .. ويكاد رأسها ان يكون عاريا من الشعر فيما عدا بعض شعيرات بيضاء على جانبي رأسها وقد وضعت في اذنيها اقراطا نحاسية كبيرة الحجم وتستر وسطها بفراء ذئب تفوح منه رائحة القدم .. وعلى جبينها اصباغ حمراء وزرقاء يبدو انها كانت جزءاً من تلك الطقوس التي كانت تقوم بتأديتها ساعة مجيئهما .. القى عليها العم سايس التحية مرة اخرى في احترام زائد فأجابته بكلمة أو كلمتين بصوت أجش متقطع النبرات ودعته وابنه للجلوس فجلسا وجعلت تنظر بعينيها الغائرتين في وجه العم سايس تدعوه للافصاح عن ماجاء من اجله فانفجر يبوح لها بكل شئ واضعاً الأمر برمته تحت رحمتها متوسلا ً بإلحاح ألا ّ تبخل بشئ في سبيل كبح جماح ابنه واثنائه عن ما نوى عليه ووعدها بقربان ثمين اذا ما انكشفت غمته .. عقب ذلك طلبت ميكاكا من اكر ان يدنو منها قليلا الا انه تلكأ في اجابة طلبها بعض الشئ فما كانت الا زجرة واحد من قبل ابيه فإذا هو في المكان الذي أشارت عليه بالجلوس فيه .. فجلست تتأمل وجهه طويلا كأنها تقرأ عبارات كتبت عليه وهي تتلو في سرها شيئا من طلاسمها وتعاويذها .. ثم استندت على عصاها وصعدت إلى تلتها مرة اخرى ولم تلبث ان عادت وفي يدها تعويذة من الجلد ربطتها بإحكام في اعلى ذراع اليد اليسرى لاكر ثم إقتادته من يده كما يقاد الطفل الصغير إلى ان وصلت به الى نقطة على مقربة من القبور وطلبت منه ان يجلس في وسط حفرة صغيرة غير عميقة وجعلت تدور حوله مغمضة العينين وهي ترتل طلاسماً لم يفقه اكر شيئا من معانيها والعم سايس يشاهد مايجري من على البعد وبعد ان دارت لعدة اشواط انحنت تأخذ قبضة من تراب من داخل الدائرة لتكشحها بقوة على رأس اكر .. ولما كانت هذه اخر الطقوس فقد عادت الى حيث يجلس العم سايس مبقية اكر على ذلك الوضع الى حين اشارة منها .. كان العم سايس متلهفا لسماع مايطمئنه ازاء ابنه .. وما ان جلست ميكاكا حتى زحف نحوها ليسمع منها ما يزيل توجساته .. لكنها لم تدل بشئ أكثر من طلبها أن يأتيها فيما بعد بأنياب ذئب وكبد قرد وقلب شاة .. وعادت الي صمتها مغمضة العينين.
اخذ العم سايس اكر ومضى عائدا بوجه شاحب وهو يخوض في هموم وأحزان لا ساحل لهما .. إن وحيده ليس على مايرام وعلاجه ليس بالسهل ويحتاج لوقت طويل .. فإن صبر هو على ذلك فكيف يضمن صبر ابنه .. كانت ميكاكا آخر أمل يدخره لكنه لم يجد عندها عاجل الشفاء .. إنها مازالت تطلب اشياء لبدء العلاج .. وهذا ايضاً هم أخر .. كبد قرد وقلب شاه .. وفوقهما أنياب ذئب .. قلب الشاه وكبد القرد أمران قد يسهل الحصول عليهما ولكن انى له بأنياب الذئب وقد مات صائد الذئاب والسباع .. وحتى لو وجد من يصيد له ذئبا ً فمتى يتمكن الصياد من انجاز ذلك؟ إن الذئاب أكثر السباع حرصا فهي نادراً ماتقع في الفخاخ .. والله أعلم إن كان أكر سيكون منتظراً إلى ذلك الحين أم لا .. رباه كيف المخرج من هذه النازلة !!؟

سيد محمود الحاج
10-06-2009, 04:00 PM
( 14 )

بدأ اليأس يدب في نفس بورا وقد احصت من الايام ما يعادل اصابع كفيها .. وهي تسير في اغلال الغزاة تقاد الى مصير غير معلوم .. فهم مثل هذه الجياد .. يمشون تحت رحمة هولاء الأوغاد يسيرونهم أنّى شاءوا .. وضعف املها في الخلاص من هذه المحنة .. ولو علمت ان اكر قد وضع الآن اولى خطواته في الطريق اليها لما وسعتها الارض فرحا وسعادة ولعاد الأمل اليها قويا براقا .. نعم لقد تمكن من الفرار في المرة الثانية .. فر ّ عن الاكواخ في رابعة النهار متسللا عبر احد الشعاب دون ان يلحظه احد وقبل ان يتمكن العم سايس من الحصول على كبد القرد وانياب الذئب .. واكتفى برمح واحد في تسلحه .. ذلك الذي تركه بين الحشائش عند مداهمة ابيه له في المحاولة الاولى .. وبقربة صغيرة لحمل الماء .. لم تفلح تعويذة ميكاكا ولم تجدِ مراقبة ابيه في ابطال مفعول عزمه القوي وحبه الاقوى .. لقد كانت بورا كل شئ في حياته بل هي الحياة فلا حياة له بدونها .. فليذهب اذن في طريقها فلئن ظفر بها فهو المرام وان هلك في سبيلها ففي ذلك حياة له .. وليكن الله في عون اهله من بعده .. ولا احد يدري ان كان ذلك سيسعد بورا في حال علمها أم لا؟! انها على يقين من أن خلاصها في حكم المستحيل وان كل من يحاول ذلك ستكون نهايته مثل تلك التي وصل اليها دلدوم وهي بالطبع لاترغب في ان يكون ثمن خلاصها حياة من تحب .. لكنها لم تفتأ منشغلة بذكرى اكر ولم يستطع الأسر ان يمحو صورته من خيالها .. في كل حين تراه امامها خارجا من بين الأحراش يسد الطريق امام الركب وساعة تراه يعدو لاهثا خلفها .. لكنها تأمل في قرارة نفسها ان تبقى هذه الصورة في نسج الخيال والا تغدو حقيقة فترى نهاية معشوقها مسطرة امام عينيها .. وكما هي على يقين من استحالة الخلاص فهي على يقين ايضا من ان اكر سيفعل شيئا ان لم يزل حيا ولن يخضع لاي ارادة تقف في سبيل ذلك .. تدرك عناده وصلابته و تخشى ان يجره هذا العناد الى ما لا تتمناه له .. ليته ينسى ويعتاد الحياة بدونها فهي لم تعد ملكه ولاملك نفسها .. منذ ايام بدأ ذلك الشيخ القذر .. قائد الركب يعاملها معاملة خاصة فطلب من اعوانه فصلها عن بقية الفوج والاكتفاء بحبل في يدها لكي تقوم بخدمته اثناء المسير .. وأي خدمة هذه التي سوف تقدمها له .. انها اعتادت أن ترى فتنتها وجمالها في وجوه الآخرين كما تنعكس الصورة في المرآة .. وهاهي ترى ذلك واضحا في وجه هذا الشيخ القذر الذي تكاد عيناه الخبيثتان ان تفترسها .. ينظر الى جسدها بنهم مثل جائع ينظر الى اطباق الطعام المفروشة امامه وينتظر لحظة الانقضاض .. يبتسم اليها من غير ان يكون هنالك مايدعو للابتسام .. كل الظواهر تشير الى شهوة عارمة يعقبها هجوم مؤكد إن لم يكن اليوم فغداً .. سيحاول الأستيلاء علي ما تدخره لاكر لكنها ستمنعه من ذلك بكل قوة .. ولكنها تعود الى الواقع وتجابه الحقيقة .. اي قوة تلك التي تستطيع صد وغد كهذا؟! انها الان اسيرته وتسير تحت رحمته .. في ركابه ينام الموت المحقق .. وهو الآمر والناهي لكل افراد الركب الأسرى والآسرين معاً .. أن استدعى الأمر فقد يطلب من رجاله تعريتها تماماً أمام عيون الجميع وربما فعل بها مايريد امامهم ايضا فمثله لايتورع عن سوء .. غليظ القلب .. وساعتها لن تكون الا حطام امرأة يعوذها العفاف .. نعم لقد بدأت العاصفة .. وكانت على حق فيما اعتقدت اذ تطور الأمر وتحولت مرحلة الابتسام والنظرات الفاحصة الى مداعبة .. لقد عصر نهدها وهي منحنية تصب له الماء مرة كما قرصها في اخرى على فخذها .. ولم تفعل اكثر من ان ابتعدت عنه قليلا .. الأن بدأت أولى مراحل السطو الفعلي على نفائس اكر التي ائتمنها عليها .. رباه كيف النجاة .. انها تشم رائحة شهوة قوية تنبعث من كل عضو في جسده ومع كل حركة يقوم بها .. قد باتت على يقين بان المرحلة التي ستعقب هذه المقدمات آتية لاريب فيها.
كان القمر قد استدار قرصا كاملا وتهاوت سناياه على تلك الأرض المتدثرة بطبقة كثيفة من الرمل المتموج ذو اللون الأصفر فبدأت كبحر عسجدي لاساحل له .. وهبت نسمات بعثت مزيدا من النشاط في اجساد افراد الفريقين الذين كانوا قد تأهبوا لمتابعة السير بعد فترة استجمام استطعموا خلالها واراحوا الابدان من عناء سير طويل .. وانتصب الأسرى في رتلهم الطويل وقد اعيد شد اوثقتهم استعدادا للرحيل .. وهاهي بورا الأسيرة المدللة تواجه قدرها المحتوم فالشيخ الفاجر امر الركب بالتحرك امامه ريثما يقضي وطرا وخادمته بورا مربوطة الى سرج حصانه كانه يستعد للرحيل ايضا .. وهي تدرك لاي غاية يستبقيها فتوشك ان تصرخ مستغيثة ببقية الركب ألا ّ يمضوا بدونها .. ولكن هل من مجير .. ستضيع صرخاتها في متاهات هذه الرمال التي لا نهاية لها .. هذا قدرها وعليها ان تواجهه بصبر .. وطاف اكر في خيالها في تلك اللحظة يستل خنجره وينقض كالليث على ذلك الشيخ القذر ويُعمل فيه خنجره حتى يخرج من بين فقرات ظهره فيهوي يسبح في دمائه القذرة .. وسادها رعب قاتل والشيخ يتقدم نحوها وقد تعرى عن ثيابه تماما وتراجعت الى الوراء حتى تعدت الفرس المربوطة الى سرجه حتى آلم الحبل معصمها وظلت تراوغ ولكن الى أين .. فالنهاية على وشك ولن يزيدها ذلك الا إجهاداً .. ووقعت أخيراً بين يدي الوحش .. واحست بشعر صدره الخشن وهو يدوس على نهديها ويطوقها بيديه .. ووصلتها انفاس حارة مخمورة فسرت النار في كل اطراف جسدها وتاهت في عالم لم تلجه من قبل ولم تعد تدري عن شئ ولاحتى بانفكاك الحبل عن معصمها .. وانقض الوغد بكل قوته على فريسته الجاثية بين يديه .. ولكنه يتقهقر الى الوراء مرتدا بقوة قبل ان يفرغ من شهوته المتقدة .. لقد اعادتها الآم الإيلاج الى الوعي فركلته بقوة وقبل ان يسترد قواه ويعيد الكره كانت قد استغلت تحررها من الاصفاد واطلقت لساقيها العنان .. ولكن اين المفر وبينهما وبين ديارها مالا طاقة لها به و أين الملاذ في هذه السهول الرملية التي لا ملجأ فيها ولا مجير .. وماهي الا لحظات حتى كان الوحش على بضع خطوات منها .. على ظهر فرسه كما ولدته امه .. وهوى عليها وهوا أشد اثارة من ذي قبل .. كلاهما يلهث بقوة .. وطفقت يداه تطوقها وصدره الملئ بشعر كأنه الشوك يضغط على نهديها فيؤلمها وتتأوه .. وتمتد اصابعها فتنشب اظافرها بكل قوتها في وجهه الخالي من كل سمات الرحمة فيحاول الخلاص .. ولكن رويدك أيها الشيخ المغتصب فدون الشهد ابر النحل ودون الثمر اليانع وخذ الاشواك .. وعادت النار تندلع في كافة جسدها وتمتد يده تدغدغ نهديها المنتصبان كثمرة جوز استوت وحان قطافها ثم تنحدر لتستقر في مكان ترقد فيه وديعة اكر فتعبث بها أيما عبث وتزيد النار تأججا .. ويرفعها الشيخ النهم الى فضاء واسع فترى اكر من فوقها بين المروج يضمها في صدره فترسل ساقيها كل في جهة وتمتد ذراعاها تطوقه بشدة على وسطه ثم تعلو وتهبط بعجزها متأوهة في الم ولذة مزجا معا والشيخ الوغد قد تكوم كجثة من فوقها بعد أن خمدت جزوته وتركها تسبح لوحدها في ذلك الفضاء دون ان تبلغ وجهتها.
حين عادت بورا الى واقعها كانت عذريتها قد استبيحت وفقدت اثمن مقتنياتها وانفسها ولم يعد لديها ما تدخره لاكر .. وانفجرتتبكي في حرقة .. والوحش ينظر اليها مبتسما وقد بدأت عليه نشوة لايعرف ان كان مبعثها الاعجاب ام الظفر .. ثم نهضت تكفكف دمعها وترسل تنهدات تنم عن حزن يموج في اعماقها .. لم تلجأ للفرار رغم انها كانت طليقة بل توجهت الى حيث يقف الفرس ومدت يدها لوضع الوثاق في معصمها .. لم يعد هناك ماتفر من أجله .. لقد سطا الوغد على نفائسها وعادت تنظر الى نفسها بإحتقار وإزدراء اذ لم تعد الا حطاما.

سيد محمود الحاج
10-08-2009, 10:52 AM
( 15 )

إنقضت ليال ثلاث على رحيل اكر وعاد فريق البحث الى الأكواخ منهكا خائر القوة لايحمل الا العزاء والمواساة للعم سايس في مصابه الجلل اذ لم يعثروا على أثر لاكر .. لم يتركوا مكانا بين الأحراش أو مخبأ الا وقد فتشوه .. ومضوا في ذلك الى ان تعدوا الموقع الذي قتل فيه دلدوم ولكن دون جدوى .. عادت السماء تسأل الأرض والأرض تسأل السماء ان رأت احداهما أكرا .. وتسطرت مأساة جديدة في افق الأكواخ بفقد ذلك القتى الشهم المقدام .. وعزفت الطبول تصدر إيقاعات اكثر حزنا واشد أسىّ .. لقد أصبح اكر في عداد الموتى فذلك الطريق الذي سلكه لايعيد احداً من بعد .. ترك رحيله جراحا غائرة في نفوس اهله وأهل الأكواخ عامة .. اذ كان ذخرهم وفخرهم وعاد الكون عتمة امامهم لايرون خلالها الا غمائما من الأحزان والآلام .. وولت الأفراح الى غير رجعة .. فلا أمل ينتظر ولارجاء يرجى.
كان أكر قد إجتاز الوادي الذي ضم رفات دلدوم بكثير وهو لايكاد يصدق انه أصبح بمنجى من أن يلحق به رجال الأكواخ فقد أوشك في الليلة الماضية على الوقوع في ايديهم لولا انه التجأ بذلك الوجار المهجور .. لقد احس بحركة اقدامهم وهم يسيرون على عجل من فوقه حتى تساقط التراب عليه وكاد سقف الوجار ان ينهار على رأسه وينكشف أمره .. لكنهم مروا في سلام وبقي هو ملازما موضعه ليوم كامل حتى ايقن انهم عادوا الى الأكواخ .. ومضى يسلك طريقه مقتفيا الأثر حينا وحينا تحول الأعشاب دون ذلك فيهتدي بما خلفته الجياد من روث وماخلفته النار من رماد .. اذ كان الغزاة كثيرا ما يتوقفون لاعداد الطعام .. وفي بعض المواقع كان يجد اثار اقدام السبايا واضحة لكنها متداخلة في بعضها فهم كثر ويسيرون في رتل واحد مستقيم .. فيقف متأملا ليته يستطيع أن يميز من بين تلك الآثار آثار بورا.. ولاحظ ان الطريق الذي سلكه اولئك الاشرار يمر في قلب الأحراش أو عبر الأودية .. فلهم في ذلك حكمة اذ انهم يتجنبون كل ما من شأنه أن يجر عليهم المشاكل والبلايا فقد يهاجمهم اهل القرى الأخرى ويحرمونهم ماغنموه .. وعليه هو ايضاً ان يلازم هذا الطريق ولايحيد عنه حتى يأمن الا يعترض سيره احد لأنه ربما يكون بعض أهل الأكواخ قد وصل الى تلك القرى للبحث عنه .. فهو يدرك ان اباه لن يدخر جهداً في سبيل العودة به الى الديار.
ان بينه وبين بورا مسيرة عشرة ايام على الأقل ويلزمه أن يحث السير ليدرك الركب الذي يضمها أو حتى اثاره فكلما مضى يوم مضى من الأمل جزء لذا فقد كان يواصل السير لايفرق بين ليل أو نهار ولايتوقف الا نادرا .. فقط عندما تقتضي الضرورة .. لم يحمل هما للطعام ابدا ولم يحتط لذلك وكان اذا عصره الجوع يلجأ إلى بعض ثمار الأشجار أو أوراقها أو إلى اعشاش الطيور ليمتص عصارة بيضها ولايشرب من الماء الا قليلا فالطريق امامه مازال غامضا والرحلة مازالت في بدايتها وعليه ان يقتصد في كل شئ ويحسب حساب كل شئ فلا أحد يأمن مفاجآت الطريق.
لم ينتبه اكر وهو يهوي بجسده المتهالك من شدة الإعياء والإنهاك ان النقطة التي قصدها ليأخذ قسطا من النوم كانت ملتقى طرق إذ كانت اثار ذلك واضحة الا انه كان في حالة من التعب والفتور جعلته لايلتفت الى غير الموضع الذي يستقبل جسده فقط .. فتكوم على العشب واضعا القربة والرمح على مقربة منه ثم ذهب في نوم عميق فهو لم ينم الا لسويعات قليلة منذ ان فر عن الأكواخ.
وإذا بقافلة اخرى تحل بذات المكان تجر فوجا من الرقيق يبدو انهم أسروا من قرى أخرى فالموجة قد عمت .. وترجل افرادها ينيخون جمالهم .. كانوا خمسة رجال واسراهم احد عشر مابين فتى وفتاة وصبي مكبلين بالحبال وتبدو عليهم اثار الإجهاد و الإعياء الشديد من جراء سير طويل .. وما كادوا يحطون الرحال حتى راي احدهم اكر غرقاً في نومه بين الحشائش وكان قد حسبه ميتا في بادئ الأمر لولا ان رأى صعود وهبوط انفاسه .. فعاد مهرولا يبشر رفاقه بصيد آخر سهل المنال .. فمضوا جميعا الى حيث ينام أكر وقد أعدوا مايلزم لذلك .. وبهدوء تام قام اثنان منهم بوضع الحبال في يديه ورجليه وشدوا وثاقه جيدا ثم تركوه يغط في نومه وعادوا الى موضعهم يستريحون ويستطعمون وهم فرحين بصيدهم الجديد الذي لم يكلفهم جهدا ولاعناء بل وقد كان صيدا ثمينا أثمن بكثير من جميع مامعهم.

حينما افاق اكر من نومه العميق ورأى الشمس قد توسطت السماء لام نفسه على افراطه في النوم وحاول النهوض مسرعا لكي يعوض ما اضاعه من وقت الا نه وجد حركته مقيدة ولما فطن للأمر الفى حبالا تكبل يديه ورجليه دون ان يرى احدا من الناس بقربه .. فأخذته الدهشة وظن أنهم قومه .. لاشك أنهم قد لحقوا به وهو في نومه فكان لقمة سائغة في ايديهم لابد انهم في مكان ما من حوله يرونه من حيث لايراهم .. يضحكون ويسخرون .. اللعنة على النوم فلولا ذلك لكان بعيدا عنهم ولما ظفروا به ابدا .. لقد اضاع بهذا الفعل كل الجهود التي بذلها كما اضاع كل امل في لقاء بورا وتخليصها .. واراد ان يلطم على وجهه بكلتا يديه ولكن القيود كفت وجهه شر ذلك .. وماج في اعماقه غضب استحال ثورة عارمة وهو يتوعد رجال الأكواخ بكل شر ان هم لم يطلقوا سراحه ويتركوه يمضي في حال سبيله .. وماهي الا لحظات حتى كان من حسبهم قومه بجانبه يضحكون تهكما .. واتسعت دهشته الى اقصى مداها حين رأي رجالا آخرين غير رجال الأكواخ .. وعلى رؤوسهم العمائم متدثرين بثياب بيض تميل الى الإحمرار .. يحملون السيوف والسياط وشيئا فشيئاً خفت حدة ثورته وأنشأ يحملق في وجوه هولاء النفر .. هم اذن ذلك الهدف الذي يتوق اليه وينشده .. اين بورا إذن؟ أين بقية الأسرى؟ سيصبح الآن واحدا منهم وسوف يلتقي ببورا ويضمهما قيد واحد .. فما أحلاه قيد .. وإستعجب الرجال ذلك التغير الطارئ على حال اسيرهم فقبل لحظات كان كالثور في هيجانه يرغي بما لم يفهموه ويصارع بكل قوته وهاهو الآن يسوده هدوء تام ورضاء بيّن حتى حينما ذهب أحد الرجال يرخي وثاقه لم يبد أي مقاومة بل قام طائعا لينضم إلى بقية الفوج.
لقد أصيب أكر بخيبة أمل كبيرة حين لم يجد من بين الأسرى بورا ولا أي من ابناء الأكواخ .. كانوا جميعا من قرى اخرى .. غرباء عنه .. وعادت ثانية تعتريه ثورة هوجاء .. وطفق يصرخ بأعلى صوته : "أين بورا؟ ماذا الم بها؟ أين هي؟" ... وتجمع الرجال جميعهم يشدون وثاقه بمزيد من الحبال .. ورفاقه من الأسرى ينظرون اليه في استغراب ويتساءلون من تكون بورا التي ينادي بإسمها هذا الفتى؟! وبعد جهد جهيد تمكن الرجال الخمسة من كبح جماحه وإخضاعه للقيود وهم في عجب من أمره اذ بدأ هادئا راضيا في أول الأمر ثم ما لبث أن عاودته نوبة الغضب والصراخ.
لم تدم تلك الحالة طويلا .. وعاد الهدوء يسود أكر شيئا فشيئا اذ تمكن من السيطرة على انفعالاته وعاد يتذكر ماقاله العم سايس خلال عودتهما من قرية عمه: "ن يتعرض لمثل هذه المواقف عليه ان يتحلى بالصبر وبالفطنة والا يلجأ الى العنف فهو اذا قاوم هزم واذا انتصر قتل"! .. ليس امامه إلا أن ينتظر الفرصة الملائمة لفعل مايمكن فعله فالوقت المناسب لم يحن بعد وعليه أن يبقى في إنتظار اللحظة المؤاتية التي تمكنه من تحقيق هدفه المنشود.

سيد محمود الحاج
10-08-2009, 11:19 AM
( 16 )

كانت الشمس قد غرقت في مغيبها تماما حين تأهبت القافلة لاستهلال المسير بعد فترة طويلة من الاستجمام استجمعت فيها الأجساد قوتها بالراحة والطعام .. وكان ان بدأت الألفة بين العضو الجديد وبقية الاسرى ووجدوه هادئا طيبا كأنه اخر غير الذي رأوه من قبل قليل .. ثائراً هائجاً كثور بريّ جريح.
ومضت القافلة تسير وجلّ تفكير أكر ينصب في غاية واحدة .. هي بورا .. يجب ان يعثر عليها وان يعود بها الى ديارهم فالطريق امامه اصبح واضحا حتى هذه النقطة وسيعرف المزيد من خفاياه .. لكن أهم ما في الأمر هو أن يعثر عليها فهو لايعرف لها مكانا بعينه.. وكان يطمئن نفسه اثناء السير بأن وضعه وهو في هذا الفوج خير له مما كان عليه سابقا فقد كان يمشي وحيدا لا انيس ولا مؤازر له لكنه الآن يسير آمناً في رفقة اناس يوفرون له الحماية والماء والغذاء بل وانهم قد يوفروا عليه مهمة البحث عن بورا فقد يسوقونه الى حيث توجد فهم ادرى بتلك البقاع.
لم يشأ اكر أن يصارح رفاق الأسر عما تنطوي عليه نفسه رغم التآلف الشديد الذي اصبح بينهم الا ان أحدهم ساله فيما بعد عمن تكون بورا تلك التي كان يتساءل عنها وعن أسباب تواجده في ذلك المكان المنعزل حيث أسر .. فتلكأ بعض الشئ قبل أن يدعي زيفاً أن بورا هي إبنه اخت له .. صبية في السابعة من عمرها خرجت تحتطب مع رفيقاتها ولم تعد فخرج يبحث عنها.

سيد محمود الحاج
10-08-2009, 11:22 AM
( 17 )

كان تورو وبقية الرفاق قد انتبهوا لتخلف قائد الركب واختلائه ببورا .. واصبح سر ذلك واضحاً على وجهها اذ عادت حزينة واجمة منكسرة النظرات تكاد لاتستطيع التحديق في وجوه الآخرين .. وقد تعلق بها القائد .. ذلك الشيخ الفاسق وأصبح في كل مرة يهم فيها الركب بالتحرك يختلق عذراً للبقاء قليلا فيمضي الركب من دونه وبورا حتى يلحق به فيما بعد رادفاً اياها من خلفه على ظهر الفرس واصبح الرجال جميعهم يعاملون بورا معاملة خاصة بناء على معاملة قائدهم لها وتحرر معصمها من القيد وكانت تقوم بخدمة الشيخ اذ جعلها خاصته دون غيرها .. لكنها في حقيقة الأمر كانت تعاني كثيراً من هذا التمييز فثمن ذلك كان شرفها وعذريتها .. وأشد مايؤلمها تلك النظرات التي كان يرميها بها رفاق الأسر .. نظرات ثاقبة ذات معنى خاصة تلك التي تصدر عن تورو منافس أكر القديم فكلما سنحت فرصة كان يرميها بنظرات كالسهام تحس وكأنها تخترق أضلعها ثم تستقر في قلبها .. نظرات تمتزج فيها الغيرة بالشماتة .. اذ تشتعل غيرته كلما رأى ذلك الشيخ القذر يختلي بها ويدللها في المعاملة ويشمت حين يراها حزينة منكسرة النظرات تفترسها الهموم .. وهي التي استهانت به كثيرا وإحتقرته كثيراً .. فيبتسم في خبث ويرميها بنظرات ذات معني .. نعم انه يثأر الآن لنفسه وجاء دوره ليكيل الصاع صاعين .. وتجد بورا له العذر في ذلك .. فهي الآن عارية عن الشرف ولم تعد تملك مايجعلها تتصرف بتلك الكبرياء وذاك التباهي .. فجمالها وقوامها وانوثتها اصبحت مظاهر جوفاء لاسند لها بعد أن هتك الشيخ الفاجر عرضها .. نعم .. انها ليست الوحيدة التي لاقت هذا المصير فقد تعرضت بعض رفيقاتها إلى ذات الموقف بل وقد كان افراد الغزاة يتبادلونهن فيما بينهم بينما هي حكر لقائدهم الشيخ .. ولكن في كل الأحوال كان يجب الا تستسلم حتى ولو دفعت عمرها ثمناً فهي شئ آأخر .. هي لأكر ذلك الفتى الفذ .. وفجأة تتغير طريقة تفكيرها وتأخذ منحنى آخر أكثر واقعية .. فكل الذي جرى كان كرها ورغما عن انفها .. لقد قاومت بكل قوة وبكافة السبل المتاحة امامها ولكن الباغي كان أقوى .. فقد اغتصبها ونال منها ما اراد نيله دون ارادتها فلو قدر لنار الكره التي بداخلها أن تنفجر لاحرقت ذلك الشيخ حرقاً .. فهي تفضل رؤية الموت على رؤيته لكنها ضعيفة مغلوبة على امرها لاتستطيع فعل شئ .. وبرغم ذلك فليس في قلبها غير اكر .. انها تعشقه الى حد العبادة .. لم يبرح خيالها قط .. تصحو وتنام على ذكراه .. حتى حينما يطأها الشيخ القذر فهي ترى أكر وحينما تأخذها الشهوة الى مافوق ارادتها فإنها تعيش معه كل لحظة .. فان جمعتها الاقدار به يوما فلن تخبئ عنه شيئاً.. ستروي له كل شئ بالتفصيل وتضعه أمام الحقيقة .. انه يعرف انها لاتحب سواه ولا تدخر غاليا لغيره .. وهي لا ترتاب في كونه سيصفح عنها ويجد لها العذر فيما حدث فمثل حبهما لاتخمد ناره بسهولة لانه حب الروح للروح وليس سوي ذلك.
كان الركب قد توغل في المسير وبدا يطأ مواطئ جديدة ويلج دياراً غريبة على جميع اولئك الراسفين في قيودهم .. لقد مضى على ترحالهم ما يقارب الشهر وقد فكت الاصفاد عن جميع الفتيات والصبايا فلم يعد في وسعهم فعل شئ اذ بعدت الشقة بينهم وبين ديارهم ولم تبق الا في ايدي الاقوياء من الفتيان ممن يخشى بأسهم .. أمثال تورو وغيره .. وقد تلاشى أمل النجاة في قلوب الجميع وأعتادوا حياة الأسر وانجلى ذلك الخوف الذي كان يسودهم .. فعادوا الى الحديث فيما بينهم لعلهم يجدون في ذلك مايسليهم ويفرق همومهم .. وسألت (كارا) ذات يوم صديقتها بورا ان كانت مازالت تذكر اكر وهل هنالك امل بعد ذلك في النجاة من الأسر؟ ففاضت دموع بورا قبل أن تشرع في الجواب ثم أنشأت تبكي بكاء شجياً أثار أشجان جميع رفاقها .. فأنفجروا جميعاً يبكون في مرارة كأنهم قد آلوا الى هذا المصير لتوهم .. وفطن الرجال لما يجري وإنهالوا بسياطهم يصدونهم عن ذلك مخافة ان يثير حفائظهم ويؤلبهم .. فخلدوا إلى السكون وكتموا عبراتهم في دواخلهم وكفكفوا أدمعهم خضوعاً لأوامر سادتهم .. من فقد حريته فقد كل شئ وليس من حقه أن يبكي أو أن يضحك أو أن يتلكم أو حتى أن يصمت الا بمقدار مايسمح سالب الحرية.
بدأت حرارة الجو في الإنخفاض بالتدرج ويزداد ذلك كلما تقدم المسير ولهذا فقد بدأ الرجال يحثون الخطي اكثر من ذي قبل فالشتاء على الأبواب وسيكون وقعه على هؤلاء الأسرى شديداً فهم شبه عراة لاتغطي اجسادهم المنهكة سوى أسمال بالية لن تقيهم من البرد وساعتها سوف يهلك منهم الكثير خاصة اولئك الصبية الذين تتراوح اعمارهم بين السابعة والعاشرة ومن ينجو منهم سيكون صنفاً لايدر على اصحابه الربح الذي يطمعون فيه ولهذا السبب قلت فترات الاستجمام وقصرت .. ولاشئ يعيق زحفهم سوى كثرة القرى التي اصبح الركب يمر بها فهم كثيرا ما يلجأون الى تغيير خط سيرهم واحيانا يضطرون الى البقاء في الخلاء الى ان يأتي الليل فيسيرون تحت جنح الظلام لاحساسهم بعدم مشروعية مايقومون به.

سيد محمود الحاج
10-10-2009, 12:04 PM
( 18 )

ذات ليلة إشتد فيها البرد توقف الركب عند سفح ربوة بعد سير مجهد وسط رياح شديدة البرودة عانى منها الأسرى كثيرا اذ هم حفاة عراة وفور التوقف صدر الامر إلى بعضهم لجمع أغصان الاشجار الجافة المتساقطة على الأرض وتكديسها في الحيز الذي إختاره رجال الركب ليكون محل نزولهم فأضرمت النار فيها لاحداث الدفء وجلس الاسرى حولها كل ينافس الآخر ليكون اقرب إلى اللهب المشتعل .. وبورا من خلال ذلك تحاول تقريب صغار السن من الصبية الى مصدر النار فهم اشد حاجة الى الدفء اذ يرتجفون كفراخ العصافير عندما تسقط في المياه .. تصطك اسنانهم وتسيل دموعهم .. ويعتصرهم الجوع أيضاً اذ استنفد الزحف والبرد طاقاتهم المحدودة .. وما ان نال الأسرى وجبة ساخنة من عصيدة الذرة وسرى الدفء في الأبدان حتى خلد الجميع إلى النوم حول تلك النار المتقدة بينما بقى السادة في مجلس منعزل يفترشون الفراء متدثرين بثياب ثقيلة حول نار مضرمة تدور فيما بينهم كؤوس الراح فتعلوا اصواتهم وضحكاتهم تارة وتنخفض تارة حتى تصبح اقرب إلى الهمس .. ووسط ذلك كله تنبري ضحكة مجلجلة .. ضحكة قائدهم الشيخ الماجن ولعلها المرة الأولى التي يضحك فيها منذ ان استهلت هذه الجلسة .. وإذ يضحك ينفجر جميع رفاقه ضاحكين .. وشيئا فشيئاً اصبح صوته هو الطاغي على جميع الأصوات يحكي عن مغامراته العاطفية والمواقف التي مرت به ودارت الخمر براسه أكثر ثم انشأ يحكي عن مغامرته الأخيرة مع بورا .. كيف بدأ وكيف انتهى .. يصف كل ما فيها وصف عاشق ولهان أو شاعر متيم .. وفجأة يقطع حديثه في ذاك السياق ثم يقول بلسان أثقلته الخمر :" لقد أسميتها (نوره) وأريدكم جميعاً أن تنادوها منذ الآن بهذا الأسم فهي اهل له" .. ثم نهض متثاقلا وسط ضحكات رجاله يترنح ذات اليمين وذات اليسار وهو يتقدم الى حيث يرقد الاسرى .. ورغم مابه من سكر إلا أنه استطاع أن يميز من بينهم بورا أو نوره كما أسماها منذ اللحظة فأنحنى يقرصها على فخذيها فهبت من نومها مذعورة وإستدارت عيناها الجميلتان تحملق في وجهه فجذبها من يدها بعنف وقامت تتبعه الى حيث اشار اليها ثم دلف الى مجلس رفاقه ليأخذ فروته ومضى تتبعه بورا المغلوبة على أمرها إلى أن صار بمنأى عن الجميع فدخل بها في فجوة من الجانب الآخر لتلك الربوة وخلع بيده ماعليها من ثياب حتى اصبحت عارية تماما وسط ذلك البرد العاصف وأرقدها وهي مطوقة تماما في حضنه وانقض على جسدها كأنه لم يطأها من قبل بل ولم يطأ غيرها من قبل ولكن كعهدها لم تكن تحس به بل كانت في واد اخر يقودها اليه ليسلمها إلى أكر .. نعم ان الذي يحتضنها الان هو أكر يأخذها في صدره الواسع ويطوقها بذراعيه القويتين فيرفع فخذيها ويمس عليها برفق ثم يمضي في سبيل آخر فيأخذها الى عالم الأحلام ويحلق بها عالياً فوق السحب والغمائم فتظل تسبح في ذلك الفضاء الواسع ولكنه كعادته يتركها تسبح وحيدة فتهوي حال ذلك لتجد نفسها امام الحقيقة المرّة وذلك الشيخ القذر يجمع ثيابه وعلى شفتيه تلك الابتسامة الخبيثة التي تزيد من مقتها وكرهها له .. واذ قضى الشيخ الماجن وطره قامت تستتر بأسمالها وتنفض عن جسدها ماعلق به من تراب وهي تحاول بكل قوتها أن تكتم عبراتها وتخفي الآمها حتى لاتوفر الفرصة لمن يريد ان يشمت من أمثال تورو وغيره فذلك كان أشد إيلاماً .. وسارت في عتمة همومها واحزانها الى ان وصلت الى مرقدها لتحتضن اشجانها ومعاناتها وتنفرد بهما في غفوة رفاقها ولكن تبين لها أن كثيرات لم ينمن وادركت انهن لاقين مالاقت اذ انتهج الرجال نهج قائدهم ولو انه قد بقي في احاسيسهن مايدعو للضحك لضحكن من اعماقهن على مالاقته (كارا) .. فقد بال الوغد الذي افترسها على اسفلها بعد ان قضى وطره فجلست تنتحب في صمت وهي ممسكة رأسها بين يديها وليس من مواسٍ سوى نظرات من عيون دامعة في حاجة هي الاخرى لمن يواسيها.. واخيراً ادرك النوم قافلة الأحزان وتكومت الفتيات في مضاجعهن حول كومة النار ولم تسلم من الهزيمة الا بورا كأن سلطان النوم قد ميزها ايضاً .. ساهرة تناجي اليفها بدموع فائضة واشجان تستعر في كل جوانحها .. تبث اليه شكواها ومحنتها وتروي له كيف جار الجائر عليها فتبكي في دواخلها ويخيل اليها ان هنالك من يرقبها أو يصطنت اليها فتكمم فاهها بيدها حين تسترسل في البكاء .. ومضت إلى ايام الحقول وافراح الأكواخ .. أمها وأبيها وإخوتها .. كيف هم الأن وكيف تسير بهم الحياة من بعدها .. انهم بلا شك قد افتقدوها كثيرا لكنها قد افتقدتهم اكثر .. فهي الآن وحيدة مكسورة الجناح بلا إرادة وبلا هوية وبلا شرف .. حتى اسمها قد استبدل بآخر لاتدري له معنى .. (نوره).. يالسواد هذا المصير الذي آلت اليه .. مابين عشية وضحاها تبدل كل شئ في حياتها وحياة من معها من الأتراب اذ كانوا ينتظرون مقدم العيد والأفراح فاذا هؤلاء الأشرار يغتالون فرحة العيد ويشنقون الآمال على حبال الأسر ويقلبون الموازين رأساً على عقب فيحطمون كل شئ ويقضون على كل حلم جميل ورجاء مرتجى .. رباه أين هو الآن؟ هل عاد من زيارة عمه أم لم يعد؟. وكيف كان وقع نبأ ماجرى لها ولأصحابها عليه؟ انها في أعماقها تحس بأنه سيأتي في أثرها ولن يمنعه مانع من ذلك .. ولن يدعها تواجه قدرها وحيدة .. وإسترسلت في نجواها وتخيلاتها حتى ثقلت اجفانها فمضت تواصل ذلك في أحلامه

بعد مسيرة يومين او ثلاث من تلك الليلة والركب يجد السير في رحلته صوب المشرق في جو تتصاعد برودته درجة فدرجة .. كانت اعراض أمراض البرد قد بدأت في الإنتشار بين السبايا خاصة صغار السن من بينهم فهذا هو الصبي (فرتاك) ابن السابعة يسعل بشدة وتنتابه اعراض الحمى فيجر قدميه الصغيرتين جراً وهو يرتعش بشدة وصارت صحته في تدهور ملحوظ ولكن ليس في مقدور أحد من الرفاق فعل شئ ولما ازداد الامر سوءاً وغدا عاجزاً عن مواصلة المشوار صار كبار الأسرى يتبادلون حمله فيما بينهم على ظهورهم تثبته يد حامله ويد الذي يليه فليس لدي كل منهم سوى يد واحدة طليقة .. وضرب تورو مثلا يحتذى به في الشهامة حين خلع أسماله ولم يبق الا مايستر عورته ليدثر ذلك الصبي حين اشتد كربه وساءت حاله .. وفاضت عيون الجميع لما صار الصبي يهزي وهو ينادي باسم أمه وتارة ينادي باسم ابيه واخوته .. جدد ذلك جراح الأسرى واثار اشجانهم فبكوا .. واذ ذاك مضت بورا تأخذه لتضعه بين يديها وقد مالت عليه بصدرها تقبله وتمنحه الحنان كما تفعل الام مع صغارها ثم مضت به إلىمقدمة الركب حيث القائد ورجاله وهي تشير إلى الصبي المحمول بين يديها وتستخدم الاشارة للدلالة على مدى معاناته وسوء حاله .. ولكن لم يكن لديهم مايفعل أو حتى مايقال بل نظروا اليه وهم على مطاياهم وتحدثوا فيما بينهم بما لم تفهمه فظلت تحمله اثناء المسير الى ان امتدت ايادي بعض الرفاق تعينها في الحمل ولم يطل الأمر حتى صرخت الفتاة التي كانت تحمل الصبي فتناوله تورو بيد واحدة وجلس به على الارض وقد شخصت عيناه وتصاعدت انفاسه بشدة .. وفي ذلك الموضع لفظ الصبي فرتاك انفاسه في حضن تورو .. وارتفعت الأصوات بالبكاء والنواح المرير ولم تجدِ السياط في درء العبرات هذه المرة .. ولم يستطع الرجال فعل شئ فوقفوا ينظرون الى تلك الوجوه المحزونة الباكية .. لقد بكوا جميعا حتى تورو القوي الذي تسيطر على وجهه ملامح القسوة والشدة وحرك موت هذا الصبي مزيدا من اشجانهم واحزانهم وعاد بهم الى ديارهم والى عشيرتهم .. وقام الرجال بشق قبر صغير في تلك الفلاة اودعوه جثة الصبي وقد كفن بأسماله ثم واصلوا زحفهم ولاشئ يطرق المسامع الا البكاء والعبرات.

سيد محمود الحاج
10-10-2009, 12:08 PM
( 19 )

مع طلوع شمس اليوم التالي والركب يوشك على التوقف في بقعة تكثر فيها الأشجار والتلال الرملية لاحت من على البعد ملامح قرية ذات مباني لم ير هؤلاء الأسرى مثلها من قبل فانشغلت عيونهم جميعاً بتأمل تلك المنازل الكبيرة المبنية من اللبن والطين والتي تحيط بها اسوار عالية .. لقد مروا بكثير من القرى لكنها لم تكن بهذا الحجم بل كانت في معظمها عبارة عن أكواخ تشابه اكواخ قريتهم أو بيوت من أعواد الشجر والقش صغيرة في حجمها وليس لمعظمها أسوار .. ولقد تبين أن رجال الركب كعادتهم لايودون المرور بأسراهم من خلال القرى لذا فقد أجلسوهم في مكان مستتر تحف به الأشجار من كل جانب ثم مضى اثنان من الرجال على فرسيهما الى القرية بينما بقي الأخرون في ذلك الموضع مع سباياهم.
لم يطل غياب الرجلين حتى عادا وقد حملا على مطيتيهما الكثير من المؤن اللازمة من طحين وذرة ولحم مجفف وغيره وفوق ذلك كله اتيا بثياب جديدة للسبايا الذين كانوا شبه عراة كما عادوا بقدر ملئ (بالودك) قدموه لهم لوضعه على اجسادهم التي تقرحت وتشققت من اثر السير ومن لسع البرد .. وقد سروا بذلك كثيرا وسرعان ما ارتدوا تلك الثياب من فوق أسمالهم القديمة دون خلعها ولم يكن السبب في ذلك السرور من باب ان لكل جديد لذة بكل لكسبهم مايعينهم على مواجهة ذلك البرد الذي اصبح يشتد كلما تقدموا الى الأمام .. ولعل رجال الركب قد ادركوا مدى خطورة هذا الامر على أسراهم بعد أن مات ذلك الصبي (فرتاك) .. قد يؤدي ذلك إلى خسائر فادحة اذا ما أستمرت اعراض المرض في الانتشار بين افراد الفوج.

وتزاحم الأسرى على وجبة ساخنة.. فقد كانوا في حاجة الى مثلها فهم لم يذوقوا طعاما منذ الليلة الماضية اذ نفذ مخزون الطعام واستنفذ السير المتواصل في ذلك الطقس البارد كل ما لديهم من طاقات .. ولاحظ أفراد الفوج أن كمية الطعام التي باتت تقدم لهم اكبر من ذي قبل ولم يكن ذلك الا من قبيل مايفعله تجار الماشية حين يخلطون الأعلاف بنسبة كبيرة من الملح قبل أخذها إلى الأسواق لتبدوا سمينة ومعافاة .. فهؤلاء النفر شأنهم شأن اولئك .. يزيدون كميات الأكل عندما يوشكون على دخول الأسواق ويلمعون بضائعهم بالزيت والودك قبل وضعها على منصات العرض .. وهاهم الآن على مقربة من الأسواق التي تتداول فيها مثل هذه التجارة .. تجارة البشر .. يوضعون في صفوف طويلة وقد دهنت اجسادهم جيدا حتى تلمع مع أشعة الشمس وتدق الاجراس .. كل يعرض سعره .. البائع يفرض السعر والمشتري يساوم في السعر .. يجس الفتى من كتفه و زنده والفتاة من ردفها وصدرها.
واستمر الزحف.. واصبح ظهور القرى ذات المنازل الكبيرة والاسوار العالية امر عادي بالنسبة للأسرى ولكن مالفت انظارهم وشد انتباههم ذلك النهر الطويل العريض الذي بدأ ناحية اليمين وأصبح يشاركهم الزحف كأنه اسير هو الآخر .. كلما مضوا في طريقهم مضى معهم بحقوله ومروجه المخضرة .. يبدو مثل وديانهم عندما تفيض في موسم الامطار لكنه أكثر عرضا وإتساعاً .. وأثار منظر الحقول ذكرياتهم وأهاج اشجانهم حتى أغرورقت أعينهم بالدموع وردد البعض في سره تلك الاغاني التي كانت تؤدى في الحقول على وقع الشخاشخ .. وإرتفع صوت أحدهم قليلا اذ قد نسى همومه فالتقط البعض ذلك وكانت منهم كارا ذات الصوت الرخيم فلم تستطع كبت مشاعرها والسيطرة على أحاسيسها فرددت ماسمعت بصوت عذب جهور وإرتفعت جميع الأصوات تشاركها الغناء.

واختلط الغناء بالعبرات والدموع فعاد متقطعا ليغدو بكاءاً شجياً .. ولعل ذلك قد أصاب من ضمائر رجال الركب شيئا فلم يعترضوا هذه المرة ولم يستخدموا سياطهم بل ظلوا ينظرون وينصتون وقد بدأ التأثر على وجوه بعضهم .. وأعقب ذلك صمت طويل وظل كل أفراد الفوج يسير بجسده إذا عادت العقول إلى التلال والأكواخ القابعة في أحضانها والى تلك المروج .. وعادت بورا ضمن من عادوا .. لتجد نفسها مع أكر في وكرهما بين الحقول .. فلا تتردد في عناقه وضمه بين أحضانها فتستعر تلك النار في كل عضو من اعضاء جسدها ويوشكان على الوقوع معاً فوق الأعشاب ثم تراه يتركها فجأة ويبتعد عنها فتعدو خلفه صائحة ترجوه أن يعود اليها .. ولقد كادت أن تصيح بالفعل لولا أن تعثرت على حجر اثناء سيرها فأعادها إلى الواقع الأليم وعاد معها بقية الرفاق.
وعند نقطة معينة انحرف رجال الركب عن خط سيرهم وقد ولوا وجوههم شطر ذلك النهر العظيم وقصدوا حيزا تكاثرت فيه الأشجار وتشابكت أغصانها فبدأ مثل حظيرة متينة السياج تطل على النهر مباشرة وأمتد بعض من أغصان تلك الشجرة حتى لامس المياه .. لقد كان منظرا خلابا يبهر الناظر اليه .. منظر الماء ومنظر أشعة الشمس الفاترة المحمرة وقد تساقطت عليها .. العصافير والطيور قد عادت إلى اوكارها تحمل حصيلة يومها ومن حولها تزقزق فراخها في بشر وحبور ولكن لم يكن من بين الذين قصدوا ذلك المكان في تلك الساعة من يستهويه أو يأسره مثل ذلك المنظر البديع فليس في نفوسهم مكان لمثل هذا .. فهم بين جائر لايرى في الوجود شيئاً جميلا سوى الجور أو مظلوم ظل منشغلا بنفسه حتى إستحال كل شئ في كونه إلى عتمة ولم يعد يرى غير ذلك شيئاً .. وإذ وقف الجمع على ذلك المكان المرتفع وعيونهم تطالع النهر العظيم بدأ لهم مركب يشق عباب الماء آتٍ قبالتهم .. فإتسع نطاق دهشة الأسرى واتسعت حدقات اعينهم واعتراهم شئ من الخوف وهم يراقبون ذاك الذي يشق الماء شقاً دون أن يغوص في أعماقه .. ولما دنا المركب قليلا رأوا على متنه رجلين كل منهما يعمل جاهدا على قضيب خشبي إلى أن استقر على مقربة من ضفة النهر وارتفع صوت أحد الرجلين موجها كلامه الى رجال الركب يدعوهم للتقدم.

كان عبور النهر على ظهر ذلك المركب أمراً مفزعاً ومرعباً للغاية .. فهؤلاء الفتية لم تكن لهم تجارب كهذه من قبل فبيئتهم خالية من الأنهار ولايغشاها سوى أودية موسمية تأتي مياؤها في حين من الزمان ثم لاتلبث أن تجف أو ينساب ماؤها ليستقر في مكان أخر .. وفي ذروة فيضانها تنحدر في سرعة بالغة ويكون تيارها قوياً فلا تقف أمامه صخور أو اشجارأو غيرها مهما عظم حجمها وعندما تكون على مثل هذ الحال يبقون بعيدا ويدنو أحد منها الا حينما تنحسر المياه ويهدأ تيارها فيكون أمر اجتيازها سهلا وهي في الغالب ليست عميقة اذ لا يتعدى عمقها القدم أو القدمين ولا حاجة إلى قوارب .. ولما كان الحال كذلك فقد كان عبور ذلك النهر على ظهر قارب واجبا عسيراً بعث في نفوسهم مخاوف عظيمة فكلما ترنح المركب الى جهة تصاعد الصراخ عاليا لظنهم أن هذه المطية سوف تلقي بهم في أعماق هذا اليم أو أن تغوص بهم .. وما أن اجتازوا النهر وداست اقدامهم رمال البر الاخر حتى تنفسوا الصعداء وعندما ارتمت الشمس في احضان المغيب تماما كان الجميع قد عبروا الى الضفة الأخرى بعد أن قام المركب باربع رحلات متتالية تم في اثنين منها نقل الرجال وسباياهم وفي الأخريين نقلت المطايا .. وتحت جنح الظلام مضى الرجال وسباياهم يغادرون ضفة النهر وقد جعلوا وجهتهم نحو المشرق ودام زحفهم الى ان انقضى من الليل معظمه ولم يعد في مقدورهم المضى قدما لما بلغهم من التعب والجهد فنشدوا مكانا على جانب الطريق ليقضوا فيه ماتبقى من سويعات.

سيد محمود الحاج
10-10-2009, 12:13 PM
( 20 )

في صباح باكر كانت قافلة الشيخ الماجن تهم بدخول بلدة اكبر من جميع مامر بهم .. ذات مزارع وحقول وأشجار.. اكتست تربتها المتصدعة في كثير من اجزائها بلون داكن .. وانشغل السبايا بالنظر الى تلك الحقول والى المنازل الكبيرة المتقاربة من بعضها حتى وجدوا انفسهم وقد دخلوا سورا واسعا منعزلا عن بقية المنازل فذكر بعضهم صومعة الساحرة (ميكاكا) وانعزالها عن بقية الأكواخ .. لقد كان السور خاليا الا من غرفة واحدة مقفلة وعريشة ماهلة مشيدة من اعواد الأشجار والحصير اتخذت مقراً للسبايا .. كان ذلك أول عهد لهم بالنزول في مكان مميز منذ ان تم سبيهم اذ كان نزولهم العراء بين الآكام والأشجار .. وظن بعضهم أن هذا السور الفسيح هو المحط الأخير لتسيارهم وخاتمة المطاف حين رأوا رجال الركب يتصرفون في تلك الدار تصرف المالك في ملكه .. وفكت عنهم الأصفاد كما اقتيدت المطايا الى حظيرة في داخل السور .. وجلسوا في انتظار ما تأتي به الساعات القادمة وهم لايدرون أشرٌ أُريد بهم ام أردا بهم آسروهم خيراً.
رأي السبايا أول مارأوا عندما أستيقطوا من نومهم العميق وجوهاً جديدة لبعض الرجال .. نعم لقد انضموا اليهم هنا في هذا السور الواسع الارجاء .. ولماذا تراهم قد جاءوا إلى هنا واي دور سيلعبونه فيما تبقى من فصول مأساتهم؟!
كانت القافلة الأخرى التي ضمت أكر تجد السير في اعقاب قافلة بورا .. تتبع ذات الطريق ولاتحيد عنه .. كأنهما تتبعان خطة موحدة في سيرهما .. فتلقي رحالها في نفس المواقف التي القت فيها القافلة الأولى رحالها ويدل على ذلك مخلفات النيران وروث المطايا واثار الأقدام والحوافر .. وكانت مثل هذه الآثار تثير أشجان أكر فيتأمل كل ذلك بتركيز شديد كمن يبحث عن شئ ثمين مفقود .. وخلال ذلك كانت تراوده فكرة الفرار عن القافلة فهو يراها تسير على مهل وتكثر من التوقف وهو الذي يريد أن يسابق الريح ليلحق بركب بورا .. فهذه الآثار والمخلفات حديثة العهد وهذا يعني أن المسافة بين القافلتين قد تقلصت إلى حد كبير وليس بينهم سوى يومين أو ثلاثة ايام .. فان لاذ بالفرار فسوف يتمكن من ادراك ركب بورا في أقل من ذلك .. ولن يضير فراره آسريه في شئ فهو لم يكن بأكثر من صيد عابر إعترض طريقهم ولم يبذلوا في سبيل اقتناصه جهداً يذكر .. كل مايهمه الآن هو أن يجد بورا وان يسيرا معا في ركب واحد فان لم يكن من القيد بد فالخير أن يجمعهما قيد واحد .. كان يصغي بإنتباه شديد كلما تحدث رجال القافلة فيما بينهم لعله ان يدرك امرا برغم انه لا يفقه من حديثهم شيئاً ... وظلت فكرة الفرار في الأيام الأخيرة تتبلور في ذهنه واصبحت شغله الشاغل ولكن تبقى خطة التنفيذ غير واضحة المعالم محفوفة بالمخاطر .. كيف يجد السبيل الى ذلك ويداه مغلولتان؟! ثم إلى اين الفرار والطريق أمامه غامض ويسير في صالح الغزاة اذ يتجه صوب ربوعهم واهليهم؟! انه اذن كمن يستجير من الرمضاء بالنار؟! وعلى مضض بدأت فكرة الهروب تضمحل في ذهن اكر وتخمد واقتنع بأن وضعه الحالي هو الأفضل من كل مغامرة أو مجازفة غير مضمونة العواقب .. وان كان هنالك نصيب في لقاء بورا فسوف يلقاها ويجتمع شملهما مهما بعدت الشقة ومهما سدت السبُل.

***

كانت شهامة اكر ومروءته قد وضحت لرفاق اسره بل وتظل تزداد وضوحا من يوم لآخر .. فقد كان يؤازر الجميع ويقدم كل مافي وسعه من عون وبخاصة للصبية الصغار فيحمل على ظهره من تبدو عليه علامات الأعياء والفتور ويرفع يده عن الطعام قبل أن يشبع ليوفر لهم فرصة لتناول المزيد منه وعندما تراجعت حرارة الجو وسادت الرياح الباردة كان يبقيهم في الوسط اثناء المشي ويقربهم الى النار حينما توقد للتدفئة .. وقد بدا الإعجاب به واضحا في وجوه ونظرات رفاقه خاصة بين الفتيات حتى وهن في غضون هذه المحنة .. فكانت كل واحدة تحاول لفت انتباهه أو اختلاق مايمكنها من التحدث معه أو السير بقربه ولم يكن يكثر من الكلام فهو طويل الصمت شارد الذهن لايتحدث الا من خلال افعاله وصفاته .. وقد استبانت تلك الخلائق والصفات مع القوة الجسمانية لآسريه أيضاً فسروا بذلك في انفسهم اذ حوت بضاعتهم مثل هذا الصنف الذي سوف يأتيهم بلا شك بثمن جيد لايستهان به.
أما وقد بدأت حرارة الجو تنخفض من يوم إلى آخر اخذ رجال القافلة يسرعون في زحفهم مخافة ان تزداد درجة البرودة فيصعب السير خلال ذلك وتتعرض بضائعهم الى اضرار تقلل من عائد الأرباح وخاصة ان اجساد اسراهم ليس عليها مايحميها من البرد سوى نتف بالية من الثياب .. وكثفوا من السير خلال النهار .. فلا يتوقفون الا لتناول الطعام أو للتزود بالماء من بعض القرى التي يمرون على مقربة منها .. اما اذا جاء الليل وزادت حدة البرد فكانوا يجمعون الحطب ويضرمون النار فيه
فيجلس الاسرى من حولها للتدفئة وسرعان مايغطون في النوم محتمين بالكثبان الرملية من جهة وبتلك النار من الجهة الآخرى وما ان تبدو الخيوط الاولى من ضياء الفجر حتى يستيقظ الجميع فيصطفون في الركب ثم يستهل الزحف بهمة ونشاط .. وعلى الرغم من ان في هذا التعجل الذي طرأ على خطة السير مشقة واجهاد الا أن اكر قد بدا سعيدا فهذا ما كان ينشده .. فاذا استمر السير على هذا المنوال فان المسافة بينه وبين بورا ستتضاءل الى حد كبير وتصبح فرصة اللحاق بركبها اكبر.
ولما كانت القافلة الثانية تتبع خطوات القافلة الأولى وتسير في نفس طريقها فقد حلت ذات صباح على مقربة من تلك القرية ذات المنازل الكبيرة المحاطة بالأسوار واتخذ رجالها من ذلك الحيز المحاط بالأشجار من كل جوانبه معسكرا لانزال اسراهم تماما مثل مافعل سابقوهم فهم اذن يتبعون نهجاً واحدا وخطة موحدة أو هنالك تنسيق سابق بينهما .. وبما أن المكان محاط بالاشجار العالية ويبدو مثل سورٍ عال فان الرياح لم تتمكن من محو آثار من سبقوا .. فقد كان كل شئ يبدو واضحاً إلى حد كبير .. آثار الأقدام على الثرى وآثار الحوافر وماخلفته النار من رماد .. وقد استطاع اكر تمييز آثار اقدام يعرفها حقا من بين العديد من الآثار وقد كان واضحا ان حركة هذه الاقدام كانت أكثر من غيرها فقد رآها في مواقع عدة .. وانهمرت دموعه كسيل جارف لم يفلح في كبح جماحه أو صده فجلس يضع وجهه بين ركبتيه كالنائم حتى لا يلحظه بقية رفاقه .. ولم يطل به الأمر حتى استطاع التغلب على ذلك وكفكف أدمعه .. وقبل أن تضيع تلك الآثار تحت أقدام افراد الركب الآخر كان اكر قد أخذ خلسة قبضة من أثر بورا وحفظها في خرقة اقتطعها من ثوبه ثم دسها كأغلى ما يحتفظ به .. ومثل مافعل رجال الركب السابق مضى بعض هؤلاء الى تلك القرية وعادوا بعد ذلك يحملون المؤن اللازمة وبعضا من اكياس الخيش الفارغة قدموها لسباياهم لمواجهة البرد كما جلبوا الودك أيضاً لحفظ اجسادهم من التشقق والتقرح فتلقفوا ذلك الخيش في امتنان من اهدى حريرا أو مخملا وسرعان مالفوه على أجسادهم المرتعشة .. بعد عصر ذلك اليوم تحركت القافلة تتبع طريقاً ملتويا يجعل المسافة بينه وبين تلك القرية بعيداً وهذ ماينشده اولئك الغزاة فهم دائماً يتحاشون المرور عبر القرى والتجمعات السكانية الأخرى لذلك فقد كانوا يتبعون طرقاً ملتوية منعزلة لايطرقها الا من هم على شاكلتهم وغالبا ماتكون مثل هذه الدروب وعره أو مستترة بالاشجار و الكثبان الرملية.
كان أكر خلال هذه المرحلة من الزحف يسير بروح جديدة ملأى بالتفاؤل بعد أن وجد أثر معشوقته بورا .. ذلك الأثر المحفوظ بين طيات ثيابه فكان بين فينة واخرى يتحسس تلك الصرة التي اصبحت من انفس واعز مايملك .. وعاد الاخضرار يدب في عود الامل بعد أن يبس وجف فقد بات الآن على يقين بأنه لا يلاحق سراباً .. فهاهو أثر بورا الذي لاتخطئه العين بين طيات ثيابه .. وقد كان اكثر الآثار التي رآها ظهورا على الرمل واكثرها حركة .. فهي اذن على قيد الحياة وطالما هنالك حياة فهنالك أمل وسوف تجمعهما الأيام مثلما فرقت بينهما .. وتوشك شفتاه ان تنفرج عن ابتسامة عريضة الا نه كان يقاوم ذلك في كل حين مراعاة لمشاعر رفاقه فهم في محنتهم لايجدون مايدعو للابتسام فكيف يبتسم المرء وهو مكبل بالقيود؟! ولكن ان وجدت الابتسامة طريقها على وجه اكر فهذا ليس بالأمر الغريب فهو ذو وضع يختلف عن بقية من معه من الأسرى اذ جاء للأسر طوعاً ورضي بالقيود ولم تفرض عليه كما فرضت على رفاقه الذين اخذوا من عقر دارهم .. نعم لقد وضع الأصفاد بنفسه في معصمه وجاء بنفسه الى هذا المصير بل وقد كان على استعداد لان يلقى بها في أسوأ من هذا الذي هو فيه حتى ولو كان الموت وهاهو الآن يمسك بأول خيط يقود الى حيث يمكنه العثور علي توأم روحه.

سيد محمود الحاج
10-11-2009, 09:48 AM
( 21 )

عرف رفاق الأسر اكرَ في مواقف عدة واكبروا ذلك فيه .. فعندما اصبح البرد يزداد حدة كلما تقدموا إلى الأمام تنازل عن نصيبه من الخيش للصبية الذين ابقاهم خلال المسير بجانبه فكان يضم ثلاثتهم ويدثرهم فوق ماعليهم بقطعة الخيش التي اعطيت له ضمن من اعطوا وكان يدلك لهم بنفسه وجوههم وايديهم واقدامهم بالودك ليقيهم اضرار البرد وآثاره على الأجساد فأحسوا بالإطمئنان وهم يسيرون بقربه فكان يعينهم في كافة شئونهم ويراقبهم اثناء الزحف فيحمل من يعاني من وعثاء التسيار فخفف ذلك من وطأة معاناتهم ومن أثر فقدانهم لذويهم وهم في هذا العمر الغض.
في الهزيع الأخير من تلك الليلة الباردة كانت القافلة قد تقدمت كثيراً ولم يعد في مقدور الزاحفين مواصلة الزحف الى ابعد من ذلك الحد الذي وصلوا اليه فقد اجهدوا كثيرا ولاقوا من سيرهم نصبا .. وعليه فقد قصد الغزاة حيزا يقع بين سلسلة من الكثبان الرملية فمثل ذلك يعد المكان الأمثل لقضاء الليل في الأمسيات الباردة اذ تصد الكثبان الرياح وتحول دون تغلغلها الى الجهة الأخرى .. وما كادت الرحال تلقى حتى هرع الأسرى يجمعون ماتساقط من اعواد الشجر والأغصان الجافة وكدسوها في كومتين احداهما لمجلسهم والأخرى لمجلس سادتهم فأضرمت النار وسرى الدفء واحسوا براحة لاحد لها وسرعان ماغطوا في نوم عميق ولم يبق الا اكر يراقب النجوم حينا وحينا يراقب الصبية اثناء نومهم فيعيد تغطية من كشف غطاءه ويصلح من وضع من يراه في وضع غير سوي خلال النوم .. واذ بات بلا رقيب أخرج من بين طيات ثوبه كنزه النفيس .. أثر بورا المحفوظ في تلك الصرة فقبل ذلك مرارا ثم ضمه الى صدره .. ومضى في ركب الذكريات الى الحقول والاكواخ يستعيد تلك الساعات التي كانا يقضيانها بين المروج.. ثم يترك كل ذلك فجأة ويمضي الى دارهم .. يتأمل ويتصور مافعلت الأيام باسرته بعد ان فر عنهم .. وماعساهم فاعلين في غيابه عنهم!!
وكيف واجه ابوه هذه المحنة .. ان ذلك دون شك .. قد كان صدمة قاسية له وهو في مثل تلك المرحلة من العمر .. واثر ذلك شعر اكر بانقباض في صدره واحس بوخز الضمير .. ما كان له أن يتصرف على هذا النحو من القسوة فيترك ابواه يواجهان الآما واحزانا لاحصر لها وهما أحوج مايكونان لمؤازرته وسنده في بيئة تستمد حياتها من الاعتماد على النفس .. فعلى من يعتمدا وهو وحيدهما!! كما انهما في سن تجعل اعتمادهما على نفسيهما أمراً محدودا .. فكيف يتسنى لهما رعي الأغنام ومراعاة الزرع في الحقول في كل مراحله اضافة الى الاعمال الأخرى التي لابد منها .. ان مصيبتهما في فقده فادحة ولن تمر دون ان تترك أثراً بالغا ان لم يكن هذا الأثر قد حدث بالفعل .. وظل ساهرا يلاقي من عنت الضمير ماغض مضجعه ولكنه استطاع ان يفرج عن كل ذلك بإستمساكه بأمله وهدفه الذي فرّ من أجله .. انه الآن على مقربة من نيل الهدف وهاهي آثار بورا في يده .. وماهي الا أيام قلائل حتى يجتمع شملهما وعند ذلك لن تكون هنالك معضلة في امر العودة بها الى الديار فقد عرف طريق الاياب ورسم خطة العودة من الموضع الذي اسر فيه وحتى هذه النقطة .. انه فقط ينتظر لقاء بورا وساعتها لن يتوانى في العودة الى دياره واهله وسيعود كل شئ الى ماكان عليه من قبل .

***

كان اول الركبين قد وصل في صباح باكر الى مشارف قرية اكبر بكثير من تلك التي جيئ من سوقها بالثياب والمؤن للأسرى .. فمنازلها أكبر واكثر عددا .. تحيط بها الحقول والمزارع وتكثر بها اشجار النيم واللبخ واشجار الحراز وفي ذلك الموضع الذي يبدو كمدخل للقرية كان هنالك سور خال منعزل قصده رجال الركب وحطوا فيه الرحال .. وللمرة الاولى فقد فكت القيود تماما عن المعاصم وتحرر الجميع منها واجلس الأسرى تحت عريشة كبيرة مشيدة من اعواد الأشجار ومسقوفة بالحصير بينما مضى رجال الركب يجلسون تحت عريشة اخرى اصغر واحسن حالا من الاولى .. رأي السبايا احد رجال الركب يفتح باب حجرة صغيرة فتوضع فيها تلك الأصفاد والحبال التي كانت تكبل الأسرى بينما اقتيدت الجياد الى حظيرة كبيرة في أحد اطراف السور .. واذ ذاك ظن البعض ان هذه خاتمة المطاف لترحالهم وانها المحطة الأخيرة ومن ثم معرفة الغاية من وراء اقتيادهم الى هذا الموضع ولما كانوا متعبين لم يطل بهم المقام حتى غطوا جميعاً في النوم في تلك الساعة المبكرة من ذلك الصباح ولم يفيقوا الا قبيل الظهيرة بقليل ليجدوا الطعام معدا في تلك الاطباق الخشبية وسرعان ما انقضوا عليه يملأون بطونهم الخاوية وكلما فرغت الأطباق جيئ بمزيد ولما انشغلت أعينهم عن الاطباق لاحظوا للمرة الأولى أن هنالك بعض الوجوه الغريبة بين الرجال .. وجهان أو ثلاثة... وجوه لم تكن من ضمن آسريهم من قبل .. نعم لقد انضموا اليهم هنا .. في هذا السور .. من تراهم يكونون؟ ومتى جاءوا الى هنا؟ لقد مضت ثلاث ليال على وجودهم في ذلك السور .. واستراحت اجسادهم الى حد كبير بعد ذلك الزحف الشاق الذي دام لأكثر من شهر وسط دروب وعرة وظروف صعبة .. وقد لاحظوا منذ وصولهم بأن هنالك مزيدا من الأهتمام صار يبذل من اجلهم فالطعام الذي يقدم اليهم اصبح اكثر من ذي قبل .. كذلك كان اولئك النفر الجدد يقومون بدلك اجسادهم بالودك صباحا ومساءا كأنهم يعدونهم لغرض معين .. اثار ذلك قلق البعض من الأسرى وحفز مخاوفهم لارتيابهم في الأمر و تساءلوا فيما بينهم عن الغاية وراء كل مايجري .. ماذا يراد بهم ياترى !! وظلت التساؤلات الى ان اطل صباح اليوم التالي حين صفوا جميعاً في رتلين احدهما للفتية وآخر للفتيات واجسادهم الداكنة تلمع مع اشعة الشمس فبدت مثل تماثيل برونزية .. واحسوا بخوف رهيب يجتاح انفسهم وزاغت اعينهم كل يرمق الآخر بنظرات قلقة .. انها بلا شك اللحظة الحاسمة التي تقرر الغاية التي مازالوا يجهلونها وارتجفت اوصالهم بشدة حين رأوا نفراً من الناس قد وفدوا عبر مدخل السور .. رجال على شاكلة قانصيهم عليهم ثياب بيض وعمائم استقبلوا بحفاوة من قبل الرجال .. كانوا بين ستة او سبعة اشخاص .. وجعلوا يمرون بين الرتلين المتقابلين يطالعون وجوه الأسرى واجسادهم .. وايديهم تجسهم كما تجس الخراف في سوق الأغنام .. الفتى يجس من كتفيه وعضديه والفتاة تجس من عجزها وصدرها .. وبدأ على وجوه الزائرين الرضا التام عن نوعية الصنف المعروض .. والتقت جميع النظرات وتركزت في جهة ما في أحد الصفين .. وبدأ الإعجاب واضحاً .. انها بورا الساحرة .. نعم لقد هم كل واحد من القادمين بها .. وكانت اول من افتتح به المزاد .. كل يعرض ثمنا والآخر يغالي في الثمن ويدفع المزيد .. وتنافس حولها المتنافسون .. كل يريد الفوز بها وهي منتصبة مثل تمثال جميل لم يدخر المثال جهدا في سبيل اتقان صنعه .. وحتى لايمضى المتنافسون الى ابعد من ذلك فقد انبرى صوت الشيخ القذر .. قائد الركب وعلى شفتيه ابتسامة خبيثة .. ينبئهم الى ان هذه للعرض فقط وليست للبيع .. فهو يحملها هدية الى احد الوجهاء في بلدة اخرى ولايستطيع التصرف فيها .. نعم .. لقد خص بها نفسه .. فهي الثمرة الحلوة اليانعة التي لم يذق غيره طعمها .. كأنها مقطوفة من شجرة الخلد .. فمثل بورا لايمكن التفريط فيه .. جسد غض ناعم كالمخمل وقوام ممشوق ووجه فاتن .. كل شئ فيها يثير الإغراء ويحفز الإثارة .. عند ذلك انصرف الراغبون عن بورا آسفين ومضوا يعائنون افراد الفوج الآخرين .. يدققون في الإختيار ويساومون في الثمن ولما قفل المزاد كان مايقارب النصف من عدد الأسرى قد بيع .. ومضوا يتبعون سادتهم الى حيث لايدرون وقد انسلخوا عن بقية الفوج وعيونهم باكية .. تصاعدت عبراتهم وهم يغادرون ذلك السور الذي كان نقطة الفراق فيما بينهم .. وكان من ضمن من تم بيعهم هنالك تورو ويامو وياكا وتيرا وبايو ونحو ثلاثة أو اربع من الصبية ظلت عيون من تبقى من رفاقهم ترافقهم حتى اختفوا عن انظارهم وعقب ذلك ساد المكان هدوء مشوب بالحزن والخوف والرهبة .. وتجددت أشجان الأسرى وقد ترك رحيل اقرانهم اسى بالغ في نفوسهم عامة وفي نفس بورا بصفة خاصة فقد كانت ياكا وتيرا من اقرب واخلص صديقاتها فقد نشأن سويا وترعرعن معا فلم يكن يفرق بينهن الا النوم حتى وهن في الاسر .. وتورو ايضا فعلى الرغم من صدودها عنه الا ان وجوده من ضمن الفوج كان يبعث شيئا من الإطمئنان في نفسها فقد كانت ترى فيه اكر .. فهو غريمه ومنافسه القوي في حبها .. فكانت تحس في غياب اكر بأن هنالك فرصة لعمل شئ ما .. فهو مازال يحبها وهي تستطيع ان تجزم على ذلك فنظراته برغم اختلاط معانيها الا انها تدل على حب مستعر ولهفة لاحد لها .. كان وجوده يشغل حيزا ما في نفسها ولعلها لم تحس بذلك الا بعد ان رأته وهو يودعها بنظرات حزينة باكية.

سيد محمود الحاج
10-11-2009, 09:52 AM
( 22 )

كانت علامات الرضا والسعادة تكسو وجوه الرجال وبخاصة قائدهم الشيخ الماجن الذي كان له نصيب الأسد من ايراد البيع فالحملة كانت تعمل لحسابه الخاص وهو المسئول عن جميع نفقاتها وما رجاله الا عمال يأخذون اجراً أو نصيباُ معيناً من مجمل الإيراد .. وقد كان نتاج هذه الحملة أكبر مما تصوروا بكثير وعادت بربح وافر اذ كان الفوج المأسور مكونا في أغلبه من شباب اقوياء في ريعان الشباب .. لذا فقد تكفل الشيخ الماجن باعداد ليلة ليلاء مكافأة لرجاله .. فجُلب الخمر ونحرت الخراف وازكمت الأنوف رائحة الشواء وجلس الشيخ واعوانه تدور الكؤوس فيما بينهم .. شربوا نخب عودتهم ونخب صفقتهم وما درته عليهم من ربح وفير . وسرت نشوة الخمر تدب في الرؤوس شيئا فشيئا حتى تملكتهم تماما وتصاعدت الحناجر بالغناء والدوبيت .. ونهض الشيخ متثاقلا يمشي مترنحاً إلى حيث كان يجلس بقية الأسرى ونادى بصوت متقطع النبرات على جاريته نوره.. فقامت على مضض وقد ادركت الغاية التي يطلبها لها .. وزاد ذلك من احزانها التي خلفها رحيل رفاقها الذين تركوا الفوج لتوهم .. فهي لم تكف عن البكاء حتى هذه اللحظة التي اقبل فيها هذا الوغد يدعوها اليه .. كانت جميع احزانها واشجانها قد تفتقت من جديد وفي وقت واحد .. فراق ربوعها واحبائها .. موت دلدوم وموت الصبي فرتاك امام عينيها .. واغتصابها عنوة والإستيلاء المطلق على نفائسها التى كانت تدخرها لاكر .. آه أين هو الأن ياترى؟ لقد حالت الأيام والرقاع بينهما .. أربعون ليلة ظلت تحصيها على اصابع يدها .. لقد بدأ اليأس يدب في نفسها فاختلطت الأمور واختلت موازينها .. لم تعد تفرق بين ليل أو نهار وبين شمس أو قمر .. كل شئ اصبح امامها بلا معنى واضح .. وامسك الشيخ بكفها بقوة ثم جذبها ومضى الى ان وصل بها الى مجلس اللهو وهي ترتجف من البرد ومن الوهن الذي انتابها من فرط الاحزان والهموم منذ ان رحل رفاقها .. وتعالت اصوات السكارى يمازحون شيخهم وهو يترنح ذات اليسار وذات اليمين وقد غدت ابتسامة الخبث على شفتيه اكثر وضوحاً .. ومال يرفع إبريقاً ليعبئ بنفسه كأساً .. فيمده ناحية شفتيها يريد أن يسقيها بيده.. لكنها تصد الكأس وتشيح بوجهها .. فلم يكن الا ان قام الوغد بتجريعها ذلك عنوة فحشرجت وسعلت بقوة وغصت من مرارة الخمرة حتى سالت ادمعها .. وكان ذلك موضوع تندر لاولئك السكارى فظلوا يقهقهون ويسخرون ويطلبون من شيخهم ان يسقيها المزيد حتى تعتاد ذلك فان هي سكرت وجد لديها مالا يجده في صحوتها .. وانهالت الكؤوس عليها من كل صوب وحاولت المقاومة وهي تتوسل في صمت بعيون منكسرة ووجه حزين لكنها لم تكن تواجه الا جلاميدا من الصخر ووحوشا ليس في قلبها للرحمة مكان .. فاستسلمت لاقدارها مثلما استسلمت من قبل وطفقت تجترع مايقدم لها في مرارة وامتعاض .. وتوالى الغناء والرقص واشار الشيخ الى بورا بأن ترقص ولما لم تع قوله قام يسندها بنفسه ويفرط في لغة الاشارة لتستجيب لأمره .. لكنها لم تفعل فانى لها بذلك حتى وان فهمت اشارته .. وكيف لجريح مثلها ان يرقص أو يطرب .. ان جراحها عميقة ومازالت تقطر دما .. فكيف يلتقي الرقص والبكاء ولكل منهما سبيل يختلف عن الآخر؟ فلا شئ يشجيها ولاشئ يطربها لترقص حتى ولو قرعت طبول قومها ناهيك عن هذه الحشرجات التي لاتعي منها شيئا ولاتحس بأي تجاوب نحوها .. ولما كثر الحاح الوغد ذهب بعض رجاله الى مطرح الاسرى وعادوا ببعض الفتيات وكانت بينهن كارا .. وأفسحوا لهن مكاناً في المجلس ولما قدمت اليهن الكؤوس عزفن عنها .. ولكن هل لمثلهن أن يرفض أمراً!! فامسك كل رجل بواحدة يجرعها الكأس رغماً عن ارادتها .. وتوالت الكؤوس حتى دبت نشوة الخمر في رؤوسهن فنسين ماهن فيه من احزان وهموم وقرعت كارا على قدح خشبي وانبرى صوتها الدافئ تردد الحانا عذبة .. وساعتها صمت الرجال وانساقوا تماما خلف هذا الصوت الساحر يتابعون اللحن دون أن يفهموا مايقال ومايردد .. ولم يكن ماتنشد به كارا سوى مناحة تبكي حالها وحال رفاقها وماهم فيه من ضيم وقهر .. وكان ايقاعها من نوع مايردد في الاكواخ في حال المآتم .. حزين .. باكي .. وانبرت بورا وقد نسيت مأساتها وعادت الى الوراء مئات الأميال .. ترقص في خفة وتعبث بجسدها اللدن كيفما شاء لها .. فتميل بعجزها الى الوراء تارة والى اليسار تارة اخرى بينما صدرها المثقل يهتز بقوة كأن في داخله بركان يوشك أن ينفجر قبالة السماء فتظل أعين الرجال ترقبها في كل حركة وافواههم مفتوحة في عبط وبله ظاهرين .. واتسعت حلقة الرقص تضم بقية الفتيات يرقصن في صمت وعيونهن تفيض كسيل العارض الهتن وكارا بصوتها الرقيق تردد مناحة باكية ترثى حالها وحال رفاقها:

فلنبكي جميعاً قدرنا
هذا الذي رمانا هنا
فليس من ميت بكى على نفسه سوانا
فلنبكي ملياً
ولنذرف الدمع أنهارا
فتغمر خطانا
وتمحوها من وجه هذا التراب القذر
فلا يبقى من اثرنا شئ هنا
لتحلق ارواحنا بعيدا
فنحن نمضي في طريق لايعيد
وسنغرق في بحر الدموع
لكن ارواحنا ستعود الى مراتعها بين الحقول
تحلق فوقها مثل تلك العصافير
ولن يبقى منا هنا سوى أشلاء لاتلبث أن تذروها الرياح
لقد سدت السبل وانقطع الرجاء
فلا رجوع ولا لقاء

ولما همت تباشير الفجر بالظهور كان السكون قد عم وانقطع الغناء وقد تناثرت اباريق الخمر بعد ان استنفد محتوها .. والرجال مثلها .. استنفذ الرقص والخمر طاقاتهم فانتشروا في ارجاء ذلك السور الواسع كل متكور حول نفسه على الثرى ودون غطاء برغم برودة الطقس .. حتى قائدهم الشيخ الماجن .. كان اول من سقط .. فسلمت من كيده بورا في تلك الليلة وحالت الخمر بينها وبينه ومضى يغوص في نوم عميق.
لم يدم أثر الخمر في رؤوس الفتيات طويلا حين استحال اجتماع النشوة والالم في حيز واحد .. فقد بكين في صدق على ايقاع الاحزان ونواح كارا ومضين الى مرقدهن تحت العريشة التي خصصت لهن .. ولم يكن في تلك اللحظة حارس ولارقيب فلو اردن الفرار لفعلن ولكن الى اين الفرار وبينهن والأكواخ عالم لاقبل لهن بإجتيازه .. ولما افاق الرجال في ساعة متأخرة من ذلك الصباح كانت امارات الليلة الفائتة واضحة على قسمات وجوههم .. ماتكاد اكواب الماء تجترع حتى تعقبها اكواب اخرى كأن باجوافهم ثقوب .

في وقت باكر كان الرجال قد اعدوا العدة للرحيل وسرجت المطايا فقد نالوا من الراحة مافيه الكفاية وعليهم الأن ان يكملوا بقية المشوار فمازالت هنالك مرحلة اخرى ... فعادوا يصطفون في رتل واحد ولما اذن مؤذن الرحيل كانت الدموع تنهمر بغزارة من عيون من تبقى من الفتية والفتيات وهم ينظرون خلفهم من حين الى آخر الى ذلك السور الذي كان نقطة الفراق بينهم وبين رفاقهم الذين انسلخوا عنهم انسلاخ الجلد من الجسد الحي .. لقد كان وقع ذلك أليماً في نفوسهم ولكن لا مفرج لتلك الالآم والأحزان الا الصبر والنسيان فليت آلآمهم تقف عند هذا الحد ولا تتعداه لما هو أسوأ !!

سيد محمود الحاج
10-11-2009, 09:59 AM
( 23 )

كأنما كتب على أكر ان يظل يلاحق سراباً .. فكلما ظن انه على وشك اللحاق به مضى السراب بعيداً .. فهاهو الركب الذي يسير فيه قد وصل ذات المكان على ضفة النهر وعبروه على ذات المركب واكر لايدري ان هذا الذي سار بهم فوق ظهر الماء قد حمل بورا قبل أيام قلائل حتى اوصلها الى الضفة الاخرى مع رفاقها ومشوا على نفس الطريق الذي مشى فيه ورفاقه واستضافهم ذات السور الذي آوى بورا واترابها الى ماقبل ثلاثة ليال مضت .. ولولا الوعكة التي المت بقائد ركبه لربما كان قد التقى الركبان وجمعهما نفس المكان ولأدرك اكر هدفه الأسمى .. لقاء بورا .. ولكن هيهات ان يدرك المرء مايتمنى.
في ذلك السور الفسيح طفقت عينا اكر منذ أن استبانت الرؤيا على سناء الاشراق تفحص كل شئ وتطالع كل شئ في اهتمام بالغ .. لم يغمض له جفن في وقت كان فيه كل واحد ممن هم حوله قد راح في سبات عميق .. فأنى لمثله ان ينام وفي فؤاده جرح نازف وفي اعماقه بركان ثائر .. غير أن رياح الشتاء النشطة لم تبق من اثار الأقدم شيئا كأنها تشارك أيضاً في الكيد بأكر الذي انهكت عيناه في البحث عن أثر واحد لاسواه .. أثر بورا فهو يريد التأكد من انها مازالت بخير لكي يتجدد في قلبه الامل الذي لم يعد له من زاد سواه .. ولكن أتت الرياح بما لايشتهي أكر حين ازالت كل أثر من على وجه الثرى .. آه لو ان اثار الاقدام لم تذروها الرياح لكان قد تيقن حق اليقين ولاطمئن على انه مازال يسير في الطريق الذي يقوده الى هدفه المنشود.
وعندما اعتلت الشمس جبين المشرق رأى أكر رجلين يدخلان من باب السور ويتقدمان نحو الرجال فيتصافح الجميع في حرارة وترتفع الاصوات ويطول الحديث لكنه لم يفهم شيئا مما قيل وتمنى في تلك اللحظة ان لو علم منطقهم ليعرف مايدور بينهم ومايقال .. ان هذين الرجلين دون ريب قد قابلا رجال الركب الأول وانهما يعرفان الكثير عنهم .. هما كما بدأ لاكر من يتدبّر الأمور هنا ومن يقوم بخدمة رجال القوافل فقد كان ذلك واضحاً حين قاما بادخال المطايا في الحظيرة وتقديم العلف لها كما قاما بجمع الحبال والسروج وقد كان اكر مصيبا في تخمينه حينما عرفهما فيما بعد فهما المسئولان ايضاً عن اعداد الطعام ومراعاة الأسرى .. آه لو يستطيع معرفة مفردات لغتهم .. لعلم منهما متى جاء ركب بورا الى هذه الديار ومتى رحل عنها والى اين كانت وجهته؟ ولإنطفأت اذن تلك النار المستعرة في قلبه .. ومرة اخرى تراوده فكرة الفرار .. فالاثر يدل على أن قافلة بورا قد رحلت منذ عهد قريب لا أكثر من يومين أو ثلاث .. فان مضى في طريقه فسوف يلحق بها في نصف هذه المدة والفرصة سانحة لتنفيذ ذلك أكثر من ذي قبل لاسيما وانه اصبح متحررا عن القيود وبات من السهل عليه التسلل ومغادرة السور فهو لايريد البقاء هنا ولو سار الركب حالا لماساوره قلق ولكن بدأ له ان هولاء الرجال لن يغادروا هذا الموضع سريعاً فقائد الركب لم يبل من علته بعد ودلائل الاعياء مازالت تلازم وجهه مما يستلزم خلوده للراحة لبعض الوقت .. وهذا مايغض مضجع اكر فقد بات الوقت من الد اعدائه اذ يحيك به في كل حين ويباعد بينه وبين من هو في أثرها .. ولكن أين المفر؟ قد يتمكن من التسلل والفرار ولكن كيف له بمعرفة الطريق أمامه .. قد تتفرع الدروب وتتشعب وساعتها سيقف حائراً على مفترق الطرق ولن تبقى هذه الرياح الثائرة من أثر يستدل به فما عساه أن يفعل .. هل سيعود إلى ركبه خاسئاُ ذليلاً أم يواصل المضي نحو المجهول فيضل إلى الأبد؟! ليس لديه إلا أن يتسلح بالصبر ويعيش على الامل الذي يملأ كل جوانحه والاّ يبقى موضعاً لليأس في نفسه .
وطال بقاء الركب في تلك القرية الكبيرة ومضت ايام كانت اطول وامل ايام عرفها اكر .. الوقت يمضي فتطول المسافة بينه وبين بورا .. والقلق ينتابه في كل جزء من اللحظة .. شارد بذهنه بعيداً .. لارغبة له في طعام أو في غيره ومايزيد من قلقه ان قائد الركب قد تعافى تماما وعاد اليه نشاطه المعهود وليس هنالك مايمنع مواصلة السير .. وقد لاحظ رفاق الأسر حال أكر وماهو فيه من هم وغم وتساءلوا سرا عن سبب قلقه اذ لم يروا مايدعوا لذلك فوضعهم الآن احسن حالا من اي وقت مضى .. لاقيود تكبلهم ولازحف يرهقهم .. انهم لايفعلون شيئاً سوى النوم والجلوس .. يقدم لهم الكثير من الطعام حتى تمتلئ بطونهم وتدلك اجسادهم حتى كادت تلك القروح التي خلفها المسير أن تلتئم .. وهذا السور يحجب عنهم تلك الرياح الباردة التي فعلت بإجسادهم مافعلت اثناء زحفهم فعلا ما تتزاحم كل هذه الهموم وكل هذا القلق على وجه أكر؟

لم يدر بخلد أكر أن في هذه الديار وما حولها قد حل بعض من رفاق صباه .. غريمه تورو ويامو وبايو وباكا وغيرهم من ابناء قريته ممن كانوا مع بورا في الحقول .. ولو قدر له معرفة ذلك لكان قد تبدل الأمر ولما رام غير هذا المكان ولكن احساس ما في دواخله يدفعه للمضي إلى الامام .. لذا فهو ولايود الا ان يواصل الزحف .. بورا في مكان ما امامه وينبغى عليه أن يواصل السير حتى يلحق بها .. ولكن كيف السبيل الي ذلك؟!

سيد محمود الحاج
10-11-2009, 10:03 AM
( 24 )
وفي عصر اليوم التالي الذي بلغ فيه قلق اكر اشده اشارت بعض الدلائل الى ان ساعة الرحيل قد أزفت وان هذا السور ليس هو المحط الأخير للتسيار كما حسب البعض فهاهي المطايا قد سرجت وحملت بلوازم الترحال من زاد وماء وغيرهما .. وقد بدأ وجه أكر متهللا ومشرقا كما كان من قبل وزالت عنه اثار الغضب والقلق التي لازمته خلال اليومين الماضيين .. ولا أحد يدري ماذا كان سيفعل اذا ماجرى مزاد مثلما كان الحال بالنسبة لسبايا الركب الأول وتم بيعه هنا مثلما حدث لرفاقه السابقين !!؟ فقد شاء الحظ ان قرر قائد ركبهم (حسان الأعسر) عدم عرض مامعه من بضائع في هذه القرية حين علم بأن زميله كرار الزير قد باع معضم سباياه هنا .. لذلك فقد رأى أن يطيل البقاء في هذا الموضع ريثما ترتاح أجساد الأسرى وتستعيد من القوة مافقد بسبب الزحف الشاق المتواصل ومن ثم يتخذ طريقا مغائرة لتلك التي تسير فيها حملة كرار الزير .. فيصِل الى اسواق اخرى يستطيع ان يبيع فيها مامعه بالثمن الذي يتمناه .. وعلى هذا النحو فقد مضت قافله حسان تلتمس طريقها في ليل بارد حالك الظلام .. الهدوء يسود كل حيز في ذلك الطريق فلا شئ يسمع سوى وقع الحوافر والأقدام وعويل الرياح الباردة ..ويستمر الركب في السير صوب الشمال الى ان بلغ نقطة ما ثم انحرف قائدهم يغير وجهة سيره ناحية الشرق فهو كما خطط يريد ان يتخذ طريقا اخرى غير التي يسير فيها ركب كرار الزير ليصل الى اسواق اخرى بعيدة عن تلك التي تقصدها القافلة الأولى .. ومن هنا كانت قد كتبت الأسطر الأولى من مأساة أكر .. لقد سلك قائد ركبهم طريقاً آخرا يجعل اللقاء بين الركبين غير ممكن .. ولكن اكرا ً كان قد افرط في التفاؤل فهو يسير بهمة عالية .. تعاوده الابتسامة من حين الى اخر لاعتقاده بأنه مازال يسير في الطريق المنشود ذلك الذي يمضي في أثر قافلة بورا .. يتحسس كلما سنحت له الفرصة تلك الصرة التي تحفظ أثر بورا فتتسع ابتسامته ويتكاثر في نفسه الأمل وهو لايدري ان السبل قد اختلفت بهما فاصبح يزحف نحو الشرق بينما يسير ركب بورا ناحية الشمال ولو ابقت الرياح السائدة من اثر لاستدل على ذلك ولكن رياح الشتاء النشطة لم تبق علي أثر فيظل اكر يسير على اعتقاده الخاطئ ويحسب انه يمضي نحو بورا .. مسكينة بورا و مسكين انت ايها الفتى ! ماذا لو علمت ان السبل قد فرقت بكما وان هدفك بعد ان كان قاب قوسين او ادنى اضحى منذا الآن كبعد السماء عن الارض .. في ديار لاتعلم من خفاياها امرا .. ولاتدرك لها غورا .. حتى الرياح هنا مثل اولئك الغزاة جائرة ظالمة كأنها تعمل لحسابهم هي الأخري اذ ظلت عاكفة على محو اكل اثر يمكن ان يستدل به للوصول الى ضالتك المنشوده !!
ولما اطلت بوادر الاصباح كان الركب قد وصل الى موضع تغلب الرمال على تربة أرضه .. ويكاد يكون خاليا من الأشجار فيما عدا بعض الشجيرات الشوكية المتفرقة هنا وهناك .. قصد الرجال حيزا خلف بعض التلال الرملية ليكون محل نزولهم قبل استئناف الترحال مرة أخرى .. فهذا هو المكان الأمثل في مثل ذلك الصباح البارد.. واكر كسابق عهده يهتم بالصبية ويقربهم من النار ويجود عليهم بدثاره ليكونون في مأمن من البرد .. ويرقب بقلق ظاهر تلك اللحظة التي يتركون فيها هذا المكان ويواصلون السير الى الامام .. الى الطريق الذي يحسب ان بورا تسير فيه .. ولم يطل الأمر حتى كان له ما أراد اذ عاود الركب زحفه بنشاط جديد وطاقة تزداد تجدداًً مع انبثاق ضياء الشمس وفتور الرياح الباردة .. وأكر كعهده يتفحص اديم الأرض عله يجد اثرا ولكن ليس من اثر لشئ .. تباً لهذه الريح التي لم تبق شيئاً ولم تذر .. راقب الطريق وجوانب الطريق طويلا ولكن دون جدوى .. واحس بإنقباض في صدره وبداً شئ من اليأس يداخل نفسه فيظل في صراع مع بصيص الأمل الذي يأبي الا ان يتمسك به وتظل المعركة بينهما قائمة إلا أن كلا من الفريقين ظلا في تعادل دون أن يتغلب احدهما على الآخر والركب بين ذلك يواصل سيره في بيئة قاسية وقفار جرداء فيمر من حين الى آخر بحلل وفرق صغيرة ذات خيام وبيوت من الشعر تأوي نفراً من البدو الرحل فينشغل أكر عما به بالنظر إلى هذه البيوت وهؤلاء القوم الذين اختاروا العيش في مثل هذه القفار الموحشة .. من أين مأكلهم ومن أين مشربهم وليس في بيئتهم أودية ولازرع؟ أنسته مصيبة هؤلاء مصيبة نفسه إلى حين وتساءل في نفسه ألم يجد هؤلاء الناس لسكناهم مكانا غير هذا المكان القاحل؟ ويزداد عجبا حين يرى اطفالهم يمرحون في بشر وسعادة كأنهم يسكنون في جنة من الأرض .. ولكنها أرضهم بأية حال مشى عليها اباؤهم واجدادهم من قبلهم وهاهم يمشون عليها ويمرحون .. ولو خيروا فيما بينهما وبين أرض ذات عيون وخضرة لفضلوا على اغلب الظن البقاء على ارضهم برغم بؤسها وخشونتها فحب الأرض والتمسك بها امر وتفرضه الغريزة لا الأرض نفسها وإلا لما عاش أهل الصحراء في الصحراء بقسوتها وشدتها ولا اهل الجبال في الجبال بوعورتها وصعوبة مسالكها ولا أهل الأحراش في الأحراش بأهوالها وأخطارها .. رأى أكر كما رأى غيره من الرفاق لما تقدم بهم الطريق بعضاً من أهل تلك القرى المنقطعة يجرون الماء بالدلاء من آبار عميقة ولم يدركوا هذه الحقيقة في بادئ الامر الى ان توقف ركبهم ذات مرة على مقربة من أحد الآبار وفعل رجاله الشئ نفسه .. انزلوا الدلاء ذات الحبال الطويلة حتى غابت بكاملها في بطن ذلك الجب ثم جذبوا الحبل مرةاخرى فاذا الماء بين أيديهم .. واستعجب السبايا من أمر هؤلاء القوم .. يتكبدون كل هذه المشقة من اجل الحصول على الماء .. وما أسهل امر ذلك لدى أهلهم في الاكواخ .. الأودية تأتيهم بالماء حتى أعتاب أكواخهم ولما يدركها الجفاف ماهي الا اقدام أو اقل تحفر باصابع اليد فينفجر الماء عذباً فتعبأ منه الجرار .. وكان الأمر أكثر غرابة حينما تجرعوا شيئاً من ذلك الماء .. ملح أجاج .. ماكادت جرعة منه تستقر في اجوافهم حتى تحركت بطونهم .. ماهذا بماء .. عجباً لهؤلاء الناس اذ يستسيغونه دون امتعاض أو تقزز .. كيف لبطونهم أن تتحمله وكيف يطفئ مثل هذا الماء ظمأ من به ظمأ؟!
ياويلهم ان كان الأمر كذلك في المستقر الذي يقادون اليه .. اذن سوف يموتون من الماء قبل ان يقتلهم الظمأ!! عاد الأمل يخضر في نفس أكر فيتقدم في السير احيانا حتى يوشك أن يتخطى رجال الركب وهم على مطاياهم تماما مثلما كان ينساق وراء اشواقه عندما كان عائدا مع والده العم سايس بعد زيارة عمه .. كان يظن دائماً أن بورا امامه وانه قد يظفر بالركب في اي لحظة .. لذا فقد كان كثيرا ماينساق وراء هذا الخيال حتى يكاد ان ينسى مكانه في الركب .. ومر من الأيام مامر حتى اشرفت قافلة حسان الأعسر على دخول قرية كانت أكبر مما رأى السبايا من قبل ولاحت أمامهم المنازل الكبيرة المتقاربة ذات الأسوار وآخرى صغيرة لا أسوار لها ترقد حولها قطعان الأبقار والضأن والماعز التي بدا انها قد اعلفت منذ قليل فسيماء الشبع بادية عليها .. ولما توغل الركب في شوارع القرية وفي ازقتها قليلاً رأى اكر ورفاقه مزيدا من قطعان الماشية حول ساحات المنازل مازالت تعلف .. وكادت قلوبهم ان تنفطر حين رأوا ان من يقوم بذلك كان رجلاً من بني جلدتهم .. سحنته وملامحه وهيئته جميعها تؤكد ذلك .. وهم أكر بالخروج عن الفوج والاندفاع نحوه ومعرفة امره وما الذي رمى به في هذه الديار الا انه تراجع عن ذلك وآثر الا يتسرع .. وكف الرجل عما كان يقوم به من عمل حينما تنبه لمرور الركب امامه وتقدم قليلا وقد اخذته الدهشة هو الآخر فطفق يطالع الوجوه كأنه يتوقع من بينها وجها معينا واستمر على ذلك الحال حتى بعد أن إبتعد الركب عنه ووجوه الأسرى تعاود الالتفات اليه من حين الى آخر .. بعثت رؤية هذا الرجل مزيداً من الأمل في نفس اكر ووصل به الإعتقاد الى ان هذا الشخص الذي يحمل ملامح قومه ربما وصل الى هنا من ضمن من وصلوا في ركب بورا .. فهو ليس من ابناء قريته ولكن من الجائز أن يكون قد أسر من قرية اخرى مر بها الغزاة في طريقهم أو من أي موضع اخر مثلما فعل به هو من قبل .. وساده اعتقاد كاد ان يصل به الى حد اليقين .. ذلك ان هذا المكان هو القرار لكافة السبايا وخاتمة مطافهم .. ظن أن افراد الركب الاول ربما كانوا هنا جميعاً .. بورا وغيرها من الرفاق .. آه لو لم تكن الشمس قد دنت من مغيبها ساعتها لانسل عن هذا الركب اللعين ولمضى يجوس في أزقة هذه البلدة وفي حواريها وبيوتها حتى يجد ضالته ولكن فيما التعجل .. اليس الصبح بقريب؟! وأحس وهو يقضي تلك الليلة الباردة في سور يشابه ذلك السور الذي آواهم في القرية السابقة الا انه اصغر مساحة وجدرانه اقل طولا .. احس براحة لم يحس بمثلها منذ ان قادته الأقدار الى هذا المصير واطلق العنان لأفكاره وخيالاته وهو يمني نفسه بإنبلاج الفجر .. فقد حسب ان مكان بورا لايبعد عن هذا المستقر وما أن تشرق الشمس حتى يشرق في وجهه جمالها الأخاذ .. عليه أن يتأنى ساعتئذ في في إظهار أي مشاعر نحوها أمام الغير وان يكتم الأمر الى ان تحين تلك الفرصة فيأخذها ويفرا معا عن هذه الديار الموحشة .. وتدفقت افكار شتى في ذهنه ويضع خططاً عديدة للهروب ويظل منقادا وراء تصاوير خياله الى أن ولى من الليل معظمه وسكنت الكائنات جميعها وهو لايدرك حقيقة هذا الوهم الكبير الذي استسلم له تماماً .. فأين هو من بورا وأين هي منه؟
كان بزوغ شمس ذلك الصبح كبزوغ شمس عيد الحصاد في الأكواخ كما تراءى لاكر فهب من مرقده فرحا نشطاً يكاد البشر الذي اعترى قسمات وجهه أن يتجسد الى شئ محسوس وعيناه تمحص الثري لعل أن يجد اثراً مميزا إلا أنه كانت هنالك آثار عديد ة أمتزجت ببعضها ولايمكن تمييز أثر بعينه من بينها .. لم يهتم لذلك ولم يساوره قلق فهو يعتقد إلى حد بعيد ان هذا االمكان هو آخر مراحل ترحالهم ومنه سيتم تفريقهم جميعاً فيذهب كل منهم إلى جهة ولعل أكر هو الوحيد من بين السبايا من يعلم القصد من وراء سبيهم والغاية التي يبتغيها آسروهم .. لقد تلقى علم ذلك من والده العم سايس من قبل غير أنه لم يشأ الإفصاح عن ذلك .
لم يطرأ جديد في ذلك الصباح .. وبقي السبايا رهناء ذلك السور الى ان عاد قائد الركب ورجاله بعد ان مضى من النهار اكثر من نصفه .. كانت وجوههم تنم عن شئ من عدم الرضاء .. فلم يمكثوا بعد ذلك طويلاً حتى رأى أكر ورفاقه ان المطايا قد أعدت للرحيل .. فكاد أكر ان يصرخ في وجوههم ليصدهم عن ذلك .. لارحيل عن هنا فهنا تقبع بورا .. انه مازال يعيش في ذلك الوهم الخادع وفارت الدماء في عروقه وارتسمت بين حاجبيه الخطوط الأولى من تلك الدائرة التي ما إن تكتمل حتى يعقب ذلك مالا تحمد عقباه .. ولكن ينبري امامه طيف العم سايس .. ((إياك أن تستسلم لمثل هذا وإلا كان مصيرك كمصير الثعالب عندما تتسلل إلى الاكواخ)) .. فتفتر جذوة تلك الثورة ويعود بخطوات بطيئة الى هدوئه واضعاً الأمر برمته في يد الأقدار لتقضي ماتقضي .. وفي خضم قنوطه يترقرق قبس من نور الأمل فيدحض به اعتقاده الأول .. ولما لاتكون بورا في مكان آخر غير هذا المكان .. ولماذا ينساق وراء هذا الوهم الذي لا أساس له؟ قد تكون بورا أمامه في مكان آخر قادم .. وان لم تكن هنا أو هنالك فإنها بلا شك في موضع ماحول هذا المكان ولن يكف عن البحث عنها.

سيد محمود الحاج
10-11-2009, 10:08 AM
( 25 )

لم يجد حسان الأعسر ورجاله في تلك القرية سوقاً رائجاً لبضائعهم وعلموا ان القرية قد اخذت كفايتها من الأرقاء في أوقات سابقة .. لذلك فقد عقدوا العزم على مواصلة الترحال الى مناطق اخرى قيل لهم ان تجارتهم سوف تلقى فيها حظاً فمضوا يذرعون أرض الله بلا هوادة صوب المشرق كأنهم عازمون على وصول مكمن الشمس وقد عبروا نهراً آخر مثل ذلك الذي عبروه من قبل وقد اعتقد معظم السبايا أنهم قد عادوا إلى الوراء مرة أخرى وان ذلك النهر ماهوا الا ذلك الذي اجتازوه أولا .. لم يعد أكر يهتم بمتابعة الأثر مثلما كان في السابق فقد مل ذلك من كثر مافعل .. فظل يسير كما يسير بقية رفاقه تحت رحمة آسريهم يجتازون بقاعاً وقفارا موحشة لايرى فيها شيئا اخضراً فيما عدا بعض شجيرات متفرقة .. ومروا بأقوام يجرون الماء من آبار اكثر عمقاً مما رأوا من قبل فهم يستخدمون الحمير لإنجاز هذه المهمة فيذهب الحمار بالحبل الى مسافة بعيدة حتى يخرج الدلو من البئر .. وتطالع عينا أكر هذه البقاع الجدباء التي تكاد أن تخلو من أي اثر للحياة ويقارن في ما بينها وبين أرض الأكواخ .. يإ إبن المروح الخضر وَيحكَ من رمى بك فوق هذه القفار الموحشة!! من جاء بك من الجنة إلى الجحيم وخرب عش الهوى الذي جمعك وأليفتك بورا فأضحى كل منكما في متاهات الدروب لا يدري للقاء سبيلا..!!
بعد مسيرة أيام وفي ليلة اكتمل فيها القمر كانت قافلة حسان الأعسر على أبواب بلدة بدت ذات شأن في تلك البادية المقفرة .. فهي أكبر القرى التي مروا بها منذ أن عبروا النهر الآخر .. وعلى مقربة منها حط الركب رحاله .. ولما كان عناء الزحف قد لحق بالرجال وسباياهم فقد تهاووا على الأرض مثلما تتهاوى اسراب الجراد وسرعان ما مضوا في ثبات عميق عدا اكر الذي اخرج الصرة يناجيها حينا ويقبلها حينا أخر ويسائلها عن بقية الخطى وصاحبة الخطى .. أين هي الآن ياترى؟ هل من لقاء بينهما أم أن الاقدار قد قالت كلمتها في هذا الشأن؟ ان هذا القمر المضئ يراها الآن ويعلم مكان وجودها من بين فجاج هذه القفار وهي كذلك لابد من انها في هذه الساعة تناجي هذا القمر أيضاً وتسأله عنه كحاله الأن .. آه ياليته اعتلى مكاناً كالذي يعتليه هذا البدر لتمكن من رؤية بورا ولرأته هي الآخرى .. رباه متى اللقاء فقد بعدت الشقة وطال الفراق وانقضى من الأيام مايزيد من لوعته ويهيج وجده .. ومضى في ذلك الى أن اخذته سنة من نوم لم تطل حتى أفاق على حركة رجال الركب ورأى القائد و أحد رجاله قد غادرا ذلك الموضع وسلكا الطريق الذي يقود الى تلك البلدة وتساءل أكر عن مقصدهما في هذا الوقت المبكر فالفجر مازال رهين قيده ولعله الوحيد من جملة رفاقه من كان مستيقظاً في تلك الساعة .. وظلت عيناه تتابع الرجلين الى ان توغلا داخل القرية واختفيا عن ناظريه .. وتدفقت في ذهنه افكار شتى وتساؤلات عدة .. رباه على ماذا تنطوي سريرة هذا الصباح .. هل سيأتي جديد في الأمر أم ان الحال سيمضي على ماهو عليه .. حل وظعن .. ظعن وحل .. لقد أصبح كل شئ مثيراً للملل وباعثاً للهم والنكد .. وهاهي الأمور تسير في اتجاه يغائر ذلك الذي تسير عليه آماله .. لكنه برغم ذلك يظل متمسكاً بالرجاء رغم وهن خيوطه حتى لايدع لليأس مجالا فان فعل ذلك ضاع كل شئ فالأمل هو السلاح اللازم لكل سائر نحو هدف ما وإلا فلا وصول ولا ظفر.
لم يلبث أكر على ذلك الحال طويلا حتى عاد الرجلان من مشوارهما وقد نمت اسارير وجهيهما عن مالقياه من توفيق في ماذهبا من أجله وسرعان ما أنعكس ذلك على بقية رجال القافلة فتعالت فرقعة السياط تهش على السبايا ليستيقظ من كان نائماً وماهي إلا لحظات حتى كان الرتل يزحف متهادياً صوب تلك القرية في مسيرة صامته واجمة وهنالك شاهدوا للمرة الأولى سوقاً مكتظاً بالناس والدواب .. هرج ومرج وضوضاء تمزق سكون ذلك الصباح الباكر فانشغلت عيونهم بمشاهدة السلع المطروحة والبائعين والمشترين وهم لايدرون انهم بعد قليل سيكونون جزءاً من هذه السلع المعروضة للبيع .. وكان ذلك .. فاذا هم في صفين متقابلين احدهما للفتية والآخر للفتيات وقد دهنت اجسادهم بالزيت مثلما تلمع آنية النحاس عندما يراد بيعها ثانية بعد استعمالها .. ودق الجرس والتف حول ذلك اناس كثيرون كل يجس مايود شراءه بالطريقة التي تروقه .. وتعالت الأصوات بين البائع وبين المشترين والسبايا في دهشة لايفهمون مما يجري شيئا ولعل ما ادهشهم اكثر هو ذلك الرضا الذي كسى وجه أكر برغم ان اكثر المتجمهرين كانوا حوله وقد تعرض لجس كل يد من تلك الايدي العديدة .. لماذا لا ينتابه مثل ماينتابهم من خوف وفزع ولماذا تظهر عليه بوادر تلك الثورة التي كانت كثيراً ما تعتريه؟ وماذلك الا لأن أكر كان يعرف ان هذا هو المصير الذي يساقون اليه .. بل وقد كان ينتظر هذه الفرصة بفارغ الصبر .. لحظة أن يتحرر من قبضة مجموعة ليصبح في قبضة رجل واحد فذلك أيسر وأسهل وما الفرار بالأمر الصعب ساعتئذ.
كان اكر اول من بيع من السبايا وقد جاء بثمن فاق توقعات آسريه .. حقا انه يساوي ذلك بل أكثر .. شباب وفتوة وقوة وشهامة ومروءة قلما تجتمع في نفس واحدة .. وتنافس حوله كل من حضر المزاد إلى أن حظى به الشيخ طه .. شيخ أحد القرى التي تقع على مقربة من تلك البلدة .. رجل تبدو عليه سمات العظمة ونعومة الحال وطول اليد .. ذو شأن عند قومه.
ولم يستغرق الامر طويلاً حتى خلت ساحة المزاد من جميع المعروضين فيها ولم يبق سوى الرجال ومطاياهم وسعادتهم التي لا توصف .. إذا نفذت بضاعتهم تماما .. لقد حالفهم الحظ في ذلك فوجدوا سوقاً رائجة استنفذت جميع مالديهم .. ورغم أن اكر قد سعد بذلك من جانب الا ان الحزن قد داهمه من جانب آخر فعندما افترق الجميع وحانت ساعة الرحيل كان بعض اولئك الصبية الذين ظل يرعاهم خلال الزحف الطويل .. وارادوا المضي معه والذهاب في رفقته الى ان صدتهم عن ذلك ايدي ملاكهم الجدد .. فبكوا مثلما يبكي الصبي عندما يمنع من اللحاق بأبيه أو أمه حتى ان احدهم رفض الإنصياع لأمر سيده والتصق بأكر ممسكا بطرف ثوبه بكل قوة فبكى أكر لذلك وحمل الصبي على كتفه يهدي من روعه ويتحدث معه حتى اقنعه بأنه ذاهب لقضاء أمر ما وسوف يعود اليهم حالا وهو يعلم أن لا لقاء بعد هذه اللحظة غير انه ليس لديه ما يقوله سوى ذلك .. كانت تلك اللحظة من امر مامر بأكر ولكن من يجري وراء هدف كالذي يسير وراءه ينبغي عليه تحمل الآلام مهما بلغت حدتها فمضي في ركب سيده الجديد غارقاً في احزانه تحرقه الآهات وتعصف به اللوعات وصراخ الصبية من خلفه يلازم مسامعه حتى خرج من تلك البلدة وحالت المسافة بينهما.
وصل أكر الى القرية التي من المفترض ان تكون مستقره وجاء ابناء سيده وأهل بيته يطالعون وجهه ويتحدثون بما لا يفهمه كأن الذي امامهم مخلوق من عالم غير عالمهم .. يضحكون ويسخرون وهو جاثم على كومةحصير تعصره الأحزان والهموم يفكر في وضعه الجديد مع هؤلاء الأجلاف الذين بدأت خشونة طباعهم منذ هذه اللحظة .. يجول بنظره متأملا ً وجه هذه البيئة القاسية .. كل مافيها يوحي بالقسوة والخشونة .. ارض كالحة مكفهرة واناس اجلاف رعاع .. ما أكثر أوجه الخلاف بينها وبين ارضه وبين هؤلاء البشر وبين قومه .. أين الحقول وأين الأحراش والتلال بل أين الأودية والاطيار والظباء؟ رباه كيف له بالعيش في مثل هذه القفار التي تجعل النفوس مقفرة مثلها خالية من أي معنى؟ ويعود إلى بورا ويسائل أنّى لزهرة مثلها أن تحيا في تربة لاحياة فيها وكيف استطاعت ان تقضي مامضى من ايام في مثل هذه البسابس الجرداء!!


لم يقرب اكر طعاما في تلك الليلة وقد عافت نفسه كل ماقدم اليه .. لم تدع الهموم والأحزان مكانا لأحاسيس سواها وظل متكوما على حصيرته طوال الليل دون أن يغشى النوم أجفانه يعيد ترتيب اموره.. ليس هنالك وقت وعليه أن يعمل جاهداً منذ الصباح في سبيل تحقيق هدفه وان يعرف أول مايعرف مكان بورا .. ولكن كيف السبيل الى ذلك وهذه البقاع تمتد إلى مالا نهاية ولايعرف من دروبها ماينبغي أن يعرفه من هو في مثل موقفه؟ كل شئ اصبح في قبضة الغموض .. غياهب لاتنجلي .. على أي ضوء سوف يسير وسط هذه العتمة وهذا الظلام الحالك .. ويعود إلى ضلاله القديم وينبثق شعاع الأمل في جوانحه فيرى بورا في مكان قريب من هذه الديار .. انها قريبة منه .. تكاد تسمع صوته إذا ما صاح بإسمها .. هذه القفار هي الملاذ الأخير لكل السبايا .. ولكن أين بورا!!

سيد محمود الحاج
10-13-2009, 11:15 AM
( 26 )

ماكاد فجر اليوم الثاني يطل حتى جاء ابناء الشيخ طه يوقظون أكر الذي كان قد مضى لتوه في نومه ليقوم بأول مهمة في حياته الجديدة .. حياة العبودية والإسترقاق .. وكانت هذه المهمة هي الذهاب بالاغنام الى صلب البادية لترعى الكلأ .. فنهض وبقايا النوم مازالت تلازم عينيه ومضى يتبع ابني سيده وهما على حماريهما خلف الأغنام حتى وصلا الى حيز الرعي .. واستعجب اكر الأمر .. اذ قد حسب ان المرعى مكان تغطيه الحشائش والأعشاب وتكثر به الأشجار مثلما لديهم في أرض التلال فاذا به لا أكثر من شجيرات صغيرة متفرقة انقضت الأغنام على اوراقها الصغيرة الجافة في نهم وشراهة وكلما اجهزت على حيز هش الولدان عليها لتنتقل الى حيز اخر واكر يتبعهما صامتا لايفهم من احاديثهما شيئاً وظلا هكذا الى ان كاد النهار ان ينتصف عند ذلك دلفا الى ظل شجرة يستريحان .. وكان على أكر أن يبقى مع الاغنام فلا يبرحها .قبل العصر اشار اكبر الولدين واسمه (علي) الى أكر ان يتبعه وأتخذ طريقه صوب القرية بينما بقي شقيقه يحرس الاغنام .. ولما وصلا لم يطل بقاؤهما في الدار حتى اخرج الولد الدلاء وحملها على حماره وصاح في اكر ان يتبعه فإنصاع للأمر ومضى يتبع خطوات ابن سيده حتى وصلا الى بئر القرية ووجدا حولها مجموعة من الناس تستقى فمكثا قليلا حتى جاء دورهما فرمى علي بدلوه مبقيا اكر بقربه كأنه يود ان يشرح له الكيفية التي يؤدي بها مثل هذا النوع من العمل .. كيف يرمي الدلو وكيف يعاد جره .. ولما كان اكر حديث عهد بهذ الأمر فقد تعثرت محاولاته في أول الامر الا انه استطاع أن يتقن صنعه فيما بعد واصبح ذلك جزءاً من عمله اليومي .. يذهب في الصباح بالاغنام الى المراعي ليعود عند الغروب .. وأصبح اسمه الجديد (بخيت) .. لقد رمى سادته بكل ماضيه بعيدا .. وقرروا ان بداية حياته أو لحظة ميلاده هي تلك التي قدم فيها اليهم ومادون ذلك فهو شيء ليس ذا قيمة .

مضت ايام واكر يواصل عمله مابين المرعى وبين البئر لايفكر في شئ سوى بورا دون أن يوفق في الوصول الى اي نقطة يستطيع الانطلاق منها .. كيف يبدأ ومن اين يبدأ وأي مكان يقصده في بحثه عنها؟ تناثرت افكاره في كل حيز وكلما اعاد جمعها وترتيبها تفرقت امام عقبة اخرى .. لم يبق في جعبته سوى الامل .. فليس هنالك أدلة أو حقائق تقوده الى مكان بورا .. انه فقط يندفع خلف تصورات صنعها بنفسه واعتقد في صحتها الى حد الافراط .. وكلما تأمل تلك القفار وفكر في امره اقفرت نفسه مثلها تماما وتجمعت احزانه وهمومه واحس بدبيب اليأس في نفسه كسريان السم في العروق .. ان الوقت يمشي سريعاً وهو مستسلم للأقدار دون أن يبدي أي خطوة في طريق هدفه برغم أن الفرصة مؤاتية الآن اكثر من ذي قبل فهو في كثير من الأحيان يكون لوحده ودون رقيب فلما التردد إذن؟ الطريق واضح أمامه .. عليه أن يخرج من هذه القرية أولا ويترك مابعد ذلك للأقدار .. ينبغي تحطيم قيد الذل والعبودية أولا وعلى ضياء الحرية يمكنه أن يرى كل شئ بوضوح .. وقادته هذه الأفكار الى قرار هام .. الفرار من سجن الاستعباد .. نعم .. لئن فعل ذلك فسوف يهون كل شئ فيما بعد .. سيرى هنالك مالا يراه وهو في عتمة الذل والخضوع .. وسوف يصل إلى من يدله على مكان بورا .. سيجد حتماً واحداً من ابناء جلدته من الذين مضوا في ركب بورا .. فهم كثر ولاشك في وجود بعضهم في هذه الديار أو فيما حولها .. وذات مساء وبعد أن آوى افراد عائلة الشيخ طه الى مضاجعهم تسلل ومشى على اصابع قدميه حتى ابتعد عن الدار ثم اسلم للريح قدميه وهو يتبع ذات الطريق الذي جاء به الى القرية .. كان يعدو باقصى طاقته حتى يمكنه الابتعاد عن تلك القفار فهو يدرك ان هؤلاء الاعراب يستيقظون مبكرين قبل طلوع الفجر وسرعان ماينكشف أمر غيابه فيمضوا في اعقابه حتى يدركونه .. لذا عليه ان يكون بعيداً عن ديارهم .. واستطاع في تلك الليلة أن يجتاز مسافة كبيرة بينه وبين تلك القرية وكان كلما حسب انه قد ابتعد راوده شعور بأنه مازال قريبا من اولئك القوم فيضاعف من سرعة عدوه حتى تعدى البلدة التي شهد سوقها بيعه ورفاقه وانحرف يتبع الطريق الذي سلكته قافلة حسان الأعسر من قبل وقد عزم الوصول الى تلك البلدة التي مرت بها القافلة ورأى فيها ذلك الرجل الذي يحمل ملامحهم فقد كان له اعتقاد في انه سيجد لديه مايدله على مكان بورا .. ولما بدأت طلائع الفجر كان قد اجهد تماما بعد ان ظل يركض طوال الليل .. فلجأ الى مكان بجانب الطريق ليأخذ قسطاً من الراحة الا انه ماكاد يفعل حتى تعالى نباح مجموعة من الكلاب .. سرعان ماتجمعت حوله مكشرة عن انيابها تواصل النباح بشكل مخيف فنهض عن مكانه يحاول ابعادها عنه حتى يجد ثغرة تمكنه من الهروب ولكن قبل أن يتمكن من ذلك رأى نحو اربعة أو خمسة من الرجال قد اقبلوا على نباح الكلاب فاصبح محاصراً تماماً .. وسدت أمامه سبل الفرار وتقدم أحد الرجال الى مكان اكر وصاح فيه بما لم يفهمه وردد ذلك مراراً حتى ايقن انه يخاطب صنماً لايعي قولا فاشار الى رفاقه الآخرين ولم يطل الأمر حتى كان اكر مصفدا بالحبال.. لقد ساقه حظه العاثر الى ان يتخذ مكان راحته على مقربة من خيام فريق من البدو الرحل وسرعان ماكان هدفا لكلابهم وعلى أثر نباحها استيقظ القوم فقد علمتهم حياة البداوة ان الكلاب لاتنبح على هذا النحو الا اذا كان هنالك دخيل على ارضهم .. وسيق اكر فرجة لاهل الفريق في ذلك الصباح .. هبوا جميعاً اطفال ونساء وشيوخ ليشاهدوا هذا المخلوق الذي قبض عليه رجال الحي .. وكان قد ربط الى جذع شجرة في وسط الاكواخ .. ينظرون اليه بحذر وهم على بعد خطوات منه يسخرون ويضحكون واحاديث كثيرة تحاك حوله وهو صامت كتمثال .. غارق في احزانه وهمومه .. لقد خسر أول معركة يخوضها .. وهاهو اسير من جديد لدى اقوام رعاع .. مربوط مثل كلب عقور .. تنهال عليه الحجارة من أيدي الأطفال .. ولايدري مايفعل به بعد ذلك .. لئن قتل خير له .. نعم ان الموت أرحم واشد رحمة من هذا الموقف الذي يعيشه الآن .. أدرك منذ هذه اللحظة أن الطريق بينه وبين بورا ليس بالسهولة التي تصورها وهاهي اصغر العقبات تعترض طريقه دون أن ينجح في تخطيها .. اناس عجاف تحسبهم امواتاً .. يقبضون عليه وهو القوي الصنديد الذي لم يقهره عتاة المصارعين .. ويأخذونه موثوقاً بالحبال ليصبح فرجة للناس مثل قرد .. فانى له بمواجهة الكثير الذي ينتظره .. لكنه وهو الذي لايعرف الإستسلام .. كان قويا حقاً .. اقوى من هموم نفسه واقوى من اليأس .. لم يعتبر أن قبوله لهذا المصير هزيمة أو استسلاما وإنما أمر ينبغي عليه أن يتقبله في سبيل الوصول إلى غايته .. والغالب حقا هو المنتصر في نهاية المطاف .. فليسخر وليضحك هؤلاء القوم وليقولوا مايحلو لهم فسيضحك عليهم يوما وهو عائد الى ربوعه ودياره .. لن يثور الآن ولن يبدي غير الخضوع وستكون هذه العثرة عبرة له ودرساً يستفيد منه فيما بعد.
مكث أكر في ذلك الموضع ليومين وفي اليوم الثالث مضى به الرجال في الطريق الذي عاد منه .. ذلك الذي يقود الى البلدة ذات السوق الكبير .. اربعة رجال .. نحاف مثل أعواد القصب .. قدر أكر وهو منساق خلف مطاياهم ان في استطاعته ان يضمهم جميعاً تحت ذراعه في قبضة واحدة ويستطيع أن يسحق اعناقهم في مرة واحدة .. لكن الوقت لم يحن بعد لمثل ذلك وليس هنالك ضرورة إذا ما سارت الأمور على خير .. واعتقد أكر انهم يعودون به الى ذلك السوق لاعادة بيعه هنالك .. وقد أصاب في ذلك فهم قد قدروا انه عبد آبق .. فر من سيده .. فهو مازال أعجمي لايعرف لسانهم .. وسوق تلك البلدة نقطة تجمع لكافة أهل القرى المنتشرة فيما حولها فان وجدوا من يبحث عنه نالوا مكافأته وان لم يجدوا ناشداً ساموه لمن يحتاجه وفي كلا الحالتين ستنالهم نفحة الحظ .. وكان اكرطوال سيره مشغولا بالتفكير في أمر ماينتظره .. وكلما مضى الرجال في سيرهم نحو البلدة المقصودة زاد اعتقاده في انهم عائدون به الى سيده .. فماذا يكون العقاب ان صح ذلك؟ لاشك ان فرص الهرب ستضيق من بعد ذلك .. سوف يضيقون عليه الخناق ويحكمون عليه رقابة صارمة وحتى ذلك القدر القليل من الحرية لن يتوفر له ثانية .. لكن لاشئ يثنيه عن ماعزم عليه .. سيفعلها عاجلاً أم آجلاً .. الموت وحده هو الذي يثنيه عن غايته ولاشئ غير ذلك.
وماكاد الرجال أن يدخلون سوق البلدة حتى أقبل عليهم نفر من الناس وتحدثوا في صخب ولم يمض سوى القليل حتى جاء الشيخ طه في نفر من رجاله وشكر اولئك القوم ومنحهم مكافأة سخية تقديراً لحسن صنيعهم واستلم منهم ضالته .. ولم يتمهل في ابداء العقاب فانهال بسوطه يلحوا ظهر اكر في قسوة أمام رواد السوق واكر صامت لايفعل اكثر من اغماض عينيه مع كل ضربة .. تجمعت ثورته فجأة وهو يرى ذلك الظلم البشع وكاد ان يفتك بالحبال التي تكبله الا انه سرعان وماتراجع عن ذلك .. فقد حط أمام ناظريه طيف بورا وهان عليه الضرب والاهانة وكل الم يلقاه في سبيلها فرضخ لما يحدث واستسلم لاقداره إلى ان اُجهد الشيخ وكف عن الضرب .. لقد بكى في صمت لابسبب الضرب وألمه المبرح بل لما احس به من جور وظلم .. يضرب بالسوط امام الجميع وهو مقيد بالحبال ولا احد يمنحه الفرصة ليدافع عن نفسه .. ان لديه القدرة على ان ينتصر عليهم جميعا ولكن إنتصاره الحقيقي هو أن يظفر ببورا ومادون ذلك فلا يهم.

سيد محمود الحاج
10-13-2009, 11:27 AM
( 27 )

وبقي اكر في الأغلال لأيام وهو صابر على محنته غير جزع على مارمته به الأيام الى ان جاء الشيخ ذات صباح يفك وثاقه .. وفي ظنه ان مثل هذا العقاب سيجعل هذا الشقي طائعاً ممتثلاً لكل أمر وسوف يثنيه عن أي فكرة للفرار .. لم يكن امام أكر الا أن يتظاهر بالخضوع التام وان يمتثل لأي أمر يصدر اليه من سيده أو أي من أهل بيته وإلا فسوف يفقد كل مايعينه في كفاحه فعاد الى سابق حاله يمارس مهامه .. الذهاب للمرعى عند الفجر ثم العودة في منتصف النهار ليجر الماء من البئر والعودة من الخلاء مرة أخرى لاحضار الأغنام واستمر على هذا المنوال لاكثر من ثلاثة أشهر وكان فصل الخريف على الأبواب اذ بدأت طلائعه تلوح بتراجع هجير الصيف وسمائمه .. ورأي أكر اهل تلك الحليلة ذات صباح يتأهبون للرحيل فالخيام قد طويت على دعائمها وأعدت المطايا وحملت بما يلزم من متاع ومضى الركب يظعن غربا يقصدون وادياً من الأودية ذو أراضي خصبة توارثوا زراعته أباً عن جد فيزرعون فيه الذرة وغيرها مما يحتاجونه ويظلوا هنالك حتى وقت الحصاد ومن بعد ذلك يعودون الي قريتهم.
حل الركب بارض الوادي المنشود في اليوم التالي وانتشر القوم يعيدون نصب خيامهم هنا وهناك في حيز اكثر ارتفاعاً عن بقية الأرض .. ولما جاء الصباح انشغل الرجال باعداد الأرض وحرثها كل يعمل في نطاق خاص به .. أرض هشة طيبة ليست مكفهرة كتلك التي جاءوا منها .. وفي الايام التي تلت كانت البذور قد بذرت ولم يعد هنالك من عمل سوى الانس وشرب القهوة .. فالإغنام تسرح هنا وهناك وقد غشيت انوفها رائحة المطر المنبعثة من على البعد وبدأت السحب تغزو السماء وتتجمع بشكل يزداد من يوم لآخر حتى اكتمل نصابها فأمطرت وتوالى صبيبها واستحالت تلك القفار الى جنة خضراء ومروج تمتد على مدى البصر وأخضرت الحقول ونما زرعها وأهاج ذلك ذكريات اكر واشجانه فكان يبكي وهو بين الأغنام .. ويناجي في سره حبيبة القلب بورا ثم يخرج تلك الصرة التي تحمل اثرها ويقبلها ثم يعود يدسها في مكانها الآمن .. لم تغب عن باله لحظة ولم يثنه جميع مامر به من نوائب عن ذكرها أو التفكير فيها .. سوف يتحرر من هذا الأسر عاجلاً أم آجلاً .. المسألة أمامه مسألة وقت فقط وعندما تحين الفرصة التي ينتظرها فسوف لن يتوانى في تنفيذ خطة فراره .. راى في هذا الوادي النقطة المثلى للإنطلاق فإذا ماتوالى هطول الأمطار على هذا النحو فإن الحشائش سوف تنمو وتشكل ستاراً يساعده في مهمته .. وهؤلاء القوم منشغلون بانسهم وبزرعهم .. منساقون تماماً خلف ماحبتهم به الطبيعة في هذه البيئة الجديدة .. فواجباته محصورة هنا في رعي الأغنام ومراقبتها حتى لاتبتعد عن حدود الوادي يساعده في ذلك احياناً الإبن الأصغر للشيخ طه وفي معظم الأحيان يسرح لوحده .. وقدر انه اذا ماتم له ذلك فسوف يتجه في فراره غربا ليكون في محاذاة الطريق الذي سلكته قافلة حسان الأعسر من قبل .. كان اكر مصرا على ملاقاة ذلك الرجل الأسود الذي شاهده في تلك البلدة .. فقد كان يحس بأن لديه مايعينه على لقاء بورا.

سيد محمود الحاج
10-13-2009, 11:42 AM
( 28 )

في صباح أحد تلك الأيام حل في ربع الشيخ طه ضيف .. ثلاثة رجال اقبلوا على حمر بيض خضب الوحل سوقها بلون يميل الى الإحمرار قدر أكر من خلال الحفاوة التي قوبلوا بها من الشيخ وابنائه انهم من ذوي المكانة لديهم .. احدهم في سن الشيخ طه أو اكبر قليلاً والآخران شابان في اواسط العمر .. لقد كان ذلك الرجل ذو اللحية البيضاء هو الشيخ (حماد) ابن عم الشيخ طه يعيش في قرية بعيدة عنه وقد حل ظعنه على الطرف الآخر من ذلك الوادي مع حلول موسم الأمطار .. جاء في قومه أيضاً ليزرعوا نصيبهم من ارض ذلك الوادي الواسع الأرجاء .. والرجلان الآخران احدهما ابنه والآخر زوج ابنته .. انشغل الشيخ وبنوه وبقية قومه بأمر ضيفهم وإكرامهم وجلسوا جميعاً يسمرون ويتحدثون في أمور شتى .. وخطرت فكرة محاولة الهرب في ذهن أكر .. فاللحظة مواتية والوقت مناسب .. وهاهو وحده مع الأغنام .. لن ينتبه أحد الآن الى وجوده أو عدم وجوده .. الجميع في شغل عنه وعندما ينفض سامرهم يكون قد اجتاز من هذه الرقاع مايجعله في مأمن من أن يلحق به أحد .. وهمّ بتنفيذ ماخطر على باله غير أنه تراجع عن ذلك مخافة أن يكون قد تسرع في قراره فتفشل محاولته الثانية ويكون بذلك قد وضع نهايته بيده .. مازالت الفرص تتكاثر من يوم الى آخر امامه وعندما تحين أكثرها ملاءمة فلن يحبسه حابس ولن يمنعه مانع وإذا ما أعد العدة فسوف يجعل الليل مسراه. مكث الضيف لدى الشيخ طه الى مابعد العصر ثم استأذنوه قافلين الى ربعهم في الطرف الآخر من الوادي.
ظل اكر طوال ذلك الليل يعيد صياغة وترتيب خطته للفرار متخذاً من عثرته السابقة درساً وعبرة .. ولم يترك ثغرة الا أحكم سدها ولا خللاً الا أصلحه وقرر أن تكون هذه الخطة هي الحاسمة دون أن يضيف اليها أو يأخذ منها .. وابقاها في طيات نفسه الى ان تحين اللحظة المرتقبة واصبح يخشى طيف بورا الذي لايكف عن ملازمته فكلما أتاه تجددت اشجانه وعصف الوجد به فتشتعل النار بين جوانحه وبات في خوف من اين يقوده ذلك الى التعجل في تنفيذ خطته فيمنى بهزيمة تكون القاضية .. ولكن اتت الأيام بما لم يكن في حسبان اكر وداهمته بمفاجأة لم يتوقعها أبداً .. فلم يمض طويل من الوقت على زيارة أقارب الشيخ طه حتى خرج ركبه في صباح أحد الأيام قاصدا نزلهم ليبادلهم الزيارة ..ومضى أكر في صحبة الركب فكان اثناء المسير يراقب الطريق بكل دقة ويفرح كلما رأى الحشائش نامية على امتداد البصر والماء من تحتها .. وبقدر مايفرحه ذلك يعود فيثير ذكرياته واشجانه .. تلك المروج الخضر بحلتها الزاهية .. رائحة العشب ورائحة الطين .. ربط فيما بين ذلك ومابين تلك المروج الممتدة بين الأكواخ وقرية عمه وطاف خيال والده العم سايس .. حديثه وأحاديثه التي لايكف عن سردها .. كيف هو الآن؟ أمه و شقيقته .. ماذا فعلت بهم الأيام في غيابه؟ لاشك في أن مايجري له الآن ماهو الا عقاب السماء له على ما فعله بهم وماساقهم اليه .. لام نفسه على اثرتها .. ويخرجه منظر المروج الخضراء من معاناته هذه الى معاناة اخرى .. فكلما رأى الحشائش النامية رأى من بينها بورا تهرول هنا وهناك .. تختفي حينا وتظهر حينا أخر .. تداعبه .. فيجري خلفها ويمسك بها ثم يهويا على العشب سويا .. آه اين هي الآن؟ عل هي على مقربة منه .. في مكان ما من هذه البقاع أم أن احساسه يخدعه؟ في خدمة من من هؤلاء الرعاع؟ من ذاك الذي حظي بها؟ رباه لقد طال الفراق فهل من سبيل الى اللقاء أم انه الفراق الأبدي؟!!... وكلما توغل الركب أكثر في بطن ذلك الوادي كثرت الحشائش وطالت وانبعثت رائحتها الطيبة فتثير في نفس أكر احساسا بأن هذه الرقعة من الأرض ماهي الا اسيرة مثله جاء بها هؤلاء الأوغاد من مكان آخر لا رابط بينه وبين بيئتهم فهي لاتناسبهم ولاتشابه اطباعهم الجافة الموحشة .. هذه المروج الخضراء الزاهية الممتدة الى مالا نهاية ماهي الا جزء منسلخ من أرض الأكواخ والتلال .. اما أن تكون قد جاءت إلى هنا رغماً عن ارادتها كحاله أو انها حلت خلسة لتكون له معينا في خلاصه من نير العبودية وذلها .. وظلت الأفكار تسوقه إلى أمور شتى ولم يعد الا حينما تراءت امامهم خيام قوم الشيخ حماد وقد بدأت فوق مكان مرتفع يطل على جانب ذلك الوادي .. وسمع أكر اصوات الكلاب وقد تعالى نباحها على مقدمهم .. اللعنة على هذه المخلوقات التي لولاها لما كان هنا هذه الساعة فهي لاتكف عن النباح ليلا كان ام نهاراً .. وعند شجرة طلح وارفة الأغصان نامية على جانب الحيز الذي نصبت فيه خيام القوم شدت اوثقة الحمير وجلس من بينها اكر وكلاب الشيخ الثلاثة التي نشأت فيما بينها وبينه الفة ومودة بعد تنافر شديد في أول الأمر .

سيد محمود الحاج
10-13-2009, 11:46 AM
( 29 )

ساعتها كانت الغيوم قد تجمعت فأنشأت على ذلك الوادي ظلة طابت على اثرها نسمات الهواء الفاترة فغشي شئ منها أكر المستلقي على العشب تحت تلك الشجرة بين الكلاب والعير فسرت سنة من نعاس تثقل اجفانه فيقاومها وتقاومه .. تغلبه تارة ويغلبها في اخري وبينما هو كذلك احس بوقع أقدام على الحشائش فرفع رأسه قليلاً ليرى القادم نحوه فاذا بالقادم شاب أسود في مثل سنه يحمل ملامح أهل الأكواخ وقد جاء يحمل اناء به شيئا من الطعام فهب أكر من مرقده في هلع وظل يفرك عينيه حتى تيقن من أن الذي أمامه واقع وليس بحلم .. ارتعدت فرائصه وتسارعت النبضات حتى خشي أن يخرج قلبه من بين اضلعه وظل يحملق في الواقف امامه وكلاهما صامت كأنهما تمثالان قدا من صخر وقد عقدت الدهشة لسان كل منهما .. كانت مفاجأة لم يحسب أي منهما حسابها .. وتحركت شفتا أكر في تردد كمن يريد قول شئ ولايقوى عليه .. وحذى الآخر حذوه .. وبعد لأى استطاعت شفتا الآخر ان تنطق في لغة أهل الأكواخ: "لولا اني اشك في قوة بصري لقلت انني أمام أكر .. ولكن هيهات أن يأتي اكر الى هنا .. من اي قرية من قرى التلال أيها الرفيق "!!....أسئلة عديدة تهاوت مثل حبات المطر التي بدأت تتساقط في تلك الساعة في قوة كأن السائل يخشى زوال المسؤول كما تبدد اليقظة الحلم .. وماكان الجواب الا عناقا طويلا.. بكاء ودموعً انهمرت مثل ذلك المطر المنهمر .. آهات وعبرات فجرت في أعماق كليهما كل ماكان محبوسا فيها من الآم وأحزان .. "حقا انا اكر" !! واعترضت مزيد من العبرات نبرات صوته .. فإنقطع حديثه حيناً .. جلس أكر ويامو على العشب وقد اتخذا من تلك الدواب ستارا يتحدثان بصوت خافت وعلى عجل كأنهما يخشيان ان يأتي مايفرق بينهما ثانية مثل مافرقت الأيام بينهما وبين اترابهما .. لايعرفان نقطة معينة للامساك بحبل الحديث فقد مزجت المفاجأة كل الأمور في وعاء واحد .. وشيئا فشيئاً استجمعا من رشدهما بعضه .. وقال يامو مخاطباً اكر :"قل لي كيف أنت هنا؟ لو انني وجدت غيرك من الرفاق الذين أسروا معي لما اخذتني الدهشة ولكن ان تكون انت الذي آراه هنا فهذا أمر غريب حقاً .. فأنت لم تكن معنا آنذاك بل ولم تكن موجوداً عندما جرى لنا ماجرى .. فما الذي ساقك الى هنا وكف جئت؟ وما الذي قادك الى هذه القفار لتصبح تحت قبضة هؤلاء الناس"؟ صمت أكر طويلا وهو ينظر في البعيد حتى خيل ليامو ان علة مفاجئة قد المت به وحالت بينه وبين الكلام فهم ّ باعادة سؤاله غير أن الدموع التي تجمعت من جديد في عيني اكر جعلت يامو يتأنى قليلا الى ان تمكن من السيطرة على عبراته وكفكف أ دمعه ثم قال مخاطباً يامو: "هذه حكاية طويلة طول هذا الهم الذي ابى أن ينجلي .. لن استطيع ان احكي لك شيئا هذه الساعة ولكن قل لي انت .. اين بقية الرفاق؟" فهم يامو مايرمي اليه اكر ومغزى سؤاله فهو يدرك تمام الإدراك مابين أكر وبورا ولكنه لم يشأ أن يتسرع في الإجابة ومضى يعدد الأسماء .. اسماء من كانوا معه من افراد الفوج من فتية وفتيات .. تفرقوا جميعاً منذ تلك الساعة ولم يكن معه في قريته التي سيق اليها , قرية الشيخ حماد, الا صبي من الصبية ولكن هنالك آخرون في قرية مجاورة لقريته منهم تورو وقد تلاقيا في السوق الذي يجمع أهل القرى لمرتين أو ثلاث .. تلكأ يامو في الحديث وهو يرى سؤالا واحد ملحاً في عيني اكر وتردد في الخوض في مجرى الحديث عن بورا لعلمه أن مالديه لن يجد فيه أكر سوى مزيداً من الآلم والآسى وخيبة الظن وحاول كثيراً ان يحيد به عن ذلك ولكن لامفر فطالما تحدث عن الجميع ينبغي ان يتحدث عن بورا حتى لايعتقد أكر ان عدم الخوض في الحديث عنها قد يعني انها في عداد الموتى .. وفجأة ردد يامو اسم بورا بصوت خافت واذ ذاك تابعه اكر بكل حواسه وقد تسارعت ضربات قلبه :" لم تكن بورا من ضمن من انفصلوا عن الركب.. لقد رأيت كثيرا من المساومين يتنافسون حولها لكنني مازلت استغرب لماذا لم تكن من نصيب أي منهم حتى نهاية المزاد .. لا أدري ماجرى بعد ذلك اذ اخذنا عنهم ومضينا نتبع سادتنا الجدد الا انني علمت من تورو حين قابلته في تلك المرة ان بقية من الفوج من بينهم بورا قد مضوا بعيدا صوب الشمال ويعتقد ان قائد الركب مضي بها الي دياره البعيدة عن هنا ".. لقد تجنب الحديث حول ماجرى للفتيات اثناء الزحف مخافة أن يؤدي ذلك الى اثارة الغيرة في نفس اكر فيحطم نفسه قبل أن يحطم اعداءه .. ((اذن فإن بورا غير موجودة هنا .. وكيف علم تورو بهذا الأمر؟)) وجه أكر سؤاله في حدة منبعها احساس بخيبة الأمل .. فذكر له يامو ان تورو قد قابل أحد الاشخاص الذين سبق مجيئهم الى هذه الديار وعرف منه ماعرف .. احس اكر بعتمة تعتري الكون من حوله .. وعاد صوت يامو وهو يواصل الحديث معه وكأنه آت من بئر عميق ومرة اخري تختلط موازين الأمور لديه ويساور الأحباط نفسه .. لا أحد يدري أين بوراوفي أي مستقر رمت بها الأقدار !! ان اراد البحث عنها فعليه أن يكون في استعداد من يريد البحث عن شعرة ملقاة بين حشائش هذه المروج الممتدة امامه الى حد لاتدركه الأبصار !! لم يعد يسمع شيئا مما ظل يامو يرغي به إلى أن انبرى فجأة صوت قوي ينادي : "مرسال... مرسال... أين هذا العبد؟" فهب يامو ومضي علي عجل يلبي نداء سيده دون أن يستأذن أكر وبعد ان غاب طويلا عاد يواصل ما انقطع من حديث بينهما .. قال ساخراً : "فاتني أن اخبرك بأن اسمي أصبح (مرسال) فهل ياترى أن ما اصابني اصابك ايضا"؟! .. فأجاب أكر في تأفف وهو ينظر بعيدا :(أسموني بخيت))... أخبر يامو صديقه بأن ركب الشيخ طه يهم بالرحيل وعليه فليست هنالك فرصة لمواصلة الحديث ولايعرف أي منهما متى تتوفر لهما الفرصة ثانية وعلى ذلك فقد اقترح اكر على يامو ان يلتقيا سراً في مكان يتوسط المسافة بين مضارب خيام الحيين لمرتين في الأسبوع وأن يكون ذلك في وقت متأخر من الليل وكان على يامو أن يقوم صباح اليوم التالي بمتابعة أثر الدواب فيسبق اكر في الليلة المرتقبة ويوقد نارا يستطيع اكر الأستدلال بها عندما يقصد المكان في الليلة المتفق عليها .
انتظر اكر ذلك اليوم بفارغ الصبر . .فقد كان ظهور يامو في حياته مرة اخرى بمثابة عودة شئ من الحياة الي جسد كاد يخلو منها .. فأقله أنه قد وجد شخصاً يستطيع التحدث اليه ويفضي اليه بهمومه ويبث الشكوي اليه بعد أن ظل لوقت طويل لايحدث الا نفسه وعلى ذلك فقد كانت سعادة أكر لا توصف عندما تراءت له شعلة النار من على بعد خطوات.
جلسا على تلك الربوة يتحدثان في مالم يتطرقا اليه من قبل وهما في حالة صفاء وهدوء تام فلا رقيب سوى قمر توسط قبة السماء وتلك الحشائش المتراقصة على ايقاع نسمات الليل المشبعة برائحة الحشائش .. وجلس أكر يروي ليامو قصة فراره عن الأكواخ .. حدثه عن رجوع رجال دلدوم بعد مقتله وعن موت بابور وعن مجيئه الى هنا وعن محاولته الفاشلة للهرب .. وروى يامو كيف تم سبيهم وكيف بدأ الهجوم وكيف لاذ هو بذلك الكهف عندما نجح في التخلص من قبضة الغزاةوكيف هاجموهم داخل الكهف .. ظلت اعينهما تذرف الدموع غزيرة وهما يستذكران فصول تلك المأسآة .. وبقي سؤال واحد دون إجابة .. هو مكان بورا .. لقد اخبر اكر يامو صراحة بانه جاء من أجل بورا ولابد له من الوصول اليها مهما كلفه ذلك من ثمن ومن ثم العودة إلى الأكواخ .. الى منبت جذورهم ومهد هواهم.
وجد أكر أنه الآن وبعد حصوله على المعلومات الجديدة امام تغيرات اخرى في خطة فراره اذ يلزمه أن يقابل خصمه اللدود تورو فرأس الخيط الذي يقود الى مكان بورا في يده وأمر الوصول اليه ليس بالعسير فقد ذكر يامو اسم القرية التي يوجد فيها وهي ليست ببعيدة عن قرية الشيخ حماد .
ظل لقاء الليل بين أكر ويامو يتكرر ولقد سعدا بذلك كثيراً اذ خفف من همومهما واحزانهما .. وقد وضع يامو يده في يد اكر وقررا الا يفترقا الي ان يجدا بورا ومن ثم العودة الي الديار وحددا معاً ساعة الإنطلاق وأعدّا العدة لذلك وكانت خطتهما أن يبدأ الفرا من هنا .. من هذا الوادي الذي ماهو الا قطعة من ربوعهم جاءت لتكون المنقذ من هذه المحنة وان يقصدا عقب ذلك القرية التي يوجد فيها تورو فهو بلا شك في انتظار مثل هذه الفرصة واذا ما إنضم اليهما فسوف يصبحون عصبة تواجه كل ما يقف في طريقهم .

ابوالفارس
10-13-2009, 01:13 PM
للك منا الشكر أجزله أخي سيد ان ما تم سرده من هذه المواضيع جد في غاية الجمال ونستمتع بها جداً.
وأتمنى أن لا تقطع هذه الإطلالات الجميله فنحن دائماً نحاول أن نتعلم الكثير
أبو الفارس

سيد محمود الحاج
10-13-2009, 02:26 PM
للك منا الشكر أجزله أخي سيد ان ما تم سرده من هذه المواضيع جد في غاية الجمال ونستمتع بها جداً.
وأتمنى أن لا تقطع هذه الإطلالات الجميله فنحن دائماً نحاول أن نتعلم الكثير
أبو الفارس

أشكرك أخي الكريم ابو الفارس ومرورك مقدّر كل التقدير ونأمل ان نكون عند حسن ظنكم بنا ابدا ولك مني أطيب المني.

سيد محمود الحاج
10-13-2009, 02:33 PM
( 30 )

وجاءت الفرصة الموعودة .. فلم يكد أهل الحيين ان يضعوا رؤوسهم حتى هب أكر ويامو تحت جنح الظلام ليضعا أول خطواتهما على طريق الحرية .. تقابلا في ذلك الموضع ثم انطلقا بين الأعشاب الكثيفة التي تكاد ان تخفي قامتيهما .. كان سلاح كل منهما مدية حادة وهراوة غليظة ان هوت على رأس جعلته دون ريب حطاماً ... يحثا السير بين الحشائش والوحل ويعدوان حينما يجدان ارضاً يابسة و كان سيرهما بعيداً عن مضارب البدو فما ان يسمعا نباحا من على البعد حتى ينحرفان عن خط سيرهما ويسيران في اتجاه آخر .. لايتكلمان الا عندما تكون هناك مدعاة للكلام ولما اوشك ضياء الفجر على الانبثاق كانا قد بعدا كثيراً عن ذلك الوادي ولم يعد من السهل اللحاق بهما لمن اراد تتبعهما .
مضى على فرار اكر ويامو يومان وهما يسلكان دروباً ملتوية .. افتقدهما سادتهما الا انهم لم يكلفوا انفسهم مشقة البحث عنهما واكتفوا في بحثهم بالذهاب الى فراسخ معدودة في الجهة المعاكسة لتلك التي سلكاها .. لم يعترضهما في سيرهما سوى الأشواك الغائصة في الوحل فقد يضطرا احياناً للتوقف لانتزاعها من اقدامهما أما فيما عدا ذلك فقد كان سيرهما آمنا.
أطل صباح اليوم الثالث لرحيلهما ليكشف عن سماء حجبت السحب الداكنةوجهها ببرقع أسود وانخفضت أثر ذلك درجة الحرارة فهبت نسمات الصباح ونشطت حركتها منذرة بدنو المطر ولما لم يكن في ذلك الحيز مكان آمن يحمي من ذلك فقد انحرفا عن خط سيرهما ينشدان مكانا يمكن أن يحميهما من المطر وما كادا يخطوان حتي تبين لهما انهما على مقربة من حي من احياء البدو حينما بلغ مسامعهما نباح الكلاب فانحرفا الى طريقهما السابق وطفقا يجريان حتى اصبحا بمنأى عن ذلك الحي .. كان المطر ساعتها قد بداً في التساقط .. قطرات صغيرة متفرقة لم تلبث ان غدت سيلا جارفاً .. واكتفى اكر ويامو بالبقاء تحت شجيرة صغيرة لم تستر الا الجزء الأعلى من جسديهما .. وأستمر هطول المطر حتى ظهر ذلك اليوم ولما كفكفت السماء ادمعها كنت تلك الفلاة قد بدأت مثل بحر عريض لاساحل له .. لاشئ يرى سوى الماء كأن ينابيع الأرض قد تفجرت أيضاً .. وما ان توقف هطول المطر حتى غادرا مخبئهما ومضيا يخوضان الماء والوحل دون أن يأبها بالبرد ولا البلل الذي لحق بثيابهما ولا بالاشواك الغائصة في الوحل .. جل همهما مواصلة السير قدما فالطريق امامها طويل وغايتهما صعبة المنال.
في وقت متأخر من مساء اليوم الرابع كان اكر وصاحبه على مشارف القرية التي قيل ان تورو موجود فيها وكان عليهما أن يجدا مكانا يقضيان فيه ليلهما ويتدبرا الكيفية التي تمكنهما من لقاء تورو دون أن يثير ذلك انتباه اهل القرية .. فظهور غرباء مثلهما في قرية صغيرة كتلك سوف يكون دون شك مثارا للريبة .. لذلك فقد عزما على البقاء خارج القرية الى ان يأتي الصباح واذا ماجاء الصباح ذهبا يرقبان الرعاة من على البعد لعل ان يكون تورو من بينهم او ان يجدا من يدلهما عليه .. لذلك فانه ما ان اطل الفجر حتى جثيا في مكان منخفض تحف به الحشائش ويقع على مقربة من طريق يمر عبر تلك المروج بدأ انه مسلك للرعاة واغنامهم .. وقد حالفهما التوفيق في اختيارهما ذلك الموضع .. فلم يمض طويل من الوقت حتى اقبل الرعاة في مجموعات متفرقة يزحفون عبر ذلك الدرب .. يتحدثون باصوات عالية تارة وتارة يغنون أو يضحكون .. لم يكن تورو من بينهم بل ولاحد من امثال تورو .. وكاد صبر أكر ان ينفذ وهو يرمق ببصره اولئك الفتية يمرون دون ان يجد من بينهم من قد يدلهما لولا ان لفت يامو انتباهه الى النحية الأخرى من موضعهما حين كان هنالك فتى اسود يسير خلف مجموعة من الأغنام .. وبرغم بعد المسافة الا ان هيئته تدل بما لايدع مجالا للشك بأنه ليس من اهل هذه الديار كما انه ليس بتورو فقد كان اقل طولا واضعف بنيه .. وعلى كل فقد زحفا من بين الحشائش قبالته حتى وقفا عن كثب فاذا به يحمل نفس ملامحهم .. لم يترددا في الظهور امامه وابتدراه بالقاء التحية فردها في لغة قومهم .. هو اذن واحد من لحمهما ودمهما .. جرته الى هنا ذات اليد الآثمة التي قادتهما الى هذه القفار.. ترك اغنامه ترعى على هوها وجلس يؤانس ضيفيه .. اسمه (اتيم) ... يكبرهما في العمر قليلا كما انه سبقهما الى هذه الديار بما يزيد عن العامين.. ذكر لهما اسم قريته وما ان اخبراه باسم قريتهما حتى صاح :(( انكما اذن تعرفان تورو؟)) .. توروّ وهل هما هنا لغاية سوى تورو؟ اجاباه معا وفي آن واحد وقد سادهما ارتياح عميق :((نعم نعرفه ومانحن هنا الا من اجله)) .. غير ان آتيم صمت طويلا قبل أن يخبرهما بأنه قد نشأت بينه وبين تورو صداقة حميمة فكانا لايفترقان طوال يومهما .. يذهبان الى المرعى سويا ويظلا هناك لوقت طويل .. لايفرق بينهما سوى النوم .. الا نه قد افتقده .. وتجهم وجه اكر ويامو وتبددت فرحتهما الى دهشة وهما ينظران الى (اتيم) ليواصل بقية الحديث .. لقد اصر تورو على الفرار وكان له ذلك .. فقد فر منذ امد ولم يعد يعرف أي معلومات عنه اذ انقطعت اخباره .. وكل الذي يعلمه ان تورو هرب في أثر شقيقته التي سبيت معه فبينما تم بيعه هنا سيقت هي الى ديار اخرى بعيدة عن هذه الديار .. كان حديث اتيم بمثابة ريح قوية هبت على جمر خمدت ناره ولم يبق منها الا جذوة ضئيلة على وشك ان تهمد اذا انبعثت نار الغيرة في صدر اكر فجأة وفار الدم في عروقه .. ولم يستطع إثر ذلك ان يخفي ماكان يموج في اعماقه :" ومن تكون شقيقة تورو هذه ؟ ليست لتورو شقيقة من بين الذين اسروا "!!... ألقى بأسئلته في لهجة حادة استعجب اتيم علي اثرها هذا التغير الطارئ .. لقد بدأ اكر لطيفاً قبل لحظات وهاهو الآن يرغي كبركان ثائر .. ما الأمر؟ ولما كان يامو يدرك سر ذلك فقد دنى يضع كفه في رفق على كتف اكر لعله يستطيع ان يهدئ من روعه ويخفف شيئا مما بدا عليه .. ثم واصل اتيم حديثه وتنفس يامو الصعداء حين اكتفى بما حدّث دون أن يسترسل في الحديث إلى مدى أبعد . اخبرهما اتيم بان تورو ينوي الأرتحال شمالا فقد قيل ان قائد الغزاة قد احتفظ بها لخدمة بيته ولم يشأ بيعها وساقها الى بلدته في اقاصي الشمال ولكن لم تكن لتورو معلومات عن اسم البلدة أو موقعها .. كل الذي يعرفه انها تقع في مكان بعيد عن هنا .. قد يستغرق الوصول اليها السير لأيام عدة .. لم يكن لأكر شك في من تكون شقيقة تورو التي فر ليلحق بها لذا فقد اندلعت نار الغيرة حامية.. ياويل تورو ان كان لايزال يفكر في بورا .. لقد كان معها في فوج واحد ولامد طويل .. فهل حل محله في قلبها بعد ان اصابها اليأس من قدومه !! وإلا فلماذا يفر من اجل اللحاق بها؟ كيف السبيل الى الوصول الي هنالك ليقف على الحقيقة بنفسه؟ ان كان ذلك قد حدث فعلا فسوف يكون العقاب رادعاً لتورو .. لن يكتفي بخلع قلبه بيده .. بل سيحرقه حرقاً .. كلا ان ينتزع احد عرشه ! .. لن تكون بورا لأي من الناس سواه .. ومن وسط تلك الهواجس استطاع اكر ان يعود الى رشده قليلا ويمتثل الى أوامر عقله .. ان كان حقا يريد الوصول الى بورا عليه ان ينسى كل ذلك وان لايضيع من الوقت اكثر مما ضاع .. لابد من المضي الآن في طريق بورا .. لقد تجمعت لديهما معلومات لابأس بها عن الطريق الذي يقود اليها .. عرفا اسم قائد الحملة المدعو(كرار الزير) وبالطبع فان يامو يعرفه لكنه لم يكن يعلم اسمه ولا يعلم أي شئ عنه سوى انه هو قائد الغزاة وانه من قتل دلدوم بذلك السلاح اللعين .
مضى أكر ويامو في طريقهما الى غايتهما وقد زودهما اتيم بما تيسر له من طعام وقاما يواصلان السير لايلويان على شئ حسب الخطة التي وضعها لهما وهي ان يكون مسارهما ليلا واذا ماطلع الفجر خلدا للنوم في اي مكان مستتر وبقيا حتى قبيل الغروب .. فقد كان يخشى عليهما من تحرش الآخرين .. فمن هؤلاء الناس من لايتردد في محاولة سبيهم مرة أخرى وقد كانت لأكر تجربة سابقة.

سيد محمود الحاج
10-14-2009, 09:40 AM
( 31 )

كانت بورا تعاني من سوء معاملة زوجة سيدها من ناحية ومن العزلة والوحدة التي اصبحت تعيشهما منذ أن حلت بهذه الديار من ناحية اخرى .. فقد وصلت بمفردها دون أي من رفاق الأسر الذين بيعوا قبل الوصول إلى هذه البلدة لتواجه امراة متسلطة حادة الطبع هي زوج كرار الزير .. فقد ادركت ميمونه تعلق زوجها بجاريته (نورا) لاسيما بعد أن رأت بطنها تكبر من يوم إلى آخر ..وهي ولود لكنها لم تلد الا الإناث فكانت تخشى أن تأتي هذه الجارية بصبي ولشدة ولع كرار الزير بأن يكود له ولد يرثه ويحمل اسمه من بعده فلم تستبعد أن يعقد قرانه عليها فتصبح بذلك ضرة لها .. لذلك فقد كانت تذيقها صنوفا من العذاب وتفرض عليها اعمالا قاسية شاقة فهي التي تطحن الذرة على الرحى وهي التي تجمع الحطب وتقوم بالعجن وتنظيف الأواني وفناء الدار وهي التي تجلب الماء وتغسل الثياب ولاتذوق للراحة طعماً .. تظل تعمل كآلة منذ طلوع الفجر وحتى بعد العشاء.. واذا حدث من جانبها اي قصور في واجباتها لاي ظرف كان فليس لها من عذر وليس لسيدتها استعداد لتقبل اعذارها فينهال عليها السوط في قسوة بالغة ولايجدي حيال ذلك صرخاتها ولاتوسلاتها.. ولما كان الحال كذلك فقد ظل الإكتئاب طابع حياة بورا وسرعان مابدأ ذلك الجمال الآخاذ في الذبول واصبحت حزينة صامته لاتكلم احدا ولايكلمها احد الا اذا كانت هنالك اوامر دون ان تجد من تبوح اليه بشكواها أو من يفرج عن همومها اذ لايوجد في هذه القرية من رفاقها احد الا انها رات ذات مرة فتاة في مثل سنها قدرت أن تكون من احدى التلال وسعت كثيراً الى مقابلتها والتعرف عليها الا ان سيدتها لم تتح لها الفرصة فهي لاتسمح لها بالخروج عن الدار الا لاداء الأعمال التي توكل إليها .. فكانت بورا تنتظر حلول الليل مثلما ينتظر الصائم مغيب الشمس .. فهنالك محط شكواها وكعبة نجواها .. تظل تطالع النجوم وتسألها عن ذويها واحبائها .... لاشك أنها قد اصبحت الآن في طي النسيان.. شأنها شأن من مات .. لاريب في أن اكر قد تألم لفقدانها كثيرا وبكي الفراق الا ان بذرة النسيان سرعان ماتكبر في القلوب حتى تغدو شجرة ذات افنان .. وهاهما الآن قد مر على فراقهما امد طويل ومات كل رجاء في تلاقيهما ثانية .. كتب عليها أن تظل ترزح في قيود الذل والاستعباد وهي التي كانت أميرة فتيات الأكواخ .. ياتيها الشيخ ليلاً في عشتها الكائنة في الطرف الأقصى من الدار كلما لعب الخمر برأسه يجرجرها ويجذبها بعنف جيئة وذهابا حتى وهي في آواخر شهور الحمل .. لايكل ولايمل .. تجتذبه كل امرأة مهما كان شكلها أو وصفها كأنه يبحث عن شئ نفيس اضاعه يوماً بين افخاذ النساء فلا غرابة ان اطلق عليه الرفاق كرار الزير .. فهو كثيرا مايقصد القرى الآخرى بحثاً عن النساء .. تزوج منهن عدة .. الا انه لم يرزق بابن ذكر فطلقهن جميعاً ولم يستبق منهن سوى زوجته ميمونه وبرغم حدة طبعه الا انه لم يستطع التحكم فيها بل كانت هي المتحكمة في كل شئ .. يقضي معظم ايامه في الأسفار واذا ماعاد كان شغله الشاغل حانات الخمور لايكاد يخرج من واحدة الا ليذهب للآخرى .. يعرف كافة صاحباتها ويعرفنه جميعاً وحين يعود من رحلاته كانت نساء الحانات يتنافسن في استضافته هو ورفاقه .. معروف بين هذه الأوساط بكرمه وسخائه .. ينفق بغير حساب حتى آخر قرش واذا مانفذ ماله أو كاد اعد حملة اخرى تغير علي اولئك البسطاء في عقر ديارهم فيزهق روح من يقاوم ويفجع اكبادا وافئدة بل ويستبيح شرف امة وحرية شعب برمته في سبيل اشباع رغباته الدنيئة هو واقرانه .. يحدث كل هذا من اجل العبث مابين افخاذ العاهرات وجرار الخمور .. تظل بورا تحادث نفسها وتناجي الأحباب الى ان يدركها النوم فيريحها ذلك قليلا وما ان تبدو طلائع الفجر حتى تصحو عندئذ معاناتها والآمها كأن الفجر والأكدار شيئان متلازمان .. تدعو الله في سرها وعلانيتها ان يخلصها من ذلك العار الذي تحمله في احشائها وان يحسن خلاصها من قيود الذل أو ان يجعل الموت راحة لها من كل شر .. فالموت افضل بكثير من حياة مثل هذه التي تعيشها .. واستجابت السماء لبعض دعواتها عندما نسيت ذات يوم ان تجمع بعض الثياب التي كانت منشورة على فروع شجرة في جانب من جوانب الدار فكانت لعبة لكلاب القرية ليلا ولما اصبح الصباح لم تكن الا نتفا ممزقة فكان عقابها بعد الضرب المبرح ان سحبت من ارجلها على الأرض وعلى بطنها تطوف بها سيدتها بمعاونة بناتها فناء الدار حتى فقدت الوعي أو كادت ولم يمض طويل حتى احست بآلام المخاض فخرج جنينها قبل ان تكتمل عدته فحمدت الله كثيراً وظنت ان ذلك سوف يشفع لها عند سيدتها ويخفف من حدة معاملتها الا ان حال سيدتها لم يتبدل وظلت الأمور تسير من السئ إلى الأسوأ فأصبحت الكآبة طابع حياة بورا .. فكرت في الفرار مراراً الا انها لم تعرف أي جهة تقصدها في فرارها فربما كان فرارها من رمضاء الى نار .. لم تر اثراً للرحمة في قلوب هؤلاء القوم .. استباحوا حريتها وشرفها وجعلوها حقاً مشاعاً وملكاً خاصاً يفرضون عليها واجبات عديدة وشاقة فتنجزها على احسن وجه ولاتكافأ على ماتقوم به الا بالضرب والإهانة والسخرية .. ربما كانت المعاملة التي تحظى بها دواب سادتها خير من التي تعامل بها وهي بشر مثلهم .. كانت فتنتها وبالاً عليها .. وأصبح جمالها وسحرها لعنة جلبت عليها من المتاعب والأذى مالا يحصى .. فما مبعث تلك الخشونة والقسوة التي تمارسها معها زوجة سيدها الا لإحساسها بتلك الفتنة وذلك الجمال الآخاذ وكلاهما أمران لاوجود لهما بل ولا أثر لهما في أي من معالم جسدها .. ماهي الا كومة لحم تمشي على الأرض كما تمشي بقرة ترهل جسدها من كثرة ما اكتنز من لحم وشحم .. لاشئ فيها يثير قلباً أو يجتذب طرفاً .. كانت بورا من قبل ترى جمالها في وجوه الآخرين من خلال نظراتهم الا ان هذه الصورة قد اختلفت في عيني هذه المرأة الشريرة .

سيد محمود الحاج
10-14-2009, 09:45 AM
( 32 )

و أتت الأيام بما لم يكن في حسبان بورا فقد ذهبت بأمر سيدتها للخلاء للبحث عن ماعزة تخلفت عن المجئ مع بقية الأغنام فاذا بها وجهاً لوجه اما تلك الفتاة السوداء التي سبق أن رأتها من على البعد دون ان تفلح في الألتقاء بها .. كانت تحتطب وما ان تلاقت اعينهما حتى صاحتا معا في وقت واحد .. كانت هي الأخري من قرى التلال واسمها (بوتا) قبل ان تصبح التومة من بعد .. تحدثتا طويلا حتى نسيتا امرهما وحالهما .. سبق مجيئها مجئ بورا بما يزيد عن العامين .. جاء بها هذا الوغد .. كرار الزير استباح شرفها وهتك عرضها مراراً خلال السير من التلال الى هنا لكنه باعها عقب ذلك وكفاها الله شر ميمونة تلك المرأة القاسية في تعاملها حتى مع أهل قريتها .. جميعهم يمقتونها ولايحبها أحد .. تعلمت بوتا من مفردات لغة هؤلاء القوم مالا بأس به .
روت لبورا كيف جرى سبيها ورفاقها .. فقد كانوا أيضاً في الحقول يرعون السنابل ويصدون عنها العصافير وكانت تحمل شقيقتها الصغيرة (نونا) التي لم تكمل عامها الثاني بعد .. كانت شديدة التعلق بها لاتفارقها الا عندما كانت تأتي الى الحقول ولاتدري لماذا اتت بها الى هنالك وفي ذلك اليوم المنحوس .. كان من المفروض ان تبقى الطفلة مع والدتها في الكوخ غير انها اصرت بشدة على مرافقتها فلم تجد بداً من اخذها معها .. واذا بوجه ذلك اليوم الذي بدأ ضاحكاً مستبشراً يتجهم فجأة واذا بذلك المرح وتلك الترانيم العذبة تستحيل الى رعب قاتل وصراخ حاد بظهور غرباء احاطوا بالحقول مل كل جانب احاطة السوار بالمعصم وفي ايديهم السيوف والسياط والحبال .. ساد الهرج والمرج واختلط الحابل بالنابل كل يلتمس طريق النجاةولكن هيهات ان يوجد من سبيل الى الفرار .. فخطة الغزاة كانت محكمة بحيث لم يتمكن احد من النجاة .. وقعوا جميعاً اسرى في ايدي اولئك االنفر وكبلوا بالأصفاد .
قالت بوتا وقد فاضت دموعها غزيرة وتقطعت نبرات صوتها تحت وطأة العبرات : (( ان اشد ما يؤلمني ويثير احزاني اني حتي الآن لا اعرف مصير شقيقتي (نونا) .. فحتى الآن لا أدري ماجرى لها بعد ذلك فكنت قد وضعتها في مكان منخفض بين شجيرات الذرة عندما ايقنت بأنه لامفر من الهلاك حينما رأيت اولئك الأشرار يحيطون بنا من كل صوب وان كثيرا من رفاقي قد وقعوا في قبضتهم .. كنت اقصد بذلك ان تنجو هي طالما ان هلاكي اصبح امرا محتما اذ لم نكن نعرف الغاية من ذلك الهجوم .. وليتني عرفت ماحدث لها بد ذلك هل عثر عليها أحد من الناس فاعادها الى صدر أمها وقرت عينها بها ام ظلت تهيم على وجهها بين متاهات المروج فتكون قد هلكت من الجوع والعطش أو ان تكون قد وقعت فريسة بين مخالب الذئاب)) ثم انخرطت بوتا في بكاء مرير وشاركتها بورا البكاء .
بعد ان روت بوتا ماروت الفت بورا ان مصيبتها وهمومها اخف وأهون بكثير من مصيبة تلك الفتاة المسكينة بوتا التي ظلت تعيش وفي قلبها حسرة وجرح عميق يصعب على المرء ان ينسي مثلهما فهي مازالت تتساءل ما اذا وجدت شقيقتها من اخذ بيدها وردها الى اهلها ام انها تاهت بين الحشائش وماتت جوعاً وعطشاً ام ان الذئاب قد افترستها !!! احست بورا عندما اوت الى فراشها في ذلك المساء براحة لم تنعم بمثلها منذ ان وطئت قدماها هذه الديار وشعرت بأن حملاً ثقيلاً قد انزاح عن صدرها فقد تحدثت اليوم بلسان قومها ونفست عن بعض مايموج بدواخلها وجلست تمني نفسها بفرصة اخرى تقابل فيها تلك الفتاة بوتا حتى تتخلص من هذه الوحدة القاتلة وهذا الصمت الذي كاد ان يعقد لسانها وحتى تعرف المزيد من شئون هؤلاء القوم الذين تعيش من بينهم .
وكان لبورا ما ارادت اذا جاءتها بعد ايام من ذلك اللقاء صديقتها بوتا .. وحمدت الله كثيرا ان سيدتها كانت في ذلك الحين خارج الدار مما اتاح لها بعض الوقت للتحدث مع صديقتها واحست في وجودها بمزيد من الراحة والإطمئنان .. شكت لها قسوة سيدتها التي تزداد من يوم لآخر وسوء معاملتها وضربها لها حتى لاتفه الأسباب وأصغرها ولكن لم يكن لدى بوتا ماتقدمه لها أو تفعله من اجلها سوى ان توصيها بالتزام الصبر وعدم التقصير في اي من واجباتها حتى لاتجد سيدتها ثغرة تستغلها ضدها .. ولكن مثل ميمونة لايحتاج الى مثل تلك الثغرات فان لم تكن هنالك ثغرة اختلقت مايبرر تدخلها.
ومضت بعد ذلك ايام ثم عاودت بوتا زيارتها لصديقتها وجلستا تتحدثان على مقربة من مدخل الدار اذ كانت السيدة المتغطرسة موجودة .. كان حديثهما همسا ً وكلما ارتفع صوت بوتا قليلا اشارت عليها بورا بيدها كي تخفض من صوتها وعيناها ترقبان داخل الدار من حين الى آخر لئلا تأتي سيدتها بغتة .. وقد وقع ماكانت تخشاه بورا اذ جاءت سيدتها لتجدها تحادث صديقتها فكانت تلك فرصة تتوق ميمونه الى مثلها .. فإنهالت عليها بالشتم والسباب قبل أن يتحول الموقف الى ضرب وصفع ثم تلقت بوتا نصيبها من ذلك وطردت من الدار شر طردة.
ومضت بورا تواصل أداء واجاباتها المفروضة تخنقها عبراتها فها هي قد ضربت واهينت امام صديقتها التي لم تسلم هي الأخرى من لسان ميمونة بل تعدى الأمر حد ذلك لتطرد عن الدار مثلما تطرد الكلاب وهي التي قد ظنت ان السماء قد بعثتها لها كي تكون سلواها بعد ان فقدت الأهل والعشيرة والأحباب فلم تكن تطمع في أكثر من ان يكون لها من يفرج من همومها ويخفف من احزانها ويخرجها من صمتها وعزلتها ولكن هيهات ان تتحق امنياتها وهي اسيرة لدى امراة تحجر قلبها وعلى ذلك فقد بات امر مقابلتها لصديقتها بوتا ليس ممكنا وظلت بورا تأمل في ان تراها ولو من على البعد .
مضت ايام طويلة دون أن تتحقق رغبة بورا ولم تأتي فرصة تتيح لها رؤية صديقتها فكانت كثيرا ماتنظر من خلال سور الدار تراقب الغادين والرائحين لعل ان تكون بوتا من بينهم ولكن عبثا ماحاولت فلم تحظ برؤيتها ثانية وعادت سحائب الأحزان تغطي افقها مرة اخري مع ازدياد قسوة سيدتها التى ظلت تخلق من حبة بر جبلا كي توجد مايبرر عقاب خادمتها الى ان بلغ نكال سيدتها ذروته ذات نهار عندما اغارت ماعزات على مخزن الدار الذي لم يحكم سد بابه فعبثت بمحتوياته عندما كانت بورا تنجز امورا ً اخرى من امور المنزل .. وازاء ماحدث حمّلت بورا المسؤولية كاملة .. وبالطبع فانها لم تستطع ان تدافع عن نفسها أو ان تدلي بما يدفع عنها العقاب فجاءت سيدتها هذه المرة بقضيب معدني وضعته على النار حتى احمر لتضعه على خدي بورا التي حاولت دون جدوي ان تتقي شر ذلك ولكن هيهات ان تفلح في مقاومة شر تجسد في امرأة اسموها ميمونة .. لقد تجمعت كل غيرتها وحقدها في تلك الساعة وهي تضع القضيب المتقد على خدي بورا فغاص عميقاً واصدرت بورا صرخة مجلجلة كتلك التي صدرت عنها عندما اغار الغزاة علي الحقول وضمنتها بعض مفردات من لغة قومها كمن يستنجد بأحد ولكن هيهات ان يجد التوسل مكانا ً في قلب كان كالصخر... احست ميمونة بنشوة لا حد لها وقد عبرت ابتسامة خبيثة عن رضا تام وراحة لاحد لها اذ شوهت معالم ذلك الوجه الفاتن الذي اجتذب كل من رآه .. لم يعد فيه الآن مايفتن زوجها ذلك الفاسق الماجن .. فوجنتاها اللتان تبدوان مثل زهرة ناضرة باتتا مثل بصلة محترقة .. وكانت نشوة النصر لاتحتاج الى تبيان على وجه ميمونه شأنها شأن ذلك العقرب اذا ما افرغت سمها هدأت وسكنت ثورتها.

سيد محمود الحاج
10-14-2009, 09:49 AM
( 33 )

بات اليأس طابع حياة بورا في الأيام التي تلت تلك الحادثة .. تجلس شاردة الذهن ويداها منشغلتان تتحسس جانبي وجهها .. كان جمالها آخر ماتبقى لها لتقدمه لأكر وهاهو الآن قد ولّى واستبيح أيضاً مثلما استبيح شرفها وعرضها وحريتها .. لم تعد الا مسخاً تتمنى أن ينقض الموت عليها في أي لحظة فيريحها من احزانها وهمومها .. لم تعد تصغي لأوامر سادتها .. كثيراً ماينادي عليها فتسمع ولاتبالي بالنداء .. لم يكترث كرار الزير كثيراً لفعلة زوجته ولم يفعل اكثر من ان وبخها من منطلق انها قد حرمته من ذلك الجمال الأخاذ فغداً يذهب في حملة آخرى ويأتي بمثل بورا أو أجمل منها .. وظلت حالها تتدهور من يوم لآخر وهي في شرود تام وخفت حدة المعاملة من جانب سيدتها بعد أن حققت ما ارادت وبعد ان انطفأت شعلة ذلك الجمال الوهاج الذي كان يثير ثائرتها .. لم تعد بورا تهتم بلقاء بوتا أو حتى لقاء أكر.. مضي عقلها بعيداً .. ساعة الى الأكواخ والحقول وساعة الى ذلك الطريق الذي سلكه الغزاة وتارة تذكر أكر ثم تورو ثم بقية الرفاق .. وصارت الأمور تختلط في ذهنها وتمتزج فلا تستطيع احيانا ان تفرق بين الأشياء .. واصبحت الأصوات تمتزج هي الأخرى كما تمتزج الأسماء والأشكال والصور فاذا نودي عليها تعتقد ان شخصا آخر ينادي وإذا نودي على الأخرين تعتقد انها هي المقصودة بالنداء ولاحظ أهل الدار شرودها الدائم فأخذوا يعاملونها معاملة من فقد عقله فيضحكون ويسخرون حتى اصبحت بعد ذلك حرة التصرف تخرج عن الدار متى شاءت وتعود متى ارادت .. لم تعد تسأل عن مكان بوتا ولم تفكر في مقابلتها بل وربما قد نسيتها تماما .. تجوب ازقة القرية صامتة لاتكلم أحداً حتى غدا منظرها مألوفاً فيمضي الأطفال والصبايا من خلفها يتصائحون ويضحكون وتارة يرمونها بالحصى والحجارة فتهرول بعيدا عنهم .. وشيئاً فشيئاً ساءت أمور بورا واخذت قواها العقلية تتدهور من يوم الى آخر فتتغير ازاء ذلك تصرفاتها الي ان غاب عقلها تماما .. علمت بوتا بحالها فكانت كثيراً ماتحاول محادثتها واخراجها مما هي فيه لكن دون جدوى فلم تفعل اكثر من مراعاتها عندما تتوفر لها الفرصة وتقديم شئ من الطعام لها وتظل بورا تدور بين الأزقة والبيوت لايريحها الا الليل حيث تأوي إلى كوخ مهجور في طرف القرية لتقضي الليل فيه بعد أن اوصد سادتها الباب امامها .. كانت هادئة في لوثتها لاتحادث ولاتستمع لسوى نفسها .. تحاول دوماً الإبتعاد عن الناس ولاتنفك يداها تتفحصان خديها من حين الى آخر حتى انطبعتا على ذلك الوضع .. وكان الناظر الى وجهها يرى برغم مالحق به من تشوه جمالا ذابلاً وحزنا دفينا وكأنها تحس بمثل هذه النظرات الفاحصة فسرعان ماتغض ببصرها وتشيح بوجهها بعيداً لاحساسها بان الناظر اليها لايفعل ذلك الا ليسخر منها ومن وجهها الذي اصبح مسخاً .. يالحسرة ذلك الوجه المستدير الجميل فبعد أن كان مثار فتنة يصبح من بعد مثاراً للسخرية.
بعد حين تركت بورا تلك القرية واصبحت هائمة على وجهها تجوب الخلاء فتستقر اليوم في قرية لترحل غدا الى اخرى .. هكذا سارت حياتها وباتت معروفة لجميع أهل القرى المجاورة الذين اطلقوا عليها من بعد اسم (عجيبة) اذ كانت دائماً ما تأوي الى البيوت المهجورة أو الأماكن المنعزلة والتي غالبا ما تكون في اطراف القرى .. يتصدق عليها المحسنون بفتات موائدهم وبقايا الثياب .. بورا .. تلك الفاتنة التي كان كل ما فيها يفيض سحراً وجمالا فتختال غرورا بين صويحباتها مثلما يختال القمر بين النجوم .. تلك الهيفاء التي نمت الآمال والأمنيات في قلبها فاخضرت الدنيا من حولها ولم تعد ترى في الكون سوى الحب والجمال .. بورا التي خلبت انظار الفتية والشباب والتي كانت تؤجج نار الهوى في قلب كل من رآها فكانت مضرب الأمثال في نضارتها وسحرها وبهائها وحسن نظراتها .. تغدو اليوم معتوهة هائمة على وجهها تنام في الخرائب واطراف القرى يخافها الناس ويرعب الأطفال منظرها .. لقد نفستها الأقدار حلاوتها ورقتها وانوثتها المتدفقة فرمتها بما رمته بها فاذا هي حي كميت أوميت في صورة الأحياء .. لاتعي شيئاً .. فماذا ياترى لو ظهر حبيب قلبها أكر فجأة في عالمها الذي تعيشه .. هل سيعيدها ذلك الى وعيها فتعود كما كانت وتدرك مايحدث حولها .. وهل سيشفي ذلك داءها ويزيل لوثتها؟ ليتها علمت قبل ذلك أن اكر قريب منها وانه يسعى وراءها مثلما يسعى الظامئ الى منهل الماء .. ليتها علمت انه سعى من اجلها الى العبودية دون أن تسعي اليه وانه يذرع ارض الله شبراً فشبراً ويواجه المحن صنوفاً من أجلها .. غير مبال بأي خطر .. فقد أقسم ان يجدها أو ألا يعود أبداً .. اجتاز الأحراش والفيافي والآوحال بجميع رذاياها ليصل الى ديار يجهل خفاياها غير آبه بما قد يحدث له واهباً حياته فداءاً لها .. فهل يموت الحب في قلب اكر امام مالحق بجسدها من اذى؟ كلا ان يحدث مثل ذلك فحب اكر لبورا هو حب الروح للروح وليس حبا جسديا مبنيا ً على مفاتن الجسد .. فهو لايرجو الا اجتماع شملهما .. ان يراها وتراه وبعد ذلك فلتفعل الأقدار ماتشاء.

سيد محمود الحاج
10-15-2009, 09:28 AM
( 34 )

عودة إلى أرض الأكواخ

مضت خمسة أعوام على فرار أكر عن أرض الاكواخ وأمام قسمه أمام العديد من أهل القرية بالاّ يعود إن لم يعد ببورا اصبح في عداد من لاترجى عودتهم بعد انقضاء هذه السنوات الطويلة .. وقبل ذلك بأربعة أعوام أي في العام الأول من فراره كان العم سايس قد تغمده الله برحمته فأراحه الموت من احزانه وهمومه التي خلفها فقدان ابنه فمضى شهيداً مثل دلدوم وبابور والصبي فرتاك .. ان لم تنله رماح الغزاة فقد نالت منه الأحزان التي خلفها شنيع جرمهم وفظيع صنيعهم .. ولعل العم سايس كان أحسن حظاً من غيره اذ كفاه الموت لسعات الأحزان في القلب وفعل الجراحات في الكبد .. فالعديد من أهل الأكواخ ممن فقدو ابناءهم وبناتهم كانت الأحزان تقتلهم في كل لحظة يبرز فيها مايذكرهم بمن فقدوا فغدت حياتهم بكاء لاينقطع وحزن لاينقشع ولربما تمنوا الموت ولكن ليست الأمنيات كثمرات الأشجار يقطفها المرء متى شاء .. أما العمة توجو والدة أكر فقد كانت أقل حظاً من زوجها .. بلغت الاحزان بها مبلغاً ولكنها مع ذلك لم تقتلها بل طفقت تلهو بها وتعصف بها في كل حين .. صارت الدموع طابع عينيها حتى جف ماؤها وذهب بصرها او كاد وغزتها علامات الشيخوخة قبل أن يأتي أوانها .. وزاد من ذلك وحدتها القاتلة فقد تزوجت ابنتها مويا وارتحلت مع زوجها الى قرية اخرى فكتب على العمة توجو أن تعيش بمفردها في بيت لم يعد يؤانسها فيه الا احزانها وآهاتها .. كل مافيه يذكرها بموقف من المواقف .. هنا كان مرقد وحيدها وهناك مرقد رفيق عمرها وكلاهما قد رحل الى الابد ولم تبق الا ذكراهما .. وعلى مقربة من مطرحها كان مضجع ابنتها الوحيدة وهاهي الأخرى قد تركتها لتعيش حياتها مع رفيق دربها.. وبرغم أنها تأتي لزيارتها كلما سنحت لها الفرصة الا ان ذلك لم يكن كافياً لتبديد وحدتها فصارت تقضي معظم اوقاتها داخل كوخها تبكي وتناجي من ذهبوا ولاتخرج الا لتقضي امراً لابد منه.. تدندن ببعض كلمات شجية باكية ترثى فيها حالها وتبكي اولئك الذين سبيوا من فتية الأكواخ وفتياتها ولعل تلك الكلمات كانت كل حديثها من بعد .. اذ اصبح الصمت طابعها ونادراً ماتحادث أحداً فاذا حدثها احد ما كانت تكتفي في معظم الأحيان بالإصغاء وان كان لا مفر من الحديث فأنها لاتجود الا بالقليل.

***

وبرغم مرور تلك السنوات .. الا ان سحائب الأحزان التي هيمنت على سماء الأكواخ لم تنقشع وعشعش الأسي في كل قلب وفوق كل معلم .. تلك الحقول الزاهية وتلك المروج الخضراء لم تكن كما كانت من قبل زاهية ناضرة مترابطة فيما بينها بل غلب عليها الشحوب والاصفرار فأصبحت متفرقة وكأن السماء قد استنفدت معينها في البكاء على من فقدوا فلم تعد تجود الا بمقدار .. وصاحب تلك الأحزان المتراكمة خوف دائم ورعب لاحد له اذ بات أهل الأكواخ يخشون أن يعيد اولئك الغزاة الكرة وأصبحوا يعيشون في هلع دائم فاذا جاء الصباح ظلوا يطالعون الأفق حتى مغيب الشمس وان جاء المساء امسوا في خوفهم حتى الصباح .. لذلك فقد تراجعوا بأكواخهم حتى لاصقت تلك التلال العالية التي تحيط بقريتهم واصبحوا على مقربة من مغاراتها لتكون ملجأ اذا ما تعرضوا لهجمات الغزاة... وغدت الأيام التي كانت من قبل ايام غناء ومرح, تلك التي كانت تسبق فترة الحصاد, اصبحت من بعد مثار احزان وخوف .. فهنالك اعتقاد بأن هجمات الغزاة تتركز بشكل خاص في تلك المواسم وبالفعل فان معظم الغارات التي استهدفت سكان التلال كانت تحدث ابان تلك الفترة من ايام السنة حيث يجتمع شباب القرى في الحقول التي عادة ماتكون على مبعدة من الأكواخ .. كذلك فان الحشائش تكون كثيفة فتشكل بذلك ستاراً يسهل مهمة الغزاة في تتبع ومراقبة ضحاياهم قبل الانقضاض عليهم .. وعلى ذلك فقد اصبح الكبار هم من يتولى مراعاة الحقول وطرد العصافير عنها بعد ان كانت تلك من مهام الفتية والصبايا الذين حرّم عليهم دخول الحقول من بعد واصبحت واجباتهم تنحصر في رعي الأغنام في الأماكن الواقعة بين التلال والتي لايمكن للغزاة الوصول اليهاوتكونت في ذات الوقت فرقة من رجال القرية مهمتها الحراسة ومراقبة المداخل والشعاب التي تقود اليها بحيث يتسلق البعض أكثر الأشجار طولاً ويظل على قمتها ليراقب القادم من بعيد فإن رأى غباراً من على البعد فهذة دلالة علي ان هنالك ركب قادم وعلى ذلك تتخذ الحيطة اللازمة فتصدر الأوامر الى الفتية والفتيات بدخول المغارات السرية التي لايستطيع غريب معرفة مداخلها بينما يقف مقاتلوا القرية على اهبة الإستعداد في الاماكن المحددة لهم .. وكثيراً ماكانت حركة الرياح تخدعهم فتثير الغبار فيتوهم المراقبون بان هنالك من يقصد حماهم .. لذلك فقد اصبح الناس في حالة من الرعب طوال أيام حياتهم حتى بعد مضي سنوات عدة من تلك الغارة التي كانت الأولى والأخيرة على تلك القرية بالذات؛ إذا أن غزاة التلال لايغيرون على قرية سبق لهم أن أغاروا عليها إلا بعد سنوات طوال حيث يكون أهلها قد نسوا أمر الغارة الأولى وقل بالتالي حذرهم كما أنه في ذات الوقت يكون هنالك جيل جديد من الفتية والفتيات ممن يتوق الغزاة الى سبيهم.
وبينما تراجعت أكواخ أهل القرية ونقلت من أماكنها الى مناطق أكثر أمناً بقيت العمة توجو في موضعها القديم مثلها مثل ميكاكا الساحرة .. لم تشأ أن تترك ذلك المكان الذي عاشت فيه أجمل ايام حياتها مع افراد عائلتها .. فهي في هذا المكان تراهم وتحادثهم في كل حين .. كل أشيائهم مازالت باقية حتى بعد رحيلهم فهذا رمح أكر وهذا فرشه وتلك سهام العم سايس ومخلاته وهذه تميمة ابنتها مويا عندما كانت طفلة تحبو .. لم تر مايدعو للرحيل عن هذا الموضع .. فإن ترك بقية أهل الأكواخ أماكنهم القديمة فهذا لانهم يخافون على ابنائهم وبناتهم من هجمات الغزاة .. أما هي المرأة العجوز فعلام تخاف .. ليس لديها ماتخشى ضياعه .. زوجها وقد مات وقبله سلك ابنها الوحيد طريق اللاعودة .. ذهب الى المجهول ليقاتل بمفرده وبلا عتاد جيشا كاملا قوامه اناس لا يستدر عطفهم صراخ الصبايا والأطفال ولاعويل أمهاتهم المفجوعات .. انتزعوا الصغار من صدور امهاتهم دون شفقة أو رحمة .. قالت لاحدى رفيقاتها وكانت قد الحت عليها ان ترحل مع بقية أهل الحي انها لاتبالي بالاعداء اذا ما أتوا .. بل هي باقية في انتظارهم لتسألهم عن مكان ابنها ووحيدها.. شئ ما يجعلها تحس بأنه مازال على قيد الحياة برغم مرور مامر من الأعوام .. سوف تتوسل اليهم أن يأخذوها معهم الى حيث يوجد ابنها فان لم يستجيبوا لتوسلاتها فسوف تتبع اثارهم الى ان تصل الى ديارهم أو ان تموت في الطريق .. وعلى هذا الأمل عاشت العمة توجو .. وظلت في كل موسم تخرج وتصعد الأماكن العالية وهي تطالع الافق لترى جياد الغزاة آتية قبالة الأكواخ فتصيح في الفتية والفتيات تأمرهم بالاّ يبرحوا مغاراتهم ابدا حتى لايقعوا في قبضة الغزاة :"دعوا العصافير تقتات من السنابل والا فأنها ستقتات من اجسادكم"!! تقول هذا ثم تنخرط باكية .. وغدا ذلك حالها دون أن يستطيع أي من قومها التخفيف من احزانها واخراجها من وحدتها اوصدها عن ماهي فيه .. لاترى الا وعيناها مبللتان بالدموع .. ولاحديث يسمع لها سوى ماكانت تنشده من رثاء شجي باك:

سأبقى في إنتظار الأشرار ليأتوا
سوف اركع تحت اقدامهم
واسترحم صخر قلوبهم حتي يلين
ان يأخذوني الى حيث يذهبون
ليتهم يفعلون
وان لم يفعلوا فسوف امضي في إثرهم
حتى اجد وحيدي واضمه بين اضلعي
ساعتها ستجف ادمعي

وشيئاً فشيئاً ارتفع صوت العمة توجو بما تنشده واصبح اهل الحي يأخذون ذلك عنها فيرددونه بدورهم ومنهم من يضيف اليه شيئا حتى نسجت من ذلك مرثية طويلة تفيض حزنا واسىً تبكي فتية الأكواخ المفقودين و صارت من بعد ملحمة تردد في اعياد الحصاد يأخذها جيل عن جيل.

واستمرت حياة العمة توجو على هذا المنوال تقف متاهبة للرحيل في ركب الغزاة .. تنتظر في كل عام مجيئهم حتى اصبحت في عداد من لا يؤبه بقولهم .. تتردد في كل موسم على الحقول تصيح في فتيتها بأن يحتموا بالمغارات فانها تكاد تسمع وقع حوافر جياد الغزاة .. فهم آتون بلا شك .. وقد بات ظهورها وصياحها أمرا ً مألوفاً فلا يأبه الفتية بما تقول .... تردد اشعارها النائحة متجهة الى تلك الربوة التي اعتادت الصعود عليها لتطالع الأفق علها ترى ركب الغزاة آتٍ قبالة الحقول .

سيد محمود الحاج
10-15-2009, 09:36 AM
( 35 )

كان اكر قويا بحق .. فهو قوي في جسده .. قوي في تحمله .. قوي في شخصه .. قوي في ارادته ولو كان غير ذلك لمات الأمل في قلبه ولهزمه اليأس منذ أول وهلة اخطأ فيها هدفه .. وهاهو الآن يواصل السير متعقباً ذلك الهدف الذي اصبح كالسراب .. لقد انقضت سنوات طوال .. خمس أو ست وهو يداوم البحث بهمة عالية وأمل يتجدد مع انبثاق شمس كل صباح دون أن يمل البحث والترحال .. يضرب في مناكب الأرض بلا هواد كأنه موكل بذرعها أو التنقيب في فيافيها ومتاهاتها .. ولقد زادته رفقة صاحبه يامو اطمئناناً ومزيداً من الأصرار .. فقد كان يامو نعم الصديق .. حمل هموم أكر كأنها همومه وسار معه الى هدفه باخلاص قل أن يمنحه أحد لأحد حتى ليحتار المرء ايهما صاحب الهدف اكر كان أم يامو؟ هبطا معاً كثيراً من القرى والارياف والحلل وعبرا قفاراً وسهولاً وأودية ولقيا من المتاعب مالقيا لكنهما صمدا أمام كل عقبة وكل معضلة اعترضت سبيلهما .. كانا اذا ما اقتربا من قرية من تلك القرى يتخذان مكاناً آمناً فيبقيان فيه الى ان يتدبران الأمور جيداً ويضعان الخطط التي تمكنهم من الدخول على نحو آمن.. ربما لبثا في موضع ما ليوم أو بعض يوم قبل أن يجدا اسلم الطرق لدخول قرية من القري .. واذا ماتيسر السبيل الى الدخول ظلا هنالك حتى يبيتا على يقين بأن ضالتهم ليست موجودة حيث ينشدانها فيرحلا عن القرية بمثل مادخلاها .. ولسوء حظهما لم يوفقا في مقابلة اي من رفاق الأسر.. كانا قد قابلا بعضاً من ابناء التلال ولكن من قرى اخرى ومن الذين سبقوهما في المجئ الى هذه الديار في حملات مختلفة غير انهما لم يجدا لديهم مايصبوان اليه .. كان اكر كلما احس بشئ من اليأس يداخل نفسه يخرج تلك الصرة في وحدته فيشتم رائحتها ملياً وينظر اليها طويلاً ثم يعيدها الى مكانها الآمن واذ ذاك يوصد كل باب قد يدخل اليأس من خلاله ويعود الامل قوياً متدفقاً يملأ كافة جوانحه فيمضي في طريقه دون أن ينظر الى الوراء .
كانت الشمس على وشك المغيب عندما لاحت من على البعد معالم قرية من القرى فآثرا أن يلقيا بعصا التسيار في موضعهما ذلك فيمكثا فيه الي أن يتدبرا أمر دخولها .. ولما بزغ الفجر كان يامو قد ذهب الى حيث قدر ان يكون مسلكا للرعاة واتخذ من بين الشجيرات مكانا يمكنه من الرؤية دون أن ينتبه أحد الى وجوده ولقد أصاب في تقديره اذ انه لم يدم في موضعه طويلا حتى رأى جمعاً من الرعاة يمر عبر ذلك المسلك وظل هنالك يرقب كل من سلك الطريق من الرعاة الى ان انقطع توافدهم ومضوا جميعاً الى حيث يقصدون الا انه لم يكن من بينهم اي من الأرقاء بل كانوا جميعاً من شباب اولئك القوم وحينذاك عاد يامو الى حيث يجلس رفيقه وبقيا هنالك الى ان جاء فجر اليوم الثاني فتولى أمر المراقبة هذه المرة أكر وجعل يطالع الرعاة وهم يسلكون ذلك الدرب وللعجب فقد رأى من بينهم من يبدو في ملامحهم .. ملامح أهل التلال وبرؤيته امتلأ قلبه بشراً فظل يرقبه وهو يسير في وسط تلك المجموعة من الرعاة وتساءل في نفسه كم ياترى من هؤلاء المساكين جنى ذلك الوحش في حقهم وحرمهم لذة العيش بين اهليهم وفي عقر ديارهم ثم لم يلبث ان ترك مكانه ومضى يسعى الى رفيقه ليبشره بما رأى ثم غادرا معاً مخبأهما ومضا يتعقبان الرعاة لعل ان تتوفر فرصة تمكنهم من مقابلة ذلك الرجل علي انفراد فيكون عونا لهما في مسعاهما .. وطال انتظارهما حتى تفرق الرعاة ً كل يسوق اغنامه الى حيز يبعد عن الآخرين ولحسن حظهما فقد مضي صاحبهما يرعى اغنامه في الجهة المقابلة لمكانهما فوفر عليهما مشقة اجتياز الآخرين فتقدما نحوه بخطى ثابته وابتدراه بالقاء التحية في لغة أهل التلال وتقدم يصافحهما في حرارة وترحاب ثم جلس ثلاثتهم يتحادثون .. اسمه الأصلي (اردهال) أما هنا فقد اطلق عليه اسم (مستور)... جاء الى هنا منذ سنوات لايذكر كم عددها لكنها ليست بالقليلة .. تعلم من لغة هؤلاء القوم ماجعله يفهم حديثهم ويفهموا حديثه دونما عناء وان كانت بعض العبارات تفوت عليه احيانا .. سألهما عن مقصدهما في هذه البقاع فرويا له قصة مختلقة اعتادا على سردها في اللقاء الأول بينهما وبين اي من يبدو لهما انه من ابناء التلال فقد نصحهما اتيم من قبل الا يثقا في كل من يقابلهما حتى ولو كان يحمل سيماهم وملامحهم والا يتهوران في الكشف عن امرهما فإن بعضا من ابناء التلال قد استسلم تماما لهؤلاء القوم وأصبحوا كأصابعهم .. يعملون رهن اشارتهم ولا يدخرون وسعا ً في سبيل ارضاء سادتهم حتى ولو كان ثمن ذك حياة اخوتهم الذين يجري في عروقهم ذات الدم لذلك فقد اخبروا اردهال بأن لسيدهما أبل مفقودة وقد ارسلهما للبحث عنها في هذه البقاع بينما ذهب بنوه للبحث في نطاق اخر .. ترك أردهال اغنامه ترعى على هواها وجلس يتبادل الحديث مع ضيفيه .. روى لهما كيف تم سبيهم وكيف اقتيدوا الى هنا .. ذكر لهما اسم قريته في التلال فتذكر اكر انه قد سمع عنها من قبل لكنه لم يرها ولما اخبراه باسم قريتهما التي جاءا منها نظر اليهما في دهشة وسألهما ان كانا يعرفان من تسمى كارا .. كاد قلب اكر ان يطير من بين اضلعه عندما سمع ذلك الإسم يتردد علي لسان ذلك الرجل.. فكارا كانت اقرب صديقات بورا اليها وقد مضين في ركب واحد .. فاجابا معاً :"نعم نعرف كارا وقد كانت واحدة من مجموعة فتيات سبين من قريتنا " .. أخبرهما بأن كارا معه في هذه القرية في دار واحدة .. مملوكة أيضاً لسيده شيخ هذه القرية .. جيئ بها منذ سنوات عوضاً عن دين كان لسيده في ذمة رجل من قرية مجاورة .. استضاف اردهال ضيفيه في كوخه الواقع خارج دار سيده وبدأ انه قد شيده بنفسه فهو اشبه بأكواخ قرى التلال فأثار ذلك سيلا من الذكريات الحزينة في نفس أكر ويامو فإنتقلا مراراً من ذلك الموقع الى اكواخهم وديارهم تلك التي امست مثل حلم في الخيال أو مثل السماء التي لايتطلع الى ارتقائها الا من ملك اجنحة .. ولما كان اردهال وثيق الصلة بكارا وعلى علم بهمومها واحزانها وحنينها الى ارض اجدادها فقد شاء ان يجعل مقدم أكر ويامو مفاجأة لها فأسر لها بأن تأتي لزيارته في كوخه عندما يأوي سادتها الى مضاجعهم .. ففهمت كارا ان اردهال يدعوها لأمر آخر مثلما اعتادا في أوقات متباعدة كلما سنحت لهما فرصة .. لذلك فما إن هجع أهل الدار حتى انسلت كارا تتلمس طريقها الى كوخ اردهال لتجد نفسها أمام ثلاثة رجال وليس بواحد .. فظلت واقفة على عتبة الكوخ وقد عقدت الدهشة لسانها تطالع وجوه الجالسين على ضوء مصباح زيتي بدأ ان زيته على وشك أن ينفذ لكنها لم تستطع ان تميز غير اردهال واستدارت تهم بالرجوع من حيث اتت لولا أن نادى اردهال عليها ودعاها للدخول قائلا لها ان ضيفيه ليس بغريبين عنها فزادت دهشتها وتقدمت تركز نظراتها دون أن يبدو عليها ما يؤكد معرفتها لهما مما جعل اردهال يرتاب في أمر زائريه.. ولما رأى يامو آيات ذلك على وجه مضيفهما ردد مقطعاً من اغنية كانت كارا ترددها دائماً في الحقول وكان يامو كلما لقيها ردد ذلك امامها .. فإذا حدقتاها تزداد اتساعاً واذا شفتاها ترتجفان وانقضت تحاول ان تاخذ كلا الرجلين بين احضانها.

سيد محمود الحاج
10-15-2009, 09:42 AM
( 36 )

ذرفوا في تلك الأمسية من الدموع ما أستنفذ معين أعينهم .. وبكوا طويلا على ذكريات الماضي .. ذكروا ذويهم والأكواخ والحقول ومناسبات ومواقف عدة .. وذكروا ذلك اليوم المشؤوم .. حينما قتلت الفرحة بغتة في قلوب الجميع .. وكان اشد ما اذهل كارا امر أكر فهي كما تذكر لم يكن من ضمنهم بل كان غائباً عن القرية .
لم يكن في ذلك الليل من قصور سوى قصره فقد مر كلمح البصرواحاديث اولئك النفر مازالت تتواتر مثل وابل متساقط على ارض قاحلة .. ينهمر الماء في غزارة ثم لايلبث ان تحسوه تلك الأرض لتتلقى المزيد .. أنس اردهال بضيفيه وسعد بهما وأحس وكأنه يعرفها من قبل برغم انهما حتى تلك اللحظة لم يكشفا له عن حقيقة أمرهما بل لفقا له قصة زائفة بإدعائهما انهما جاءا يبحثان عن ابل سيدهما.. وعند الفجر استأذنهما في الذهاب الى المرعى فقد حانت ساعة ذلك .. وخيرهما بين البقاء في الكوخ او مرافقته اذا أرادا لكنهما اختارا البقاء فقد كانت تلك فرصة طيبة للانفراد بكارا والتحدث اليها في حرية وصراحة .. عرفت كارا الحقيقة بكل تفاصيلها وحكت لأكرعن بورا الكثيرً .. فقد كانت آخر من تبقى معها من افراد الفوج وكانت كل منهما تأمل ان يكونا معاً حتى النهاية وان يجمعهما مستقر واحد ولكن يظل التمني دائماً شيئا لايدرك .. قالت له انه لم يغب عن ذهن بورا ابدا .. "كانت دائمة التفكير فيك .. يراودها امل كبير في انك قادم في لحظة من اللحظات .. لم يمت ذك الأمل لديها حتى في احلك الظروف التي جابهتنا .. لكن آه .. تباً لذلك الوغد فقد اخذها عنا ومضى بها الى ديار قومه في اقصى الشمال ولولا ذلك لكانت قريبة من هذه النواحي".. لم تكن كارا تعرف اسم بلدة كرار الزير وكل ماتعرفه انها بعيدة عن هنا الا ان ذلك الإسم قد يكون معروفا لدى أهل تلك الديار فاذا ماسارا الى ذلك الاقليم قد يجدان من يدلهما الى البلدة التي يقطنها ذلك الشرير .. كانت كارا تود ان تثني رفيقيها عن المضي قدماً في ذلك الطريق فهي تعلم مدى الأخطار والمصاعب التي ينطوي عليها السير فيه لكنها كانت على يقين من انه لو أجتمع أهل الأرض جميعهم لاثناء اكر عن مثل ذلك لما افلحوا في سعيهم فلم تملك ازاء ذلك الا ان طلبت منه ومن رفيقه ان يكونا حذرين ويقظين والا يفصحا عن حقيقة امرهما لأي من كان .. اخبرتهما بما سمعته عن أهل تلك الديار وحدة طباعهم . ولما كانت كارا على علم بذلك العداء القديم بين أكر وتورو فلم تشأ أن تخبر عن ما كان من أمر تورو بل اكتفت بأن روت ذلك ليامو على انفراد لاسيما وانها قد علمت قصة أكر كاملة .. فهو مازال يسير في أثر معشوقته .. فكان أن مر تورو بأطراف القرية التي كانت تقطنها مع سيدها الأول .. كان ذلك قبل عدة سنوات وشاءت الصدفة أن كانت ساعتها في ذلك الموضع تجمع الحطب فتلاقيا وجلسا معا طويلا ولبث في ذلك الموضع مدة يومين كانت تزوره خلالها خلسة ليتحادثان .. علمت أمره وانه راحل في أثر بورا وكانت لديه معلومات لاباس بها عن الطريق أمامه .. أخبرها صراحة أنه مازال متعلقاً ببورا وان كان قد تنازل عن ذلك من قبل فما ذلك الا لان أكر كان احق بها منه أمّا الان وقد خرج أكر من حياتها وانقطع الرجاء فيه فهو صاحب الحق بلا منازع وينبغي عليه أن يفعل شيئاً في سبيل انقاذها وتحريرها مثل ماتحرر هو من قبضة سيده ومن بعد ذلك يفعل الله مايشاء ... روت كارا ليامو ماكان من أمر تورو ورجته أن يحفظ ماعرفه في نفسه دون أن يبدي لأكر شيئا منه لئلا يثير غيرته ويحفز غيظه فيخرج الشر من مكمنه.. وتأوهت كارا في شيء من الألم :" الله وحده من يعلم ماجرى لك ياتورو من بعد تلك السنوات الطوال" !! .
واذ هم ّ أكر وصاحبه بالرحيل في فجر اليوم التالي تحدثا مع كارا في أمر الفرار الى أرض التلال وطلبا منها أن تكون على اهبة الإستعداد للانضمام الى ركبهم .. فما أن يكملا مهمتهما حتى يعرجان عليها هنا ليأخذانها .. ضحكت كارا على أثر ذلك وقد فاضت عيناها بالدموع فربما كانت ترى أن ذلك شئ سابق لأوانه وانه ليس الا من قبيل التعجل أو افراط في التفاؤل .. فالطريق الى ذلك الهدف الذي ينشده أكر وصاحبه طريق وعر محفوف بمخاطر جمة .. طريق لم يسع للمضي فيه قبلهما سوى تورو .. وهاهي سنوات طوال قد انقضت ولم يبن له أثر .. ولا أحد يعلم عنه شيئاً .. ومثله بورا .. فمصيرها أيضاً في علم السماء وحدها ولا أحد يدري مافعله الزمان بها .. أباقية على وجه هذه البسيطة أم أخذت في طياتها؟ ولو كانت باقية فهل مازال أكر يحيا في قلبها أم ان مامضى من الأيام والأعوام قتل ذلك الإحساس ولم يعد ماكان الا ذكريات فاترة واهنة؟ وماذا لو أنه قد صار لديها مايربطها بتلك الأرض الغريبة عنها مثلما بات لدى كارا .. ذلك الذي لم تشأ الأفصاح عنه لزائريها وحال الحياء دون أن تكشف عنه .. جذور من لحمها ودمها نبتت في احشائها دون ارادتها حتى خرجت للنور ونمت !!! كان يامو على علم بمعاناة كارا وبما بعثته دعوة أكر من أحزان والآم .. فهو يعرف ماذا جرى للفتيات من بعد سبيهن .. حتى وهن في الطريق الى هذه الديار .. لقد باشر الغزاة اغتصابهن منذ أن ابتعدوا عن حدود الأكواخ .. رأى بأم عينيه ذلك الشيخ اللعين وهو يقود بورا بعيداً عن الأخرين في مرات عديدة كما رأى وطالع وجهها عندما كانت تعود من بعد .. ورأى غير بورا رفيقاتها وقد اعتدى رجال الركب عليهن .. رأى الكثير الا انه لم يقو على ذكر شئ من هذا القبيل لصاحبه لئلا ان يزيد من جراحاته .. ان كارا باتت ام لعدد من الأطفال آباؤهم عدة .. فسيدها السابق اب لواحد وشقيق سيدها الحالي اب لاثنين واحد اقارب سيدها الحالي اب وغيره اب .. مثل كارا وبورا وغيرهما حق مشاع هنا لكل من اراد فليس في مقدور اي منهن ان تترفع أو ان تتعفف .. الحرة وحدها من تملك هذا الحق اما وهن رقيق مستعبد فليس من حقهن فعل ذلك.

سيد محمود الحاج
10-15-2009, 09:47 AM
( 37 )

لم يعد لعامل الزمن معنى في حياة اكر .. فربما مرت به ساعة كانت مثل يوم وربما يوم يمر مثل ساعة .. وفي غياب حساب الوقت اختل حساب المسافة أيضاً فتارة يتراءى له الباع فرسخاً وتارة يرى الفرسخ باعاً .. اصبحت حياته زحفاً متواصلاً وسيرا لاينقطع .. لايلقي بعصا الترحال من يد الا لتأخذها الأخرى .. يرى أن حساب الوقت وحساب المسافة لاينبغي أخذهما في الإعتبار الا بعد الوصول الى مايسعى اليه .. اجتماع شمله وبورا .. لذلك فان مامر من اعوام طوال لم يزده الا صبراً واصراراً .. فها هو وصاحبه يامو يوشكان على اكمال العام الثاني منذ أن التقيا بكارا ومازال لقاء بورا حلماً لانهاية له وسراباً يكتنف كافة الطرق امامهما .. يحلان اليوم بمكان ليغادرانه في الغد الى اخر .. اضناهما البحث واعياهم الترحال .. تتعاقب الفصول شتاء وصيف وخريف وهما على حالهما .. يضربان في الأرض بلا هوادة لايصدهما قيظ نهار ولاتثنيهما برودة ليل ولايخيفهما قصف رعود .. وهاهي السماء تغطي رحابها سحب وغيوم كثيفة فبدأ نهار ذلك اليوم كأنه مساءه وأكر وصاحبه يجدان السير علهما يصلان في تلك الفلاة الخالية الى مكان يقيهما من المطر الذي بات هطوله وشيكاً .. شاء الحظ أن تقودهما الخطى الى دار منعزلة في تلك الفلاة .. بدأ لهما شيخ مسن يحاول اصلاح سقف بيت من الشعر بوضع مزيد من الشمال لاتقاء تسرب مياه الأمطار وتعاونه في ذلك زوجته فما كان من أكر وصاحبه الا ان توجها لمساعدة الرجل وزوجته في ما كانا يقومان به من عمل وماهي الا لحظات حتى كانت الخيمة على أحسن حال ثم مضيا يصلحان واحدة اخرى وقاما بكل ماهو ضروري لمواجهة المطر المتوقع وقد لقي صنيعهما تقديراً كبيرا من ذلك الرجل المسن وزوجته اذ لم يحسبا وهما في تلك العزلة ان يأتي في ساعة ثل تلك من يقدم لهما يد العون.. فلم يكن الا ان دعاهما للبقاء في ضيافته مشيراً الى خطورة السير في جو مثل ذلك وفي فلاة مثل تلك الفلاة الواسعة فلم يترددا في قبول ماعرض عليهما وانزلهما الرجل في الخيمة الأخرى وكان المطر ساعتها قد بدا يتساقط بغزارة.
احسن الشيخ ضيافة اكر وصاحبه ووجدا لديه من العطف مالم يجداه لدي أحد منذ ان فارقا ديار اهليهم .. لم يحسبا ابداً ان من بين اولئك القوم اناس مثل هذا الرجل وهذه المرأة في طيبة اخلاقهما وكرمهما وعطفهما .. سألهما الرجل عن وجهتهما فلم يشعرا بما يريبهما في امره فأخبراه أنهما يسعيان وراء الرزق فعرض عليهما أن يفلحا له الأرض ويرعيا له اغنامه مقابل أن يأخذا نصف نتاج الأرض وربع ماتلده الأغنام .. كان ذلك عرضاً سخياً لم يحلما بمثله بل ولن يعرض مثله لامثالهما في هذه الديار التي هم فيها ارقاء لايمتلكون حتى انفسهم .. فقبلا ذلك دون تردد ليس لأجل ماسوف ينالاه من فائدة ولكن اسداء للجميل الذي لقياه من ذلك الشيخ الكريم .. فلا حاجة لهما بنصف نتاج الأرض وربع ماتلده الأغنام .. يكفيهما القليل الأقل من ذلك .. فما هما الا عابرا سبيل ولا حاجة لهمابمال أو متاع أو غيره .. لايبغيان سوى نيل هدفهما المرجو ولايطمعان في أكثر من سواه .. ولما كان فصل الخريف في بدايته فقد وجدا ان العرض مناسباً فالترحال خلال ذلك يكون مجهداً وبطيئاً ومحفوفاً بمخاطر جمة أما اذا بقيا الى حين أن يمضي من ذلك الفصل أكثره فإن تنقلهم سوف يصبح امراً مأمونا وسهلاً.
ومنذ أن تلقيا عرض الرجل انكبا على الأرض يصلحانها ويزيدان من رقعتها حتى بلغت اضعاف مساحتها الأولى ولما انتهيا من امر زراعتها اخذا يتبادلان رعي الأغنام فيوم يمضي أكر للرعي ويبقى يامو يراعي الأرض ويوم يكون الرعي فيه ليامو ويبقى اكر يراقب الحقل .. وظلا على هذه الحال الى ان نما الزرع وأخضرت المروج تحيل شحوب تلك الفلاة الى نضارة وازدهار يبعث الأمل في النفوس وازداد سرور الشيخ وزوجته وحمدا الله على أن آزرهما بمثل هذين الوافدين.
وجاء يوم خرج فيه يامو ليأتي بشئ من الحطب الجاف اذ يندر وجوده في فصل الخريف .. ومضى في سيره الى صلب الفلاة حيث تكثر الأشجار فاذا به يرى في ذلك الحيز عددا من الفتية يرعون اغناما ويتراكضون هنا وهناك في غبطة وسرور مبعثهما ذلك الصبح الجميل وتلك الشمس المشرقة على بساط شديد الإخضرار .. وللعجب فقد رأى في صحبة اولئك الفتية رجلا استطاع برغم بعد المسافة تمييزه عن بقية من معه فقد بدأ جلياً انه من قبيلهم .. ربما كان سبيا ً مثلهما .. وتبين له أن الرجل يشكو من عرج واضح في قدمه اليمنى ويستعين في سيره بعصا.. فوقف يراقبه وخطرت في ذهنه فكرة الدنو منه الا ان ملازمة الفتية له جعلت يامو يعدل عن ذلك مخافة ان يتحرش به اولئك الفتية فيحدث ماهو في غنى عنه.
كان يامو طوال الطريق يفكر في أمر ذلك الشخص .. من هو ياترى ومن أي قرية من قرى التلال وكيف جاء الى هذه الأصقاع النائية؟ ألم يشفع له عرجه لدى من أسروه؟ ماذا كان يضيرهم لو أنهم أطلقوا سراحه وجادوا عليه بفرصة البقاء في ديار أهله فلا شك انه قد كان لديهم من الأسرى الكثير فلو نقص عددهم واحد من مثل هذا المسكين فلن يشكل خسارة تذكر فهم الرابحون دوماً.
في ظهيرة اليوم الثاني قصد اكر ذلك الموضع الذي رأى فيه يامو الرجل الأعرج فقد عقد العزم على مقابلته منذ أن حكى له يامو عن ذلك ومضى يتبع الطريق على ضوء ماوصف له حتى وصل النقطة التي وصل اليها يامو في الليلة السابقة غير أنه لم يرَ أحدا من الناس ولما تقدم في سيره قليلاً بلغ مسامعه نباح آتٍ من مسافة غير بعيدة ومضى يواصل سيره في شئ من الحذر حتى رأى خياماً ومن حولها مجموعة من الإغنام ورأى بعضاً من أهل ذلك الحي فلزم موضعه وظل يراقبهم من حيث لايراه أحد لعله يرى من بينهم الاعرج الذي وصفه يامو .. وطال انتظار اكر دون مافائدة .. فلم يرَ ذلك الرجل فآثر العودة وكان ان اتخذ طريقاً غير الذي جاء منه فقاده الى بركة نمت من حولها حشائش كثيفة .. ولما كان قد سار طويلا فقد عرج الى تلك البركة ليروي مابه من ظمأ فلفت انتباهه وجود آثار أقدام حديثة العهد كان من الواضح ان صاحبها يعاني من عرج فالخطوات متباعدة عن بعضها فبينما تظهر آثار قدم كاملة لايظهر من الأخرى الا بعضها كما تظهر ايضاً آثار العصا التي يرتكز عليها صاحب الأثر .. وكان قد بدأ واضحا ً للعيان انه لم يمض علي ذلك سوى سويعات قليلة ... ربما كان ذلك في أول النهار .. ولم يكن لأكر شك في أن صاحب الأثر غريب عن هذه الديار فأثر قدميه تدل علي ذلك .. إذن فقد كان يامو على حق فيما روى .. وجلس أكر عند تلك البركة طويلا يفكر في أمر هذا الأعرج ويربط بينه وبين منظر هذه البركة المحاطة بالحشائش وتلك المروج الواسعة فيعود خلال ذلك إلى أرض التلال وإلى أكواخ قومه وحقولهم وتهيج به الذكرى وتنبعث اشجانه فتفيض عيناه بالدموع .. اين الأهل وأين الأحباب والصحاب؟ لقد مضى كل شئ مثل ماتمضي الأحلام ولم يبق من كل ذلك الا ذكريات .. خمسة عشر عاماً قد مضت وهو لايزال ينساق خلف وهم وسراب لايدركان .. يرفض هذه الحقيقة .. أن يكون منساقاً وراء وهم .. يحسب دوما ان بورا على بضع خطوات منه .. ان لم يظفر بها هذه الساعة فالساعة القادمة موعد ظفره .. ليمضي من الوقت مايمضي وليذهب من عمره مايذهب فقد تجمدت الحياة امامه وتوقفت منذ أن فارقت بورا أرض الاكواخ ولن تعود الحياة الا اذا ماعادت اليه حبيبة القلب .. عند ذلك سوف يسترد الوقت قيمته ويكتسب العمر اهميته ويعود للحياة معناها .. ولما ارتحل اكر في ركب الذكريات طويلا عاد الى الواقع الأليم بعيون دامعة ثم نهض يواصل مشوار العودة وقد عاد يتمعن ذلك الأثر مرة اخرى وخطرت له فكرة تتبعه ليعرف وجهته وأي ناحية قصدها فلاحظ أن صاحبه يتبع في سيره طريقاً جافاً متجنباً الغوص في الوحل والمياه كل ماكان ذلك ممكناً فإزداد يقيناً من أن صاحب الأثر معاق ومضى في ذلك الى أن تبين له أن الأعرج كان قد قصد ذلك الحي الذي شاهده قبل قليل.

سيد محمود الحاج
10-17-2009, 09:23 AM
( 38 )
حال المطر الذي تساقط في وقت متأخر من مساء ذلك اليوم دون اعادة الكرة من قبل اكر أو يامو في اليومين التاليين فقد انشغلا بمعالجة الأضرار التي لحقت بالزرع من جراء المطر الذي ظل يتساقط لساعات طويلة .. ولم يتوفر لهما وقت لأعادة محاولة الوصول الي ذلك الأعرج والألتقاء به الى أن تمكنا بعد بضعة أيام من اصلاح الزرع ومعالجة الأضرار التي المت به واصبحت الفرصة سانحة امامهما لإعادة الكره فقصدا في ظهر اليوم التالي ذلك الحيز على أمل أن يقابلا الرفيق المجهول وما إن اقتربا من الموضع المقصود حتى بلغ مسمعيهما لغط استدلا به على أن الرعاة امامهما في ذلك الحيز فحادا عن طريق سيرهما ليأخذان طريقاً آخراً يمكنهما من مراقبتهم دون أن يستطيع الرعاة رؤيتهما وواصلا السير في حذر إلى أن كان لهما ما أرادا .. فقد تمكنا من مراقبة الرعاة من حيث لايرونهما .. كانوا مجموعة من الفتية ومن بينهم ذلك الأعرج يستند على عصاه في كل خطوة يخطوها .. اصبحا على يقين من انه من قبيلهم فملامحه تؤكد ذلك .. بدأ انه أكبر سنا من كليهما .. لم يكن يشارك اولئك الفتية في هرجهم بل كان صامتا منشغلاً بمهمته الموكلة اليه .. وتقدم آكر قليلا ليقف عن كثب وتمعن وجه ذلك الرجل لعله أن يكون من بقية الرفاق .. ابناء الأكواخ .. الا أن الرجل قد ولاه ظهره ثم مضى عن اولئك الفتية متخذا ذات الطريق الذي يقود الي البركة فلزم أكر مكانه حتى أيقن من أن الأعرج متجه اليها .. و رأى الفتية يجمعون اغنامهم تمهيداً للعودة الى مضرب خيامهم .. فبات علي يقين من ان املهما في لقاء ذلك الرفيق على وشك ان يتحقق فهاهم الفتية قد مضوا ادراجهم وهاهو الرجل المنشود قد بات لوحده .. مازالا يريانه يثب على قدم واحدة من بين الحشائش في طريقه الى المستنقع وكانا قد اتخذا ذات الطريق الذي جاء بهما وآثرا الاَ يتبعان الطريق الذي سلكه حتى لايفاجأ بهما من خلفه اذا ماحانت منه التفاتة إلى الوراء .. ولما وصلا هنالك ألفيا صاحبهما قد نزل الى الماء يبترد .. وقد غاص حتى وسطه يردد مقطعاً من أغنية معروفة لأهل التلال ويعيد ترديده مراراً كأنه يحاول تذكر ما يأتي بعده من مقاطع .. لم يحس بهما اذ كان مولياً وجهه شطر الجهة الأخرى.. فآثرا الاّ يباغتانه فيحرمانه من ذلك الإحساس بالسعادة وتراجعا الى الوراء قليلا ليمهلانه حتى يكمل استحمامه وهما يصغيان الى ما يردده فيرددانه معه بصوت خافت وقد غشي نفسيهما سرور غامر .. ولما انقطع الترنم وقف أكر بنصف قامته ليرى من وراء الشجيرات والحشائش ما اذا فرغ صديقهما من الإغتسال أم لا .. فرآه يشق طريقه في الماء بصعوبة معتمدا ً على قدم واحدة فخشي عليه أن يختل توازنه فيهوي بجسده في الماء فظل يراقبه للحظات الى أن اوشك على الخروج من الماء فاحس بمزيد من العطف تجاهه وهو يرى مدى إعاقته .. ولاحظ فيما لاحظ ان على اسفل ظهره آثار جرح قديم غائر رجح ان يكون ذا علاقة بهذه الأعاقة .. في تلك الأثناء استدار اكر ويامو يخطوان الى الناحية الأخرى من تلك البركة بحيث يكونان في وضع يجعل ذلك الرجل يراهما دون أن يفاجأ بهما فكان لهما ذلك اذ وقف مستنداً على عصاه يطالعهما بتمعن وتركيز .. القيا عليه التحية قبل ان يصلا اليه تماما ً وقد اعتلى وجهيهما بشر جلي .. عانقاه في حرارة الا انهما أحسا بشئ من البرود من قبله .. لم يقابلهما بذات الحرارة لكن ما لاحظاه على وجه جعلهما يغضان البصر عن ذلك .. فقد كان الرجل بجانب اعاقته أعوراً لايرى الا بيسراه .. رثياً لحاله ولتعاسته .. آه لهذه الأقدار اذ لم يكفها ما أصابت به هذا المسكين من عاهات فرمته في شراك اولئك الغزاة القساة ليصبح فوق ذلك عبداً ذليلاً .. رباه كيف قوي هذا التعيس على تحمل الزحف الطويل ومشقة السفر المتواصل عبر تلك الأحراش والأودية والوهاد و كيف استطاع الوصول الى هذه البقاع وهو على هذا الحال؟ ليت من أسروه قنعوا ببقية من أسروا فأخلوا سبيله رحمة به .. ولكن هيهات ان تعاف الذئاب مايقع بين مخالبها.. اخبراه بأنهما يقطنان قريبا من هنا مع سيدهما وخرجا بأمره ليحتطبان.. ودون أن يتمادى أكرفي الحديث سأله ليعرف الى أي قرية من قرى التلال ينتمي فأجاب ساخراً :"أنا من هنا .. من هذه الديار" !! عجبا لهذا الرجل .. ملامحه ملامحمهما ولسانه لسانهما فكيف ينتسب الى هذه الأرض وينسى أرض ابائه واجداده اللهم الا ان يكون من ذلك الصنف الخانع المستسلم أو أن تكون به لوثة من جراء مابه .. وكأن الرجل قد قرأ نظراتهما وما انطبع على وجهيهما فادلى بما يبدد حيرتهما :"أليس وطن المرء هو مايعيش فيه ويموت هو فيه" !!.. بدأ لهما من هذه العبارة ان معاناة هذا الصديق كبيرة حقا وأنه يائس لايحمل في قلبه أملا فأردف يامو :"هل يعني ذلك انك لاتفكر في العودة الى أرض الوطن .. أرض التلال"؟! فضحك ضحكة غلب عليها طابع الحزن .. ضحكة مغلوب أمام بلواه :"وأنّى لمثلي أن يقوى على طي تلك الأحراش وتلك الدروب الوعرة .. قد يكون ذلك ممكنا لأمثالكم اما من هو في مثل حالي لايحلم بذلك مطلقاً اللهم الا اذا استيقظ من نومه صباح يوم فوجد انه يمتلك جناحي نسر" !! .. قال ذلك ثم ارسل زفرة انبأت عن مخزون صدره من الآم وكشفت عما تعج به نفسه من احزان وآهات .. تأثرا لحديثه غاية التأثر الا انهما حاولا اخفاء ذلك .. قال له أكر :"وكيف استطعت المجئ إذن؟ فطالما قويت على ذلك من قبل فسوف يكون في امكانك ان تقوم به الآن وسنكون لك عونا" .. فقال مخاطباً أكر :"ومن قال لكما انني جئت من هنالك بهذه البلوي..!!.. حين سبيت كنت قويا بصيراً مثلكما تماماً .. ولكن هذا جزاء كل من يصارع أقداره ويحاول قهرها .. لقد كنت مثل ذلك الثور المغرور الذي اعجب بقرنيه وحدتهما فجرى مندفعا نحو الجبل ليزيله عن مكانه فازال قرنيه وبقي الجبل في مكانه شامخاً" !!.. توالت تلك الزفرات المليئة بالأسي واصدر ذات الضحكة .. ضحكة الساخر من بلوى الأقدار .. لم يستطع اكر ولايامو رغم محاولاتهما اخفاء ذلك التأثر الذي لحق بهما من جراء ما أضافه هذ الرجل .. يالقسوة الحظ!! .. فهذا البائس قد كان قويا مثلهما يمشي على قدمين ويرى بعينين وهاهو الآن لايملك الا نصف ذلك ..سأله يامو عن تفاصيل ماجرى له وكيف حدث له ماحدث فقال :"آه يأخي تلك رواية ذات فصول وليس في الوقت متسع فهاهي الشمس توشك على المغيب وكما تريان فالوحل والماء يغطيان الطريق أمامي واذا ماحل الظلام فسوف تكون مهمتي عسيرة وربما تعثرت على كومة شوك أو سقطت في وحل .. فإذا أردتما الذهاب معي الى مضرب الخيام فمرحباً بكما واذا آثرتما العودة الى حيث سيدكما فما الصبح ببعيد" .. شكراه على كرمه ثم رافقاه الى ان اجتاز مكانا موحلا كثرت في الحشائش وقبل أن ينصرفا تماما استوقفهما يسألهما عن اسميهما ويعرفهما بإسمه " لقد فاتني ايها الصديقان ان اذكر لكما اسمي أو ان اعرف اسميكيما .. فاسمي (بخيت) واسكن في ذلك الحي الكائن خلف تلك الأشجار".. ضحك اكر حين ذكر ذلك الرجل اسمه وقال له :"ان اسمي أيضاً بخيت .. مثل اسمك .. وهذا رفيقي اسمه مرسال .. وكلانا يعمل في خدمة سيد واحد" .. انصرف أكر ويامو الى مقرهما مع ذلك الشيخ الطيب وطوال مدة سيرهما كانا يراجعان سيرة صاحبهما بخيت .. احسا بأن هنالك شئ من الغموض يحيط به .. فهو لم يذكر لهما اسم قريته وتهرب من الإجابة على السؤال في ذلك الخصوص كما انه امتنع عن ذكر اسمه الحقيقي .. اسم قومه علاوة علي أنه دعاهما للذهاب معه الى مضرب خيام سيده وكما يعلمان فلا يملك عبد ان يفعل مثل هذا .. ان يدعوا عبدا مثله لدار سيده .. اثارت هذه التصرفات قلقهما وجعلتهما يرتابان في أمره .. ربما كان من ذلك النوع الذي سمعا عنه من قبل وحُذرا من التعامل مع مثله .. اولئك الذين استسلموا لسادتهم واصبحوا طوع بنانهم .. لذلك فقد عزما على ان يكونا اكثر حرصاً وحذراً في المرة القادمة والا يكشفان عن حقيقة امرهما لذلك الأعرج فقد يوقعهما في شراك يصعب الخلاص منها.

سيد محمود الحاج
10-17-2009, 09:27 AM
( 39 )
لم يعد أكر ويامو في صبيحة اليوم الثاني يحملان ذلك الحماس الذي كان يدفعهما من قبل بعد ان قابلا ذلك الرجل فقد لعبت شكوكهما حوله دورها في تقليل حماسهما الا ان ذلك لم يمنعهما من المضي للالتقاء به ثانية علهما يجدان لديه ماهما في حاجة اليه او معلومة تفيدهما في بحثهما ولما وصلا وجداه جالسا تحت شجرة على يمين ذلك المستنقع وقد بدأ وكأنه قد كان يرتقب مقدمهما اذ الفياه اطيب نفسا مما كان في الأمس .. حياهما بحرارة ودعاهما للجلوس بجانبه ثم ابتدرهما باسما :"قبل كل شئ اود أن اسألكما قبل أن يكون هذا بخيت وأنت مرسال ..من أي فج من فجاج التلال جئ بكما ايها الصديقان"؟ .. فعاجله يامو قبل الإجابة على سؤاله :"لقد سألناك بالأمس ذات السؤال ولكنك لم تجب ونسبت نفسك الى هذه الأرض فقل لنا قبل أن نجيبك ما اسمك قبل أن تكون بخيت وماقريتك التي كنت فيها قبل أن تأتي الى هذه الأصقاع؟" فصمت قليلا قبل ان يجيب :" حسنا أيها الصديق .. فإسمي الحقيقي هو تورو " ..وما إن ذكر اسم قريته حتى هب اكر ويامو يقفان وقد تملكتهما دهشة عظيمة عقدت السنتهما وطفقا يطالعان وجه ذلك الجالس كمن يطالع صفحة كتاب قديم طمست حروفها ودرست معالمها .. كادا الا يصدقان لولا ان شيئا ما شد انتباه اكر .. فقد تذكر اثار ذلك الجرح الغائر الذي رآه على ظهر الرجل حينما كان يبترد في ذلك المستنقع .. رددا في وقت واحد :"هل أنت تورو حقاً"؟ .. " نعم أنا تورو ايها الصديقان فهل تعرفانني من قبل:"؟ .. فأجاباه وقد خنقتهما العبرات وانهمرت دموع اعينهما غزيرة :"ألم تعرفنا ياتورو؟ .. فأنا يامو وهذا وهذا أكر .. أبناء قريتك ورفيقا صباك" !!!! عند ذلك هم تورو بالنهوض وهو يصيح غير مصدق :"لا لا .. لا لا .. لايمكن أن يكون ذلك صحيحاً فما الذي اتى بأكر ويامو إلى هذه الأصقاع .. ما أنتما إلا تكذبان"!! وبدأ ان تلك المفاجأة قد انسته علته فحاول النهوض دون الإستناد على عصاه فإختل توازنه وخر على الأرض بقوة.
تعانق ثلاثتهم طويلاً وبكوا كثيراً وجرفت تلك الدموع كل ما كان راسباً في نفسي أكر وتورو تجاه بعضهما من كره وغيره .. تحدثا معا كأن شيئا لم يكن بينهما من قبل .. قال تورو :"لقد كنت أتوقع حدوث الكثير لكنني ابداً لم أتوقع ان يتم مثل هذا اللقاء "!!.
ساقهم الحديث إلى متاهات بعيدة.. لم يعد تورو يبالي بالظلام أو ان يتعثر فوق الشوك أو الوحل .. عرف قصة أكر كاملة وعرف ماجرى ليامو من احداث بعد اخر مرة تقابلا فيها .. ثم حكى لهما قصته وفصول مأساته .. لم احسب يا أكر بأنك سوف تأتي في أثر بورا فقد كنت ارى ذلك من قبيل المحال ورأيت في غيابك انني صاحب الحق المطلق ففعلت مافعلت ومضيت في ذلك الطريق أحثّ السير حتى وصل مسامعي لغط وهرج فأنحرفت متخذاً طريقاً آخرا غير أني ماكدت أفعل حتى سمعت أصوات تأمرني بالتوقف ولما التفت ألفيتهم بعض رجال يتقدمون نحوي بخطى سريعة .. وهممت بالمضي في طريقي ومواصلة السير دون الامتثال لأوامرهم ولما اصبحوا أكثر قرباً فكرت في الهرب إلا أنني تراجعت عن ذلك وفضلت مواجهتهم ومعرفة نواياهم وماذا يريدون .. لم أقراً في وجههم إلا الشر وبانت لي حقيقة ذلك .. ولما أبديت مقاومة لحقت بي السياط فاستشطت غضباً واستخدمت يدي في كل صوب حتى سالت الدماء من أنوف وأفواه بعضهم .. ساعتها تكاتفوا معاً ووحدوا صفهم فصاروا يتقاذفونني فيما بينهم حتى اوشكت على السقوط فثارت ثائرتي وانتزعت سوطاً من يد أحدهم وانهلت به على وجه أشدهم قوة .. وليتني لم أفعل فما كان الا ان دخلت المعركة ادوات اخرى غير السياط .. واحسست بشئ صلب يخترق عيني محدثا الما ً مريعا ًوقبل أن استدير هوى فأس على ركبتي ثم على قدمي فظننت من فرط الألم انه الموت ولم اعد اشعر بعد ذلك بشئ الا عند فجر اليوم الثاني حين وجدت نفسي مطروحاً على الأرض..
كان الألم يسيطر على كافة اعضاء جسدي ووضعت يدي على عيني السليمة فلم أرى الا ظلاما فأيقنت أن عيني الأخرى قد إنطفأ نورها إلى الأبد .. حاولت عبثاً النهوض فباءت جميع محاولاتي بالفشل وكان يخال لي أن رجلي المصابة غير موجودة في مكانها .. ولما وضحت الرؤية أكثر رأيت دمي على الثرى من حولي فكنت في مرقدي ذاك مثل خروف ذبيح .. ظننت انه الهلاك فالله وحده من يعلم متى يأتي إلى تلك الفلاة من يأخذ بيدي ويأتيني بجرعة ماء اطفئ بها ذلك الظمأ الحارق .. لن يأتي الى هذه القفار سوى اولئك الأشرار فان وجدوا بي رمقاً اجهزوا علي .. وليتهم يفعلون فيريحونني من هذه الأوجاع المضنية .. لم يخالجني شك في ان تلك هي خاتمتي .. اموت في هذا العراء ولا أجد من يستر جثتي .. فأغدوا طعاماً للنسور والعقبان وتتناثر أشلائي هنا وهناك و بينما أن على تلك الحال سمعت وقع حوافر قادمة نحوي فحسبت انهم اولئك النفر وقد جاءوا ليتفرجوا على جثتي .. جثة ذلك الثور المغرور .. فأغمضت عيني السليمة واوقفت كل حركة حتى يحسبوا انني قد مت .. سمعت من حولي لغطاً لم أفهم معظمه الا انني قدرت أنهم يتساءلون فيما بينهم ان كنت ميتاً أو مازال بي رمق .. وشعرت باصابع احدهم تتحسس جسدي ثم بالماء ينثر على وجهي ثم تكاتفت ايدي تحملني .. صرخت بأعلى صوتي حين هم الرجال برفعي من على الأرض وامسكوا بقدمي المصابة فقد سرى ألم مريع ذهبت معه في غيبوبة فلم أعد اشعر بما يجري من حولي .. حينما افقت وجدت نفسي تحت شجرة ومن حولي ثلاثة رجال ..كان الوقت ظهراً .. صرت اتنقل بنظري بين الوجوه فقد حسبت للحظة انهم اولئك الأشرار وقد جاءوا ليقضوا على حين تبين لهم اني مازلت حيا ً الا انني رأيت وجوها تبتسم.. القى كبيرهم التحية فرددتها بهز رأسي .. ومال علي وفي يده ابريق ماء صب شيئاً منه في فمي ثم نثر بعضه على وجهي ثم اطعمني مثل مايطعم الطفل الصغير .. احسست بعد ذلك بالحياة تدب في اوصالي شيئا فشيئاً بعد أن فرت عنها حيناً .. فوضعت يدي على عيني السليمة لأختبر عيني المصابة على أمل ان تكون تلك الغمة قد زالت وعاد ابصارها الا ان حسرتي كانت كبيرة فلم أعد ارى غير الظلام فبت على يقين من ان نورها قد مضى دون رجعة .. تألمت لذلك كثيراً وبكيت كثيراً ولكن هل يجدي البكاء شيئاً؟
في وقت متأخر من مساء ذلك اليوم وصل الركب الى هذه الديار التي ترونها وانزلت في خيمة من خيام ذلك الشيخ الشهم .. لقد كان رجلا كريما رحيما شفوقاً .. كان يأبى الا أن يحضر اليّ الطعام بنفسه ويجلس معي حتى أجهز عليه تماماً .. أتاني بحكيم القرية مرارا حتى اندمل جرحي وجبر كسري وقويت على الوقوف .. كان يعاملني كأني واحد من أبنائه .. سألني عن ماضي حياتي فرويت له كل شئ في صراحة فتألم لما حدث ولعن اولئك الذين يخربون سعادة الآخرين ويستعبدونهم بغير حق .. اقنعني بالبقاء في دياره عزيزاً مكرماً وبعدم التفكير فيما كنت أود عمله .. حدثني عن قسوة أهل تلك الديار التي كنت أنوي التوجه اليها .. حتى آخر لحظة في عمره كان يوصي أبناءه بي خيراً .. فكانوا ومازالوا نعم الأخوة .. لم أحسب ابداً أن يوجد من بين هؤلاء القوم أناس في مثل طيبة هذا الرجل ومثل عشيرته .. لكن الخير والشر متلازمان .. يجلسان بقرب بعضهما في كل مكان وفي كل زمان.
كان أكر ويامو جالسين لاينطقان بحرف .. يتابعان بإهتمام كل كلمة يتفوه بها صاحبهما .. لم يهتما بمضي الوقت ولعل ثلاثتهم لم ينتبهوا الى ان الشمس قد استقرت تماما في مغيبها .. لقد كان حديث تورو سلساً وحكايته شيقة ولم ينقطع ذلك الحديث الا حينما سمعوا اصوات نداء من خلف الحشائش .. أصوات لعدة اشخاص ولما اصغوا عرف تورو مصدر الأصوات وميزها فرد عليهم بصوت مرتفع من حيث لايراهم ولايرونه قال بأنه هنا مع بعض أقاربه فإذا ثلاثة فتيان من بينهم .. عرفهم تورو بصديقيه وعرفهما بهم .. انهم احفاد ذلك الشيخ الذي تحدث عنه تورو .. جاءوا يبحثون عنه اذ تأخر عن موعد عودته.

سيد محمود الحاج
10-17-2009, 09:32 AM
( 40 )

منذ ذلك الحين صار اللقاء بين أكر ويامو وتورو لاينقطع .. يلتقون قرب ذلك المستنقع واحيانا يمضي اكر ويامو الى رفيقهما في مضرب الخيام .. فرّج ذلك عنه الكثير من همومه واحزانه .. ولكي لايرتاب ذلك الشيخ المسن في أمر اكر ويامو فقد اخبراه بأنهما قد لقيا احد اقاربهما في ذلك الحيز لذا فهما يختلفان اليه من حين الى آخر .. كان حديثهم في معظمه عن تلك الأيام السعيدة التى كانوا يقضونها في الحقول وعن مصير اهلهم من بعدهم ومصير رفاقهم الذين تفرقت بهم السبل .. وحتى تلك اللحظة لم يشأ تورو ان يتحدث عن مكان بورا في تلك الأصقاع فقد كان يرى أن المضي في ذلك الطريق هو مضي نحو الهلاك .. حاول ذلك بنفسه وكانت النتيجة واضحة ..اوشك على الموت وهو في أول خطواته في ذلك الطريق فماذا لو تقدم لخطوات آخرى .. ساقهم الحديث الى كرار الزير ذلك الشيخ الماجن .. فوجد اكر الفرصة سانحة ليسأل أين تقع بلدة كرار الزير وما أسمها فقد علم من كارا من قبل ان لدى تورو معلومات عن ذلك .. ذكر تورو اسم القرية وأخبر سائله انها لاتبعد عن هنا كثيراً ربما كانت على مسيرة ثلاثة أو اربعة ايام علي الأقدام.. ولما أدرك مايرمي اليه اكر عرج للحديث عن اهل ذلك الإقليم وعن قسوتهم وحدة طباعهم .. وقال لاكر صراحة :"اياك والتفكير في المضي في ذلك الطريق والا فلن تعود ابداً"!! .. ضحك أكر ضحكة تنم عن استخفافه بما اورده تورو فرد بقوله :"لقد نذرت عمري لذلك الهدف فإما أن اظفر به أو اهلك في سبيله .. لقد لازمت السير في اثره طيلة تلك السنوات التي مرت ولاقيت مالاقيت فكيف انصرف عن ذلك وهاهو الهدف على بعد ثلاثة ليالٍ أو اربع" .. حاول تورو جاهداً ان يثني اكر عن رأيه و اقناعه بالعدول عن ذلك غير انه لم يفلح في مسعاه .. ولما ضاق ذرعاً قال لأكر :"ومن يضمن لك ان بورا مازالت في تلك البلدة بعد هذه الاعوام ؟ ربما تكون هي الأخرى قد فرت الى غيرها أو ربما ارتحلت عن هذه الدنيا !! فلن تجني من ذلك الا حسرات ومآسي .. ثم هب انك وجدتها فكيف تضمن انها مازالت في انتظارك خلال هذه الفترة الطويلة .. قد يكون لها ابناء وبنات" !! هنا عصف غضب جامح بنفس أكر وصرخ في وجه محدثه :"كف عن ذلك .. فلن تتزوج بورا من غيري ابداً .. هنالك عهد بيننا" !! .. ضحك تورو في تهكم ثم اردف يقول :"عهد وزواج .. من لايملك نفسه لايملك عهده .. أمازلت تجهل ياصديقي مثل هذه الاشياء رغم وجودك في هذه الديار منذ سنوات طوال؟ من قال لك أن مثل بورا تملك حق الزواج !؟ فالأرقاء هنا حق مشاع لسادتهم و لغير سادتهم .. وقد استغل هذ الحق منذ أول الطريق .. ألم تر ذلك قد حدث مع فتيات الفوج الذي كنت فيه" .. قال اكر غاضباً :"كلا لم أرَ ذلك مطلقاً فلو كنت قد رأيت مثل ذلك لما صمت حياله .. هل حدث مثل ذلك بالفعل"؟ قال تورو:" بلى .. لقد حدث كثيراً .. ألم يحك لك يامو عن ذلك وعن مافعله ذلك الشيخ القذر ورجاله بالفتيات التي كن في فوجنا .. ألم ترو له ماحدث يا يامو"؟! .. الا أن يامو صمت وطأطأ رأسه .. لم يكن يريد أن يشعل النار .. وصمت أكر عن الحديث وقد احمرت عيناه وارتسمت في مابين حاجبيه تلك الهالة كاملة .. اضرم حديث تورو نارا حامية في دواخله خرج لظاها في زفراته المتكررة .. وحاول تورو ان يخفف عنه فقال له :"لم يكن في استطاعتنا فعل شئ فقد كنا مكتوفي الايدي و ليس في ايدينا ما ندافع به .. فلو ان احدنا قد رفع يده في وجه أي من اولئك الأشرار لما توانوا في قطعها .. لم تكن للشجاعة معنى امام ماكان معهم من سلاح والا لكنا قد عدنا الى ديارنا منذ أن جاء لنجدتنا دلدوم ورجاله .. ولكن حتى دلدوم نفسه لم يتمكن من العودة ومضى إلى الأبد .. هذا قدرنا يا أخي فلا تكن مثلي وتحاول تحدي الأقدار .. لايستطيع احد الفرارمن قدره والا كان مصيره مصير ذلك الثور المغرور الذي ناطح الجبل"!!.
لقد اتخذ اكر قراره في هذ الشأن منذ فراره من الأكواخ منذ سنوات طوال .. لذا فإن حديث تورو لم يفعل اكثر من انه اجج تلك النار الكامنة بين اضلعه وزادها ضراوة .. لقد ظل يسير لأعوام طوال وراء بورا ولكن دون هدى .. كان سيره تخبطاً .. ذرع أرض الله بطولها وعرضها وهاهو الآن بعد تلك السنوات الطوال على مقربة من الديار التي تقبع فيها بورا دون أن يدري ذلك من قبل .. أما الآن وقد عرف مكانها فلن يثنيه شئ عن الوصول اليها .. ان يكن سيدها قد هتك عرضها واستباح شرفها فهذا امر آخر و له حساب آخر .. أما هي فسوف تظل بورا .. ذلك الحلم الجميل وتلك الذكرى العطرة .. ستبقى كما هي باقية في جوانحه ولم تفعل السنوات الطوال التي مرت الا ان زادته تعلقاً وشوقاً وازداد تبعاً لذلك عزمه واصراره نحو الوصول اليها .. ما زال يحمل تلك الصرة التي حفظت اثرها مثل كنز نفيس وجوهرة لاتقدر بثمن .. ماهو في هذه البقاع الا من اجلها فكيف يعود ادراجه وإلى أي مقر يعود؟ ليس له مقام في هذه الربوع فمقره هنالك في تلك القرية النائمة في احضان التلال .. سيعود اليها في يوم قريب وفي صحبته بورا .. نعم .. سيعود الى ديار قومه ظافراً .. لقد حانت الساعة فهاهي بورا على مقربة منه .. تتنفس ذات الهواء الذي يتنفسه الساعة .. يكاد يشتم رائحتها المميزة .. دقات قلبه تقول له ذلك .. سيجدها قريبا واحساسه ينبئه بأنها كما هي .. مثل مهر جامح لم يمس ظهره بعد .. لن يكون رحمها قد امسك لسواه خلفاً .. يكاد يجزم على ذلك .. ولو حدث ذلك فليكن .. يكفيه ان يراها وتراه وليقدر الله بعد ذلك مايشاء.

ابوالفارس
10-17-2009, 11:15 AM
الأخ سيد الحاج
لك كل الإحترام لما تم سرده من القصة الجميله ويخيل لي أنك دائماً متفائلاً
وقصصك روعة ومنسقه إلى الأمام ونحن دائماً نتطلع إلى قرأتك المثيره والممتعه

سيد محمود الحاج
10-17-2009, 11:44 AM
( 41 )

مرت الأيام القليلة التي تلت ذلك مثل سنوات طويلة بحساب اكر .. ولولا اصراره على رد جميل ذلك الشخ الكريم لمضى في طريق بورا منذ اللحظة .. ولكن شهامته تصده عن ذلك فمكث الى ان جاء يوم الحصاد فحصد ورفيقه المحصول على عجل وكان وفيراً .. اعجب الشيخ كثيراً بأكر ويامو وأكبر فيها مرؤتهما وعونهما.. وبعد أن جمعاً المحصول وخزناه على النحو الذي اراده الشيخ فاتحه اكر في أمر عزمه ورفيقه على الرحيل .. تنازلا عن كامل حصتهما للرجل واكتفيا ببضع قناديل وقليل من اللحم المجفف لتكون زادهما في ترحالهما .. غادرا دار الشيخ عند الأصيل وعرجا على مقر تورو فالفياه في الطريق عائداً من مكانه قرب تلك البركة فرافقاه وامضيا الليل في خيمته .. اخبراه بما عزما عليه فتألم لذلك كثيراً ..قال لهما :"لقد احسست بعد أن جمعني الله بكما كأني قد عدت إلى أرض التلال و أزال وجودكما بقربي كثيراً مما كنت أحس به من احزان دفينة لم ابح بها لسواكما فما عساي أن افعل من بعدكما وها انتما تزمعان الرحيل عني"!! .. وقبل أن يكمل حديثه طفرت عبراته وانسابت دموعه فشاركاه البكاء .. وساور يامو أحساس جعله يقف حائراً بين المضي مع رفيقه الذي بدأ معه المشوار وبين البقاء مع هذا التعيس الذي هوا في حاجة ماسة للمؤازرة والعطف الا ان اكر يريد المضي في طريق مجهول محفوف بالمخاطر .. يحتاج لمن يشد ازره وهذا البائس تورو في صحبة اناس كرام لن يقصروا في حقه ابداً .. وضع أكر يده على كتف تورو ليهدئ من روعه :"كن على ثقة ياتورو بأننا سوف نعود هنا ثانية فور انجاز مهمتنا .. سنأتي جميعاً انا ويامو وبورا .. وسنأخذك معنا إلى ارض الوطن مهما كان ذلك صعباً .. ستعود الى ديار الأهل مثلما نعود"" ! .. ضحك تورو وهو يغالب دموعه وعبراته : " لقد رضيت يا أخوتي بقدري ونصيبي .. ولن اقبل ان اكون عالة وحملا ثقيلا في مهمة شاقة مثل تلك .. اني لا أطمع الآن في اكثر مما نلت .. فشكراً للسماء ان جمعتني بكما بعد ان ظننت كل الظن اني سوف اموت دون ان اجد من يحدثني بلسان قومي ولو بكلمة واحدة .. اتمنى لكما التوفيق في مهمتكما واوصيكما بالحذر الشديد في كل خطوة تخطوانها في طريقكما"!!وقف تورو في ذلك الصباح الباكر وهو يرقب صاحبيه يمضيان عنه بعيداً .. لقد كانت تلك اللحظات من امرّ ما مرّ به .. ينشج مثل طفل صغير.. تمنى لو ظل على احزانه المدفونة في اعماقه ولم يظهر في حياته هذان الراحلان عنه الساعة .. لقد تناسى في مامضى كل ما يربطه بالماضي ولكن ظهورهما في حياته فجأة احيا الماضي ثانية .. فحسب للحظات انه قد عاد إلى ارض الأكواخ والى تلك الحقول واحس بتلك الأحزان المكبوتة قد تفرقت وتلاشت تماماً في وجودهما .. أما الآن وقد نأيا عنه فقد اجتمعت احزانه القديمة بأحزانه الجديدة واستحالت دواخله بوتقة انصهار .. وقف مستنداً على عصاه ويده الأخرى تكفكف دموعه تارة وتاره تحجب الضياء لتمكنه من متابعة رفيقيه وهما يبتعدان عنه ملتفتان الي الوراء من حين الى اخر الى ان اختفيا عن ناظره تماما .. ظلت دموعه منهمرة طيلة ذلك اليوم .. وحاول جاهدا ان يتغلب على احزانه وهو يمني نفسه بعودتهما اليه ثانية رغم احساسه بأن الأمل في ذلك ضعيف ان لم يكن مفقوداً ولكن لم يبق لديه سوى التمسك بالأمل قوياً كان ام ضعيفاً .. واقعاً كان ام خيالا .. فهوى سلوى البائسين.

سيد محمود الحاج
10-17-2009, 11:47 AM
( 42 )

اخذ اكر ويامو طريقهما وقد ترك رحيلهما عن رفيقهما تورو حزناً مختلطاً بالعطف والشفقة في احاسيسهما .. تمنيا ان لو وجداه تورو الذي يعرفانه من قبل .. سليما قوياً .. لكان ساعتها يشاطرهما هذا الزحف ولما سيطر على مشاعرهما هذا الشعور الذي يورقهما الآن .. ما اقسى ان يصبح القوي بين عشية وضحاها ضعيفاً عاجزاً .. مثارا للشفقة والعطف .. ودون هذا الإحساس فقد كانا يسيران بهمة عالية اذ ان تلك ستكون خاتمة المطاف لزحف استمر لأعوام طوال.. عاد ذلك الوجد يحتدم في جوانح اكر وتجمعت جيوش من ذلك العشق القوي توحد صفوفها فلا تبقى بين اضلعه مالم تحكم عليه قبضتها وكأن تلك السنوات الطوال التي فرقت بينهما لم تكن سوى ايام قلائل تحسب على اصابع اليد الواحدة .. كان يراها امامه في كل خطوة يخطوها ويحس بأنفاسها كلما غشيته نسمة هواء .. ليته علم ماعلم من قبل لكان قد وصل اليها قبل الآن بكثير ولكانا الساعة في مهد هواهما في أرض التلال ولكن مازال الوقت متوفرا ً فان اللحظة التي تشهد لقاءهما ستكون هي لحظة مولدهما ومنها ستبدأ حياتهما ويحسب حسابهما .. كان يراود ذهنه بين حين وآخر ماقاله تورو .. ماذا لو كان لدى بورا ما يمنعها من العودة الى ارض التلال .. ابناء واطفال؟ هل ستمضي معه وتتركهم ام أن انها سوف تبقى بجانبهم؟ ولكنه كان يفر بعيداً عن مثل هذه الأفكار معتمداً على احساسه بأن رحم بورا لن يمسك لسواه خلفاً .. يراهن على ذلك فهو وحده من يعلم عن بورا وعن حقيقة حبها له فلئن اغتصبها ذلك المعتدي وفعل بها مافعل فهذا لأنه القوي الأقوى وهي الاسيرة الضعيفة التي لاتملك ماتصد به كيده اما ان ينبت في رحمها مالا تريده فهذا امر لاسلطان له به .
























إنقضت ثلاثة أيام على رحيل اكر ويامو عن ذلك الحي المنعزل الذي يقطنه تورو.. وهما خلال ذلك يلزمان حذرا بالغاً فكلما بلغ مسامعهما نقر فؤوس أو لغط رعاة حادا بعيداً عن طريقهما فيسلكان آخر يبعدهما عن أي شر محتمل .. ليس لديهما من الوقت مايضيعانه منذ أن عاد للزمن معناه في حسابات أكر فالدخول في شجار قد يقودهم الى المصير الذي آل اليه صاحبهم تورو أو أسوا منه.. لم يقابلا خلال ذلك من يستدلان منه على انهما يتبعان الطريق الصحيح الى القرية التي يقصدانها غير انهما ظلا يسيران على ضوء ما وصفه تورو لهما حتى ظهر اليوم الرابع حيث لاح لهما من على البعد مرأى قرية تسارعت على مشهدها دقات قلب أكر وتداخلت خطواته وكاد الا يقوى على السير .. فهذه دون ريب هي القرية التي آوت بين احضانها هواه المفقود .. هنا تحظى هذه الاكواخ بايواء بورا .. سرت رجفة واضحة في كل اطراف جسده .. ارتجفت شفتاه وصار يتمتم بكلمات لم يفهمها حتى صاحبه كأن لسانه قد شل فجأة أو اصابته علة طارئة .. كان قد هم بدخول تلك القرية مباشرة دون توخي الحذر المعهود الذي درجا على اتباعه في دخول القرى التي مرا بها الا ان يامو استوقفه وقاده ليجلسا في مكان خفي الى حين أن يتدبرا أمر الدخول فجلس على مضض وكأنه على نار حامية وكانت تلك الساعات هي من أطول مامر به منذ أن هجر الاكواخ.. لم يظهر حتى الآن من يدلهما على ان هذه هي القرية التي ينشدانها .. قرية كرار الزير .. وكاد صبر أكر ان ينفذ .. ينهض فجأة من جلسته ثم يعود في ذات اللحظة يجلس .. لائذ بالصمت اذ لم يعد لديه ما يقوله ولاشئ يخرج من بين شفتيه سوى زفرات حارة تعكس مايسود دواخله .. وكم حاول يامو ان يخفف من وطأة هذا القلق المميت ولكن دون جدوى وكاد زمام الامر ان يفلت فيدخل اكر القرية علنا لولا ان رأى يامو امرأتين تسيران على مقربة من مجلسهما تحمل كل منهما حزمة حطب على رأسها منشغلتان بالحديث فيما بينهما دون ان تنتبها الي وجوده ورفيقه .. فلفت نظر صاحبه الى ذلك وهم ّ بسؤالهما لمعرفة ما إذا كانت هذه البلدة هي التي يقصدانها ام غيرها وليته لم يفعل مافعل فما ان ظهر لهما حتى القت كل واحد بحزمتها ثم ولتا الفرار وقد ملئتا منهما رعباً .. تصيحان في أهل المروءة ان يهبوا لنجدتهما .. كان ذلك من اخطر المواقف التي قابلت اكر ويامو في ترحالهما الطويل وتوجب عليهما حينذاك ان يبتعدا عن ذلك المكان باقصى سرعة ممكنة والا جاء رجال القرية وبين ايديهم حجة قوية لانزال اقصى درجات الأذى بهما .. لن يكون عقابهما اقل من الموت فسوف يؤخذان على انهما قاطعا طريق أو من قبيل آكلي لحوم البشر وليس هنالك من يحميهما أو يصد عنهما كيد هؤلاء الرعاع .. انطلقا يسابقان الريح الى ان ابتعدا عن ذلك المكان تماماً وأصبحا في مأمن من ان يدركا .. يالتعاسة اكر .. كلما دنى من هدفه ركله الحظ ركلة اطاحت به بعيداً .. فها هو الآن يقبع في مخبئه ورأسه بين كفيه .. تقتله الحيرة .. ماعساه ان يفعل الآن؟ لم يعد في وسعه ولا في وسع رفيقه دخول تلك القرية ولاحتى الدنو منها والا ابتعدا عنها بعدا لاتقارب بعده .. ما السبيل اذن اليها؟ قضيا ذلك الليل وهما يتفاكران حول كيفية اعادة محاولة الدخول دون ان يصلا الى حل حتى غلبهما النعاس فمضيا في نوم عميق لم يفيقا منه الا بعد ان نزلت عليهما اشعة شمس صباح اليوم التالي.. لاما نفسيهما على افراطهما في النوم فقاما على عجل يغادرا ذلك المكان دون ان يدريا وجهة معينة يسلكانها .. واقترح اكر على يامو معاودة الكرة ومحاولة دخول القرية من جانب آخر الا ان يامو لم يوافقه الرأي في ذلك اذ ان ماحدث من أمر المرأتين سيظل مدار حديث اهل القرية لوقت ليس بالقصير ولاشك في ان رجالها الآن بالمرصاد في انتظار قدومهما ثانية .. وظلا يضربان على غير هدى حتى لاحت امامهما فجأة خيمة منعزلة اعادت الى ذاكرتيهما خيمة ذلك الشيخ الطيب في تلك الفلاة المنعزلة فتريثا قليلاً قبل التقدم نحوها ليقفا على أمر ساكنيها فاذا به شيخ في مثل سن ذلك الشيخ أو اكبر قليلا .. كان ساعتها يحلب شاة فاحسا بشئ من الإطمئنان قبالته وتقدما نحوه يلقيان عليه التحية .. رحب بهما ودعاهما للجلوس فجلسا واكرم وفادتهما بأن قدم اليهما ذلك الاناء الملئ بالحليب ثم اعقبه بآخر .. سألهما عقب ذلك عن وجهتهما فذكرا له اسم القرية التي يقصدانها .. قرية كرار الزير .. وزعما انهما موفدان من قبل سيدهما لينجزا له امراً الا انهما ضلا الطريق الى تلك البلدة .. فهز الشيخ رأسه قائلا ً لهما : "لكنكما قد ابتعدتما عن ذلك كثيراً .. فالبلدة التي تقصدانها بعيدة عن هنا ربما استغرق المسير اليها مدة يومين أو يزيد"!.. قال لهما انهما اذا ما اراد الطريق الصحيح الى البلدة المقصودة فعليهما العودة الى الوراء لمسيرة يوم او نحو ذلك .. أي ان يسلكا ذات الطريق الذي تبعاه اولاً ثم ينحوان بعد ذلك يساراً فيسيران ليوم آخر حتي يصلا الى قرية ذكر لهما اسمها ومن بعدها لا يلزمهما الا السير لسويعات قلائل فيصلان البلدة المنشودة .. كان وصف الشيخ دقيقاً وواضحاً كأنه قد عاد من تلك الجهة لتوه .. انصرفا عن مكان الشيخ في طريقهما الجديد وكان ان اوصاهما بتوخي الحذر في سيرهما فذلك النطاق يعج بالعقارب والأفاعي الفتاكة .. لم يكن مثل ذلك مثار قلق بالنسبة اليهما فهما قد عايشا مثل هذه الاخطار مذا ان جاءا الى هذه الدنيا .. تتخذ الأفاعي مراتعها في سقوف اكواخهم وتنام الذئاب ليلا على اعتاب ابوابها .. كان اكر خلال زحفهما منساقاً تماماً خلف اافكاره وخيالاته ولاترى عيناه سوي بورا .. فهو الآن ولأول مرة يسير على يقين ويمضي في الطريق الصحيح .. فيمضي بعيداً عن صاحبه دون أن يحس بإبتعاده عنه ولما يعود من شروده قليلا يجد انه قد سار بعيدا عن صاحبه.. يرى ان المسافة التي قدرها الشيخ يمكن ان تقل الى النصف اذا ماحثا السير .. فلما لايفعلان ذلك .. وياتي في ذهنه فجأة من خلف تلك الأعوام الطوال حديث أبيه .. العم سايس (على رسلك يابني فإن من يسلك الطريق الصحيح سوف يصل في النهاية الى وجهته مهما بعد الطريق) .. نعم فلما التعجل وهاهما يتبعان الطريق الذي لاريب في صحته؟

سيد محمود الحاج
10-17-2009, 11:53 AM
( 42 )

اخذ اكر ويامو طريقهما وقد ترك رحيلهما عن رفيقهما تورو حزناً مختلطاً بالعطف والشفقة في احاسيسهما .. تمنيا ان لو وجداه تورو الذي يعرفانه من قبل .. سليما قوياً .. لكان ساعتها يشاطرهما هذا الزحف ولما سيطر على مشاعرهما هذا الشعور الذي يورقهما الآن .. ما اقسى ان يصبح القوي بين عشية وضحاها ضعيفاً عاجزاً .. مثارا للشفقة والعطف .. ودون هذا الإحساس فقد كانا يسيران بهمة عالية اذ ان تلك ستكون خاتمة المطاف لزحف استمر لأعوام طوال.. عاد ذلك الوجد يحتدم في جوانح اكر وتجمعت جيوش من ذلك العشق القوي توحد صفوفها فلا تبقى بين اضلعه مالم تحكم عليه قبضتها وكأن تلك السنوات الطوال التي فرقت بينهما لم تكن سوى ايام قلائل تحسب على اصابع اليد الواحدة .. كان يراها امامه في كل خطوة يخطوها ويحس بأنفاسها كلما غشيته نسمة هواء .. ليته علم ماعلم من قبل لكان قد وصل اليها قبل الآن بكثير ولكانا الساعة في مهد هواهما في أرض التلال ولكن مازال الوقت متوفرا ً فان اللحظة التي تشهد لقاءهما ستكون هي لحظة مولدهما ومنها ستبدأ حياتهما ويحسب حسابهما .. كان يراود ذهنه بين حين وآخر ماقاله تورو .. ماذا لو كان لدى بورا ما يمنعها من العودة الى ارض التلال .. ابناء واطفال؟ هل ستمضي معه وتتركهم ام أن انها سوف تبقى بجانبهم؟ ولكنه كان يفر بعيداً عن مثل هذه الأفكار معتمداً على احساسه بأن رحم بورا لن يمسك لسواه خلفاً .. يراهن على ذلك فهو وحده من يعلم عن بورا وعن حقيقة حبها له فلئن اغتصبها ذلك المعتدي وفعل بها مافعل فهذا لأنه القوي الأقوى وهي الاسيرة الضعيفة التي لاتملك ماتصد به كيده اما ان ينبت في رحمها مالا تريده فهذا امر لاسلطان له به .
























إنقضت ثلاثة أيام على رحيل اكر ويامو عن ذلك الحي المنعزل الذي يقطنه تورو.. وهما خلال ذلك يلزمان حذرا بالغاً فكلما بلغ مسامعهما نقر فؤوس أو لغط رعاة حادا بعيداً عن طريقهما فيسلكان آخر يبعدهما عن أي شر محتمل .. ليس لديهما من الوقت مايضيعانه منذ أن عاد للزمن معناه في حسابات أكر فالدخول في شجار قد يقودهم الى المصير الذي آل اليه صاحبهم تورو أو أسوا منه.. لم يقابلا خلال ذلك من يستدلان منه على انهما يتبعان الطريق الصحيح الى القرية التي يقصدانها غير انهما ظلا يسيران على ضوء ما وصفه تورو لهما حتى ظهر اليوم الرابع حيث لاح لهما من على البعد مرأى قرية تسارعت على مشهدها دقات قلب أكر وتداخلت خطواته وكاد الا يقوى على السير .. فهذه دون ريب هي القرية التي آوت بين احضانها هواه المفقود .. هنا تحظى هذه الاكواخ بايواء بورا .. سرت رجفة واضحة في كل اطراف جسده .. ارتجفت شفتاه وصار يتمتم بكلمات لم يفهمها حتى صاحبه كأن لسانه قد شل فجأة أو اصابته علة طارئة .. كان قد هم بدخول تلك القرية مباشرة دون توخي الحذر المعهود الذي درجا على اتباعه في دخول القرى التي مرا بها الا ان يامو استوقفه وقاده ليجلسا في مكان خفي الى حين أن يتدبرا أمر الدخول فجلس على مضض وكأنه على نار حامية وكانت تلك الساعات هي من أطول مامر به منذ أن هجر الاكواخ.. لم يظهر حتى الآن من يدلهما على ان هذه هي القرية التي ينشدانها .. قرية كرار الزير .. وكاد صبر أكر ان ينفذ .. ينهض فجأة من جلسته ثم يعود في ذات اللحظة يجلس .. لائذ بالصمت اذ لم يعد لديه ما يقوله ولاشئ يخرج من بين شفتيه سوى زفرات حارة تعكس مايسود دواخله .. وكم حاول يامو ان يخفف من وطأة هذا القلق المميت ولكن دون جدوى وكاد زمام الامر ان يفلت فيدخل اكر القرية علنا لولا ان رأى يامو امرأتين تسيران على مقربة من مجلسهما تحمل كل منهما حزمة حطب على رأسها منشغلتان بالحديث فيما بينهما دون ان تنتبها الي وجوده ورفيقه .. فلفت نظر صاحبه الى ذلك وهم ّ بسؤالهما لمعرفة ما إذا كانت هذه البلدة هي التي يقصدانها ام غيرها وليته لم يفعل مافعل فما ان ظهر لهما حتى القت كل واحد بحزمتها ثم ولتا الفرار وقد ملئتا منهما رعباً .. تصيحان في أهل المروءة ان يهبوا لنجدتهما .. كان ذلك من اخطر المواقف التي قابلت اكر ويامو في ترحالهما الطويل وتوجب عليهما حينذاك ان يبتعدا عن ذلك المكان باقصى سرعة ممكنة والا جاء رجال القرية وبين ايديهم حجة قوية لانزال اقصى درجات الأذى بهما .. لن يكون عقابهما اقل من الموت فسوف يؤخذان على انهما قاطعا طريق أو من قبيل آكلي لحوم البشر وليس هنالك من يحميهما أو يصد عنهما كيد هؤلاء الرعاع .. انطلقا يسابقان الريح الى ان ابتعدا عن ذلك المكان تماماً وأصبحا في مأمن من ان يدركا .. يالتعاسة اكر .. كلما دنى من هدفه ركله الحظ ركلة اطاحت به بعيداً .. فها هو الآن يقبع في مخبئه ورأسه بين كفيه .. تقتله الحيرة .. ماعساه ان يفعل الآن؟ لم يعد في وسعه ولا في وسع رفيقه دخول تلك القرية ولاحتى الدنو منها والا ابتعدا عنها بعدا لاتقارب بعده .. ما السبيل اذن اليها؟ قضيا ذلك الليل وهما يتفاكران حول كيفية اعادة محاولة الدخول دون ان يصلا الى حل حتى غلبهما النعاس فمضيا في نوم عميق لم يفيقا منه الا بعد ان نزلت عليهما اشعة شمس صباح اليوم التالي.. لاما نفسيهما على افراطهما في النوم فقاما على عجل يغادرا ذلك المكان دون ان يدريا وجهة معينة يسلكانها .. واقترح اكر على يامو معاودة الكرة ومحاولة دخول القرية من جانب آخر الا ان يامو لم يوافقه الرأي في ذلك اذ ان ماحدث من أمر المرأتين سيظل مدار حديث اهل القرية لوقت ليس بالقصير ولاشك في ان رجالها الآن بالمرصاد في انتظار قدومهما ثانية .. وظلا يضربان على غير هدى حتى لاحت امامهما فجأة خيمة منعزلة اعادت الى ذاكرتيهما خيمة ذلك الشيخ الطيب في تلك الفلاة المنعزلة فتريثا قليلاً قبل التقدم نحوها ليقفا على أمر ساكنيها فاذا به شيخ في مثل سن ذلك الشيخ أو اكبر قليلا .. كان ساعتها يحلب شاة فاحسا بشئ من الإطمئنان قبالته وتقدما نحوه يلقيان عليه التحية .. رحب بهما ودعاهما للجلوس فجلسا واكرم وفادتهما بأن قدم اليهما ذلك الاناء الملئ بالحليب ثم اعقبه بآخر .. سألهما عقب ذلك عن وجهتهما فذكرا له اسم القرية التي يقصدانها .. قرية كرار الزير .. وزعما انهما موفدان من قبل سيدهما لينجزا له امراً الا انهما ضلا الطريق الى تلك البلدة .. فهز الشيخ رأسه قائلا ً لهما : "لكنكما قد ابتعدتما عن ذلك كثيراً .. فالبلدة التي تقصدانها بعيدة عن هنا ربما استغرق المسير اليها مدة يومين أو يزيد"!.. قال لهما انهما اذا ما اراد الطريق الصحيح الى البلدة المقصودة فعليهما العودة الى الوراء لمسيرة يوم او نحو ذلك .. أي ان يسلكا ذات الطريق الذي تبعاه اولاً ثم ينحوان بعد ذلك يساراً فيسيران ليوم آخر حتي يصلا الى قرية ذكر لهما اسمها ومن بعدها لا يلزمهما الا السير لسويعات قلائل فيصلان البلدة المنشودة .. كان وصف الشيخ دقيقاً وواضحاً كأنه قد عاد من تلك الجهة لتوه .. انصرفا عن مكان الشيخ في طريقهما الجديد وكان ان اوصاهما بتوخي الحذر في سيرهما فذلك النطاق يعج بالعقارب والأفاعي الفتاكة .. لم يكن مثل ذلك مثار قلق بالنسبة اليهما فهما قد عايشا مثل هذه الاخطار مذا ان جاءا الى هذه الدنيا .. تتخذ الأفاعي مراتعها في سقوف اكواخهم وتنام الذئاب ليلا على اعتاب ابوابها .. كان اكر خلال زحفهما منساقاً تماماً خلف اافكاره وخيالاته ولاترى عيناه سوي بورا .. فهو الآن ولأول مرة يسير على يقين ويمضي في الطريق الصحيح .. فيمضي بعيداً عن صاحبه دون أن يحس بإبتعاده عنه ولما يعود من شروده قليلا يجد انه قد سار بعيدا عن صاحبه.. يرى ان المسافة التي قدرها الشيخ يمكن ان تقل الى النصف اذا ماحثا السير .. فلما لايفعلان ذلك .. وياتي في ذهنه فجأة من خلف تلك الأعوام الطوال حديث أبيه .. العم سايس (على رسلك يابني فإن من يسلك الطريق الصحيح سوف يصل في النهاية الى وجهته مهما بعد الطريق) .. نعم فلما التعجل وهاهما يتبعان الطريق الذي لاريب في صحته؟

سيد محمود الحاج
10-17-2009, 12:03 PM
( 43 )

انقضى اليوم الأول وقد اجتازا خلاله مسافة اطول من تلك التي قدرها ذلك الشيخ واخذا طريقهما صوب الشمال و مرا بكثير من المعالم التي وصفها الشيخ من تلال رملية واراض يكثر بها الحصى ذاخرة بالعقارب والحيات وجعلهما ذلك يطمئنان انهما يسلكان الطريق الصحيح.
في عصر اليوم الثاني كانا على مقربة من القرية التي يأخذهما الطريق بعدها الى بلدة كرار الزير .. وضحت لهما معالمها ووصل مسامعهما نباح كلابها ونهيق حميرها .. ولما كانا قد سارا طويلا فقد دلفا الى شجرة ينعمان تحتها بقسط من الراحة ويتناولان شيئا من ما معهما من طعام وبينما هما كذلك سمعا حركة على مقربة من مكان جلوسهما فزحفا نحو مجموعة شجيرات صغيرة ليختبئا خلفها مخافة ان يكون القادم من اولئك الذين لايترددون في النيل من مثلهما .. وجلسا يرقبان مصدر الحركة ليتبينا الأمر ولدهشتهما فقد كان السائر شاباً من دمهما بدأ اصغر سنا منهما .. في مقتبل العمر .. كادا لا يصدقان اعينهما ولكن الحقيقة بدأت واضحة امامهما .. ملامحه ذات ملامحمها .. لم يحس بوجودهما ..متخذاً طريقه صوب تلك القرية.. ورغم الحذر المعهود الا ان اكر لم يتردد في مناداته بلسان اهل التلال فالتفت الرجل الى مصدر النداء مندهشاً اذ لم يكن يتوقع وجود احد في ذلك المكان في تلك الساعة فاذا به يرى اثنان من ابناء جلدته واتسع نطاق دهشته الى مدى اكبر .. فأقبل نحوهما في بشاشة واضحة وعانقهما في حرارة ثم جلس جميعهم يتحادثون .. اسمه (تيا) وكان آتياً من مهمة انجزها لسيده في قرية اخرى .. علما منه انه قد جئ به الى هذه الديار وهو صبي يافع .. ذكرياته عن ماضيه ضعيفة فقد تبدد معظمها مع مرور السنوات الا انه مازال يحتفظ بشئ من لسان قومه .. كان ينظر في شئ من التركيز الى اكر ثم يعود بعد ذلك ينظر بعيداً كمن يحاول استحضار شيء في ذاكرته الى ان قادهم الحديث الى منحنى معين فأدرك كل من اكر وذلك الشاب انهما قد جاءا في فوج واحد .. كان تيا من اولئك الصبية الذين لقوا من اكر عطفا ومؤازرة لاحد لهما خلال الزحف من التلال الى ان وصلا تلك القرية التي بيع فيها اكر وانفصل عن فوجهم .. ولعل ذلك قد اصلح من ذاكرة تيا فعاد واكر يتذاكران اموراً ومواقف شتى .. سأل أكر ويامو عن وجهتهما فذكرا له القرية التي يقصدانها وقالا له ماقالاه لذلك الشيخ .. أي انهما مبعوثان من قبل سيدهما لانجاز مهمة تخصه هنالك واطمئنا الى انهما يسلكان الطريق الصحيح ..قال لهما بأن البلدة غير بعيدة من هنا .. تماما مثل ما أخبرهما الشيخ فهي على بعد سويعات .. اذا ماتحركا الساعة فسوف يصلانها عشاءاً .. عرفا من تيا ان بلدة كرار الزير هي مجمع للقرى وان اهل القرى يذهبون اليها مرة في الأسبوع للتسوق حيث يقام السوق في كل يوم جمعة .. وقد ذهب هو بنفسه لمرات عديدة في رفقة سيده .. سأله اكر ان كان يعرف فيها احداً من رفاق الأسر فأجاب بأنه لم يقابل أحداً ولكنه رأى فيها بعضاً من ابناء التلال مع سادتهم في ذلك السوق غير انه لايستطيع الجزم ان كانوا من قاطني البلدة نفسها ام انهم جاءوا اليها من القرى المجاورة وكان يامو قد ادرك مايرمي اليه رفيقه فسأله ما اذا هنالك بعض من فتيات التلال في قريته هذه ام في القرى المجاورة فأخبره بأن في قريته فتاة واحدة مملوكة لسيده ذكر لهما اسمها أما في القرية التي يقصدانها فهو يعرف واحدة اسمها (بوتا) مملوكة لشقيق سيده الذي يقطن القرية المقصودة فقد ذهب الي هنالك عدة مرات وتعرف عليها منذ زمن .. ذكر لهما اسم قريتها وشيئا مما روته عن نفسها فوفر عليهما بذلك مزيداً من الأسئلة اذ حسب كل منهما للحظة ان تلك قد تكون بورا .. عرفا من تيا اسم شقيق سيده وحفظا ذلك عن ظهر قلب .. ان لم يجدا من يعينهما في امرهما فستكون تلك المدعوة بوتا هي من يقصدانها في ذلك الشأن .. وتبين لهما من خلال حديثهما مع تيا انه غير مرتبط بماضيه مثل ارتباطهما ولم يبد حماساً يشعرهما بالإطمئنان اليه فيكونان معه اكثر وضوحاً لذلك فقد لزما الحذر ولم يخوضا معه في الحديث الى اكثر من الحد الذي وصلاه ولكن اكر وجد له العذر فقد كان ذلك الشاب في سن غضة حين جئ به الى هذه الديار .. لم يكن عمره انذاك اكثر من ستة او سبعة اعوام .. ترعرع مع هؤلاء القوم وعاش بينهم اكثر مما عاش في بيئته السابقة فالذي يعرفه عنهم اكثر من الذي يعرفه عن قومه فلا غرابة في ان يكون ارتباطه بالماضي ضعيفاً لأنه يجهل الكثير عن ذك الماضي .. بقي تيا في صحبتهما الى مابعد غروب الشمس ثم إستأذنهما منصرفا.. ظلا في مكانهما ذلك الى وقت متأخر من الليل وكن قصدهما في ذلك ان يأوي أهل القرية الى مضاجعهم فيكون سيرهما اكثر امنا ويأمنان الا يعترض طريقهما احد .. كان شعور أكر في هذه المرحلة يختلف تماماً عما كان في المراحل السابقة اذ بات الآن على يقين من أنه يسير نحو بورا .. تلك التي سار من اجلها عقداً كاملا من الزمان .. ماهي الا سويعات قلائل فيطأ االثري الذي سارت عليه ويستنشق ذات الهواء الذي تستنشقه .. كان يراوده احساس بأن مايعيشه الآن ماهو الا حلم .. أتقرر هذه السويعات القليلة مالم تقرره الأعوام الطوال فيلقي بورا .. كيف حالها الآن ياترى من بعد هذه الغيبة وكيف تبدو؟ ان اصابها ذبول فما ذلك الا كحال نبته انقطع الماء عنها اما وقد عادت المياه الى مجراها فسوف تعود لتلك النبتة نضارتها فتعود زاهية مخضرة .. انه منذ الساعة يشعر بنبضات قلبه تدق مثل طبول الأكواخ .. ويحس برعشة تسري في كافة اعضاء جسده .. يحس وكأن قدميه قد اصابهما حران اذ عادت ثقيلة متباطئة .. رحماك اللهم ان يتوقف ذلك القلب الذي حمل فوق حمله الكثير .. كان يسير صامتا لايتحدث الا مع تصاوير خياله .. تغمر الفرحة الممزوجة بالخوف والرهبة مشاعره فتحمل شفتاه ابتسامة ما تلبث أن تختفي حين يراوده هاجس غريب .. ذلك ان بورا غير موجودة في القرية التي يسير الساعة نحوها .. ربما فرت هي الأخرى بحثا عنه فيظل كل منهما يسير في أثر الآخر فلا يلتقيا الى ان تقوم الساعة .. لكنه سرعان ما يطرد ذلك الهاجس ويتمسك بالامل القوي الذي كان زاده خلال ما مر من السنوات .. وانقضت السويعات التي كانت أهم وأعظم بل وأطول من جميع مامضى من عمر أكر .. الآن تبدأ حياته فما ان يلج البلدة ويرى بورا حتى يصبح للحياة معنى آخر ورؤية اخرى .. هذه هي الساعة التي كان ينتظر مقدمها ويعمل لها جاهداً .. انفق من عمره الكثير في سبيلها .. عادت تلك الرجفة الى اطرافه وتسارعت نبضات قلبه وسيطرت العلة المؤقتة على لسانه .. يجرجر خطواته التي باتت اكثر عنادا.. هاهما يسمعان الساعة نباح كلاب القرية وصياح ديوكها فلم يعد يفصلهما سوى خطوات لايحسب لها حساب .. كان شغلهما الشاغل في تلك اللحظات هي الكيفية التي تمكنهما من دخول البلدة في سلام .. جلسا في مكان مستتر بين تلين في انتظار بزوغ الفجر يقلبان الرأي حول مسألة الدخول .. كان رأي يامو ان يظلا في مكانهما هذا الى ان يأتي يوم السوق فيدخلان في زمرة الداخلين دون ان يلحظ احد ذلك فهنالك قد يجدان من يدلهما الى مكان بورا او حتى مكان تلك المرأة بوتا التي وصفها لهما تية .

سيد محمود الحاج
10-17-2009, 12:08 PM
( 44 )

ولكن كان مابين يوم السوق ويومهما هذا اربعة ايام فأنّى لاكر بتحمل ذلك ثم كيف يضمنان الا يمر بهم خلال هذه المدة من يرتاب في أمرهما فيقعان في مالا يريدان الوقوع فيه .. استبعد اكر هذه الفكرة وتواترت افكار عديدة لكنها كانت في معظمها غير مأمونة الجوانب .. الي ان خطرت في ذهن اكر فكرة لم يكن هنالك بد من قبولها برغم تفاهتها وغرابة اسلوبها .. فقد رأى ان يبقى يامو في هذا المكان المستتر بينما يذهب هو فيدخل القرية في هيئة سائل فيطوف ببيوتها الى ان يهتدي الى دار كرار الزير وان تعذر ذلك فالدار التي توجد بها تلك المسماة بوتا فبهذه الطريقة لن يعترض احد طريقه ولن يرتاب أي من الناس في أمره .. واذا ماوجد بورا فسوف يضع في يدها تميمته فلا تلبث ان تعرف من هو .. سيصف لها مكانهما هذا وما ان تأتي اليهما حتى يشرع ثلاثتهم في طريق العودة بأقصى سرعة ممكنة .. فليس هنالك وقت لغير ذلك .. ومضى اكر نحو القرية مع طلوع الشمس يتوكأ على عصا طويلة في هيئة شحاذ أعرج يحمل مخلاة وابريق ماء .. استطاع ان يتغلب على كل ماكان يخالج مشاعره من اضطراب وحمل محل ذلك تفاؤلا كبيراً واصراراً قوياً .. خطرت في ذهنه فجأة وهو يعرج نحو بيوت القرية فكرة قديمة بل هو عهد قديم .. الا وهي مسألة الانتقام .. لقد اقسم يوما امام الاشهاد بأنه سوف ينتقم شر انتقام ممن كان سبب هذا الشقاء الذي هو فيه وهذه المعاناة التي استنزفت السنوات الطوال ... .. فما عساه الآن ان يفعل !! ان لم يكن انتقامه اليوم فلن يجد فرصة اخرى يبر فيها بقسمه .. لايعرف لماذا واتته هذه الفكرة الآن و في هذا الوقت العصيب ! ان مهمة العثور على بورا ومهمة تخليصها أمران في غاية الصعوبة فكيف يضيف اليها عبئا آخر أكبر منهما وأشد .. يقف الآن امام معادلة صعبة أحد اطرافها انجاز مهمته وطرفها الآخر قسمه .. ألا تكون عدالة السماء قد حملت هذا العبء عنه فيكون ذلك الظالم قد ارتحل عن الدنيا .. الوقت ضيق جدا وينبغي ان يستفيد من كل لحظة تمر .. فكان وهو في تلك الحال ينسى دوره الذي فرضه على نفسه فيمشي سويا وينسى عرجه المتصنع فيعود ثانية يواصل تمثيل ذلك الدور الى ان وصل اخيراً الى قرار في هذا الشأن الا وهو ان يترك مسألة الانتقام في ذمة السماء.. في تلك اللحظات كان أكر قد دخل البلدة ومضى يعرج ويحاول اجادة دوره المرسوم .. كان اول مستقبل له فوج من كلاب القرية انقضت عليه مكشرة عن انيابها .. حاول استخدام عصاه فلم يزدها ذلك الا شراسة ولولا ان جاء من صدها عنه لفتكت به .. فقد في تلك المعركة ابريقه الفخاري .. رباه لاتجعل خسارته اكبر من ذلك فقد خسر عمراً بحاله في معارك الماضي .. تنفس الصعداء اذ خرج من ذلك الهجوم معافى دون اذى .. وما كاد يدخل احد الازقة حتى رأى بعض الصبية قد قطعوا لهوهم واقبلوا نحوه يتصائحون ويرشقونه بوابل من الحجارة و وهو صامت لايفعل اكثر من ان يحاول اتقاء الحجارة المتطائرة نحوه .. ياويل اكر !! كان اول موكب استقبال له هو ذلك الذي لقيه من كلاب القرية وهاهو الموكب الثاني .. صبية اشد شراسة ولؤماً من تلك الكلاب .. ان وجدت الكلاب من يصدها عنه فمن يصد عنه كيد هؤلاء الأشرار الصغار .. ولكن انى له بمثل هذا وهو قد حل بأرض كرار الزير وقبيله.. هل ينجب الشيطان ملاكاً أم هل ينجب الذئب حملاً وديعاً؟!! ولما احتدم أمر الصبية وانهالت عليه حجارتهم لم يجد بدا ً من دخول اقرب دار في الجوار فما كاد يخطو نحو مدخلها حتى رأى الصبية يتراجعون عنه ويفرون بعيداً وهم يتصايحون.. استغرب سر هذا التراجع من قبلهم .. وتقدم الى ان توسط فناء تلك الدار وهو ينادي على اهلها طالباً جودهم ورحمتهم .. وليته لم يفعل اذ انبرت سيدة الدار صارخة في وجهه فكان نباح الكلاب وشقاوة الصبيان اخف وطئاً مما لاقى منها .. شتمته ولعنته وطرته فخرج عن الدار مثلما يخرج الكلب المتسلل .. لام نفسه على تعهده هذا الدور الحقير .. فكيف يلعب دور طالب رحمة علي خشبة مسرح القسوة والظلم !! .. وابتعد عن تلك الدار يلتمس الطريق الى غيرها وهو لايدري ان هذه الدار التي طرد منها الساعة هي الدار التي يسعى اليها .. دار كرار الزير التي آوت بورا .. كان من قبل قد خطر له ان يسأل صبياً من صبية الحي عن دار كرار الزير الا انه عدل عن ذلك لما عرف طباعهم وخلقهم.. ومضى متنقلا من دار الى دار يجود عليه البعض الى ان وصل دارا وقف عند مدخلها يردد مايردده السائلون .. فبدأت له امراة من بني قومه كما بدت وفي يدها شيئا تقدمه له .. تفرس وجهها ملياً فلم يشك في انها من أهل التلال .. لم تقل شيئا سوى ان افرغت محتويات الإناء الذي كانت تحمله في وعائه .. فشكرها في لغة قومه فاذا بها تلتفت اليه بعد ان همت بالانصراف وابدت مزيداً من العطف نحوه حين طلبت منه البقاء الى حين ان تأتيه بمزيد من الصدقة .. بدا له من سيماء وجهها وطريقة تعاملها انها ذات قلب طيب وانها مازالت تحمل حنينا الى قومها وديار قومها وكان يحاول ان يجد مايدعوها للحديث حتى يعرف منها شيئا مما يتوق لمعرفته فإذا بها تجنبه عناء ذلك لما بادرته بسؤالها عن مكان قريته في التلال .. فكان أثر سؤالها له وهو في ذلك الظرف مثل غمام ممطر ادرك مسافراً في هجير بيداء مقفرة اذ انفجرت شفتاه تكشف عن ابتسامة عريضة وبدأت على وجهه آثار ارتياح ورضا لاحد لهما .. فذكر لها دون تحفظ اسم قريته ومكانها في التلال .. فصاحت في دهشة : "انت اذن من قرية بورا .. أتعرف بورا"!!؟.. كاد اكر ان يهوي على الأرض وهو يسمع محدثته تردد اسم بورا .. وداهمته تلك الرجفة فسيطرت على كل اطرافه وكاد ان ينكشف امره في تلك اللحظة لولا انه قهر ذلك الضعف وتجلد قليلاً : "نعم اعرف بورا وأين هي الأن .. هل هي هنا في هذه البلدة"؟! فأشاحت المرأة بنظرها بعيداً ورددت في أسي: "مسكينة بورا .. لعنة السماء والأرض على من كان سبباً في بلواها" !! .. فعلت هذه العبارة في قلب اكر مايفعله النصل الحاد .. وأحس وكأن غمامة سوداء قد تكتلت امام ناظريه وقال في لهجة اشبه بالصراخ :"ماذا ببورا؟ هل اصابها مكروه "!؟ .. ولعل المرأة قد قرأت ما بدا عليه فقالت تهدي من روعه :" لا .. هي بخير .. الا انها لم تعد كما كانت في كامل وعيها .. لقد تركت هذه البلدة منذ امد ليس بالطويل واصبحت تنتقل بين القرى المجاورة".. ومضى اكر يسأل عن اسباب ذلك لعله يستشف من حديث المرأة حقائق اخرى ربما حاولت التستر عليها .. واستغربت بوتا امر هذا السائل الاعرج .. ماشأنه بكل هذا .. ولماذا أبدا ذلك الغضب الذي رأته عليه حينما علم بحال بورا؟ فاعادت اليه السؤال في لهجة غلفها العطف :"هل حقاً تعرف بورا يا ابن امي"؟ فكانت العبارة التي ذيلت بها سؤالها مثل سحر ناجز (ابن امي).. منذ متى لم يسمع مثل هذه الكلمات الرقيقة المليئة بالحنان .. كأنه في تلك اللحظات قد عاد للوراء خمسة عشر عاماً أو اكثر .. اعاد اليه ذلك نوعاً من الإطمئنان تجاه محدثته ولم يعد يبدي تحفظاً فأجابها دون تحفظ : "لن تجدي في هذه الدنيا بأسرها احدا يعرف بورا مثلما اعرفها.. لا بد انك بوتا التي قيل لي عنها"!! .. ودهشت المرأة وهي تسمع اسمها يتردد على لسان هذا الغريب.. ذكر لها اسمه صراحة واخبرها وهو يضع ذلك الحذر جانباً انه ليس بسائل وانما جاء في أثر بورا .. فجعلت تطالع وجهه طويلا كأنها تقارن بين صورة موجودة في ذهنها وبين الصورة الماثلة الآن امامها وقالت له انها تكاد تعرفه من خلال ماروته عنه بورا.. حكت له عن كل ماقاسته خلال وجودها في دار كرار الزير الى ان رحلت عنها .. وذكرت له اسماء القرى التي تتردد الآن بينها .. ثلاثة قرى لا أكثر وجميعها متجاورة ان لم يجدها في الأولى فهي في الثانية وان لم يجدها في الثانية فهي حتماً في الثالثة .. مازالت تسأل عنها كل من يغشى اي من تلك القرى .. قضى اكر مع تلك المرأة بوتا نحو ساعة من الزمان روت له فيها على عجل كل ما يريد معرفته من امر بورا وساعدهما في ذلك انه في تلك الساعة لم يكن في الدار الا سيدتها وهي امرأة عاجزة .. مضى أكر وقد آلمه ماعرفه عن بورا ومدى ماعانته من جور اسيادها .. أحس برغبة قوية في الانتقام منهم الا انه سرعان ماطرد عنه الفكرة .. فامامه الآن مهمة العثور على بورا فاذا ماعثر عليها تدبر امر الخطوة التالية ..شكر بوتا على ما أسدته له من عون فودعها ومضى في عرجه وعلى هيئته التي دخل بها القرية .. وبوتا واقفة على مدخل الدار ترقبه فسمعها تلعن مرة اخرة من تسبب في شقاء بورا فالتفت اليها فرآها تنظر بعيداً وهي تعيد ترديد ذلك مراراً .. فإستوقفته وقد تغير وجهها وظهرت عليه امارات غضب جامح وسورة عارمة :" الا ترى ذلك الرجل علي الحمار الأبيض .. انه كرار الزير .. ذلك الوحش الذي كان سبب شقائنا جميعاً .. فهذه ساعة ذهابه الى حانات الخمور"!! .. فار الدم فجأة في عروق اكر وصمت للحظات وهو يصب نظرات ملتهبة الى حيث اشارت بوتا .. تجمعت جيوش غضبه في نقطة واحدة ورأى في تلك اللحظة بورا وهي تصرخ مستغيثة في الحقول ورآها وهي راسفة في القيود ورآها وهي تصارع هذا الجبار وهو يهتك طهرها ويغتصب شرفها ورآها وهي في بيته خادمة ذليلة ورآها وهي تكوى بالنار على خديها المتوهجين ورآها وهي هائمة على وجهها بين القرى وقد غاب دليلها .. وتحسس ذراعه الأيسر فاذا مديته نائمة في غمدها فربت عليها لمرتين .. وهو يناجيها في سره : "هذه ساعتك ويومك المنشود .. فان تخليت عني اليوم فليس لك مكان في ذراعي من بعد " !! .. وانصرف عن بوتا في هيئة أعرج وهو يردد مايردده السائلون .

سيد محمود الحاج
10-17-2009, 02:41 PM
( 45 )

خرج أكر من ازقة القرية مسرعاً في ذات الإتجاه الذي سلكه كرار الزير ووقف يرقبه حتى تأكد من الدرب الذي سلكه ثم لم يلبث ان اتخذ طريقاً يخرجه من القرية دون ان يلتقي بذلك الذي سار فيه خصمه وما إن ابتعد عن القرية واصبح في مأمن من ان يُرى حتى تخلى عن عرجه واطلق عنان ساقيه وقد غير طريقه باتباع آخر يقوده الى حيث يسير خصمه .. ولما كان كرار الزير يسير بحماره على مهل فلم يستغرق اكر طويلا من الوقت حتى ادركه دون ان يحس به الشيخ الماجن .. ومضى اكر يتعداه حتى وصل الى منحنى في الطريق تحف بجانبيه أشجار فقبع بينها واستل خنجره ثم نظر اليه مليا وماهي الا لحظات معدودة حتى ظهر كرار الزير يمشي الهوينا على حماره .. طالع اكر ذلك الوجه الذي طالما مقته دون ان يراه .. رأى القسوة والفظاظة مكتوبتان بوضوح على قسماته حتى طغتا على معالم الوقار.. احس بشئ من الشفقة اذ رأى شيخاً سارت على وجهه قافلة الزمان طويلاً .. بدأ في سن ابيه العم سايس يوم ان فارقه .. فارتخت يمناه قليلا واحس بها تبدي شيئا من الحران او مايشبه الخزلان الا انه رأى دلدوم يظهر فجأة وهو الذي كان في سن هذا الشيخ .. فيقذفه الوغد بذلك السهم الناري حتى يستقر في صدره فيقع مضرجاً في دمائه .. ورأى تورو يسير في قلب ماسآته بقدم عرجاء وعين واحدة .. وسمع صراخ بورا تتوسل اليه الا يهتك شرفها .. وتعالى صراخ اهل الاكواخ يكاد يصم اذنيه .. "أين قسمك يا أكر .. اين شرف اهلك جميعاً .. اين دماء الأبرياء؟".. فقفذ من بين الشجيرات مندفعا كالنمر وصرخ صرخة اطفأت ناراً ظلت تستعر بين اضلعه منذ امد طويل وقفز عالياً ثم انقض بعدها على صدر الشيخ الوغد يغمد خنجره في اعلاه ثم يهبط به الى أن نزل به الي مابعد سرته .. وبينما سقط الشيخ سابحاً في دمائه مضى حماره يواصل السير في طريقه المعهود الى حيث حانات الخمور .. وقف اكر يتأمل جثة هذا الميت الذي فجع من الأكباد ما لا يحصى وهتك من الأعراض مالا ينسى ونظراته تقول للميت كيف وجدت الموت يارسول الموت؟!! .
احس اكر وهو يسير نحو المخبأ الذي ينتظره فيه يامو بخفة لم يشعر بمثلها الا عقب خروجه ظافراً من حلبة المصارعة في ايام اعياد الحصاد .. أحس بعودته الى ايام شبابه الغض واحس بخمود ذلك البركان الذي ظل يغلي في اعماقه منذ امد بعيد .. لقد اخذ اليوم بثأر جميع الأبرياء الذين اهدر ارواحهم كرار الزير وبثأر جميع الضحايا الذين استباح شرفهم .. خطر له ان يرجع الى مكان الجثة والتبول على وجه صاحبها ولما كان ذلك ليس من شيم الأقوياء فقد عاف الفكرة ومضى علي عجل ليلحق برفيق دربه ليبدآن فوراً المرحلة التالية فالوقت أصبح يسير في غير مصلحتهما.
لم يفطن اكر الى انه قد نسي مديته في جسد عدوه وبجانبها مخلاته الا بعد ان اصبح على بضع خطوات من المكان الذي ترك فيه رفيقه .. وهم بالرجوع لإحضارهما ولكنه خشي ان يساور القلق صاحبه فقد غاب عنه طويلاً والمسافة بين مكان الجثة ومكانهما هذا ليست بالقصيرة .. فلتذهب المدية ولتذهب المخلاة فلدى يامو مثلهما .. ولكن لم يكن يامو في ذلك المكان .. بحث اكر عنه هنا وهنالك ونادى عليه في صيحات متفق عليها فلم يجد غير الصدى مجيباً فجلس تقتله الحيرة يقلب افكاره هنا وهناك .. ان كان يامو قد دخل القرية فان مصيبته ستكون كبيرة .. لن يجد من يعينه في سعيه وسيظل يدور في ازقتها الى ان يكتشف امر الجثة وفي احشائها المدية وبجوارها المخلاة ولن يجد اهل البلدة امامهم سوى ذلك المسكين يامو .. فماذا لو حدث مثل ذلك وفقد رفيقه ؟!! .. كيف يكون الأمر اذا ما اصبح ذلك حقيقة وضاع عنه رفيق دربه وسنده الذي ظل في مؤازرته عمراً بحاله .. رباه ماعساه ان يفعل الساعة .. كلما ظن انه قد امسك بأمله يأتيه مالم يكن في حسبانه فتختل موازين الأمور جميعها .. انساه ذلك الموقف نشوة الثأر .. هم بدخول القرية ثانية للبحث عن صاحبه الا انه تراجع عن ذلك على ظنٍ ان يكون صاحبه قد ذهب الى مكان قريب وربما كان الآن عائداً الى مكانهما هذا .. فليصبر الى حين ان تغرب الشمس فان لم يأت صاحبه حتى تلك الساعة فلن يكون امامه الا ان يدخل البلدة تحت جنح الظلام.
في تلك اللحظات كان يامو يطوف في ازقة القرية دون ان يستدل الى مكان صاحبه وكان قد دخلها في هيئة شحاذ ايضاً ليبحث عن اكر حينما طال غيابه .. اذ قد ظن ان صاحبه لم يفلح في الوصول الى الدار التي يقصدها فخشي عليه ان يقع فريسة عناده لذا فقد ترك ذلك المكان وقصد البلدة ليأخذ بيد رفيقه قبل أن يناله سوء.
كان جثمان كرار الزير ساعتها محمولا على الأكتاف في الطريق الى القرية فقد وصل حماره الى مكانه المعهود دون سيده فارتاب ندماء الشيخ في الأمر ومضوا يتبعون طريقه المعتاد الى ان وجدوا جثته ملقاة على الثرى تسبح في دمائها والمدية في احشائه دون ان تنتزع وبجانبها مخلاة فيها بقايا طعام وقناديل ذره فحملوا الجثة بين نائح ومتوعد .. وما ان شاع خبر مقتل كرار الزير حتى صاحت البلدة بجميع من فيها وعم الصراخ كافة ارجائها .. سمع يامو الصراخ المنبعث من كل بيت ووقف صامتاً في احد الازقة ليستشف الحقيقة .. فسمع اسم كرار الزير يتردد على الالسن واصطنت لحديث امرأة تحادث اخرى لتخبرها بأن الرجل وجد مقتولا في الخلاء .. فادرك سر تأخر اكر وعدم وجوده الساعة هنا .. لاشك في انه قد فعلها !! عليه اذن ان يغادر القرية فورا وباسرع ما يمكن فيلحق بصاحبه ليبتعدان عن مكانهما ذلك .. فأنسل عبر الأزقة في خطوات سريعة تحولت الى مايشبه الركض عندما اوشك على الخروج من البلدة ثم مالبث أن ضاعف سرعته مما حفز كلاب الحي الى المضي في اثره فاثار ذلك انتباه بعض العائدين الى القرية على صراخ اهلها وظنوا ان هذا الذي تطارده الكلاب من تسبب في هذا الصراخ المنبعث من البيوت فانطلقوا في اثره حتى اصبح محاطاً بهم ثم امسكوا به وجروه عائدين به الى ربوع القرية ليروا ما فعله بأهلها.

سيد محمود الحاج
10-17-2009, 02:45 PM
( 46 )

جثم يامو في اصفاده يلقي بنظرات زائغة يائسة فيما حوله و نظرات ملتهبة تأتي من كل صوب تكاد ان تحرقه حرقاً .. علم أهل القرية بما خلفه القاتل بجوار جثة شيخهم واجمع معظمهم على انهم رأوا تلك المخلاة مع هذا الشحاذ الأعرج الذي دخل قريتهم هذا الصباح وأن محتوياتها ماهي الا صدقاتهم التي تصدقوا بها عليه .. لم يكن اعرجاً كما بدأ لهم بل كانت تلك حيلته التي مكنته من النيل من زعيمهم.. كانت عينا يامو تطالع وجوه المحيطين به فلم ير فيها الا ما ينبئه بمصيره المحتوم .. الا انه رأى فجأة من بين الوجوه وجهاً انعكست على قسماته نظراته الزائغة المنكسرة .. فكانت نظرات ذلك الوجه مثل نظراته تماماً حزينة مرتعبة .. انه وجه بوتا .. الوجه الوحيد من بين تلك الوجوه الذي اعلن ليامو ان هنالك من هو حزين لمصيره .. صرخ وهو يرى زمرة من الرجال الأشداء الأقوياء يتقدمون نحوه وفي يد كبيرهم حبل ادرك الغاية منه فحسبه القوم انه يصرخ وجلا وخوفاً من مصيره وهم لايدرون ان تلك الصرخات لم تكن الا شفرات مرسلة من ذلك اليائس الى جهة ما .. صرخ يامو في لسان قومه يخاطب بوتا دون النظر اليها .. وصف لها في كلمات معدودة مكان صاحبه اكر وطلب منها ان تذهب اليه الساعة ودون ابطاء فتأمره بالرحيل فوراً والإبتعاد عن حمى هذه البلدة دون أن تروي شيئاً مما يحدث له بل تخبره بأنه سوف يلحق به.
يالخسارة اكر في خله الوفي يامو !! .. فقد حمل وزر صاحبه مثل ماحمل همومه واحزانه .. وقبل بالموت في سبيل ان يوفر له الحياة .. حتى وهو في آخر لحظات الحياة يبعث بشفرة تجنب صاحبه الوقوع فيما وقع هو فيه .. رحمة السماء عليك ايها البطل الجسور فقل ان تجود الحياة بمثلك !!
ولما استقرت الشمس في مغيبها تماماً كان جسد يامو معلقاً على شجرة كبيرة في وسط البلدة .. فقد شنق مثلما يشنق الكلب المسعور .. وقبل ذلك كانت بوتا قد تسللت دون ان يلحظها احد واخذت طريقها الى حيث المكان الذي وصف لها .. تعدو على عجل تلتفت الى الوراء من حين الى اخر مخافة ان يراها احد حتي لاح لها من على البعد شبح سائر لم تستطع تمييزه .. فانزوت خلف شجيرات على جانب طريقها ريثما يتخطاها ذلك القادم واذ تمعنته وهو سائر على مقربة منها ألفته اكر .. فخرجت تنادي عليه من بين الشجيرات وقد نالت منه تلك المفاجأة ما نالت فقفز متحفزاً ..أخبرته على عجل ان امر مقتل كرار الزير قد انكشف وقد وجد ماخلفه القاتل بجوار الجثة وان اهل البلدة يمشطون الآن كل حيز وكل شبر بحثاً عن القاتل صاحب تلك المخلفات وطلبت منه ان يرحل اللحظة عن هذا المكان ويقصد اي من القرى التي قد تكون بورا في احداها .. قائلة له ان يامو في عهدتها في مكان آمن وسوف تمكنه من اللحاق به متى اصبح الوضع آمنا .. ولكن اكر انتهرها في حدة :"أتطلبين مني الفرار دون يامو؟ .. كلا فذلك لن يكون ابداً مهما كلف الأمر "!! .. فردت عليه في لهجة اشد حدة من لهجته :"قلت لك ان الوقت ضيق جدا وليس هنالك مجال لمزيد من الكلام فان اردت الموت لصديقك ولنفسك فابقى على ماعزمت عليه ولتكن نهايتنا جميعاً انا وانت ويامو وبورا"!!.. فاذا بقولها يفعل مايفعله السحر في نفسه اذ اذعن للأمر ورضخ .

كان اكر يتوسط الطريق الذي وصفته له بوتا .. كان طريقاً ملتوياً تكثر به الشجيرات والصخور في حين انه كان هنالك طريق آخر الين عريكة من هذا الذي يسير فيه الآن الا انه يمر على مقربة من بيوت البلدة الواقعة في الأطراف و التي كانت حينها تغلي مثل مرجل على نار حامية.. كان يسير بهمة فاترة وعزم خائر .. يعوزه ذلك الحماس الذي كان طابعه. تلك هي المرة الاولى التي يسير فيها دون رفيقه منذ سنوات طوال .. ولو كان يامو معه اللحظة لكان لهذه المرحلة من الترحال طعم اخر فهو يسير الآن نحو بورا وفي حوزته مهرها الذي لايدفع لسواها .. الا وهو اخذه بثأرها وثأر جميع ضحايا كرار الزير .. ثم يدع وهو في تلك الحال همومه ليحمل هم بورا وهي في لوثتها هل ستعرفه من بعد هذه الأعوام الطوال ياترى وهل يعود اليها وعيها اذ ماتلاقيا؟ .. فيمني نفسه بأن مابها لا أكثر من غمامة حزن وما ان يظهر في حياتها ثانية حتى تنقشع تلك الغمامة فتعود مثلما كانت .. ان كانت امراة سيدها قد عبثت بجمالها فذلك لايضيره في شئ فهو لن يرى فيها سوى بورا معشوقته الابدية وحلمه الدائم فلم يكن قد نظر اليها بعينيه ابداً بل كان يناظرها من خلال روحه وقلبه.. نعم سيعود رشد بورا اليها لحظة ان تقع في احضانه .. وشيئاً فشيئاً يدب في روحه ذلك الأمل القوي وذلك التفاؤل بعيد المدى .. سيجد بورا وستجده فتجد عقلها وتجد حياتها وسيلحق بهما يامو .. ان لم يكن الساعة فالساعة الآتية فيسلكون جميعاً طريق العودة الى ارض الآباء والأجداد فتأخذهم تلك التلال في احضانها مثلما تحتضن اكواخ اهلهم .. كان في بعض الاحيان يخال له ان يامو يسير بجانبه فيهم بالحديث اليه فتخرج عن شفتيه دون ان يشعر كلمة او جملة .. فتعاوده احزانه وهمومه ويعود للتفكير ثانية في مصير يامو فيراه في مواقف صعبة يغمض حيالها عينيه ثم يرى بوتا خلال ذلك وهي تردد تلك العبارة ذات اللهجة الآمرة فيحس بشئ من الإطمئنان ويمضي في طريقه محاولاً التحرر من مثل تلك الهواجس.

سيد محمود الحاج
10-17-2009, 02:56 PM
( 47 )

كان نباح الكلاب الواصل من على البعد قد انبأ اكر بأنه على مقربة من مكان آهل .. لم يشك في ان تلك هي واحدة من القرى التي تتردد بينها بورا .. فطفق يبحث عن موضع لقضاء ليلته تلك في حيز يعج بصخور كبيرة ناتئة تخلفت فيما بدا عن جبل عملاق سحقته الأزمان فوجد من بينها مخبأ مناسباً .. ولما كان قد لقي خلاله يومه المنصرم من الاجهاد مازاد عن طاقته فقد استسلم الى النوم دون مقاومة تذكر ولم يستيقظ الا عند الفجر .. فنهض عن مرقده ومضى في طريقه دون تردد ودون ان يفكر في كيفية دخول القرية فكان اول من مر به صبي يقود شويهات الى المرعى فالقى عليه التحية وسأله مباشرة ان كان يعرف المكان الذي تتردد عليه امرأة معتوهة وقبل ان يكمل سؤاله بادره الصبي : "أتقصد عجيبة؟" فقال أكر بعد تردد :"نعم نعم .. إنها هي .. أتعرف أين مكانها؟" فقال الصبي وهو يشير الى عشة تجاور قبور القرية التي بدأت على مقربة من حيث يقفا :" لقد كانت هنالك إلا انني لم أرها منذ عدة ايام فربما تكون قد ارتحلت الى القرية الواقعة خلف هذه القرية كعادتها فهي لاتستقر في مكان حتى تنتقل منه الى آخر"ثم اخبر اكر بأنه اذا اراد الوصول اليها عليه ان يقصد مقابر القرى فهي مكانها المفضل ولاتوجد في سواه الا نادراً .. عرج اكر على ذلك المكان الذي زعم الصبي ان بورا أو عجيبة تأوي اليه .. عشة صغيرة من فروع الاشجار تتوسط القبور .. بحث اكر بين جوانبها حثيثا لعله ان يجد مايثبت ان قاطنتها هي بورا وليست امراة سواها فوجد شيئاً كان انفس من أي جوهرة واثمن من كل نفائس الدنيا .. وما ذلك الا أثر لأقدام بورا .. ذلك الأثر الذي لم تستطع الأعوام الطوال محوه من ذاكرته فهو يستطيع تمييزة من بين الآف الأقدام .. خفق قلبه بشدة وهو يجمع ذلك الأثر بعناية فيرفعه ثم يقبله وتفيض عليه مدامعه مليا فيخرج تلك الصرة من بين ثيابه ليضيف اليها حصيلة اخرى .. نعم انها بورا .. وليست عجيبة أو أي امراة اخرى .. أحس بمزيد من قوة الأمل وعادت تلك الإبتسامة تلازم شفتيه .. كان ما تلقاه أكر من ذلك الصبي كافيا بحيث لم يعد في حاجة الى سؤال الآخرين فقد عرف الآن اين يجد ضالته ومضى في ذلك الطريق يحث خطاه لعله يدرك بورا قبل ان ترحل الى مكان آخر .. وماكاد يتوغل في سيره حتى بدأت امامه معالم القرية الاخرى .. خفق قلبه بشدة وسرت في جسده تلك الرعشة التي انتابته مرارا من قبل .. واحس بتثاقل خطواته واضطراب انفاسه واختلاط افكاره .. أحقاً آنت ساعة اللقاء المنتظر؟ أو َ تجمعه اللحظات القليلة القادمة ببورا فتفعل مالم تفعله السنوات الطوال ؟! .. لا لا .. فهذا لا يعقل !! احساسٌ ما يقول له ان ماهو فيه ليس بأكثر من حلم .. ويعاوده ذلك الهاجس .. انه لن يراها .. فهي بعيدة عن هذه القفار فالورود لاتحيا بين الصخور وفي القبور فذلكما منبت الاشواك والحيات وحدهما .. وليس في هذه القرية سوى الصخور والأشواك .. قرية قاحلة جرداء بيوتها كقبورها وقبورها كبيوتها لاشئ فيها يوحي بالحياة .. كأنها منقطعة عن الدنيا وكأن السماء قد نسيتها منذ قرون خلت .. ولكن هذا الأثر الذي يحمله بين طيات ثيابه لايبقى للشك مجالاً .. وهو أثر حديث لم تمر عليه سوى ايام قلائل فان لم يجدها في هذه القرية التي امامه فهي حتماً في القرية الأخرى تماماً مثل ماقال الصبي وما قالته بوتا .. ذلك ان بورا لاتستقر في مكان واحد فهي متنقلة بين القرى .. وانقطعت افكاره وتوقفت وقد بدأت امامه مقابر القرية في ذلك السهل القاحل المجدب .. يالسخرية الأقدار !! أو يبحث المرء عن حياته في ربوع الموت !؟ بدا له وكأن الشمس قد غم عليها فجأة وهو يرى عشة صغيرة تجاور القبور .. ماج في نفسه اضطراب بالغ وارتعشت فرائصه و اصطكت اسنانه ودارت الأرض من حوله على عجل فبسط ذراعيه ليحفظ توازنه ويمنع نفسه من السقوط .. ثم تجلد قليلا محاولا قهر ذلك الضعف وهو يجر قدميه جرا نحو العشة .. ولكن كانت العشة خاوية لا أحد فيها .. وجد اسمالاً بالية معلقة على جانب من جوانب العشة وحصيرة ممزقة قدر ان تكون مرقد بورا فتناولها وهو يضمها الى صدره بقوة ويشتم رائحتها ملياً ثم يقبلها باكيا .. نعم .. لقد وجد فيها أثر محبوبته الذي لا يميزه سواه .. وماكاد يكف عن ذلك الا حينما سمع وقع خطوات تتقدم نحو مدخل الكوخ فاعتدل في وقفته متأهبا وكأن قوة خفية قد اخذت بكلتا يديه .. نعم انها هي .. قادمة الى وكرها لتجد في انتظارها هذه المرة أليفها الذي تاه عنها عبر الأزمان حينما فرقت بينهما تلك السحابة الكثيفة القاتمة .. لقد حانت ساعة اللقاء بإنقشاع تلك السحابة فليحلقا معاً عالياً فوق هامات السحب في رحلة الإياب إلى ارض الأجداد .. وعزفت في قلبه الطبول .. يملأ ازيزها مسمعيه .. يكاد يميز وقعها .. فقد كان مثل تلك التي سمعها يوماً حينما كان عائداً من قرية عمه برفقة ابيه العم سايس .. ساوره شئ من ذلك الهاجس الغريب .. قد لاتكون بورا .. فينهزم ذلك الإحساس البغيض امام ذلك الأمل القوي الذي ظل متمسكاً به تمسك الغريق بقشة .. ومد ذراعيه وباعد بينهما تأهباً لأخذها في أحضانه ليغسل عنها غبار الأحزان بفيض عينيه فتعود بورا المنقوشة على خلايا روحه وكافة جوانحه .. وانفرجت شفتاه تحمل ابتسامة بلهاء لايعرف كيف ارتسمت ومن أي منطلق اتت .. غير انه تسمر فجأة .. تراجعت شفتاه وتلاشت كل تلك الأحاسيس التي سادت مشاعره .. اذ انبرت على مدخل الكوخ سيدة عجوز .. وقفت مستندة على عصاها تطالع وجه هذا الزائر الغريب .. صمتت لبرهة كأنها كانت تقرأ خلالها ماهو مكتوب عليه .. ثم تساءلت في وداعة :"من تكون يابني"!؟ .. فتلعثم أكر وقد حار فيما يقول :"أنا .. أنا شقيق بورا" .. فقالت السيدة في استغراب :"شقيق من"؟! .. اخذته الحيرة مرة اخرى ورجع الى قاموس مفرداته الفقير .. فلم يجد مايعينه ثم استحث ذاكرته لعله ان يجد فيها ذلك الإسم الغريب .. فاخرجته السيدة من ورطته تلك اذ اعادت سؤالها :"هل أنت شقيق عجيبة حقاً يابني"؟! فاعادت اليه كلماتها شيئا من رباطة جأشه وتماسكه فرد عليها ايجابا فقالت بعد حين :"أين كنت يابني من قبل .. لقد كانت رحمة الله أقرب اليها منا جميعاً اذ ادركتها"!! .. عبرت نظراته الحائرة عن عدم فهمه لما رددته العجوز فاستدركت ذلك دون عناء وقالت وهي تخرج من بين طيات ثيابها شيئا تقدمه له وهي تقول : " لقد جئت بعد فوات الاوان يابني اذ سبقتك الى شقيقتك ارادة السماء فإرتحلت عن هذه الدنيا قبل أيام قلائل"!! .. وبسطت كفها تشير الى عدد الأيام ثم لم تلبث ان قدمت له تميمة وهي تقول:"لقد طلبت مني وهي تحتضر ان اعطي هذه القلادة الي من يأتي في إثرها"! .. امسك اكر بالتميمة التي لم تكن سوى تلك التي اهداها اليها في احد اعياد الحصاد وتأملها للحظات وهو صامت مذهول .. ثم ضمها الى صدره وأصدر انّة كتلك التي تصدر عن ليث اخترق قلبه سهم مُسنن ثم عاد صائده ينتزع ذلك السهم بكل قوته وفي جذبة واحدة .. لم تبح شفتاه من بعد ذلك بغيرها ابداً .. وأحس وهو يقف على قبر بورا بذبول الكون من حوله بشموسه وكواكبه وجميع معالمه وتضاءل حجم الأشياء بقربه فرأى الكون بجميع مافيه يتضاءل شيئاً فشيئاً فينطوي حول نفسه ويتكور فينحصر جميعه في ذلك القبر المسجي امامه .. فأصبح ذلك كل عالمه من بعد ومثلما تعهدت تلك العجوز أمر بورا من قبل عادت تتعهد أمره أيضاً لردح من الزمان.


(تمت )

سيد محمود الحاج
11-07-2009, 09:54 AM
كان جسدي في تلك الأيام الهانئة يبدو كجسد بغل تملأني الصحة والعافية وكان سيدي وهو يضربني غالبا ما ينعتني بهذه الصفة: " امشي يابغل...عر يابغل...هش يابغل...بلي يبلاك يابغل "... ولا ادري ما إذا كان يمدحني ساعتها ام انه سباب وذم, عموماً أياً كان قصده الا ان ذلك كان يسرني ويثير اعجابي فهو اذن يصفني بالقوة والصمود والتبلد ايضا… فالبلادة نعمة يجهل حقيقتها كثيرون.
كنت عموما افضل حظا من بعض الرفاق فقد كان سيدي الثاني خفيف الوزن ونادرا ما يضع علي ظهري احمالا ثقيلة كما لم يكن ضربه مؤلما الي ذلك الحد الذي يشتكي منه آخرون فهو يستخدم في ذلك عصا عجفاء مثل ساعده فأنا لم اكن احوجه للعنف اذ كنت مطيعا للأوامر اعرف تماما متي يريدني ان اتوقف ومتي يريدني ان اتابع السير...ولكن بحكم العادة كانت تأتيني الضربات حتي في غياب مايدعو للضرب وهذا بالطبع حكم القوي علي الضعيف.
كنت ارثي كثيرا لحال صديقي (جاغو) فقد كان سيده يفوق البغل جسامة وأشد لؤما من كلب الحراسة وفوق ذلك كان فظا غليظ القلب لايتواني عن ضربه لسبب او دون سبب ينهال عليه بعصا غليظة حتي تكاد اضلاعه ان تتهشم تحت وطأتها ويحمله فوق طاقته لكأن ثقل جسده وحده لايكفي لألحاق المزيد من الأذي.... كان جاغو دائما مايقول لي بصوت يغالب العبرات :" هذا الوغد يريد قتلي مثلما قتل والدتي المسكينة من قبل.. لم يرحمها حتي وهي في آخر مراحل الحمل... يضربها بقسوة ويحملها بأثقل الأحمال حتي لكأنه يظنها ناقة فلم تستطع الصمود وانهارت ذات يوم وهو واثقاله علي ظهرها لترحل في صبيحة اليوم التالي وفي بطنها اخي الذي لم يكتب له ان يري النور.
عقب ان تركت دنيا الحمير مرغما وليس طوعا ادركت حقيقة انني اخرجت من الجنة لأشقي في الجحيم اذ لم تكن معاناتي شيئا يذكر مقارنة بما اعيشه واعانيه في حياتي الجديدة هذه او قل بلواي بالأحري... كنا هنالك ننهق متي نشاء وكيفما نشاء ونعبر عن انفعالاتنا وما يجيش بنفوسنا علي النحو الذي نريده نحن الحمير...كان في وسع سادتنا تحكيم اوثقتنا كيفما شاءوا لكن ليس في وسعهم كبت افواهنا او منعنا النهيق فنحن ننهق وقتماء نشاء في الصباح ننهق وعند الضحي ننهق وفي المساء ننهق... لن يستطيع احد ان يمنعنا النهيق فالحمار الذي لا ينهق في عرفنا حمار ميت.... كذلك حين نريد الركض فان في وسعنا ان نركض علي النحو الذي نريده كلما تحررنا عن الأصفاد.... نمضي بعيدا نتسابق وراء جحشة اعلنت عن انوثتها للتو فالذي يفلح في الوصول اليها قبل المنافسين الآخرين يكون صاحب الحق المطلق مذ يضع قائميه علي مؤخرة ظهرها دون ان تبدر اي مضائقة ممن كانوا في حلقة المنافسة فسرعان ما ينفضون كل في حال سبيله وهذا ما ليس له وجود في عالمي الجديد حيث يكون في وسع الأنثي ان ترضي جميع المتنافسين طالما انهم يدفعون المقابل.... وما هذا المقابل!؟.... امر يثير الأشمئزاز ومخالف لأعراف الطبيعة فمتي كانت العواطف تباع وتشتري؟!!
كانت الأتان الفتية كما اسلفت تقبل بالتزاوج مع الذي يصل اليها اولا لا تعيب فيه امرا مالم يكن غير قادر علي التزاوج معها واشباع رغباتها. أواه لتلك الأيام الرائعة المليئة بالسعادة.. ليتها تعود ثانية او ان اعود لها!!!

فاتني ان اقول ان العقاب المؤلم الوحيد الذي تلقيته علي يد سيدي كان بسبب (زيزا) تلك الجحشة الضامرة ذات العينين الكاحلتين الناعستين...كنا علي وشك التآلف وكانت قاب قوسين من النضج.. كانت ما ان تراني حتي تبطيء حركتها وتكثر من الالتفات نحوي وشيئا فشيئا بات لا يحلو لها سير الا علي مقربة مني وحتي تلك اللحظة لم يكن قد تم تطويعها ولم يعتلي احد ظهرها وان كان ذلك قد بات متوقعا حدوثه بين لحظة واخري... كنا كثيرا مانتقابل ولايحول بيننا الا ذلك الوثاق اللعين لكن عدا ذلك ماكنت افرط في لحظة دون ان اكون معها فنحن دوما معا. كنا عندها نركض بعيدا عن البيوت حتي نصل الي حيث المراعي وهنالك نظل نرعي الحشائش متقاربين حتي ان جسدينا يلامسان بعضهما وتتمخض عن ذلك سعادة تكاد تغمرنا ونظل نتهامس ونتصور معا احلامنا لليوم القادم والذي لم يكن يفصلنا عنه سوي ايام قلائل.

ذات اصيل كنت قد نجحت للتو في التخلص من ذلك القيد بمحض القوة فلم انتظر الوقت المحدد لأخلاء سبيلي فقد كنت اخشي ان تفتقدني (زيزا) او ان يتسابق خلفها الرفاق في غيابي فيفوز بها سواي وكنت ادرك تمام الادراك ان تحرري عن القيد علي ذلك النحو سيكون ذا اثر سيء وان سيدي لن يتواني عن ضربي وانه سيحكم شد الوثاق بحيث لاتنجح اي محاولة من قبلي في سبيل التخلص منه في المرة القادمة ولكن مع ذلك فعلت فعلتي ولم اخش عقباها فحبي لزيزا كان اكبر من ان يقاوم وكنت متلهفا للقائها اذ كان ذلك هو اليوم الذي اجعلها تحس بذكورتي وانعم بدوري بأنوثتها...لم اعبا لما سوف يحدث ليقيني بأن القيد مهما كان محكما فأنه سيرضخ امام قوة الأرادة.. فقط ينبغي علينا ألا نكف عن المحاولات الي ان يهن .

ولدهشتي فان زيزا لم تكن هنالك وظننت ربما انها كانت منتظرة في الجانب الآخر من المرعي مخافة ان يصل اليها منافس سواي قبل وصولي لكن هذا ايضا لم يحدث ولم تكن موجودة حيث توقعت ان اجدها... ركضت هنا وهناك علها تسمع نهيقي فتهتدي الي مكاني او ان تنهق هي فأهتدي الي مكانها لكن برغم ذلك لم اتلق ردا ولا جوابا عدا السكون المريب الذي يبعث المزيد من القلق... جن جنوني ساعتها وظللت اركض في كل الجهات وانهق نهيقا لا ينقطع حتي بح صوتي.... ودفعني اليأس ان أسائل بعض المتسكعات من بنات جنسي ولكن دون طائل فلا واحدة من بينهن تدري عنها شيئا... شممت التراب في كل الاتجاهات وبحثت عن اي اثر يقودني اليها غير اني لم افلح في العثور علي شيء وعندها آثرت ان امضي الي دار سادتها فربما كانت في حظيرتها دون ان يسمح لها بالخروج ولكن تبين لي ان الحظيرة خالية الا من ماعزة وضعت جنينها للتو .. اذن هي غائبة ...ا ليست في الحظيرة ولا في المرعي ولا في اي من الأزقة او اماكن القمائم.
انصرفت تملأني الحيرة المختلطة بالحزن هائما علي وجهي لا اقصد وجهة بعينها ولا ادري الي اين تسوقني الخطي وخواطر عدة تجوب ذهني.... هل نسيت زيزا امري بهذه السرعة وباعت مودتي بثمن بخس و فرت مع آخر ظهر امامها فجأة واغراها بفحولته ام ان امرا اشد سوءا قد حدث ؟!

بالفعل كان توقعي الأخير هو ماحدث بالضبط فقد احطت علما من لدن صديقة قديمة ان زيزا قد اخذت الي سوق الحمير حيث جري بيعها ولم يعد لها مكان هنا وكان لذلك النبأ وقع الصاعقة واحسست للحظات طالت انني غير موجود في هذا الكون. اذكر انني انطلقت اهيم علي وجهي لعدة ايام اواصل البحث في كل فج وماكنت لأعود لولا ان عثر علي سيدي وقادني ذليلا خائبا الي حظيرتي القديمة وقد استبدل وثاقي المتهالك بآخر امتن واقوي وبقيت في قيدي لفترة طويلة دون ان يسمح لي بالخروج وماكدت اتحرر عن ذلك القيد لولا الهزال الذي اصابني وارغم سيدي ان يخلي سبيلي فقد عافت نفسي اي طعام واكتفيت فقط بشرب جرعات معدودة من الماء .

عفوا فقد فات علي ان اخبركم عن سيدي السابق فهو وان لم يكن يعتلي ظهري الا انه كان يستخدمني في جر عربة الكارو معظم ساعات اليوم فأظل مترنحا في الأزقة الضيقة وعلي شوارع الأسفلت علي مقربة من الشاحنات والمركبات التي كثيرا ماتبعث الخوف في نفسي الا انه لا يخلو من عدل فقد كان هذا العمل اي جر الكارو مناصفة بيني وبين رفيق آخر يوم لي ويوم له. آه آه لتلك الأيام السعيدة.... اين انت الآن يا (جوب ) الكسول؟! ... كنت اري اثر العصا واضحة علي جسده عندما يعود الي معقله بجواري بعد انتهاء نوبة عمله وكنت ساعتها اسأله ضاحكا عن الذي بدر منه فاستحق عليه كل هذا العقاب فيجيبني ساخرا: " سيدي هذا يريدني ان اكون اسرع من السيارات ويريدني كذلك ان اتوقف في ذات اللحظة التي يأمرني فيها بالتوقف دون مراعاة لحافري المشقوق.
حقيقة ان سيدي السابق ليس كهذا الأخير فقد كان اشد عنفا وضرباته موجعة ومؤلمة ويمارس الضرب في احيان كثيرة دونما سبب واضح خاصة عندما يغضبه احد ما فأنا اعزو لعنتي التي اصبت بها اليه ففي مرات عديدة وعندما يغضبه موقف من المواقف اظل اتلقي منه ضربات بالغة القسوة بين حين وآخر مرددا: " ليتني كنت مثلك... ليتني كنت حمارا.... ليتني كنت بهيمة آكل واتبرز في ذات المكان!! وكنت ساعتها اقول ناهقا تحت وطأة الألم: " ولما لا تفعل مايحلو لك ياسيدي ومادخلي انا في هذا؟ هل وقفت في طريقك يوما.. كل وتبرز حتي وانت علي ظهري... هل في وسعي ان امنعك او ان احتج علي صنيعك.... افعل ماتريد وارفع عني عصاك "!!

اذكر انه ذات صباح كان يدفعني بين صفوف من السيارات المتراصة دون ان يزعن لأوامر شرطي المرور فلحق به واستوقفه واثناء النقاش الذي دار بينهما رأيت الشرطي يصفع سيدي علي وجهه بقوة... كنت ارقب الموقف لأري ردة فعل سيدي وعلي اي موضع من جسد الشرطي سوف تستقر عصاه التي طالما ألحت جسدي الا انه لم يفعل شيئا وعاد وعيناه تفيضان بالدموع وجاءت ردة الفعل علي ظهري انا المسكين ...ضربني بقسوة علي ظهري وعلي رأسي وعلي عنقي وعلي جانبيّ واعقب ذلك عبارته المعهودة : " ليتني كنت مثلك .... ليتني كنت حمارا...ليتني كنت بهيمة آكل واتبرز في ذات المكان "..... ولو ان سيدي فطن الي نظراتي المنكسرة لقالت له : " انا ليس من صفعك.... كان الشرطي اولي بتلقي مثل هذه الضربات الموجعة " !!
كان كلما اغضبه موقف يدفع ثمن ذلك شخصي الضعيف ففي مواقف تتكرر بين حين وآخر اتحمل مثل هذا العبء الثقيل فمثلا في المرة التي استوقفه فيها جباة الضرائب ليأخذوا منه ايراد يوم بأكمله انهال عليّ ضربا مرددا عبارته المعهودة متمنيا لو انه كان مثلي حمارا... ويفعل مثل ذلك ايضا كلما استوقفته لجان النظام بحجة ان الحمير تلطخ شوارع الأسفلت بفضلاتها واعجب ما في الأمر ان ذلك لا ينطبق علي عربات الكارو ذات الأربعة عجلات والتي تجرها الخيول لكأن الخيول تتغوط برسيما وقصبا !!.... رأيت احد رجال هذه اللجان وبينما رفاقه الآخرون يجادلون سيدي , رأيته يتبول علي الجدار المقابل. وعموما فأنني لم اكن معنيا بذلك فقد اعتدت علي قضاء حاجتي اثناء وجودي في حظيرتي فقد تعلمت ذلك من التكرار لكن من يعلم سادتي رفاق اليوم ؟!!

سيد محمود الحاج
11-07-2009, 09:58 AM
( 2 )


لم ادرك حقيقة ما يحيق بالحمير من ظلم وكم هي مفتري عليها الا بعد ان هجرت عالمها

او بالأصح بعد ان هجّرت عن عالمها وبليت بهذا الواقع الذي اعيشه الآن.. فهي في عرف

رفاق اليوم محط الغباء والبلادة وتبلد الأحساس وسوء التصرف فمن يسيء التصرف منهم

يوصف بالحمار والذي لا يغير طريقه في الحياة ويظل ملتزما بخط سير واحد فهو حمار

والذي يفعل مايراه صحيحا ويراه سواه غير ذلك حماروالذي يأبي ان يتفاعل مع موقف من

المواقف التي لا تهمه او يخطيء في فعل امر يقال له حمار...عجبا لأمر هؤلاء الرفاق فهم

من قال ان الخط المستقيم هو اقصر الطرق الي نقطة ما وهم من يقول " ماسك دربين

ضهبان" ومع ذلك فهم يعيبون علي الحمار التزامه بخط واحد !! فما العيب في ان يلتزم احد

بخط واحد طالما ان هذا الخط يوصله في النهاية الي مبتغاه فأذا اراد الحمار ان يغير مساره

فليس ذلك بالأمر الصعب وفي وسعه فعل ذلك فهاهو يذهب الي المرعي ويتسكع بعيدا في

الخلاء فيصل الي حدود قري اخري لكنه مع ذلك يعود ثانية الي حظيرته دون مشقة وكان

في وسعه الا يعود الي العبودية مرة اخري غير انه يعود بمحض ارادته لادراكه بأنه اينما

يفر فهو مستعبد ولكن سيدا تعرفه خير من سيد لا تعرفه. ايضا فأن الحمير لا تتصرف بغباء

كما يقول هؤلاء الأغبياء وهؤلاء الجهلاء فالحمار عندما يبدي الحران فجأة فأنه عندئذ يكون

قد استشعر خطرا محدقا وبالتالي يمتنع عن مواصلة المسير الي حين ان ينجلي ذلك الخطر

الماثل امامه الا ان هذا التصرف يغضب سيده فينهال عليه ضربا وركلا وهو يظن جهلا ان

الحمار حينما يفعل ذلك فانه يفعله كيدا وعنادا فيتواصل العقاب والضرب المبرح فكم من

حمار انهار في موقف كهذا وكم من حمار اطاح بسيده بعيدا وفرّ عائدا من حيث اتي ويتفاجأ

سيده عقب ذلك بالخطر ماثلا امامه فقد يكون ثعبانا كبير الحجم او حيوانا ضاريا او سيلا جارف.

حكي لي جدي وانا صغير انه ايام شبابه كان يرزح في مرة تحت وطأة جسد سيده المفرط البدانة

في رحلة طويلة وفي منتصف الطريق احس بخطر يتربصهما علي مسافة ليست ببعيدة عن حيث

كان يسير فشلت قوائمه فجأة ولم يكن في مقدوره ان يتقدم خطوة الي الأمام الا ان سيده الغبي لم

يرضه ذلك فترجل عن ظهر جدي ليوسعه ضربا وركلا وشتما وعندها لم يجد جدي غير الفرار

وسيلة يتقي بها شر الخطر الماثل امامه وجبروت سيده وحين اصر سيده البدين علي المضي راجلا

وجد قطيعا من الذئاب في انتظاره ولم يعثر من بعد الا علي بقايا عظامه....واذ قضي امر الرجل علي ذلك النحو

الفظيع عاد جدي سالما ودون ان يلحق به اذىً...أليس من الغباء ان يعود جدي سالما؟!! كم كان يكون

ذكيا لو انه مضي في سبيله وازعن لأوامر سيده ليصبح اشلاء تلهو بها السباع؟!

بينما كنت اتسكع ذات مرة قرب جدار مدرسة سمعت المعلم يقول لأحد تلاميذه موبخا:"ألم تفهم ياحمار

فقد شرحت هذا الدرس عشرين مرة من قبل؟!! "ضحكت ناهقا وعجبت للأمر فنحن معشر الحمير

نتعلم كل ماينبغي علينا تعلمه في الحياة منذ الصغر ويظل هذا الدرس مطبقا حتي آخر ايام حياتنا فلا

نخطيء فعل شيء مما تعلمناه ابدا. وكم من مرة سمعت فيها احد رفاق يومي يصف آخرا من بني جلدته

بأنه عديم الأحساس كالحمار.

فمن قال ان الحمير لاتحس ؟! هذا هراء وافتراء ، ربما كانت الحمير اكثر واشد احساساً من هؤلاء المتقولين فهى تحس بالخطر قبل وقوعه وتحس بالمعاملة التي تتلقاها من سادتها وتحس بتغيرات الطقس وهي تحزن وتفرح وتحس بالجوع وبالعطش وبالمرض ، فأي احساس ذلك الذي يعوزها.

نعم نحن معشر الحمير نتعلم كل مايهمنا في الحياة منذ نشأتنا الاولى فلا نخطئ في اي امر من الامور ، فحين نذهب للمرعى مثلاً لايفوت علينا من بين الانواع الكثيرة من الحشائش والاعشاب تجنب انواع بعينها لانها سامة وقاتلة ، ويكون في وسع اصغر جحش او أتان تمييز هذه العشبة من بين الآف الالآف من الانواع الاخرى ولن يخاطر اي حمار بالدنوء منها او حتى تنشق رائحتها او محاولة معرفة مذاقها دون ابتلاعها فما الذي يدعو لذلك طالما ان بقربها حشائش طيبة وليست ضاره وان التعليمات التي في حوزتنا تنص صراحة على الا نقربها مهما كان الامر ، ومع ذلك مازال سادتنا رفاق اليوم يصفون اغبياءهم بالحمير ، والحمير بريئة حتى من اذكيائهم الذيت تتواصل ابحاثهم ويستهلكون معظم سنوات اعمارهم في سبيل اثبات او اكتشاف امر تافه نعلمه نحن بالفطره ، ومايثير الضحك انهم حتى مع وصولهم الى نتائج وحقائق الا انهم لا يعملون بأي منها فهاهم يعلنون مع كل طلوع شمس وغروبها ان التدخين ضار بالصحة وانه يسبب السرطان وتصلب الشرايين ، ويكتبون هذه الحقائق على علب السجائر وفي ذات الوقت تجد الاعلانات الترويجية على الشوراع وفي الصحف ووسائل الاعلام الاولى بل ترى لفافات التبغ في ايدي من ينهون عن التدخين ومن يعالجون من امراض التدخين.

( 3 )

لن تجد من بين رفاق الامس من يبحث عن الشر وعن المتاعب بيده ليظل يشقى بها طيلة عمره بل وطيلة اعمار الاجيال التي تاتي من بعده ، اذن ماجدوى ان نبحث في ذات الوقت عن الدواء لمجابهة الامراض ، وماجدوى ان نبحث عن مايعود علينا بالنفع ، فهاهم رفاقي الجدد يبددون اعمارهم القصيره واموالا لا تحصى وينافس بعضهم البعض لاجل ان يصلوا الى معادلة تجلب محاولة فك رموزها الدمار لهم ولبيئتهم ولمن يشاركهم هذه البيئة ، وهاهم يصنعون الاسلحة التى تفتك بهم قبل ان تفتك بغيرهم ، وهاهم يقتلون انفسهم وغيرهم من الاحياء عن قصد ودون قصد بالمبيدات والنفايات والفضلات السامة وغيرها من افرازات مصانعهم ومايصنعون ، حكى لنا اجدادنا عن الغابات الكثيفة والاشجار الباسقة التى ماكانت اشعة الشمس تقوى على ان تنفذ من خلالها وعن اصناف عدة من الاحياء التى كانت تعيش فيها ، اين هذه الغابات واين هذه الاشجار الباسقة الان ؟! ، لم يعد لها وجود في حاضرنا الا ماندر فمن المسؤول عن اختفائها واختفاء مافيها هل هم رفاق الامس الاغبياء ؟! ، ما اتعسكم يارفاق امسي !

يكاد الجهل يقتل رفاق حاضري ، ومع ذلك فهم يدعون انهم الاكثر معرفة والاوفر علماً وهم الأدهي والأكثر ذكاء ً ، وما نحن ومن هم في حكمنا الا مخلوقات لاتعي ولا تدرك ماحولها ، حرام عليكم ايها الرفاق ان تلقوا علينا بكل هذا .. الا يكفيكم انكم استعبدتمونا وسخرتمونا لخدمتكم ؟! .

نحن ندرك تماماً ان هناك غاية من وجودنا في هذا الكون وليس الامر عبثاً ، وعليه فنحن نجعل طريقنا واحدة ونحاول ان نعيش حياتنا القصيره على الوجه المطلوب فنأكل حين نحس بالجوع ونكتفي بما يسد رمقنا فحسب ، فلا نؤخر شيئاً للغد لاننا نؤمن بأن الحياة ماهي الا سويعات ، فإن عشنا اليو فلا ندري ماذا يكون الامر في غدٍ ، فنحن ننعم بالحياة برغم معاناتنا وبرغم الجور الذي يحيق بنا ، فلا نعتدي على غيرنا ولانظلم غيرنا ولاننصب لهم الشراك والفخاخ ولانحسد ولانغتاب احداً منا.

ارى رفاق اليوم يسيرون في الحياة وكأنهم قد منحوا ضماناً للبقاء فيها للأبد ، فهم يعدون خلفها منذ وجودهم الى اخر لحظة فيها ، يشيدون القصور العالية ويكنزون الاموال ويختزنون الغذاء ويقتنون من الملابس والاواني مايزيد عن حاجاتهم كثيراً بينما تجد اخوة لهم يموتون بالجوع ويمشون عراة ويعيشون في العراء او في اكواخ لاتقيهم من البرد ولا المطر وتقتلهم الامراض والاوبئة ولو انهم تقاسموا كل ذلك مع بعضهم البعض لطابت الحياة لكلا الفريقين ولطالت بهم ايضاً ، فهم الان صنفان ، صنف تقتله التخمة وصنف يقتله الجوع والفقر، يذهب المقتدر من الدنيا مثل مااتى اليها فلا يحمل معه شيئاً واحدا مما امتلك ومما اغتني ومثلما يمضي الغني يمضي

الفقير ايضا لكن الفرق ان الفقير يذهب غير نادم علي شيء.

سيد محمود الحاج
11-07-2009, 10:01 AM
( 4 )


حقا غريب امر هؤلاء الرفاق الجدد يضعون الأنظمةبأنفسهم وينتهكونها قبل ان يجف المداد الذي كتبت

به... يصنعون الدواء ويأتون بالأمراض... يحيون الأرض في جانب ويميتونها في الجانب الآخر...يدافعون

عن نوعهم في ارض ويقاتلونه في ارض اخري...يدعون للسلام والأخوة ويملؤون ترساناتهم بالأسلحة الفتاكة

ويثيرون الفتن بين بعضهم البعض!!! .... هل سمعتم يوما عن حمار قتل حمارا او عن حمار انتحر او عن

حمار سرق او آخر اختلس اموال امة من الحمير اوعن حمار اعدم مجموعة من ذويه ليحيا وحده؟!!

لم يأتنا نحن الحمير مرشد منا ليدلنا علي الطريق القويم وليس بين ايدينا نصوص تحدد لنا الطريق لكننا

مع ذلك لا نحيد عن الطريق المرسوم لنا و لم نكفر بأي من نعم الطبيعة ولم نبددها او نحيلها نغمة ولم

نعرف الفرقة يوما ولم نتشرزم الي طوائف متنافرة يسعي كل منها جاهدا للنيل من الآخر...فما جدوي

تعليماتهم ونصوصهم وهي لا تطبق ولا يعمل بها؟! .... بما ولما يتفاخرون علينا اذن؟!

رأيت بأم عيني سيدي يعتدي علي واحدة من بنات جنسي وهي في مربطها وكم حاولت اتقاء شره دون

ان تفلح ولم يتركها الا بعد ان قضي وطره وتركها تتأفف في محنتها فهل يفعل حمار مثل هذا الذي فعله

سيدي وما الذي يعوز رفيقته ليجده عند حمارة لا حول لها ولا قوة ؟!!

نحن معشر الحمير لا نكذب ولا نخادع ولا نحمل الآخرين اخطاءنا , هذا اذا حدث ان ارتكب حمار خطأ ,

لكن بين رفاقي الجدد يندر ان تجد من لا يكذب ولا يخادع ولا يغش بل تكاد تكون هذه الصفات امرا لا

يمكن العيش بدونه... امر كالماء والهواء والغذاء يفعلون كل ذلك واذا رجعوا الي انفسهم او تلقوا لومة

لائم ألقوا بأثقالهم علي ابليس وبرروا سوء صنيعهم بأنه كان كيد ابليس.... لعن الله ابليس...حلت عليك

لعنة السماء يا ابليس!! .

وبالمناسبة فأنا اعرف ابليس المفتري عليه هذا حق المعرفة ولربما كان مسؤولا عن افعال ما فيما مضي

الا انه لم يعد يمارس اي من هذه الأفعال الآن فهو مخلوق تعيس يعيش في هلع دائم وما ان يري احدا من

رفاق اليوم حتي لو كان طفلا حتي يهرع لينجو بنفسه لاجئا بالفلوات والصحاري والأماكن الخربة...اقابله

كثيرا خلال تسكعي ليلا مستجديا ما يسد رمقه... سألته مرة وانا اقدم له حفنة علف لماذا يعيش في هلع

مستديم فأجابني والحزن يغلف كلماته:" ان هؤلاء البشر قد جعلوني شماعة اخطائهم فما ان يرتكب احدهم

جرما او يفعل منكرا و يكتشف امره حتي يسارع الي الصاق التهمة بشخصي الضعيف وينعتني بأقبح

الألفاظ والعبارات وتتوالي لعناته دون ان تكون لي يد فيما صنعه فأينما اذهب اجد اسمي في قائمة

المحظورين او المطلوبين للعدالة ولا من احد يحاول التقرب مني لفهم المشكلة او ابداء المساعدة لي.

بالأمس قادتني الصدفة وحدها الي حيث جلس احدهم يلاطف كلبته ويداعبها ولم يطل الأمر حتي

رأيته يأتي بشريط لاصق ليلفه حول فكي كلبته المسكينة بحيث لا تستطيع فتح فمها ثم انقض عليها

دون شفقة ولم يكن امام المسكينة الا الاستسلام حينما خابت مساعيها في فتح فكيها.... قال ابليس

مواصلا حكايته لي انه جلس حينها يراقب الوضع ورأسه بين يديه من فرط دهشته وانه ماكاد يستفيق

من الدهشة لولا يد اخيه وهي تضرب علي كتفه يسأله ان كان قد رأي في حياته مثل هذا الفعل. قال

ابليس ان الرجل فعل مافعل بمحض ارادته وما ان انهي الأمر حتي طفق يصب سيل لعناته عليه

وعلي كل اهلي.

آه يا صديقي الحمار ليتك تري ما أري....ليتني استطيع التحرر من قيد هؤلاء الأوغاد....صدقني ياصديقي

العزيز انني منذ امد طويل احاول الفرار من عالمهم دون ان يحالفني الحظ يوما فقد اوصدوا جميع الأبواب

والمنافذ في وجهي واحكموا سدها بحيث لا انجح في الهروب من سجنهم لأنني حين افلح في ذلك فلا شك

انهم سيخسرون كثيرا اذ لن يجدوا من بعد مبررا لسوء افعالهم ولن يجدوا سواي مرمي لقذارتهم!! قال

ابليس ماقال ثم انفجر باكيا حتي كاد قلبي ان ينفطر حزنا علي ماهو فيه من غم وحيف فلم اتمالك نفسي

من البكاء .


(5)

في ميثولوجيا الحمير تتردد سيرة ما يسمي ب ( الهونغو ) في كثير من القصص و الأساطير...سمعت
منها الكثير وانا اخطو اولي خطواتي فقد اخبرتني جدتي الطيبة عن امر الهونغو فهو حمار ملعون شرير
كبير الرأس جاحظ العينين له انياب بارزة كأنها انياب ذئب يتدلي شعر طويل كثيف من اسفل فكه الأسفل
وخلال النهار يظهر في شكله العادي كسائر الحمير يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ويصف للحمير
الطريق القويم رغم ان الحمير لا تفعل منكرا ولا تخطيء الطريق ولا تبخل بمعروف لكنه مع ذلك درج
علي هذا العمل وما ان يحل الظلام حتي يتحول هذا المخلوق ويتغير شكله تماما فتبرز انيابه بشكل مرعب
وتتحول حوافره الي مخالب حادة كأنها الخناجر فما ان يجد حمارا هائما متسكعا حتي ينقض عليه ويغرز
انيابه في عنقه ليمتص دمه حتي آخر نقطة ويسطو علي المعاقل والحظائر ليستولي دون وجه حق علي
اعلاف غيره من الحمير وحتي غير الحمير ويظل هكذا حاله حتي اذا طلع الفجر عاد الي
طبيعته. كانت سيرة هذا الهونغو تخيفنا الي حد بعيد فما ان تغرب الشمس حتي نلوذ بحظائرنا ولا نرقد
الا ملتصقين بأجساد امهاتنا مخافة ان يأتي الينا هذا الشرير فيمتص دماءنا... ولكن عندما كبرنا قليلا
ادركنا ان الهونغو لا اكثر من خرافة تحكي للجحاش لكيلا تبتعد عن امهاتها خلال الليل. ولكن حين حلت
بي اللعنة واصبحت في هذا الوضع الذي ابتليت به تبين لي بما لايدع مجالا للشك ان الهونغو حقيقة
ماثلة وليس بأسطورة او خرافة فعالمي الجديد ماهو الا مستعمرة تسيطر عليها مجموعة من الهونغوات
واني اذ اتمني ان اعود لحياتي السابقة لالشيء اكثر من ان اخبر رفاق الأمس بأن الهونغو واقع ملموس
وليس وهما او خيالا وانني رأيت هونغوات وليس هونغو واحد... ليتني استطيع العودة الي دنيا الأمس !!

حقيقة انني فقدت هيئتي كحمار فأذناي قد تقلصت وذوت حتي اصبحت في حجم ورقة لبلاب او اصغر من ذلك وتكور رأسي
فبدأ كبطيخة غير كاملة النضج وبدل ان كنت اسير علي اربع اصبحت امشي علي اثنتين وتساقطت حوافري
القوية واصبحت مسخا لا استطيع وصفه بدقة واكبر خسارة منيت بها كان ذيلي الجميل الذي اختفي تماما
ولم يعد له وجود وتحولت عيناي الكبيرتان الواسعتان الي نتوءات لا يكاد الضوء ينفذ من خلالها الا بعد
مكابدة... الا انني اظل ممتنا بأن عقلي هو الشيء الوحيد الذي لم يلحق به كثير من الضرر وهذا من حسن
حظي , فما زلت محتفظا بعقلي كحمار لأنظر الي هذا الواقع المرير بعيني حمار حتي من خلال تلك النتوءات
الضيقة.... وحين انام تنطلق رغباتي المكبوته في الأحلام فأري نفسي راكضا في براءة وحبور واحس بذيلي
وكأنه قد عاد الي موضعه يتحرك يمنة ويسرة واذناي تبرزان ويعاود عيني ذلك البريق الذي افتقدتاه منذ امد
وحوافري تنهش الأرض فأنهق اثناء نومي طربا جزلا.
كان الحلم الذي ظل ملازما لنومي دون ان ينقطع هو (زيزا ) فلم تستطع الأيام الطويلة التي حالت بيني
وبينهاان تمحو ذكراها فما ان اغمض عينيّ حتي يتأوب طيفها واراها ماثلة امامي وعنقها الجميل يلامس
عنقي و ذيلها يعلو ويهبط وهمسها العذب يبعث الفرح في نفسي...احلم بتلك الأيام الهانئة فأري امي وجدتي
واري كل رفاق الأمس.
حين احس بالضيق وتفيض نفسي بالهموم كانت خطاي تقودني بشكل آلي الي مرابض الحمير عند اطراف
المرعي واظل ارقبها من علي البعد حتي لا يزعجها وجودي ويعكر صفوها فأري بعضها راقدا متنعما
وبعضها يتراكض في بشر وأُخر تحوم هنا وهناك وتسير كما يحلو لها ولا هم يعكر صفوها ..تنعم بالحرية
وتعيش سويعات حياتها علي الوجه الذي يروقها وكأن الكون ملكها دون سواها...الكل يتعامل مع هذه الحياة معتمدا علي نفسه ويسير دون حاجة لهادٍ يدله ولا مرشد يبين له الطريق فما اوضح الطريق!! فنحن الحمير
نعرف مالنا وماعلينا علي امتداد حياتنا فهذا امر مبرمج في ادمغتنا ونحفظه عن ظهر قلب فلا نحيد عن الخط
المرسوم لنا ولا نرتكب خطأ فقل ان تجد حمارا يمنع سواه ان يشاركه طعامه لأيمانه بأن هذا الطعام ولو تسخر
له فمن حق الآخرين ان يأخذوا قسطا منه متي ارادوا فالحمير لا تأكل حتي التخمة بل يكفيها مايقيم اودها لذا
فأنه يندر ان نجد حمارا مات من الجوع لكن يمكن ان يموت من التخمة... فلا يموت حمار بالجوع الا اذا
كان محبوسا في قيد سيده بينما تعصف المجاعات من وقت لآخر بسادتنا الأذكياء اهل العلم والمعرفة.
لا فرق بين حمار وحمار ولا تفاخر بينها... هكذا تقول اعرافنا وانظمتنا... فالحمار حمار ابيضا كان ام اسودا
اسمرا كان ام اغبشا...طالما انه ينهق فهو حمار... طالما انه يعدل فهو حمار...طالما انه صبور فهو حمار..
طالما انه لا يقتل غيره فهو حمار...طالما انه لا يرتكب جرما فهو حمار...طالما انه لا يكذب فهو حمار..طالما
انه لا يحسد احدا فهو حمار...طالما انه لا يسرق فهو حمار....طالما انه لايغش ولا يخدع فهو حمار...طالما
انه لا ينافق ولا يحابي ولا يغتاب فهو حمار وطالما انه يتبع الطريق القويم فهو حمار.
اظل لساعات طوال مستمتعا بمراقبة رفاق الأمس وهم في لهوهم وانسهم وتآلفهم فأحن لتلك السعادة التي
ولت دون رجعة وذلك الهناء الذي افتقدته منذ ان حلت بي اللعنة ومنذ ان بليت بهذا الواقع المرير. ولا
تحسب اني احسد رفاق امسي علي ماهم فيه من نعمة فكلا ان يحدث هذا وانا اعيش بسجيتي الاولي انما
يعجبني حالهم وودهم المتبادل وامنياتي لهم ان يدوم سعدهم وان يظلوا علي ماهم فيه فلا تحل بهم لعنة
تنأي بهم عن واقعهم الجميل وتخرجهم من اصباء الجنة الي سمائم الجحيم .

سيد محمود الحاج
11-07-2009, 10:07 AM
(6)


الشيء الذي يثير حيرتي منذ ان صرت الي ما صرت اليه هو غاية هؤلاء الرفاق الجدد من وراء

البحث عن المتاعب واخراج الشر من مكمنه ولماذا يبددون الوقت و الجهد في امور تافهة لا طائل

من ورائها!!.... اري كثيرين منهم يتنافسون في تسلق قمم الجبال الشاهقة فيفلح منهم من يفلح في

الوصول ويخفق آخرون فتنتهي حياتهم عند السفح وتتفتت عظامهم علي الأرض التي كفروا بنعمة

الاستقرار عليها واغرب ما في الأمر ان من يعود منهم سالما يعود خالي الوفاض ودون ان يأتي بما

يبرر هذه المغامرة...وكنت حين اراهم يفعلون ذلك يخال الي انهم يحاولون الهرب من ذلك القمقم الذي

حبسوا فيه انفسهم وانهم ربما يتلمسون الطريق الي السماء فأنا كما ذكرت آنفا لم ازل انعم بعقليتي

الحميرية الأصيلة وان كان قليلا من الصدأ قد لحق بها.

رأيت آخرين يصممون علي قضاء يوم او ايام داخل قفص ضيق تشاركهم جوانبه مجموعة

من الحيّات السامة القاتلة وحينما تنتهي عدتهم التي تعاهدوا عليها ويغادرون القفص سالمين

تنتفخ اوداجهم ويتفاخرون بصنيعهم لكأنهم قد نجحوا في تغيير سلوك هذه المخلوقات فأصبحت

بفضلهم ذات طبع مسالم وانها من الآن فصاعدا لن تقل وداعة عن العصافير والفراشات وغيرها.

وشاهدت آخرين يتصارعون او يتلاكمون ويضرب بعضهم بعضا حتي الموت في اماكن مخصصة لذلك ويدفع

غيرهم المال لمشاهدتهم وهم يتقاتلون ويصرع بعضهم بعضا... فأي حمار يفعل مثل هذا واي حمار

يرتكب مثل هذه الحماقات فيترك مربضه الآمن ومعقله الوثير لينام مع الموت في قفص واحد او ان

يدع الأرض المسطحة ليتسلق قمة عالية فينهار ويسقط علي الأرض اشلاء!! ماجدوي كل ذلك وما

الذي يجني من مثل هذه الممارسات؟! أما كان أولي لهؤلاء لو انهم وظفوا مثل هذه الطاقات في امر

يعود عليهم وعلي سواهم بفائدة ما كأن يتكاتفوا لبناء اكواخ لفقراء يعيشون في العراء او ان يزرعوا

الأرض القفر لتعين الجائعين؟!!

يبدد رفاقي الأزكياء الوقت فيما لا طائل من ورائه ناسين ان الحياة سويعات سرعان ما تنقضي فها

هم يتسابقون ويتصارعون بل ويصارعون الثيران بطريقة تصعب علي الوحوش وحين يملون ذلك

يأتون بمخلوقات اخري ويعلمونها كيف تقتل بعضها وكيف تتصارع مع بعضها فلم تسلم من ذلك

الديوك الوديعة ولا الكلاب الوفية ....أي غباء هذا!...أليس هذا هو الجنون بعينه؟!!


كان صديقي (جاغو) الحزين رغم معاناته ورغم صمته الطويل حكيما وذا دراية بأمور الحياة وذا

طبع لا يخلو من المرح برغم الحزن المتأصل في نفسه...قال لي يوما اثناء تناولنا وجبة من العشب

الرطب انه يعجب لأمر سادتنا هؤلاء فهم يرهقون انفسهم في ايجاد ألفاظ وعبارات لزجرنا ونهينا

عن فعل شيء او لحثنا علي فعله و يفعلون الشيء نفسه مع غيرنا من المستضعفين

فحين يهمون بزجرنا نحن الحمير مثلا فهم يستخدمون كلمة (هش) او (عر) وللماعز

(تك او اش ) وللجياد (هرت) وللقطط (بس) وللكلاب(جر) وللنعاج(عج) وللطيور (كر) مع انه

كان يكفيهم ان يستخدموا لفظة واحدة لكافة هذه الأنواع فتكون كافية لتأدية الغرض ولو انهم قالوا

لطائر (عر) بأصواتهم المنكرة تلك لطار في الحال ولو قالوا لحمار (تك) لخضع للأمر ولو قالوا

لقط (جر) لابتعد في الحال...فكان في امكان سادتنا اهل العلم والمعرفة اختصار كل هذه المفردات

في مفردة واحدة تصلح لكافة انواع المخلوقات المسكينة المغلوبة علي امرها فسادتنا لا ينطقون الا

كفرا. نحن ياسادتي نفهم سادتنا اكثر من فهمهم لنا ومع ذلك نظل نحن اهل البلادة والغباء المستحكم

وهم اهل الفهم والعقول النيرة والمعرفة التي لا يملكها سواهم.


حظيت ذات ليلة حالكة الظلام كما يتراءي لرفاق اليوم , فنحن الحمير لانعرف مايسمي بالظلام, حظيت

بمقابلة صديقي المسكين ابليس لأول مرة منذ ان نجح في الفرار من عالم الأوغاد هذا الذي ساقتني اليه

الأقدار لأصبح واحدا منهم وفاتني ان احدثكم عن ذلك من قبل... لقد افتقدته حقا فقد كان نعم الصديق وكنا

كثيرا ما نتقاسم همومنا معا و غالبا ما يحكي لي عن معاناته ومدي الظلم الذي لحق به... ألفيته وقد تبدلت

احواله واصبح اوفر صحة و عافية لدرجة انني كدت لا أعرفه لولا نبرات صوته التي لا تخطئها مسامعي.

سألته كيف تمكن من الفرار رغم كل الحظر المفروض عليه فأوضح لي بعد تردد ان وغدا من كبار الأوغاد

مكنه من ذلك مقابل خدمة يسدها اليه وهي ان يذهب بعقل احد منافسيه في الانتخابات التي كانت علي وشك

ان تبدأ... قال لي انه تعب كثيرا في تحقيق ذلك ولم تزعفه كل الأساليب والتقنيات التي تعلمها من اسلافه من

انجاز ذلك وكاد ان يفشل في مهمته لولا ان دلّه احد رفاقه من الجن الي واحد من هؤلاء الأوغاد قال له انه

قادر علي انجاز مثل هذه المهمة ببساطة متناهية وان له معه تجارب في هذا الصدد.... وذكر لي ابليس

مواصلا الحديث انه لم يتردد في المضي الي ذلك الوغد الذي لم يوافق علي اسداء هذه الخدمة الا مقابل

خدمة اخري وهي ان يقوم ابليس بتحويل مجموعة ضخمة من الأوراق البيضاء الي اوراق نقدية فأستغرق

اداء ذلك العمل اياما كانت من اقسي ايام حياته الطويلة وما ان اكمل العمل حتي قام الوغد بأعطائه وريقة

مطوية حوت جملة صغيرة طالبا منه ان يذهب لمنزل ذلك المنافس ويسلمها له في يده...قال ابليس ان الرجل

ماكاد يقرا فحوي تلك الوريقة حتي انفجر يضحك بصورة جنونية ثم لم يلبث ان تحول ضحكه الي بكاء مرير

ثم الي ضحك مرة اخري ومازال ضاحكا باكيا حتي هذه الساعة. سألته عن مضمون تلك العبارة الفعّالة فقال

ساخرا لو انه كان يعرف لما احتاج الذهاب اليه اصلا. لاحظت ضمن ما لاحظت من جملة التغييرات التي

طرأت علي وجه صديقي العزيز ابليس ان مسحة الحزن التي كانت تشوب وجهه قد اضمحلت ولم يبق منها

مايذكر فالحرية التي نالها فعلت به ما يفعله السحر....اخبرني ضاحكا انه لم يعد يصلح لهذا الزمان اذ بات

نظاما باليا واضحي لهؤلاء الأشرار من الأساليب والأفعال مالا يقوي هو و قبيله علي الأتيان بمثله وان نفسه

باتت تعاف الشر وترفض ان تجانبه بعد ان رأي من شرور البشر ما تقشعر له الأبدان....وفي جملة احزنتني

واضحكتني في الوقت نفسه قال لي ابليس انه حتي لو قبل ان يعود الي عالم هؤلاء ورضي ان يعمل لديهم بمهنة

(شماعة) فانه علي يقين من انه لن يجد الفرصة لأنهم ماعادوا في حاجة للشماعات.

سيد محمود الحاج
11-07-2009, 10:13 AM
(7)


ادب الحمير ذاخر بالعديد من الأساطير والحكايات كما ذكرت من قبل فبجانب حكايات ( الهونغو ) هنالك ايضا

قصص الحمار ( رماد )... روت لي جدتي منها الكثير غير اني نسيت منها اكثر مما بقي في ذاكرتي فالذي

اذكره ان الحمار ( رماد ) هذا جاء من حيث لا يدري احد...وكان حينما ظهر في اول الأمر ذليلا منعزلا عن

بقية الحمير مكسور النظرات الا ان من يتفحص عينيه مليا لا تخفي عليه دلائل الخبث و المكر...اشفقت الحمير

الطيبة عليه ورثت لحاله فقربته منها وقدمت له العون في كل ما يحتاجه و آذرته وشملته برعايتها الي ان تحسنت

احواله وخرج من تلك العزلة التي كان يحسها ويعيشها وبات كأي من افرادها الآخرين. ولكن ماان تعافي من جربه

وجفت تلك الدموع و تلك الافرازات التي كانت لا تفارق عينيه حتي تجسد ذلك الخبث وطغي مكره فبان علي حقيقته.

فقد بدأ ( رماد ) في ترويج افكار غريبة لم تعهدها الحمير من قبل عبر تاريخها الطويل...افكار لا تمت بصلة الي

عالم الحمير الآمن... عاد يعيب عليها كل سلوكياتها المتوارثة وكل عاداتها السابقة وقال بالحرف الواحد

انه ينبغي استئصال كل تلك العادات والقيم البالية واجتثاث تراث الحمير بأكمله لأنه لم يعد صالحا للعمل به.

وكان لأرائه فعل السحر في التأثير علي الحمير الفتية علي وجه الخصوص وفي فترة وجيزة تجمع حوله عدد

كبير من المناصرين والمريدين يقدمون له فروض الولاء والطاعة ويعملون بتعليماته واوامره دون اي مخالفة

او تقصير... ومضي يسخرهم لنشر افكاره المضللة بين سائر الحمير ويجندهم لتنفيذ خططه الهدامة والتي لا

تنطوي الا علي الشر.

لم يستغرق الأمر طويلا حتي تغلغلت روح الشر في الحمير ولأول مرة منذ ان ظهرت كمخلوقات في الوجود بدأت

تقاتل بعضها وتفرقت الي طوائف وشيع متحاربة وتفشت المجاعات والأوبئة بينها وسقطت كثير من القيم

والأعراف الثابتة المتوارثة جيلا عن جيل والتي لم تكن الحمير لتحيد عنها قيد انملة قبل ظهور هذا الدجال

رماد.

تقول الأسطورة ان الحمير التي قضت نحبها علي ايام الدجال رماد لايحصي عددها وانه لولا تلك الحروب

لكانت الحمير هي الأكبر عددا علي وجه البسيطة. ولكن فطن حكماء الحمير للأمر اخيرا وايقنوا ان استمرار سطوة

رماد تعني نهاية جنسهم المحتومة وعليه فقد شرعوا في مرحلة العمل السري لازاحة الشر واقصاء رماد واعوانه.

كانوا يعملون من اجل ذلك ليلا ونهارا في تكتم وحرص شديدين مخافة ان ترصدهم اعين الدجال فيقتادون الي

خنادق التعذيب والتنكيل والقتل.

كانت الخطط قد احكم وضعها بحيث لا يتوفر لعصبة الشر مهرب ولكن عندما حانت الساعة المحددة للهجوم

علي وكرالشيطان كان رماد قد اختفي تماما ولم يعثروا له علي اثر كأنه بخار ماء تبخر في الفضاء وفي ذات

اللحظة كان السلام قد حل في ربوع الحمير وعاد كل شيء الي ماكان عليه قبل ان يحل فيهم هذا الملعون

وطابت النفوس وانطفأ الشر وذرت الرياح آثاره وتلاشي تماما.

كلمة ( غابة ) و ( قانون غابة ) ترد وتتردد كثيرا علي ألسن رفاقي الجدد وكلما طرقت احداهما مسامعي

تذكرت جدتي ( توما ) الهرمة...رأيتها وانا صغير جدا لكنني مازلت اذكرها جيدا...كانت قد بلغت من العمر

عتيا ومع ذلك لم تفقد حكمتها ولم يذهب عقلها حتي آخر لحظات حياتها... كانت تحكي ان جدتها التي عاصرت

عصر الغابة كانت تتمني دائما لو انها ظلت في الغابة ووقعت فريسة للسباع وانتهي امرها قبل ان تعيش هذا

الموت المستمر علي ايدي هؤلاء القساة الظالمين. تقول ان الحيوان في الغابة يموت مرة واحدة لكن مع هؤلاء

فان الموت يتكرر مع كل طلوع شمس. فرفاقي هؤلاء يسخرون دوما من الغابة واهل الغابة ولكن كان الأحري

ان يسخر اهل الغابة منهم...وانا بدوري اسائل اولئك الرفاق ما الفرق بين الغابة وقانونها وبين مجتمعاتهم

وقوانينها!! .... في الغابة يتعرض الحيوان الضعيف لجبروت الحيوان الأقوي فيفعل مافي وسعه لمجابهته او

الفرار منه و مع ذلك فأن العدو يكتفي بقتل واحد من المجموعة ولا يعاود الكرة الا اذا انهكه الجوع ولكن

سادتي عندما يهجمون لا يفرقون بين حمار وغزال ولا بين اسد وضبع ولا بين قرد وثعلب ولا بين ارنب

وطائر... يمارسون القتل من اجل القتل ولا يكتفون بصيد ما يسد الرمق مثلما تفعل الوحوش.

يرددون دائما ان قانون الغابة يقرر بأن البقاء للأقوي ولا أدري كيف يفسرون ذلك والغابة مازالت تعج بالأرانب

والسناجب والعصافير والغزلان وغيرها وجميعها ينعم برغد العيش ولا تبتغي غير الغابة بديلا!!

كنت قبل محنتي هذه اعتقد ان سادتي هم الأقوياء وهم السادة دوما الا انني ألفيت ان لدي سادتي اسياد كحالنا تماما

أسياد ذووا بطش وجبروت شديدين يستعبدونهم ويقهرونهم فلا يسيرون خطوة الا وفق اوامرهم وتعليماتهم ولا

يخالفون لهم امرا... يجثمون علي انفاسهم فلا يتنفسون الا بالقدر الذي يسمح به لهم سادتهم...وربما كنا نحن

الحمير وسائر الضعفاء من امثالنا افضل حالا فالأستعباد لم يمنعنا ان نرفع اصواتنا فنحن الحمير ننهق والكلاب

تنبح والقطط تموء والأغنام ترغي والديوك تصيح ولن يستطيع احد صدنا او منعنا من رفع اصواتنا الا ان اسياد

سادتي يحظرون عليهم الا ينهقوا الا بحمدهم وكل نهيق عدا ذلك فهو جريمة لا تغتفر عاقبتها الحبس والتنكيل

والقتل...يأكلون حقوقهم ويمنعون عنهم الطعام وحتي الهواء الذي يتنفسونه... يمسحون بهم الأرض ويلغون

وجودهم من علي خارطة الزمن ومثلما يثقل سادتنا علي ظهورنا فأن ظهورهم تنوء بأحمال اسيادهم فربما كنا

نحن الحمير اوفر حظا اذ ننعم بأوقات تتحرر فيها ظهورنا الا ان ظهور سادتنا لا تكاد تتخلص من اثقالها حتي

وهم نائمون...اسمعهم كثيرا يئنون ويتأوهون ويبكون وهم علي اسرتهم بل وهم نائمون !!


( 8 )


استمعت يوما الي صاحب اغنام يشكو لسيدي الأخير كيف ان جامعي الضرائب حاصروه وطالبوه بدفع الضريبة

المستحقة علي ما يملكه من اغنام بعد ان قاموا بحصر عددها ولما كان مبلغ الضريبة المقدر كبيرا ولا يملك ذلك

الرجل حتي ربعه او اقل من ذلك لم يتوانوا في اخذ الضريبة عينا وكانت حصيلة ما اخذوه ثلاثة خرفان كبيرة

كانت من افضل افراد القطيع والذي يؤلمه ويحز في نفسه ان اولئك النفر باعوا تلك الخراف بنهاية اليوم الي احد

الجزارين بنصف الثمن المقدر لها...قال الرجل وهو يلوك حسرته( أكان ضاربهن حجر دغش ماكان سووا كدي)

فما الذي يعنيهم من امرها حتي وان باعوها بربع الثمن فهم لم يرعوها ولم يتكبدوا تكلفة اعلافها ولم يخسروا

فلسا واحدا في تربيتها فأي مبلغ يدخل جيوبهم فهو مكسب وربح يأتيهم دون ان يبذلوا جهدا....تحيا السلطة !!


ذات اصيل تبعت خطاي الي اطراف الخلاء حيث رفاق الأمس يلهون في بشر ويمرحون وينعمون بالحياة

والحرية بعيدا عن القيود والأصفاد...فقد كنت ساعتها في حاجة للتخلص من اثقال الغضب والضيق ومن احساس

بغيض ألمّ بي علي اثر مشاجرة جرت بين ميكانيكي كان منهمكا في اصلاح خزان وقود احدي السيارات

المتراصة امامه واثناء ذلك هم احدهم بأشعال سيجارته علي مقربة من حيث كان يعمل الميكانيكي الذي عاجل

الرجل بضربة خاطفة علي يده لتسقط قداحة السجائر بعيدا وهو يصيح غاضبا: " والله لن يفكر حمار في فعل

ماهممت بفعله"!!...بالفعل لن يفكر حمار في مثل هذا ولن يفعل مثله ابدا والا لكان قد تناول العشبة السامة من

بين آلآف الأعشاب الأخري وقضي امره او سار الي حيث يكمن الخطر رغم استشعاره له من علي بعد ميات

الأمتار....فالحمار لا يسير ضد قوانين الطبيعة ابدا ولا يقتل نفسه جهلا...وقفت طويلا انظر في وجه ذلك المغفل

ونهقت مستهزئا وساخطا فذلك الميكانيكي رغم انه قال الحقيقة وان مافعله ذلك الرجل لا يفكر في مثله حمار الا

انه حين قال ذلك لم يكن يقصد الا السخرية والاهانة لسائر الحمير... ولكي انفس عن هذا الغضب الذي فاضت

به مشاعري وجدت نفسي اسير في الطريق الي حيث تجتمع الحمير عل ذلك يريحني ويبدد ما لحق بنفسي من غضب

وهنالك رأيتها تتراكض هنا وهناك وبعضها يتمرغ علي التراب والحصي وبعضها يرعي وجميعها ينتابها

احساس بأن هذا الكون ليس لسواها من فرط سعادتها. ولدهشتي فقد كنت اري بعضا من رفاق اليوم يحذون حذوي

ويقفون من علي البعد يتأملون في انسجام تام وقد بدت علي وجوههم امارات الرضا وهم يشاهدون ما اشاهد

فكدت ان اسألهم ما اذا كان قد حلت بهم لعنة كالتي حلت بي وساقتهم الغريزة الي هنا هروبا من عنت الحياة ومن

قيود ( الهونغوات ) الذين استباحوا دماءهم وحرياتهم واستولوا علي حقوقهم وداسوا عليهم بالأقدام !!.


السلطة والتسلط , والسجن والجلاد , والقهر والارهاب , والظلم والأستعباد , والجبروت والطغيان... مثل هذه

المفردات لا وجود لها البتة في قاموس الحمير ولم اسمع عنها ولم ادرك لها معنيً في مجتمعي السابق علي

الاطلاق فيما عدا مفردة او اثنتين ليست مرادفة في الواقع لأي من تلك لكنها تقاربها من بعيد وردت في الأدب

القديم للحمير وانحصرت في اساطير الهونغو والحمار رماد اما في مجتمع ما بعد اللعنة فمثل هذه المفردات

لاحصر لها بل تجدها مطبقة في كل نواحي الحياة وبشكل يومي...يأتي المتسلطون من حيث لا يدري احد ربما

من قيعان الواقع او من كهوف الظلام او من مزابل الحياة وبين يوم وليلة ينصبون انفسهم اسيادا لسادتي ويظلوا

يوجهونهم بالأحذية والعصي والسياط فلا يعلو صوت سوي اصواتهم وهم يأمرون وينعقون بالأفك او صوت

سادتي وهم يصرخون تحت وطأة التعذيب... يمنعونهم النهيق ويمنعونهم ان يقرأوا او يكتبوا...فبينما تخفت

اصوات سادتنا و تصبح همسا لا يكاد يسمع نستطيع نحن الحمير ان ننهق بما نشاء وكيف نشاء ونستطيع السير

حتي في اواخر الليل ونتجول في الأزقة والشوارع دون ان يقوي احد علي حظرنا او منعنا واذا اشتد علينا

الضرب فأننا نركل ونرفس من يعتدي علينا بكل قوة ونستطيع اقتلاع الأوتاد اذا طال حبسنا.

سيد محمود الحاج
11-07-2009, 10:32 AM
( 9 )


ابان عهد الهناء وزمان السعادة كنت كثيرا, وكما ذكرت في مرات كثيرة من قبل, ما اجتمع بأبليس الطيب وذلك

قبل فراره من قيود رفاقي الحاليين فأنا في الواقع احس بميل نحوه و لا أدري هل هذا لأن كلينا مفتري عليه ام

لأنه يثير ضحكي بخوفه وفزعه وقلقه الدائم وآثار ذلك علي وجهه الكئيب...حقا لا اعلم ولكن كلما رأيته كنت

انهق ضاحكا ولا استطيع السيطرة علي نفسي حتي خشيت ان يغضب معتقدا اني ضحكي عليه من قبيل التهكم

والسخرية ولكن مبعث ذلك كان في الواقع هو حكاياته التي يسردها علي كلما التقاني...قال لي في المرة التي

استوقفته فيها وهو يلهث من الركض ان امرأة ترجلت لتوها من سيارة زوجها عند احد ابواب المنازل وقد

اخبرت زوجها المسكين بأنه بيت الخياطة وانها بصدد اجراء بروفة لفستانها الجديد ولكن في الواقع لم تكن

الخياطة سوي عشيقها الذي ينتظرها علي احر من الجمر ..قال ابليس انه لكي يمنع حدوث مثل هذه الخطيئة فقد

تخاطر من علي البعد مع الزوج المخدوع فبدل ان يهب لمباغتة العشيقين ومنع تلك الجريمة ان تحدث فيشكرني

علي مافعلت ويحمد تنبيهي له الا انه صب علي سيلا من اللعنات ومضي يسبني ويشتمني بأقبح الألفاظ وظل

يواصل ذلك حتي لحظة ان خرجت زوجته من بيت الخياطة ترفل في خطيئتها وكأن شيئا لم يكن...قال ابليس

يواصل حديثه معي : " هل تتصور ياصديقي صاحب الآذان الطويلة ما حدث عقب ذلك "؟! فلما لوحت رأسي

نافيا علمي قال لي وبسمة حزينة تربعت علي شفتيه ان المرأة قالت لزوجها وهي تفتح باب السيارة لتأخذ مكانها

بجوار زوجها : " لعنة الله علي ابليس فقد صور لي انك اركبت امرأة اخري معك ومضيت بها فاستعجلت

الخروج حتي قبل ان تكتمل البروفة "!!

ان اكثر ماافتقدته هو ذيلي... آه ياذيلي الحبيب فانا ان نسيت كل ما فقدته الا انني لن انساك انت بالذات....فالذباب

يكاد يفترسني وانا لا اعرف حتي هذه اللحظة كيفية استخدام سواه في هش هذا الذباب اللعين وابعاده عني فأراه

يضحك ساخرا مني و من الطريقة التي اتبعها في طرده فينادي بعضه بعضا فيتراكم علي جسدي ضاحكا ولولا

انني لم ازل ملتزما بغريزتي لأستخدمت المبيد في قتله مثلما يفعل هؤلاء الرفاق لكن بما انني حمار في الأصل

فأنا اؤمن بأن الحياة لي ولسواي فلماذا اقتل الآخرين...هل انا من يدبر لهم امر عيشهم؟!

وفي هذا السياق تقول احدي اساطير الحمير ان حمارا كان يتسكع في المرعي في ذات اللحظة التي كان فيها قط

يطارد فأرة صغيرة فلم تجد الفأرة مخبأ ً الا اسفل قائم الحمار وبالتالي لم يستطع القط من افتراسها وهي في ذلك

الوضع ولم يكن الحمار ساعتها متنبها لما يجري ولم يحس بوجود الفأرة اسفل قائمه فداس عليها بثقله وانتهي

امرها في الحال وهنا اقترب منه القط ليلفت انتباهه لما حدث قائلا له:" لقد فرت المسكينة من الموت بين براثني

لتلقي حتفها اسفل حوافرك "! ... فطفق الحمار يجول بنظراته الحزينة الباكية فيما بين القط واشلاء الفأرة الممزقة

بجانب حافره قائلا للقط : " يمكنك الآن ان تفعل بها ما تشاء فقد فعلت ما امكنها لتجنب شرك لكنه قدرها ولا مفر

من القدر... تقول الأسطورة ان الحمار ظل رافعا حافره طيلة حياته حتي تيبس عند ذلك الوضع ومات وهو عليه.

فانظر الي رفاق اليوم وهم يتنافسون علي سحق من وما هو اصغر منهم دون وازع من الضمير ودون احساس

بفداحة ما يفعلونه وما يقترفونه من جرم!! يدوسون علي كل ما يعترض سبيلهم فلا يفرقوا بين صغير ولا كبير

وكل همهم ان يصلوا الي اهدافهم وان يحققوا مآربهم الدنيئة!


اكثر ما يضائقني ويثير سخطي منذ ان تبدلت هيئتي و جئت لأصبح رغم انفي واحدا من هؤلاء النفر هو هذا

الكم الهائل من ما يسمي بالصحف التي ينكبوا عليها في معظم اوقاتهم...فهم يطالعونها وهم في مكاتبهم

ويطالعونها وهم في المركبات ويطالعونها وهم في العيادات ويطالعونها وهم في بيوتهم...تراهم واعينهم منشغلة

تماما بالتهام مافيها وبعضهم تراه وكأن لا واجب له في هذه الحياة سوي القراءة...يقرا وهو واقف ويقرأ وهو

جالس ويقرأ وهو في سريره يكاد لا يغادر غرفته بسبب انشغاله بالقراءة ولا أدري كيف يتمكنون من العيش

وهم علي هذا الحال!!... كنت كثيرا ما أتساءل بيني وبين نفسي اول ايام لعنتي ما الذي يجنيه هؤلاء من مطالعة

هذا الكم من الصحف والكتب ولما دونت منها عقب ذلك فوجدت لدهشتي ان محتوي معظمها محفوظ في ادمغتنا

نحن الحمير فلم اجد من جملة محتواها ما اجهله او يجهله غيري من الحمير اللهم الا مايسمي بكتب التاريخ

والسياسة وماتحتويه الصحف اليومية فمحتوياتها ومفرداتها ليس لها وجود في ادب الحمير وبالتالي فهي غير

مبرمجة في ادمغتنا.

قد اجد من بينكم من يقول ان ادب الحمير ادب ناقص يفتقر الي الكثير من المفردات والعبارات التي لا يمكن

الاستغناء عنها لأن مفردات مثل كلمة نفاق.. كذب .. خبث.. مداهنة.. رياء لا تقل اهمية عن مفردات من مثل

ماء.. غذاء .. هواء.. كساء .. بناء ولكن مهما تباينت الآراء الا ان الحمير تعتقد وتؤمن ايمانا راسخا بأن ادبها

ذاخر بجميع المفردات التي تهمها في حياتها ولم تخفق في يوم من الأيام في التعبير عما تود التعبير عنه بسبب

نقص في مفردات لغتها لأن لغتها ولغة من هم في حكمها هي الصمت ولو عرف رفاق اليوم كم هي عميقة لغة

الصمت لما توانوا في نبذ لغة الكلام. واعجب مافي الأمر ان لا احد من بين رفاقي الجدد ينتفع بما يقرأه فهذا ما

يبدو جليا.... اري معظمهم يسير بعيدا كل البعد عن هدي هذه الصحائف فلا القيم معمول بها ولا المآثر متبعة ولا

الطريق القويم مزدحم بهم ولا التعليمات مطبقة ومع ذلك تسمعهم يرددون في كبرياء :" كالحمار يحمل اسفارا

ولا يعي ما بها "!! ... فالحمار يا سادتي يحمل اسفاره في عقله ويطبق تعليماتها منذ مجيئه الي هذه الحياة دون

ان يخالف نصا واحدا منها فلما اذن يزعج نفسه بمعرفة فحوي اسفار لم ينتفع بها حتي واضعوها ؟!!

سيد محمود الحاج
11-07-2009, 01:33 PM
عندما كنت حمارا ( 11 )


طوال المسافة فيما بين المراتع وبين سجني كان فكري منشغلا بما آل اليه امري واتساءل لماذا وانا في هذا

الوضع الحالي لا اجد من يحسدني او يصب علي لعناته فتحيق بي لعنة معاكسة او عين كافر فترجعني الي

وضعي السابق... الي مجتمع الحمير حيث الحياة الكريمة الطيبة والنسق الذي لا يقوضه مقوض والنظام

المتبع و المطبق دون امر من احد... مجتمع العدل الدائم والمساواة وكل الصدق... مجتمع السلم والحرية المكفولة لكل

فرد... مجتمع كافة الشعارات والمباديء السامية المعطلة تماما في هذا الواقع الذي جييء به اليه قهرا ودون

ارادتي..... ألا أفلح في الهرب كما فعل صديقي ابليس؟! ولكن كيف السبيل الي ذلك وانا لا املك موهبة كتلك

التي تتوفر لدي ابليس فمواهبي المتواضعة ليس فيها ما يعينني علي فعل ذلك...كل مافي وسعي فعله هو الجري

والركض بعيدا لكن في النهاية سيلحق بي التعب والاجهاد فأتوقف وسرعا ما اعود بمحض ارادتي الي حظيرتي

تلك!!.

لا استطيع ان اكذب فأقول اني لم احاول قبول واقعي المرير والانخراط فيه ومحاولة الغاء عقليتي الحميرية

ونسيان تلك المثل والأخلاقيات التي تسير بها الحمير وتمتثل لها , بل حاولت ذلك مرارا ولكن خابت كل

المساعي التي بذلتها لأجل تحقيق ذلك..... نعم منيت بالفشل الذريع وخابت آمالي تجاه ذلك... فعلي سبيل المثال

فأنا حتي هذه الساعة لا أعرف كيف ألف العمامة علي رأسي ولا اعرف حتي كيف اضع طاقية ولامعرفة لي

بمسك تلك العصا الأنيقة التي لا تشبه بأي حال من الأحوال عصي اسيادي السابقين.... ايضا لا أعرف كيف

اداهن او ان ابتسم مجاملة في عدم وجود مايدعو لذلك وخاصة تجاه امر اكرهه.... فهذا شييء لا تعرفه الحمير

ولا تستطيع فعله... أليس من النفاق ان تبتسم وتكره في ذات اللحظة ؟!! وحين وجدت ان الكذب لدي رفاق اليوم

امر عادي وشيء لا يمكن الابتعاد عنه او تجنبه ظننت في باديء الأمر انه من السهل علي فعله ومجاراة هؤلاء

الرفاق لذا كنت اضع فرضه جانبا لآتقان باقي الفروض الأخري التي ينبغي علي تعلمها والتي كانت تتراءي لي

اكثر صعوبة من الكذب ولكن كم كنت مخطئا حين تبين لي ان الكذب من اصعب هذه الواجبات و اكثرها تعقيدا

ففي اول محاولة لتطبيق ماتعلمته في ذلك الخصوص ان قلت لجاري ان رفيقته جميلة جدا فما كان منه الا ان اسدي

لي صفعة قوية صمت لها اذناي... قلت ذلك مجاملة فهي لم تكن بجمال (زيزا ) ولا حتي ربعه الا انني وددت ان

أتأكد من مدي فهمي لدرس الكذب بتطبيق ذلك عمليا..... كذلك لم تكن محاولتي الثانية بأفضل من سابقتها وهذه

المرة قلت مخاطرا حمار جاري ( عبدالرزاق )صاحب الكارو وملاطفا له انه اشبه بسيده في الكرم والشهامة

فركلني ركلة لولا امتلاكي خبرة الحمير لأودت بي في الحال. وفي محاولة تالية لتعلم النفاق قمت بتقديم زهرة

برسيم متفتحة لرئيسي في العمل بمناسبة الترقية التي حصل عليها وزهرة البرسيم في عالم الحمير لا تقدم الا

لعزيز و غال غير اني كوفئت علي ذلك بأن بصق رئيسي علي وجهي وطردني من مكتبه شر طردة قائلا لي ان

مثل هذه الزهرة اولي ان احتفظ بها لنفسي او لمن هم علي شاكلتي من الحمير!!.

وعلي الرغم من هذه الأخفاقات المتتالية فلم استسلم لليأس واعدت المحاولة مرة وثانية وثالثة وعبر سبل مختلفة

لكن يبدو ان عقليتي الحميرية ابت ان تفارقني واصرت علي ملازمتي لتوجهني في كل تصرف اتصرفه وتنوب

عني في كل فعل اقوم به واحسب ان تلك نعمة احسد عليها.


تجرأت بأن طرحت سؤالا علي ذلك الرفيق الذي سبق ان تأكدت من اصله حين القيت عليه بثلاثة اسئلة من قبل

وكان ذلك اثنا ء عودتنا سويا من مراتع الحمير ذات يوم ...سألته عن سبب مداومته علي المجيء الي حيث كنا

وكان ان اصبحنا صديقين بعد ان تلاقينا كثيرا في المراتع او في الطريق اليها او منها وللأسف فأن ذلك الصديق

حتي تلك اللحظة لم يدرك ان من يأتي الي مشاهدتهم قد كانوا اهله ذات يوم وكان هو فردا منهم ولو انه علم هذه الحقيقة

كما اعلمها انا لصار مثلي مغترا حتي ولو اقتصر هذا الغرور علي نفسه دون ان يحس به من هم حوله....صمت

صديقي طويلا قبل ان يجد الجواب لسؤالي الذي طرحته عليه وهو سبب حضوره المتكرر الي المراتع ثم

اعقب :" هل تصدقني لو قلت لك انني لا ادرك لذلك سببا؟.... حقيقة لا ادري لكنني افعل ذلك بشكل عفوي

اجد خطاي تسوقني الي هنا كلما احسست بالضيق والغم وانصرف وكأن هناك من يصدر لي امرا بالأنصراف

وفي كل الأحوال فأنا لا اجد نفسي الا هنا اشعر برابط قوي فيما بيني وبين هذه المراتع...هذا كلما استطيع قوله

ولا احسب اني سأجد اجابة لسؤالك ". ..... لم اشا ان اضيف المزيد او ان اكاشفه بشيء مما اعرفه فقد لاا

يصدقني او يتهمني بالجنون او يحسب اني أسخر منه فقد يصفعني او يبصق علي وجهي او يركلني فأفقد

صداقته وما اقل اصدقائي وفي كل الأحوال سأكون انا الخاسر الأول والأخير. لذا فقد رأيت ان ابقي الأمر كما

هو محتفظ بالسر لنفسي فلعل ان تظهر الحقيقة ذات يوم من تلقاء نفسها فينهق ذلك الصديق نهارا جهارا.




( 12 )


مفاجأة لم اكن قد حسبت لها حسابا وما توقعت ان تحدث يوما.... هل تذكرون الحسناء ( زيزا ) تلك التي اختفت

ليلة زفافنا دون ان يبين لها اثر من بعد؟!.... دعني اذن احدثك عن ذلك وعن المفاجأة السعيدة والجميلة التي لم

تخطر ببالي فكما اسلفت فان عدد المتلصصين او قل المعجبين بات في ازدياد مطرد حول مراتع الحمير وبعد ان

كان الأمر مقتصرا علي الذكور توافدت الأناث ايضا ومن بينهن كانت هنالك واحدة احسست منذ ان وقعت عيني

عليها ان احساسا ما يشدني اليها دون سواها وتساءلت في نفسي عن سر ذلك ومع اني لم اقف علي شيء الا اني

مضيت خلف ذلك الشعور القوي تسوقني غريزة الحمير التي لاتخطيء واحساسها الذي لا يخيب فهي تستشعر

الخطر من علي مسافة بعيدة وتحس يتغييرات الطقس ومقدم العواصف والرياح والمطر بل وتحس بدنوء اجلها.

وعلي اثر ذلك الأحساس القوي لم اتردد ابدا في الذهاب الي حيث تقف حتي اصبحت اقرب الواقفين اليها ودون

اي مقدمات وجدت اطرافي تلامس اطرافها....غمرني شعور غريب لا استطيع وصفه وانا أري تلك الخصلة

المتمردة تتوسط مقدمة رأسها وتتدلي الي اسفل متحدية مشبك الشعر الذي كان علي وشك ان يزل عن موضعه... نعم هي زيزا

الجميلة التي افتقدتها منذ زمن بعيد.... لم تتغير كثيرا فابتسامتها ذات الابتسامة وتلك الخصلة المتمردة الطائرة

هي ذات الخصلة تتحرك مع الهواء يسرة ويمنة وحينا الي الوراء ثم الي الأمام وتلك الغرة الواقعة في منتصف

المسافة فيما بين عينيها السوداوين هي ذات الغرة... لم تزل علي حالها مع انزواء قليل...كدت اباغتها فأناديها

بأسمها لكني رأيت ان ارجي ذلك الي وقت آخر.... لم يساورني شك في حقيقة انها زيزا وعزز من ذلك الاعتقاد

انها لم تحاول الابتعاد عني حين لامست جسدها الغض وكانت انفاسها الدافئة هي انفاس زيزا المشبعة

برائحة القصب الجاف وعشبة ( المحريب )... لم تتأفف ولم تظهر الرفض بل بدت اكثر سعادة وكأنها كانت

تنتظرني ..... عندها ايقنت ان زيزا لم تكن قد اختفت في ذلك اليوم البعيد ولم تفر مع حمار آخر ولم تبع لكنها

لعنت فأخرجت من جنة الحمير وها نحن نتلاقي ثانية بعيدا عن الجنة...آه ...آه يازيزا الجميلة كم افتقدتك وكم

بكيت وابكاني الفراق وهاهي الأقدار تجمعنا مرة اخري... هي زيزا بذاتها لم تغير اللعنة التي منيت بها شيئا من

طبعها ورقتها وانوثتها الفائضة وتلك الخصلة المتمردة لم يفارقها عنادها ولم تقو الأمشاط ولا ادوات التصفيف

علي كبت جماحها فظلت واقفة كما كانت تقف بالأمس ولونها الأغبر كعهدي به لم يبهت ولم يتغير متحديا كل

المستحضرات والأصباغ ورائحة الحمير الأصيلة لم تزل مميزة لها فلم يقو الدهر علي افسادها... لم تسألني من

اكون وماذا كنت ولم اشا من ناحيتي ان اذكر شيئا عن ذلك الماضي فلم يكن ثمة مايدعو لذلك اذ عاد ذلك التآلف

يملأ نفسينا وكأننا لم نفترق من قبل وكأن طبيعتنا لم تخضع لتلك المتغييرات التي فرضت عليها.

من بعد ذلك عدت وزيزا نداوم علي اللقاء ولكن لبعض الوقت فنظامنا الحميري لا يسري هنا كما ان فطرتنا

السوية لا تجيز لنا السير في الطرق الملتوية او مخالفة التعاليم المبرمجة في اذهاننا وعليه فقد اقتصرت العلاقة

بيننا علي تلك اللقاءات في مراتع اهلنا السابقين. ومالم اكن اتصوره ابدا ان زيزا لم تزل بكرا حسب ما اكدته لي

حاسة الشم التي لايفوت عليها شيء كهذا... نعم فزيزا لم تزل عزراء لم يطمثها حمار من قبل ولا جان...هل ياتري ان

ذاكرتها الحميرية ما فتئت تعمل ام انها تعطلت في هذه البيئة الفاسدة التي لا تصلح الا لنمو كل ما يسير ضد

مباديء الحمير ومثلها وخلقها ؟!! .

سيد محمود الحاج
11-07-2009, 01:36 PM
( 13 )


لم تهن سجيتي الحميرية ولم تضعف يوما علي الرغم من كل التغييرات والمستجدات والضغوط... بقيت كما هي

تحركني دون عقلي فأنا لااحفل لحظةبما يمليه العقل او الجأ اليه في تسيير اموري وما حاجتي لذلك وغريزتي

لم تخذلني يوما !.... كنت اؤدي كل واجب او فعل يتعين علي القيام به بشكل عفوي فلا احسب حساب شيء

ومع ذلك كنت انجز الأمور علي نحو سليم وكما ينبغي.... اما فيما يتعلق بعلاقاتي مع الآخرين اي اصدقاء العهد

الجديد فأن اخفاقاتي لم تقف عند حد وبقي الفشل ملازما لي في معظم الأحايين ... ما اكاد اخرج من تجربة فاشلة

حتي ادخل في اخري واحسب ان مرد ذلك يعزي الي وضعي المحير وعدم استطاعتي التخلص من سلوكي

الفطري ومسايرة ما آ ل اليه الحال كما اني اخفقت في محاولاتي لأستيعاب سلوك الآخرين وهضمه فبات كل

فعل يصدر من جانبي مسخا يحمل الكثير من جينات الماضي والقليل من جينات الحاضر... فأذكر علي سبيل المثال لا الحصر انني حين

كنت ذات صباح راكبا مع جاري العزيز في سيارته وكان قد درج علي تقديم هذه الخدمة لي بشكل يومي كل ماوجدني واقفا

في محطة الحافلات ,حين استوقفه احد الأشخاص الذين يبدو ان جاري هذا كان قد عرض عليه بيع سيارته هذه فظل

يعدد له محاسنها مؤكدا ان كل مافيها يعمل بشكل اكثر من جيد ولا تعاني من اي عطل في اي من اجزائها

مستشهدا بي في صحة ماذكر وتجاوبا مع هذا الأستشهاد التفت انا نحو المشتري ( وكنت قد استمعت في اليوم

السابق الي ما قاله الميكانيكي حين دلف اليه صاحب السيارة بغية فحصها) مؤيدا ماذكره صديقي واضفت
ان السيارة جيدة من الخارج ونظيفة جدا لأن صاحبها هذا يغسلها بيديه في كل يوم ولا تحتاج لشيء سوي محرك

وجهاز نقل حركة واستبدال جهاز الفرامل بأكمله...سادت عاصفة من الصمت القاتل فجأة وانقطع الحديث بين

الطرفين وانصرف المشتري دون ان يلتفت الي الوراء ثانية ولا ادري اي قوة اطاحت بي خارج السيارة الا انني

ما زلت اذكر آخر عبارة اردف بها جاري صاحب السيارة وهو ينصرف ثائراً : " غلطان انا البركب معاي

حمير..... الزيك مفروض يجر كارو " .... كانت تلك آخر كلمات فيما بيني وبينه ولم يعد يلقي علي حتي التحيةمن بعد .


و في مناسبة اخري كان احد افراد الحي الذي اقطنه قد ترشح في الأنتخابات المجلسية و في الأجتماع الذي اقيم

من قبل مسانديه للدعاية للمرشح تحدث الكثيرون عن شخصه معددين صفاته و افضاله ونشاطاته المتعددة في

اوجه البر والخير ولما لم يفوا الرجل حقه بذكر جملة افعاله وممارساته الأخري في مجالات غير التي ذكروها

رأيت ان اتولي هذه المهمة حتي تكتمل الصورة تماما وتكون الدعاية وافية وبكل صراحة الحمير وطيبتها وبكل

بساطتها وقفت متحدثا وسط ذلك الجمع دون ان يقدمني احد او ان يطلب مني احد ودون انفعال مثل ذلك الذي ابداه

الذين تحدثوا قبلي مضيت في الحديث لأضيف الكثير مما لم يذكره اولئك النفر فقد فات عليهم ذكر ان الرجل

مقامر وانه زير نساء وانه رجل بينه وبين الصدق بون شاسع تتوه في متاهاته القوافل وانه رجل محابي ومنتفع

وكذا وكذا... وبما ان ما ادليت به كان جزءا ً لا يتجزأ من شخصية المرشح وبدونه لا تظهر صورته الحقيقية الا انني

تلقيت من الصفع والركل والشتم والتجريح والتنكيل مالم اجده من سادتي ايام ان كنت حمارا لا مسخ حمار

وتعالت اصوات غاضبة : " اقذفوا بهذا الحمار خارجا فمن سمح لمثله بحضور مثل هذا الأجتماع ومن اتاح له

فرصة ان ينهق "!! .

وحين بلغني نبأ مصرع ( كارلوس ) مقطعا الي ثلاثة اجزاء تحت عجلات قطار مسرع سعدت كثيرا ليس شماتة

ولا كرها فكلا ان يصدر عني مثل ذلك ولكن لأن امنية من امنيات ذويه قد تحققت... امنية سمعتهم يتمنونها

و يدعون بها في مرات كثيرة... يوما من ابيه ويوما من امه ويوما من عمه ويوما من خاله ويوما من سواهم من

بقية افراد عائلته... فهذا الكارلوس كان مجرما يسرق وينهب وينصب ويغش ويفعل كل سوء دون مبالاة وكانت

دار ذويه تكاد لا تخلو من الشاكين والباكين ومن مداهمات رجال الشرطة المتكررة وعلي اثر ذلك كنت اسمع في

كل مرة واحدا من ذويه يدعو عليه بالموت وان يريحهم الله من شره ومن سمعته السيئة التي لا يمسحها سوي

الموت ولما استجابت السماء لدعواتهم وتحققت امنياتهم سعدت بذلك لا لأجلهم جميعا ولكن لأجل والده ذلك

الرجل الطيب الذي تجمع فيما بيني وبينه صفات كثيرة.... ساعتها قررت بيني وبين نفسي ان اعبر عن صادق

امتناني لما حدث من واقع فطرتي فمضيت الي دار العزاء مرددا بصوتي الجميل وقد لقنت جوغة من الصبية

ليرددوا من خلفي : " دا اليوم الدايرنو ليك يا كارلوس مبروك عليك " .... أليس حري بي ان ازف التهنئة

في مثل هذه الظروف؟!...... ولكن بدل ان يتقبل ذلك بصدر رحب تحول العزاء الي مظاهرة صاخبة وتهاوت

الأحذية من كل نوع ومن كل صوب لتنكل بي وحملني اربعة رجال اشدّاء ليلقوا بي في قارعة الطريق واصوات

متعددة تتساءل في حدة : " من اين جاء هذا الحمار " ؟!! .

سيد محمود الحاج
11-07-2009, 01:56 PM
(10 )


رفاقي الذين يقتلهم الجهل لا يحلو لهم السير الا عبر السبل الملتوية مع ان الطريق المستقيم واضح امامهم وهو

الأقصر دائما ولكن لأن ذلك دأب الحمير فهم يعافونه ويمضون عنه بعيدا ولا يروقهم السير فيه ابدا. والذي بدأ

لي واضحا ان فيثاغورث وارشميدس ولافوازيه وماركوني ونيوتن ومالتس وانشتاين وكثيرين غيرهم كانوا من

الحمير الأصيلة وكانوا يعيشون آمنين في قطيعهم الي ان عصفت بهم لعنة ربما بسبب عين حاسد او ربما بسبب

البوح بأسرار ماكان عليهم ان يفشوا بها فخسف بهم الي هذا الدرك ولولا ذلك لظلوا حميرا يسيرون علي هدي

تعليماتهم المبرمجة في ادمغتهم ولما تجني رفاق اليوم علي انفسهم وعلي سواهم بالتطبيق الخاطيء لهذه الأسرار

والذي بات الكون علي اثره قنبلة موقوتة يتوقع انفجارها بين لحظة واخري.

عند احساسي بأي عارض مرضي فأنا اتعامل معه علي النحو الذي كنت اتعامل به من قبل اي حين كنت حمارا

تدفعني الغريزة وحدها فأنا كما ذكرت مرارا لم ازل محتفظا بتفكيري الحميري السوي وهذه محمدة احسد عليها

بلا ريب.... فعندما تنتابني اعراض المرض لا افعل كما يفعل رفاق اليوم فأذهب للطبيب لايماني بأن هذا الطبيب

واحد من هؤلاء الرفاق الذين لا ينتفعون بما يطالعون وبما ان خبرته كانت نتاج كتب قرأها ودراسات تلقاها من

رفاق مثله وليست كتعاليم الحمير المحفوظة في عقولها بالفطرة...فكم من وصفة طبية اودت بحياة العشرات وكم

من تشخيص خاطيء انهي حياة العديدين وكم من دواء تم تركيبه فكان سما قاتلا امات كل من تجرعه...اسمع

رفاقي يرددون ذلك بألسنتهم ويسبون ويلعنون ويكتبون ذلك في صحفهم.... وعلي ذلك فأنه حين يداهمني المرض

او اشعر بعلة ما فسرعان ما تقودني غريزتي الي حيث يوجد الدواء فأذهب الي المرعي لأتناول نبات( السعدة )

عندما اصاب بألأم في البطن او ( الحصرم ) لألم المفاصل او القصب الأخضر الرطب لألم الحلق او اوراق

( السلم ) عند الأحساس بعسر الهضم او اوراق الخروع لمعالجة الأمساك او اوراق شجرة ( السنط ) للتغلب علي

الحمي واوجاع الجسد وهذه جميعها ان لم تعالجني فمن المؤكد انها لن تترك اثرا سيئا.... فالحمار ياسادتي طبيب

نفسه والحمار مهندس والحمار عالم ارصاد وعالم فلك والحمار عالم رياضيات وعالم نبات ولكنه يجهل التاريخ

ويجهل السياسة تماما.


كانت مطالعة الصحف من العادات السيئة التي تعلمتها وانا في وضعي الجديد وكم حاولت الاقلاع عن هذه العادة

السخيفة حفاظا علي عقليتي الحميرية السوية الا انني اخفقت في ذلك ولعل ولعي بالطرائف والأخبار المضحكة

كان عاملا من ضمن العوامل التي حالت دون قهري هذه العادة غير الحميدة والدخيلة علي عاداتي التي تخلفت

من آثار سجيتي الأولي.... ضحكت حتي نسيت اني اسير علي اثنتين وانقلبت بشكل دراميكي علي ظهري ارفس

بقوائمي الأربعة وألوح بذيلي في كل الأتجاهات تماما علي النحو الذي تتبعه الحمير عندما تنهق ضاحكة ضحكا

نابع من اعماقها... كان ماقرأته وفعل بي كل هذا نبأ مفاده ان انتاج مشروع زراعي كان واحدا من المنجزات

العملاقة للهونغوات بلغ هذا العام مايقارب المليون طن من القمح وللسخرية فقد كنت انا جزءا من ذلك المشروع

اذ كنت من العاملين فيه وهذه الصحيفة التي كنت اطالعها فقدت معظم صفحاتها جراء هجوم تعرضت له من

ماعزة جائعة لم تجد ماتأكله وهي تتجول في قلب ذلك المشروع....كان نتاج المشروع صفر وحتي الحشائش تم

حرقها للتخلص من الطفيليات والفطريات التي تسببت في مأساة المشروع المزعوم.

يطلق هؤلاء الرفاق علي الكلام الذي لا يطابق الواقع والذي تعوذه الحقيقة و لا ينتظر ان يصبح واقعا..يقولون

عنه ( كلام جرائد ) ومع ذلك يشترون الجرائد ويتصفحونها بنهم برغم ان كلامها كلام جرائد لا يتوق ان يكون

صدقا او واقعا وما ذلك الا لأنهم يدمنون الكذب ولا يستطيعون العيش بدونه فأن لم يجدوا من يكذب عليهم تنتابهم

نوبات وتشنجات فأذا ما اعطوا جرعة الكذب اللازمة سرعان ما يعودون الي طبيعتهم...فالصحف ارخص انواع


المخدرات واسرعها فعالية وتأثيرا لا سيما صفحاتها الأولي.

قبل ايام من الآن كنت قد ذهبت الي مراتع الحمير لأروح عن نفسي وافرج همومي المتراكمة فجلست اشاهدها

تتراكض هنا وهناك ترعي وتلهو وتمارس الحب في انسجام تام ومنها من اخذ حاجته من كل ذلك ورقد مستلقيا

علي العشب هانئا سعيدا.... غير اني ألفيت هذه المرة ان عدد المتطفلين من مثلي في ازدياد فبعد ان كنت وحدي

باديء الأمر ثم اثنان وثلاث , رأيت هذه المرة مجموعة من الرفاق.... فكرت في امرهم طويلا وداهمني ذلك

الفضول حول معرفة ما اذا كانوا بشرا سئموا حياة البني آدمين ام انهم مثلي سخطوا ولعنوا...حاولت

كثيرا التغلب علي فضولي الجامح لكني لم اقو فكان ان وجهت سؤالا لأقرب الجالسين اليّ فلم يعرف الأجابة

واردفت بسؤال آخر فحار جوابا وسألته ثالثة فلم يكن لديه ما يجيب به وهنا ادركت انه من قبيلي... نعم كان مثلي

حمارا وجري له مثلما جري لي لكن ربما لم يعد يذكر ذلك او يدري عن الأمر شيئا!!... وكدت انصرف عنه

لأسائل الآخرين لولا ان رأيتهم يولون بعيدا. كان سؤالي الأول لذلك المسكين مامعني العدل؟ والثاني مامعني

الصدق والسؤال الثالث ماذا تعني كلمة زعيم؟ ولما كان قاموس الحمير يخلو من مرادفات هذه الكلمات واضدادها

فقد حار ذلك الرفيق في الجواب لأن الحمير لا تظلم ولا تكذب وليس لها زعيم فكل حمار زعيم نفسه يعرف ماله

وما عليه ولا فرق بين حمار وحمار الا اذا كان يجهل قدر نفسه وهذا بالطبع من قبيل المستحيل لأن كل حمار

يعرف قدر نفسه حقا والا لكان بشرا!!.

سيد محمود الحاج
11-14-2009, 09:32 AM
الذين صرعوا الهزبر
قفار باديتنا مكفهرة كالحة كوجه الناعي .. يخال للذي يجتازها ايام المحل الا احد قبله قد وطأت قدماه ثراها منذ بدء الخليقة .. متحررة من أي حمل على ظهرها فيما عد شجيرات شائكة تتفرق هنا وهناك ولا تجتمع الا على شطآن اودية صغيرة تتخللها في بعض الاماكن فتبدو وهي في ذلك الوضع كأنها اشباح نساء يقفن نائحات على قبر في معزل عن بقية القبور .. وبيئة هكذا حالها لا يتوقع ان يلوذ بها من الحيوان سوى الافاعي والعقارب والجرابيع والعقبان .. ولكن اذا ماجاء الخريف واغدقت السماء فان هذه الصورة تنقلب الى نقيضها وتتحول تلك البسابس الى مروج خضراء وتدب الحياة في شجيراتها الغبراء وتتجمع المياه في تلك الاودية وعندئذ تؤمها انواع من الطيور والعصافير وتظهر الارانب والسناجب . ولعل هذه الانواع هي كل ما يعرفه اهل باديتنا من الحيوان ومعظمها يختفي بانتهاء موسم الخريف وان كان الكبار يتحدثون عن حيوان يطلقون عليه اسم (السمع) يزعمون انه كان يظهر في الخلاء في فترات متباعدة الا انه لم يعد له وجود وغالباً ما يكون هو الذئب . ويقولون ايضا انه كانت هنالك بعض انواع الغزلان لكنها اختفت من زمن بعيد ويعزون ذلك الى تكاثر الشاحنات فكثيرا ماكنت اسمع جدتي تقول (( طعم الدنيا راح مع جيه الحديد)) .. فمنذ ان ظهرت المركبات تمزق ظهر تلك الوهاد اختفت مخلوقات عدة وتبدلت امور كثيرة فبعد ان كان التنقل بين قرية واخرى بمثابة نزهة تمتد لساعات طوال على ظهور الجمال او الحمير ، يسعد المرء خلالها بتأمل الطبيعة عن قرب ، بات اليوم في عهدة آلة تطوي الارض وقلما تقف قبل وصولها الى وجهتها .. وكثيرا ً ما استذكر ماكانت تردده جدتي حول الحياة وفقدانها ذلك الطعم المميز واقول لنفسي اذا كان طعم الحياة قد تبدد لدى جدتي منذ ما يقارب الاربعين سنة من الآن فماذا كانت تقول يا تري لو انها ظلت عائشة حتى يومنا هذا ورأت ما آل اليه حال الحياة الآن. وكيف انها فقدت فوق طعمها لونها ورائحتها ومعناها وان كلما كان في زمانها لم يعد اكثر من تاريخ وحكايات تروي فنبكي على ذكراها .. فاين اولئك الذين كانوا يقتسمون النبقة ويتقاسمون الالم .. واين اولئك الذين اذا مارأوا جنداً او من يلبس زياً يغائر ازياءهم فروا من امامه .. بل واين اولئك البسطاء اصحاب القلوب النقية..؟؟
في عام صح فيه موسم الخريف واستطالت الحشائش الى منتصف قامة الرجل جاء الاعراب الذين ضربوا خيامهم على اطراف قريتنا بنبأ عظيم ذلك انهم قد شاهدوا اسدا ضخما يتجول بين الاشجار والحشائش . وانه من فرط ثقته في نفسه لا يتردد في الظهور حتى اثناء النهار .. وعلى اثر هذا الخبر كثرت الشائعات وتباينت الروايات فمن الناس من زعم انه سمع الزئير يمزق سكون الليل ومنهم من ادعي بانه قد رأي الأسد يفترس احدي النعاج وما الى ذلك من احاديث بني معظمها على الخيال اثارت الفزع بين الناس وحرمتهم نعمةالتنزه بين تلك المروج كما حرمت اغنامهم من الخروج الى المرعي وباتت رهينة حظائرها . ولعل من بين الناس من لم يأخذ هذ الحديث مأخذ الجد واعتبره كغيره من الاقاويل التي تتردد بين حين واخر دون أن يبدو لها اثر الى ان جاءتهم الحقيقة تسعي في ظهر احد الايام حينما شاهدوا ركبا يقصد (شفخانة) القرية مصحوبا بجلبة تبين معها ان الامور ليست على ما يرام وعلم المتشككون على اثرها ان الاسد المزعوم بات حقيقة لا تقبل الجدل وان رجال تلك القرى قد تصدو له بالحراب والفؤوس والعصى في معركة ضارية .. وعلى الرغم من ان قائد الفرسان ظل يغالب الآمه ليروي للذين تجمهروا من حوله وقائع معركتهم مع الهزبر ومدى شراسته وكيف انه نجح في توجيه طعنة قاتلة الى صدره الا ان اصابات معظمهم كانت عبارة عن رضوض وخدوش وجروح صغيرة احتاج اكبرها لثلاث غرز قدر انها كانت بفعل آلة حادة ، ولم تكن هنالك أي آثار لأنياب او مخالب على اجساد المقاتلين . وفي وقت لاحق اكدت صحة هذا الافتراض امرأة كانت قد شهدت فصول تلك المعركة فأفادت بأن الضربات التي تلقاها المحاربون من بعضهم البعض كانت اكثر واوجع من تلك التي وجهوها الى خصمهم وقالت فيما قالت ان الضربة التي يعاني منها (ود الاحمر) في ركبته والتي يزعم انها بسبب ركلة تلقاها من ذلك الاسد كانت قد جاءته من (النور الاعور) وانها قد رأت (ود الاحمر) يهوي على الارض بسببها .
كان الفخر والغرور يملآن احاسيس اولئك الرجال وهم يغادرون (الشفخانة) وكأن تلك الضمادات اوسمة شرف ولا ريب ان مافعلوه سيظل حديث اهل القرية وسوف تتناقله الاجيال وان (التومة) مغنية البادية سوف تخلد ذكراهم في اغنيات الحماسة التي اشتهرت بها فهم الآن في منزلة الابطال .. ولعل ذلك كان قد تحقق لو ان سائق تلك الشاحنة العابرة سلك طريقاً غير الذي سلكه قبيل غروب شمس ذلك اليوم .. فقد ظهر الاسد المزعوم امامه فجأة على نحو لم يستطع معه تفاديه فأرداه قتيلاً وحينما تجمع الناس لرؤية السبع عن قرب كان جسده خالياً من أي طعنات ولا أثر لجراح سوي جرح صغير على احد قوائمه .وحتى تلك اللحظة لم يساور المحتشدين شك في ان المسجي امامهم شيء آخر غير الأسد الا حينما تساءل سائق الشاحنة عن سبب تواجد (الحلوف) في هذه المنطقة وهو امر لم يكن مألوفاً من قبل . ومع ان الحقيقة قد باتت واضحة للجميع الا ان مغنيةالبادية ابت الا ان تخلد ذكري هؤلاء الصناديد في اغنية اذا ماتغنت بها حال الضحك دون ترديدها من قبل افراد جوغتها :
ود علوب العشاري الحابس جزائر ابروف
دعتن ما براري تب ما بعرف الخوف
تالاهو المضوي الفي الكتال معروف
يخبت خصيمو خبت (الضقيل ) للصوف
يسلموا حراس الضهاري فاتو حد الشوف
بي نيران وحيحن قلبو الأسد حلوف
والضقيل هذا كان كفيف البصر يفتل الحبال من الصوف وهي مايعرف ب(السلب) وكان عندما يستخدم عصاه لفرد الصوف تتلقي الارض من ضرباته اكثر مما يتلقاه الصوف .

سيد محمود الحاج
11-16-2009, 10:51 AM
اثناء زيارة لصديق قديم قدم لي ورقة كان فحواها قصيدة بالعامية كتبت بخط اليد بدأ انها لبثت سنينا في موضعها قبل ان تصل اليها يد صاحبي هذا .. ولو اني عهدت هذا الصديق ناظم شعر لقلت انها من نظمة فالخط الذي كتبت به يكاد يطابق خطه الذي اعرفه جيداً مما حدا بي ان اسأله ان كانت الأيام والمواقف قد جعلت منه شاعراً .. فضحك نصف ضحكة قبل ان يوافقني بان ا لخط هو خطه نافيا علاقته بالكلمات .. ولمعرفة من نظمها فقد أنشأ يحدثني :" منذ سنوات طويلة مضت كنت اعمل في قرية صغيرة من قرى المنطقة الجنوبية بالمملكة ولما كنت بلا مؤازر من ابناء الوطن فقد درجت على قضاء عطلة نهاية الاسبوع مع بعض الأخوة الذين تعرفت عليهم في قرية متاخمة اكبر حجماً واكثر تعداداً من التي اقيم فيها .. كانوا مجموعة يضمهم بيت واسع وبرغم انهم من مناطق مختلفة من انحاء الوطن الا ان الغربة جعلتهم كافراد اسرة واحدة … يتقاسمون همومهما فيما بينهم ويخففون من مرارتها بتماسكهم ولطافة طبعهم . وحينما اعودهم كنت القي في احضانهم دفء الوطن وبشر اهله وشهامتهم .. وضمن ذلك كنت قد التقيت بشاب في مقتبل العمر كان يفد اليهم مثلي من قرية مجاوره… خفيف الظل طيب المعشر … شهم وذو مروءة ولما كان من اقحاح البادية فقد كانوا ينادونه باسم (احمد العربي) وما ان يدور الأنس حتى يطلبون منه ان يسمعهم مقاطعاً من الدوبيت فينشدها بصوت عذب رنان ينساق وراءه الجميع فينصتون ويصغون بكل احاسيسهم ثم اذا ما فرغ طلبوه ان يعقب ببعض ابيات من اغنية من نظمه يبث فيها الامه ومعاناته يؤديها على وقع اغنيات الطنبور ولما اعجبتني كلماتها رجوته لاحقاً ان يمكنني من كتابتها فلم يبخل علي ولم امل كتابتها برغم تعدد ابياتها .
وشاءت الاقدار ان تفرق فيما بيني وبين هذه الشلة المتآخية بانتقالي بعيدا عنهم ثم بت عقب ذلك في تنقل مستمر حتي بعدت الشقة بيننا وانقطعت اخبارهم عني تماماً لولا ان جمعتني الصدفة باحدهم بمبني القنصلية بجدة بعد مضي عدة سنوات .. سألته عن افراد المجموعة واحوالهم فعلمت ان الأيام فرقتهم فمنهم من بدل المكان ومنهم من عاد الى الوطن ثم صمت حيناً قبل ان يسألني ان كنت اذكر (احمد العربي) ولما تلكأت اعانني بما اصلح ذاكرتي واعاد فيها احمد العربي بطيبته وحلو حديثه وعذب نشيده ولكن سرعان ما توشحت تلك الصورة بحزن قاتم حين علمت بمصيره .. لقد قضي نحبه اثر حادثة بعد عام تقريباً من رحيلي عنهم بينما كان في الطريق الى مدينة جدة حيث كان يزمع السفر منها الى ربوع الوطن بعد غيبة تجاوزت الثلاثة اعوام كان يجاهد خلالها من اجل توفير ما يمكنه من العودة الى اهله ودياره ولما ظفر ببعضه كان الموت في انتظاره . وعلي قمة احزاني تذكرت مقطعا من اغنيته (يايمه) تلك التي كتبتها يوما على ورقة تمنيت عند تلقي النبأ ان لو كنت قد احتفظت بها .. قال صديقي يواصل حديثه وقد غلب عليه الأسى ": تصور اني وجدت هذه الورقة مصادفة قبل يومين فقط بين صفحات كتاب أثناء قيامي باعادة ترتيب مكتبتي فقد ظلت مختبئة منذ ذلك التاريخ فاعادت ذكريات جميله كما اعادت في ذات اللحظة احزاني مجتمعة .
واذ انتهي صديقي من سرد حكايته المحزنة وجدت نفسي اردد بصوت تخنقه العبرات كلمات تلك القصيدة التي اقتطف منها هذه الأبيات :"


اريتني معاك يا يمة نعود للدار وبعد الفرقة نتلمّ

شوفتك كان تزيل غمة اهوش في الحال اجيب نمة

هجير الغربة نار تلفح شوكتن في القلب تنتح

همومها تفور وتتمسح كرعناها و قمنا نتترتح

حليلنا وجلسة القهوة ريحة البن تزيدنا هوي

حديث حبوبة يسرقنا لامن تكرب الضحوه

مناي ياالزينة رقدة حوش في عصرية عاد مرشوش

بقيت يايمة راسي يدوش من لفح الهوا المغشوش

حنيني فاق حنين النوق احاكي القمري اسوْ في القوق

طفح الكيل فات بي فوق بخاف يايمة اموت بالشوق



قلت لصديقي وقد سادت بيننا فترة من الصمت .. ترى كم من مثل احمد العربي قضوا نحبهم والشوق الى الأهل وديار الأحبة ملء جوانحهم… تري كم من مثله كان ينسج احلاماً بعرض هذا الكون ويمني النفس وهو في جحيم الغربة بيوم يعود فيه الى تراب الوطن لينفض على حرارة لقاء الأهل والأحبة ما علق بنفسه من رذايا الغربة وشوائبها فحال الموت دون احلامه وامنياته ولم يبق من بعده الا الاسى ؟؟ ولما اصبح حديثنا صمتاً لم يكن امامي الا ان استأذن صديقي منصرفا .

سيد محمود الحاج
12-24-2009, 09:21 AM
( 1 )

أسعدني كثيرا نبأ عودة (عباس ).. فرحت لذلك من كل قلبي وغمرتني سعادة بالغة كأن العائد كان ابني أو اخي.. كان احساسي احساس من بلغه نبأ عودة عزيز بعد ان أعلن عن موته في حرب من الحروب.. وجدير بي ذلك الأحساس فعباس كان في عداد من انقطع الرجاء في ايابهم بعد غياب تجاوز العشرين عاما اي أكثر من عمره الذي عاشه بين أهله فقد مضي في ركب الشباب الذين ألمت بهم حمّي الأغتراب وضاق بهم الوطن الذي بات حكرا للمتسلطين الذين يرون ان سواهم ليس جديرا بالبقاء فأحالوا مليون ميلا مربعا الي شبر مربع امام من لا يسبح بحمدهم.. خرج عباس يضرب في مناكب الأرض وهو دون العشرين حتي استقر به المقام أخيرا في بلد من البلدان وظل خلال ذلك يتواصل مع أهله في البلد الا ان ذلك التواصل لم يدم لأكثر من عامين وانقطع تماما عقب ذلك ولم يعد يُعرف من أمره شيئا سوي بعض أقاويل غير مؤكدة تأتي في أحايين متباعدة وعلي علتها فهي غالبا ما تأتي في صيغة : " قال فلان عن فلان بن فلان أن علان قال ان فلان بن علان روي له ... "... لا شيء مؤكد علي الأطلاق.. سافر والده بعد سنوات تلت ذلك الي الدولة التي زعموا ان عباس يقيم فيها فمكث لشهرين يلاحق سرابا.. أعياه البحث والتنقل بين مدن وأرياف ذلك البلد دون أن يعثر علي أثر لأبنه ولما فقد كل أمل عاد العم عثمان يجرجر ثوب أحزانه ويلف الحسرة عمامة علي رأسه.. كان الجرح كبيرا فعباس وحيده من بين خمس بنات تكبره اثنتان منهن وثلاثة جئن علي رأسه.
استقبلني عم عثمان بالأحضان وكأني من أتي له بوحيده.. تملأ الفرحة كافة جوانحه وبدأ لي حجم هذه الفرحة العريضة من خلال دماء الذبائح المراقة والمتيبسة في عدة مواضع في فناء الدار والتي تكاد تغطيه بأكمله.. أجلسني علي السرير وجر كرسيا ليحدثني عن مفاجأة عودة ابنه.. تلك المفاجأة التي لم يحسب اي من افراد أسرته حسابا لها او يحلموا بمثلها : " سمعت صوت العربية سيييك وقفت قدام الباب.. قلت يمكن يكون دا (كمال ) نسيبنا الجديد باقي سائق بوكسي حاج عمر..بس اسمع ليك الكوراك ضرب والزغاريد شلعت.. يا اخوانا الحاصل شنو في الفريق.. والله من الخلعة لامن بركت في الواطة وبقيت أحبي متل الجاهل لامن وصلت الباب...وكت قالوا لي دا عباس ولدك رجع والله ياعلي ياولدي غيّبت عديل وتاني ماوعيت بي حاجة لامن رشوني بالموية... حقيقة الحي بعود لكن جنس جية عباس دي والله خرق عادة عديل ولي هسع انا ما مصدق وشائف الحكاية كلها حلم في حلم.. وقلبي يقول لي الجاء دا ماهو عباس ولدك ..دا زولا ً تاني.. بس ياريته لو بدّر شوية وجاء قبل تلاتة شهور كان لاقي امه ولاقتو وبلّت شوقها لكن ربنا ما أراد..والله لامن أدت الروح هي تلاهي بيه وتشحد في الله تشوفه قبّال ماتموت لكن كل شيء بأرادة ربنا... ربنا يتغمدها بواسع رحمته"!! توقف العم عثمان عن مواصلة الحديث في ذلك السياق حين أعترضت العبرات سبيل كلماته وفاضت أدمعه تنم عن حزن عميق تعج به الدواخل وتكشف عن ألم لا حدّ له وتلك هي الحقيقة فقد كنت وبحكم الجيرة والتواصل ادرك كم الحب الذي يكنه لزوجته الراحلة فقد كانت حقيقة حبه وأخلاصه لها لا تخفي علي أحد من أهل الحي وليس أدل علي ذلك من البقاء بجانبها ومعاشرتها برغم معاناتها من مرض نفسي وعصبي لازمها لسنوات طوال ولو كان سواه لأتخذ دونها زوجة أخري.. كانت أيام صحوها و لعقود من الزمان تعد علي أصابع الكف الواحدة.. تعيش منعزلة عن كل ما حولها .. لاتكلم سوي أطياف لا يراها سواها ويتخلل ذلك في أغلب الأحيان نوبات هياج هوجاء تستلزم زمرة من الأقوياء للأمساك بها حين تداهمها. عاد العم عثمان يواصل ما انقطع من حديثه متغلبا علي عبراته وآلآمه ولما كنت متشوقا لملاقاة عباس بعد تلك السنوات الطوال تساءلت عنه في اول فرصة سنحت بعد توقف الرجل عن سرد فصول عودة ابنه بكافة تفاصيلها ويقيني أنه ظل يمارس ذلك مع كل زائر أتي مهنئا.." يازول انت قائل عباس قعد والا ارتاح..والله من تاني يوم لبس الجلابية ومرق علي الحلة.. كتبنا ليه ورقة مليانة بالجنبين فواتح والدليل (أماني ) اخته..طبعا زولك مافاهم اي حاجة..لقي الدنيا وراه كلها اتغيرت اها اماني بنتي الله يديها العافية بقت ليه أخو ولافة معاه الحلة..والله ياعلي ياولدي بقتلو زي ضله من ما جاء مافارقته شبر.. بالليل تخت سريرها لصق سريره قالت خائفة تصحي ما تلقاه "!!. __________________

سيد محمود الحاج
12-24-2009, 09:38 AM
( 2 )

تركت غرفة الاستقبال يقودني العم عثمان الي داخل الدار لأهنيء كريماته بعودة شقيقهن فألفيتهن كأبيهن لا مطرح لشعور آخر في نفوسهن سوي الفرح والسعادة..استقبلت من قبلهن في بشر وحفاوة بالغين قبل ان يشير علي ّ والدهن بالجلوس طالبا من احداهن اعداد القهوة علي شرفي..مضينا نتجاذب أطراف الحديث وجلها حول مفاجأة مقدم عباس والمواقف التي ترتبت علي مجيئه المفاجيء الذي لم يحسبوا له حساب.. أحسست بمزيد من العطف تجاههن وفرحت حقا لهذه السعادة الغامرة التي بددت حزنا ً عاش فيهم طويلا ففي عودة شقيقهن سلوي لهن في غياب والدتهن..كنت وانا بين الأمساك بفنجال القهوة وحبل الحديث استرق لحيظات من الزمن أناظر معالم الدار التي تغيرت تغيرا كليا منذ آخر عهد لي بها.. عمر طويل كان قد مضي علي ذلك..حاولت جاهدا استعادة وضعها السابق و استحضار صورتها القديمة في ذهني ولما تمكنت من ذلك تبين لي ان الصالة التي اجلس فيها الآن هي مكان غرفة حبوبة(بت مسمار) وهي جدة زوجة العم عثمان لأمها..كانت غرفة واسعة مبنية من الطين تتوسطها (شعبة) متينة تدعم(المرق) الذي كان جزع شجرة.. اذكر جيدا تلك المرأة الحكيمة الجادة الملامح رغم طغيان التجاعيد..كانت جدتي لأمي تزورها في بعض أحيان حينا لتلقي التحية وحينا ل ( كركرة اللوبيا ) علي ( المرحاكة ) التي لم تكن متوفرة لدي سواها فقد انقضي عهد تلك الأداة منذ ان جاءت الآلة تحل محل كل شيء..مازال صدي كلمات تلك المرأة يتردد في أذني ّ وهي تطلب من جدتي ان تضع حجر الرحي في مكانه المعهود بعد الأنتهاء من مهمتها حتي لاتصل اليه أيدي الصغار فتذهب ريحه : " اها يا فاطنة يابتي ما تتوصي..المسحان ختيه في محله اللقيتيه فيه..البناقير ان لموا فيه بغطسوا حجره وتاني ما بتلقي"!!.
كان تمسك اولئك النفر من جيل حبوبة بت مسمار بأشيائهم القديمة شديدا وبالغا وكأن كل شيء من تلك الأشياء عضوا من أعضاء أجسادهم.. يولونها اهتماما بالغا و لايكادون يفرطون في شيء منها فحبوبة بت مسمار منذ ان وعينا وبتنا ندرك ما حولنا وجدناها كفيفة البصر ورغم ذلك تحدد لك مكان الأشياء كأنها تراها وتحفظ جيدا مغتنياتها من الزمان السابق فلا تستهين بأي منها حتي في عدم استخدامها لهذه الأشياء وكان اذا احتاج أحد من اهل الحي لشيء انتهي عهده فلا يقصد في ذلك سواها.. المنقاش.. المخرز.. الدوكة.. قدح العود..توب (اب أرضية) الذي يغطي به الجثمان.. كوز العبار..الماشة.. مقص الحمير.. كل هذه الأشياء وأشياء اخري غيرها كانت لا توجد الا لديها وبأختصار فقد كانت تختزن أزمانا في مخزن أشيائها واذا سئلت عن سبب احتفاظها بمثل تلك المغتنيات العتيقة تقول في هذا الشأن : " بكرة الزمن بقول جيبوها " أي انه قد يأتي زمان يعود فيه الناس لآستخدام مثل هذه المغتنيات مرة أخري وفي هذا تقول ابنتها ان امها مازالت تحتفظ بعملات معدنية ضربت ابان المهدية واخري لعهود توالت عقب ذلك..كانت ذاكرتها برغم كبر سنها قوية ومتماسكة.. تذكر كل شيء في تفصيل ممل وتحدثك حتي عن ايام طفولتها.. سمعتها تحكي ذات مرة لجدتي عن مجاعة سنة ستة تلك التي ضربت البلاد ايام المهدية خلال حكم الخليفة عبدالله التعايشي : " والله يافاطنة يابتي لي هسع بطري اللحم المشرمط فوق الشدر متل التقول عامنوّل..الوكت داك أنا فتية عمري كان سبعة كان تمانية..قايداني آمنة اختي الرحمة ليها من ايدي.. الحمارة حمارة ابوي ليها يومين ماجات صادة من الخلاء..اها ابوي قال لي آمنة اختي سوقي اختك معاك وامشن افقدن الحمارة اتلقي ولدت في الخلاء اصلها كانت شايل.. اها وكتين مشينا اكان نشوف ليك من بعيد مرتين يقطعن في اللحم ويشون ويشرن فوق الشدر وكتين قرّبنا شوية أكان نشوف ليك راس الحمارة والجلد مكوّم... وااااي كوركنا وجرينا صادين "!!.
استعدت فصول ذلك الأمس الجميل وتلك الأيام الباقيات في الذاكرة وأنا جالس في تلك الصالة وكأني بالعم عثمان يري بعين الخبير ما لم يلحظه غيره فقد وشت له نظراتي المتنقلة وشرودي الطويل بالكثير..لا أدري كم فنجالا تناولت من القهوة ولم أكن اشارك في الحديث الا بضحكة مجاملة او كلمة عابرة ولعل من مجمل ماتردد من احاديث لم اتابع سوي كلمات محسوبة مما جعل الرجل يعلق علي شرودي هذا : " الظاهر عليك يا علي مشيت بعيد خلاص.. هسع عليك الله شوفتك لي بيتنا دا قبّال كم سنة "؟.. قلت له وأنا أشير الي حيث تجلس ابنته صفية وهي بكره بأن آخر عهدي بذلك حين كانت غرفة حبوبة بت مسمار واقفة وربما كانت صفية هذه في الثانية من عمرها او دون ذلك اي قبل اكثر من أربعين عاما وطفقت أصف لهم الوضع السابق للدار.. هنا كانت غرفة حبوبة بنت مسمار وهناك كانت الراكوبة وفي جانبها الغربي توجد الأزيار وفي الركن المقابل كانت المرحاة وعلي مبعدة من ذلك يكمن ( التكل) وأشرت الي أقصي الجهة الجنوبية لأحدد موضعا آخر الا أنني تراجعت عن ذلك في آخر لحظة واستدركت أمرا جعلني أغير سياق الحديث ففي ذلك يكمن شبح مأساة لا يرغب أحد في ايقاظها او تذكر فصولها لا سيما وسط هذا الجو الملبّد بالفرح وهذه السعادة التي لم تنعم الدار بمثلها منذ زمن طويل . وأحسب ان العم عثمان انساق هو الآخر في ذات الأتجاه الذي كنت أسلكه وشرد بذهنه بعيدا لفترة من الزمن قبل ان يمسك بزمام الحديث ثانية في محاولة لتغيير وجهته.لم اجلس بعد ذلك الا لبضع دقائق مستئذنا اهل الدار بالأنصراف امام اصرار الجميع وعلي رأسهم سيد الداربالأنتظار قليلا ريثما يعود عباس من جولته ولما كان في انتظاري الكثير لأنجزه قبل عودتي الي المدينة فلم يكن في امكاني البقاء لأكثر من ذلك ووعدت العم عثمان بزيارة أخري في القريب العاجل لملاقاة عباس فأني في شوق للقياه بعد تلك الأعوام الطوال.
__________________

سيد محمود الحاج
12-24-2009, 09:43 AM
( 3 )

طوال الطريق الي منزلنا ما انفكيت استعيد ذكريات تلك الليلة الباردة ومشاهد تلك المأساة التي شهدت فصولها الغرفة القديمة في احد اركان الدار التي انا عائد منها الساعة قبل سنوات طويلة خلت.. الصراخ المنبعث من عدة حناجر يمزق سكون الليل اربا وكأن كل بيت في الحيّ كان مصدرا للصراخ.. وقع خطوات أناس يهرولون وغيرهم يتعثرون وأصوات ترغي بكلام غير واضح او ربما كان واضحا ً الا ان ولولة الريح في تلك الليلة الباردة الحالكة الظلام حالت دون ان يصل الي الآذان كما ينبغي.. صرخت امي وامها وجدتها ومثلهم شقيقتي الكبري علي صراخ الصارخين دون ان يدركن شيئا عن الحاصل وما يحدث في الحيّ.. " يا سابل الستر استر عبيدك.. يا دائم من شر الهجائم ومحن الضلائم "!!.. هكذا كانت تردد جدتي عندما يكف الآخرون عن الصراخ وهي ممسكة بيدي بقوة وتجرني جرّا سائرة خلف السائرين الي حيث كان ينبعث الصراخ.. الوقت كان متأخرا وربما تجاوزت الساعة الواحدة او الثانية صباحا لا أعلم علي وجه التحديد لكن ليس أقل من ذلك مطلقا حين هب جميع أهل الحارة من نومهم مذعورين ومرتعبين علي اثر صرخة حادة بددت السكون الذي كان طابع قريتنا وذلك الحيّ علي وجه الخصوص..فالناس آنذاك كانوا يأوون الي مضاجعهم بعد صلاة العشاء بقليل ويندر ان تجد أحدا من المارة بعد التاسعة او علي أكثر تقدير بعد العاشرة فالقرية حتي ذلك العهد لم تعرف الكهرباء ولم تحلم بها.. ينام غالبية أهلها بعد العشاء بقليل فلم يكن التلفاز معروفا وحتي اجهزة الراديو في القرية بأكملها لا يتجاوز عددها الخمسة... انبعثت رائحة الحبال المحترقة والمختلطة برائحة الشواء ورائحة الكيروسين تلازم أنفي بأستعادتي ذلك الأمس البعيد...عادت وكأن زمان حدوثها أيام لا أعوام جاوزت الأربعين.. كانت جدتي لم تزل ممسكة بيدي بقوة كأنها تخشي ان يأتي من ينتزعني من بين يديها وهي تخاطب (عزيزة) التي احترق كل جزء من أجزاء جسدها عدا لسانها الذي ظل طليقا وكأن شيئا لم يكن:" لي شنو ياعزيزة يا بتي بتسوي في روحك كدي؟.. انت ماكنتي بتّا تقية صائمة ومصلية..ماكان تنعلي المنعول وتعايني لي حال امك ولا الشايلة في بطنك دا "!! وتجيبها عزيزة والتي كانت كلماتها حتي تلك اللحظة واضحة كل الوضوح.." هيْ لكن يا خالتي فاطنة بثينة خلّت لي صبرا ً انعل بيه الشيطان !!.. أنا ما نجضت قبّال النار.. بثينة ما خلّت لي الدنيا قدر الخاتم.. الليل والنهار تاكل في لحمي بي النقة والكلام المتل السكاكين.. والله النار أبرد من فعائلها معاي.. خلتني أطلق الراجل الأول بلا سبب ودايراني كمان أطلق التاني عشان اقعد عمري كله أخدم فيها"!! وفي أكثر من مرة كانت تخرج عن سياق حديثها عن معاملة شقيقتها بثينة فتطلب من جدتي ان تضع يدها علي بطنها..." الرسول يا خالتي فاطنة ختي أيدك فوق بطني شوفي الجنين بفور ويفرفر كيفن.. أريته يمرق ما يموت معاي"!! وكانت جدتي تحاول طمئنتها في كل مرة : " الحبة دي ما بتجيك بأذن واحد أحد.. هسع يودوك الخرتوم يداؤوك وتجي راجعة دلويا ً ملان "!! ولكن هيهات ان يعود الدلو مليئا ً وقد احترق حبله وتفتتت اوصاله اذ جيئ بعزيزة جثة هامدة بعد سويعات قليلة قضتها في مشفي المدينة وقضي معها جنينها الذي كان يتوقع قدومه خلال أيام فقد كانت في آخر أيام حملها وكان الكيروسين الذي استخدمته في حرق نفسها من مجمل تجهيزات الوضوع التي كانت مبعثرة هنا وهناك داخل الغرفة.. دقيق وسكر وصابون وزيت وغير ذلك.. أفرغت كامل محتوي الجالون من الكيروسين علي جسدها وأشعلت النار... لم تبرح هيئتها مخيلتي حتي بعد تلك السنوات الطوال..كانت محبوبة من كافة أهل الحي ..خفيفة الظل ودمثة الخلق.. متعاونة مع الجميع.. أحسبها كانت مهووسة بالنظافة أكثر من كون الأمر ولعا فما كنت أراها الا ممسكة بمكنسة تكنس فناء الدار وماحوله او منشغلة بغسل الأواني او بغسل أرجل العناقريب والأزيار او تغسل ملابسا.. تزوجت في وقت سابق الي ان الزواج لم يستمر طويلا ويقال انها رفضت طلب زوجها بالأنتقال الي قريته وفضلت البقاء بجانب أسرتها ومنذ ذلك الحين وهي تأخذ علي عاتقها مهمة رعاية المنزل.. تمسح وتغسل وتنظف وتطبخ وتجامل الآخرين في مناسباتهم المختلفة.. كانت شخصيتها تناقض تماما شخصية شقيقتها حتي في بنية جسدها فهي رشيقة القوام خفيفة الجسد.. نشطة.. متواضعة وكثيرة الأختلاط مع الآخرين أما بثينة فقد كانت ممتلئة الجسم وارفع قامة يكاد يصرعها لولا تشبثها الكسل.. مزهوة بنفسها كل الزهو ويندر ان تراها تؤدي واجبا او تقضي امرا من الأمور المنزلية حتي تربية أطفالها كانت في عهدة
شقيقتها فهي التي تنظف أجسادهم وهي التي تغسل ملابسهم وهي التي تطعمهم وهي من يرعاهم في كل شيء فلا غرابة ان كانت صفية تعتقد وهي طفلة ان عزيزة هي امها وبثينة خالتها فلا تنام الا في أحضانها بل وتراها ملتصقة بها طوال ساعات اليوم. بعد سنوات عديدة من حياة العزوبية جاء من يطلب يد عزيزة.. أرمل في أواسط العمر.. بسيط ورقيق الحال.. شاورتها امها في الأمر فقبلت فليس أمامها من خيار آخر بعد ان تعدي بها قطار العمر محطات ولكن بثينة كانت اول معارض لفكرة زواج شقيقتها مبدية من عيوب الخطيب مالايحصي ووفق ما اقر به المقربون والعالمون ببواطن الأمور ان هدف بثينة في ذلك هو ان تظل شقيقتها بلا زواج حتي تبقي خادمة لها ولأطفالها فأذا تزوجت فلا شك انها سوف تتفرغ لأمر نفسها وأمر زوجها وستأتي بأطفال ينصب اهتمامها قبالتهم وليس قبالة أطفالها فتخسر هي ويخسر أطفالها الكثير ولن يجدوا من يقوم بخدمتهم ورعايتهم علي ذلك النحو الذي ألفته وألفوه.
وسط ذلك الجمع الغفير وبكاء الباكين تحسرا وحزنا لم تستطع (زينب) ابنة خالة الشقيقتين ان تكتم غيظها وحرقتها اذ انهالت علي بثينة توسعها ضربا وتعنفها بأقسي العبارات وأشدها : " كله منّك..انت السبب.. انتي الحرقتيها.. ربنا يجازيك في الدنيا قبل الآخرة "!!... اذكر مرأي بعض النساء وهنّ يمسكن بزينب التي انهارت تماما وبعضهن يأخذ ببثينة بعيدا في محاولة لتطييب خاطرها وهي بينهن كالصنم وقد اكتنفها صمت مخيف مبحلقة في البعيد وأحسب انها منذ تلك اللحظة قد استهلت خطواتها في الطريق الذي لم تعد منه الي ان حانت وفاتها بعد أعوام طوال أعقبت ذلك.. ذلك الطريق الذي لازمته لأكثر من أربعة عقود عاشتها في عزلة عن الناس وعن العقل في معظمها.. تنتابها نوبات وثورات لا يفلح أمامها الا ان توضع في القيود وفي أيام نوباتها يهجر أهل الحي بل اهل القرية الطريق الذي يمر علي مقربة من دارها مخافة التعرض لهجومها الذي دون ريب سيكون فيه هلاك عاثر حظ يقع في قبضتها فهو أذن كمن يجثو علي جسده فيل. من ضمن أقاويل اللصيقين بالشقيقتين ان بثينة ازداد حنقها وطفح كيلها حين علمت بحمل شقيقتها فهذا يعني انها ستكون مرتبطة بزوجها أكثر من ذي قبل وستخسر هي الكثير فقالت لها في قمة غضبها :" كمان حملتي منه.. انا لو في محلك يا مغفلة احرق روحي وارتاح "!! __________________

سيد محمود الحاج
12-24-2009, 09:49 AM
4 )
لا أدري أهي لعنة المنتحرة ام لعنة جنينها الذي حكم عليه بالأعدام دون ذنب جناه وهو الذي كان بينه وبين النور أيام ان لم تكن ساعات..كانت تنتظره في شوق ولهفة لا يوصفان وهي التي لم تحسب ابدا ان يأتيها مثله وهي في هذه المرحلة من العمر.. حاكت له الملابس والأغطية من نتف اسمالها وهي تحسب الساعات لمجيئه... لا أدري أهي حقا لعنة ام ان الأمر لا يتعدي حدود المصادفات فقد قرأت عن لعنة الفراعنة والعبارة المكتوبة بالهروغلوفية علي تابوت الملك الفرعوني توت عنخ آمون من ان الموت سيكون مصير كل من يقلق راحة الفرعون في منامه الأبدي او يعكر صفوه وكان ما كان حينما مات كل من شارك في فتح مقبرته في ظروف غامضة وحوادث غريبة ومثل ذلك كانت لعنة الراهب الروسي الفاسق الأب غريغوري راسبوتين ووعيده للذين دسوا له في شرابه كمية من السم تكفي لقتل مئات الرجال ولما لم ينل السم منه أمطروه بوابل من الرصاص. ويقال ان القيصر نيقولا الثاني كان متواطئا في تلك المؤامرة وعليه فقد كانت نهايته مأساوية اذ أعدم مع جميع أفراد أسرته دون محاكمة من قبل مجموعة من الثوار كانوا قد اعترضوا مسار القطار الذي كان يغله ووزوجته وعياله الي سيبيريا.. قرأت وسمعت الكثير عن اللعنات وانتقام الأرواح ممن تسبب في ازهاقها وأدب الغرب حافل بمثل هذه الحكايات خاصة لدي الأنجليز الذين مازالوا يحدثوننا عن أشباح وأرواح عادت لتنتقم وتثأر من الذين أودوا بها مثل شبح(آن بولين ) الزوجة الثانية لملك انجلترا هنري الثامن والتي يقال ان موتها كان نتيجة دسائس ومؤامرات لفقت تلفيقا فحكم عليها بالاعدام بضرب عنقها بالسيف.. قصص وحكايات كثيرة وردت في هذا السياق ورغم تشككي في صحة مثل هذه الروايات التي تخالف المنطق وتبتعد عن المألوف الا ان أسئلة شتّي كثيرا ما تستفزني دون ان أجد لها اجابة او تفسيرا منطقيا.

عدت الي القرية بعد اسبوعين تليا زيارتي الأولي لأسرة العم عثمان وفي هذه المرة جئت مودعا فاجازتي قد اوشكت علي الأنتهاء فلم يتبق سوي يومان أغادر الوطن بعدهما عائدا الي المنفي وليس المهجر كما يقول البعض فالمهجر نقصده طائعين اما المنفي فنرسل اليه مرغمين.. وعليه فقد جئت لأودع الوالدين وبقية أفراد العائلة والأقربين ولما كنت أحرص دائما علي الوفاء بأي عهد أقطعه فقد كان من بين أجندتي زيارة لدار العم عثمان وفاء لوعدي معه بالمجئي لملاقاة ابنه العائد عباس الذي لم ألتقه في زيارتي السابقة ولكن حين ولجت دارنا أنبأني السكون المخيم ان شيئا ليس علي مايرام فمن النادر ألا يكون بالدار أحد.. اتجهت الي غرفة الوالد في الطرف الآخر للدار ليخبرني بالنبأ العظيم...كانت صدمة قوية ارتعشت لها الوجدان حزنا وأسي ً..."الناس كلهم مشوا لي بكاء وليد عمك عثمان ود عبدالكريم"!!.. مات عباس ابن العم عثمان لا علي أثر طلقة ولا اثر حادثة ولكن اثر حمي لم تمهله سوي لساعات معدودات..ذهب الي المشفي سيرا علي الأقدام وجاء منها محمولا علي أكتاف الرجال.. كان موته فاجعة اهتزت لها كل اركان القرية.. عباس الذي غاب عشرات السنين ولم تنل منه القنابل والرصاص تقتله الحمّي في بضع ساعات وقبل ان يكمل أسبوعه الثالث بين أهله. هرعت الي دار العزاء لأري الجميع في ذهول تام.. بكيت وكأني لم ابك من قبل امام مرأي العم عثمان الذي كان منكفئا علي نفسه يعصر رأسه بين فخذيه ويداه من فوق ذلك فلا هو بالباكي ولا النادب ولا الضاحك ولا الصامت ولا الحاضر ولا الغائب.. كان في وضع لم أجد له تفسيرا حتي الآن لكنه كان تجسيدا لجرحه العميق.
__________________


(5 )

مضي العم عثمان عن الواقع بعيدا منخرطا في ذهول كامل غير مصدق ما حدث وقد رفض عقله الواعي تقبل الحقيقة ومرارتها فهو ماانفك يردد ان عباس لم يمت ولكنه عاد الي مهجره ثانية وغدا يعود كما عاد بالأمس ولن يطول غيابه لأنه في المرة القادمة سيأتي للزواج..هكذا مضي به الحال وقد ترسخت الفكرة في ذهنه تماما رافضا تقبل مواساة الآخرين الذين لم يدخروا وسعا لأقناعه بتقبل حقيقة موت ابنه وان كل من عليها فان.. ومثل الأب المفجوع كانت ابنته (اماني) التي أصرت علي القيام بدور الأخ وليس الأخت وكانت لا تنام الا وسريرها علي مقربة من مرقد شقيقها العائد مخافة ان تستيقظ في الصباح فلا تجده فأذا مخاوفها تتجسد واقعا بل واقعا مرّا فتصحو صباحا لتفاجأ برحيل شقيقها الوحيد لا الي مهجره السابق ولكن الي الأبد.. ومثل أبيها ترفض بشدة تقبل الحقيقة.. تصرخ وتشد علي شعرها بكل قوتها وتمزق ثيابها وحين تعود الي رشدها لبعض ثواني تخبر بأنها سوف تلحق بركبه قريبا.. لم تستطع مقارعة أمواج أحزانها ففضلت عليها أمواج اليم.. قادهم الأثر الي النيل حينما لم يجدوها في غرفتها اذ خرجت خلسة وقبل طلوع الفجر لائذة بأحضان الموج فآوتها.. وجدوا جثتها في ذات اليوم وكانت في كامل زيها المحتشم وقد أحكمت ربط ثوبها وقناع رأسها كمن كان يؤدي صلاة.

وكما أسلفت فأن الماورائيات تظل امرا لا يفسر لأنها تخالف المنطق ويستعصي علي العقل فهمها وتقبلها وانا شخصيا اعتبرها في معظم الحالات من قبيل المصادفات فمثلا حين انبئت بأن السيارة التي كانت تحمل الجثمان آتية به من مشفي المدينة الذي كان قد حوّل اليه بعد ان ساءت حالته انحرفت عن مسارها فجأة ودون سبب واضح لتنقلب لعدة مرات قبل ان تقف علي عجلاتها مرة أخري وكان المتأثر الوحيد في تلك الحادثة من بين جميع من كان علي متنها هو جثمان المتوفي الذي قذفت به السيارة بعيدا عزوت ذلك الي السائق الشاب ابن أخ العم عثمان فقد ذكر البعض انه كان في غاية الحزن ومأخوذا تماما بالفاجعة وكان منخرطا في البكاء اثناء قيادته المركبة ولكن مالم أجد له تفسيرا هو ذلك اللغز الذي يكتنفه الغموض من كل جانب فقد ذكر لي من لا أرتاب في دلوه وهو أحد أقارب المتوفي من جانب أمه انه بعد شهرين أعقبا وفاة عباس أبلغت الأسرة عن طريق وزارة الخارجية وبموجب شهادة وفاة معتمدة وموثقة من قبل سفارتنا في البلد الذي كان عباس مقيما فيه ان ابنهم قد توفي مع أثنين من رفاقه في العمل حين اشتعلت النار في الغرفة التي كانت تأويهم أثناء نومهم بسبب تسرب غاز بداخلها وكان وقت وتاريخ الوفاة الموضح علي الشهادة يتطابق تماما مع وقت وتاريخ وفاته في وطنه.. تذكرت ساعتها كلمات العم عثمان : " قلبي مرات يقول ليْ الجاء دا ما عباس دا زولا ً تاني "!!.. والأغرب من هذا وذاك هو ان ذات التاريخ يوافق التاريخ المبين علي شاهد قبر خالته عزيزة التي انتحرت مرغمةفجر اليوم الثامن من شهر فبراير .

( تمّت )
__________________

عثمان علي
12-25-2009, 11:05 AM
أخي العزيز سيد محمود الحاج
لقد قرأت كثيرا مما سطرته علي صفحات هذا المنتدي
اعجبني اسلوبك في سرد الاحداث و بساطة الكلمات . .
لقد جعلتني اقرأ و اقرأ دون ملل
لك التحية و التقدير . . و معك نواصل

سيد محمود الحاج
12-26-2009, 11:22 AM
عقارب في مطار هيثرو



لم يجد زوجا عقارب في تلك الليلة التي نشطت فيها حركة الرياح مكانا يلوذان به سوي مخبأ في حقيبة سفر كانت موضوعة علي مقربة من

عتبة باب فقبعا فيه الي حين ان تهدأ تلك العاصفة الا ان دفء المكان كان باعثا علي النعاس فظلا مستغرقين في النوم حتي بعد ان سكنت

العاصفة و لم يشعرا بالحركة عند رفع الحقيبة لوضعها في السيارة التي اغلت صاحبها الي المطار ولا حتي عند شحنها في الطائرة بل و لم

يوقظهما ازيز محركات الطائرة و هي تندفع علي المدرج ولا وهي تطير في الجو ولا حتي عند هبوطها في مطار هيثرو... كانا وهما في

ذلك الوضع يبدوان و كأنهما محنطان و لولا البرودة الشديدة التي غشيتهما اثناء نقل الأمتعة من عنابر الطائرة الي حيث يتم وضعها علي

السير المتحرك لما استيقظا فقد لقيا من الأجهاد و العناء خلال اليومين الماضيين ما لقيا و يكفي ان محاولاتهما لتغيير سمهما قد اخفقت في

تسع مرات في ليلة واحدة اذ ألفيا اقدام الأهداف التي كانا قد ترصداها متحجرة تماما بحيث اخفقت ابرتيهما في النفاذ من خلالها.

تقدم صاحب الحقيبة الذي وصل الي لندن لأجراء بعض الفحوصات الطبية الروتينية التي اعتاد اجراءها في كل سنة في الممر

المتحرك الذي يؤدي الي البوابة الخضراء فلم يكن يحمل بين امتعته ما يخضع لرسوم جمركية او يستوجب الأعلان عنه و عليه فقد مضي في

طريقه في خيلاء طاؤوس ويده منشغلة فيما بين قفطانه الحريري وعمامته الكبيرة ثم تعود احيانا تمس في رفق لحيته الطويلة كلما تطلب

الموقف ذلك و ظل هكذا الي ان وصل الي نقطة استوقفه عندها احد رجال السلطات الأمنية بالمطار ليأخذه الي غرفة جانبية سبقه اليها

آخرون و قد طلب منه فتح الحقيبة لمعائنة محتوياتها ولما كان لا يتحدث الأنجليزية فقد التفت الي ملازمه الذي كان قد اصطحبه معه لأجل ان

يقوم بالترجمة وقد فاجأه هذا الأمر فهي المرة الأولي التي يتعرض فيها لمثل هذا خلال الزيارات الكثيرة التي قام بها الي العاصمة البريطانية

لكنه كان علي يقين بأن ليس هنالك ما يدعو للقلق طالبا من مرافقه ان يخرج جميع محتويات الحقيبة و لكن قبل ان يتم ذلك أشار رجل الأمن

ألا داعي لذلك طالبا فقط فتح الجيب الجانبي للحقيبة والذي لم يكن صاحب الحقيبة علي علم بوجوده ولما تنبه ضحك ساخرا وهو يقول

لصاحبه: " الخواجات المساطيل ديل خلوا الشنطة دي كلها وما عجبهم الا الجيب المسجم دا.. اها افتحو ليهم خليهم يخموا.. قائلين فيه قنبلة

ياربي"؟!!.... وماكاد الجيب يفتح حتي ارتدّ صاحبنا الي الوراء ثم خلع فردة حذائه المصنوع من جلد الأصلة وهو يصيح في من حوله: "

" هوي ياناس اعملوا حسابكم ما تقْرَصوا..زحو بعيد" وقد همّ بالفتك بالعقربين في ضربة واحدة لولا ان صدته عن ذلك يد قوية.

قال احد رجال الأمن مخاطبا صاحب الحقيبة علي لسان ترجمانه بأنه يواجه الآن تهمتين اولاهما الشروع في ادخال ممنوعات الي البلاد

بطريقة غير مشروعة والثانية محاولة الأعتداء علي مخلوقات ضعيفة لها حق العيش مثلما لغيرها الا ان صاحبنا لم يأخذ ماقيل له مأخذ الجد

وظن ان الأمر لا يعدو حدود المزاح فضحك حتي بانت نواجذه قائلا لمرافقه في سخرية لاذعة : " اولاد جون ديل قائلين دا جوز جراد والا

جوز قعونج...كدي كان صحيح العقرب مخلوق ضعيف خلي الراجل فيهم يمسكها بي ايدو"!! ومضي في سخريته وتندره حتي انتهره احد

الرجال نهرة ارتعدت لها فرائصه و ذكرته بأيام ان كان صبيا في ورشة المعلم(بكري) ذلك الرجل الصارم فجمد في مكانه كالتمثال يصغي

الي حديث المحقق علي لسان مترجمه:" انتم ايها البشر تعتقدون ان الحياة لكم فقط دون غيركم وعليه فأنكم مازلتم تواصلون الأعتداء علي

المخلوقات الضعيفة فها انتم تقتلون الأفيال والنمور والتماسيح والثعابين وكل ما يقع في ايديكم ناسين او غير مدركين ان هذه المخلوقات لها

حق العيش كما لكم فهي لا تؤذي الا من يحاول ايذاءها او من اجل ان تسد رمقها اما انتم فأنكم علي استعداد دائم لقتلها والنيل منها من اجل

الحصول علي اشياء تافهة وليس ادل علي ذلك من هذا الحذاء الذي تنتعله الآن... قل لي بربك هل تقبل ان يفعل ذلك بجلدك او بجلد اي من

ذويك؟!!...وهذه العقارب التي حاولت قتلها قبل قليل مخلوقات ضعيفة ولولا شوكتها هذه لما تمكنت من البقاء تماما مثلما تتسلح انت لحماية

نفسك". قال صاحبنا يحادث نفسه معلقا علي حديث المحقق:" انتو اصلكم ناس كاتلاكن الفاقة.. والله نحن البني آدمين زاتهم عندنا فيهم كلام

خليك من العقارب...والله الليلكم يمحن يا اولاد جون"!! .

كان العقربان في تلك اللحظة يرقبان الموقف من خلال القفص الزجاجي الذي وضعا فيه والمجهز بكل اسباب الراحة وقد وصل بأجهزة

عديدة غير انهما كانا لا يفهمان شيئا مما يحدث حولهما حتي دخل عليهما فجأة عقرب شاب انيق المظهر تبدو عليه آثار النعمة ولكي يبدد

عنهما تلك الدهشة التي اعترتهما فقد اخبرهما بأنه عقرب مثلهما تماما وقد كان(اغبشا) كحالهما قبل مجيئه الي هنا وقد جاء الي هذه البلاد

محمولا في حطب طلح. علم العقربان من صديقهما الجديد والذي كان يقوم بدور الترجمة فيما بينهما وبين اجهزة الكومبيوتر التي تحول لغة

التخاطب بين العقارب الي كلمات مقروءة فعلما منه انهما في ارض جديدة تختلف تماما عن تلك التي جاءا منها وان الرجل الذي يبدو مثل

الشماعة المتحركة هو صاحب الشنطة التي جاءا فيها وانه الآن يخضع للتحقيق بسبب محاولته قتلهما وانهما اذا رغبا في البقاء هنا فسوف

يتمتعان بكافة الحقوق المكفولة للعصافير والغزلان وغيرها دون تمييز واثناء ذلك قاطعه العقرب الذكر:" الناس ديل متأكدين وعارفين اننا

عقارب "؟!! فرد العقرب الشاب مبتسما: " ياخي انا القدامك دا قمرية؟.. كلها ايام والسم المحرق روحك دا يبقي زي الفراولة وتنسي انك

عقرب"!!.

طلب العقرب الزائر من زميليه الوافدين ان يقررا ما اذا كانا يرغبان في البقاء هنا ام انهما يريدان الرجوع الي حيث أتيا فقال العقرب الذكر

في حدة: " نرجع وين ياشاب..انت قائل الجية ساهلة..والمرجعانة شنو"؟!! فقاطعته الزوجة:" اجيْ يا ابو نورة انت نسيت البيض الخليناه

ورانا"؟! فرد زوجها وقد خالط حديثه بعض الغضب:" ياولية البيض الدائر يجيه شنو؟...هو بيض جداد؟... كلها ايام والشفع يتخارجو

ومصيرهم يلقوا ليهم شنطة والا حطب طلح ويحصلونا"!.

همت العقرب الأنثي بالخروج من ذلك القفص الزجاجي للنيل من صاحب الشنطة حين رأته وهو يسير حافيا في ردهات المطار بعد ان

صودر منه مركوب الأصلة الا ان العقرب المرشد كان قد تدخل في الوقت المناسب ليحول دون ذلك قائلا لأنثي العقرب وهو يكاد يشدها من

اذنها :" شوفي ياشاطرة هنا كل واحد ممكن ياخد حقه..بس بالقانون"! .. وعلي اثر ماقيل ارخت العقرب شوكتها وهي ترمي بنظراتها الثاقبة

علي تلك القدم الحافية والتي تختلف تماما عن تلك الأقدام الغبشاء التي استعصت علي ذبانييهما في تلك الليلة.

سيد محمود الحاج
12-30-2009, 11:32 AM
" ( 1 )

يا سالم انت ليوم الليلة لسانك في غلفتو... قتليك سموني خجيجة مو خديجة"! ..."طيب معليش ياخديجة تاني بقولك خديجة".... " اجي يابنات امي برضو الحال في حالو"!... " كدي خليني من
دا كله واديني كوم لحم خليني امش اشوف شغلتي... وحاتك لي هسع لا عست ولا وردت والأزيار
مويتها كرّاد "... " انت يا خديجة اقصد يا خجيجة زير واحد كفاية عليك لزومو شنو عاملة ليك حلة ازيار... لا عندك امحمد ولا فاطنة"!... " أجيْ يا سالم اخوي دا كلام شنو هو الزول حالتو دي بسوي الأزيار لي روحو... الموية دي ما اجر عظيم كان لزول كان لي بهيم"! .
علي هذا النحو اختتمت الدردشة بين خديجة بنت عطاالمنان بائعة اللقيمات وضاربة الدفوف في مناسبات الأفراح وبين العم سالم نصرالله النجار والجزار في ذات الآن وانصرفت بت عطاالمنان بعد
ان وضعت كوم اللحم في سلتها المسودة من اثر الزيت الذي تراكم يوما بعد يوما وشهرا بعد شهر وعاما بعد عام وقبل انصرافها تماما لحق بها لسان ( ود ابنعوف ) الذي قل ان يسلم منه احد..."تعالي يامرة جيبي حق كوم اللحم .. انت ياكافي البلاء يوم واحد مابتشتري بالحاضر... جنك طلق "!؟...استدارت الخالة بت عطاالمنان وقد اغضبها ماقاله ود ابنعوف : " هوي يامائل الرجال انطلقن عليك كلاب لهب...شن دخلّك انت في طلقي وحاضري.. طلقة النصاري التخلي محلك عِد "!
ومضت بت عطا المنان في حال سبيلها تاركة ودابنعوف في ثرثرته التي لا تعرف حدّا ..." والله ياسالم قالوا المرة دي عندها كترة دهب وكترة قروش يبنن ديوان بي حوشو "!... " ياحسن ياخي خاف الله دي مرة قدر حالها .. الدهب والمال لقتهم وين... سيب العالم في حالها الله يهديك "!
هكذا اوقف العم سالم ود ابنعوف من مواصلة ثرثرته التي تكاد لا تنقطع. وحسن ود ابنعوف من اهل هذه القرية المنزوية في اصقاع يتكسر في متاهاتها السراب.. قرية (عد نايل ).. قصير القامة ثرثار سليط اللسان يقتله الفضول قتلا.. تجاوز الخمسين ويعيش وحيدا في كوخ متواضع بلا مؤازر او انيس منذ ان ارتحلت والدته الي الدار الآخرة منذ سنوات قلائل... وعدا ثرثرته وسلاطة لسانه فهو امرؤ طيب وبسيط ما في قلبه علي لسانه..ذو مروءة لايبخل بها ابدا... يعمل معاونا للعم سالم في بيع وتجهيز اللحم مقابل ان يجد ما يسد رمقه ومع ان العم سالم لم يكن في حاجة لخدمات ود ابنعوف الا انه قد فرض نفسه فرضا دأبه في القرية في افراحها واتراحها وكل مناسباتها...كل بيت هو بيته وكل وليمة هي وليمته لا ينتظر دعوة من احد ولا امرا من احد.
و دار العم سالم تقع في طرف القرية وفي عزلة عن بقية بيوتها.. وهو رجل تعدي الستين من العمر فارع الطول وماتبقي من شعر علي جانبي رأسه يبدو كالقطن المنفوش.. نشط ورشيق فيبدو اصغر من عمره الحقيقي بكثير.. في وجهه يمتزج الحزم والحزن فتراه صارما في حين وفي آخر يتراءي حزينا.. قليل الكلام في الأمور التي لا طائل من ورائها وقليل الحديث عن نفسه وعن كل ما يتعلق بحياته ولو حاول احد ان يجره الي الخوض في امر كهذا فأنه سرعان ما يحيد بك الي حديث آخر في حنكة ودهاء تنسي الفضولي فضوله. وعلي الرغم من قلة كلامه الا انك تحس من اول وهلة بأنه ذو دراية بأمور الحياة وذو خبرة وثقافة وانه من نوع بينه وبين اهل هذه الأصقاع بون شاسع يختلف عنهم سحنة وفكرا ولا عجب في ذلك فالعم سالم ليس من اهل هذه القرية برغم انه عاش فيهم طويلا فقد وفد اليها منذ زمن ليس بالقريب.. يقولون انه جاء قبل حول من وفاة ( عبدالله ود مرجان ) وقد مات
عبدالله هذا و لم يمض علي زواجه من خديجة بت عطاالمنان حولان.. وخديجة هذه تبدو من جيل العم سالم. ظل نجار القرية الوحيد فجميع ابوابها ونوافذها وغيرها تمت علي يده وبجانب
عمل النجارة فقد كان يمارس بيع اللحم... يذبح السخلان ويجعل لحمها اكواما متساوية وعلي هذا النحو كان من بين اهل القرية من يقول سالم النجار ومنهم من يناديه بسالم الجزار ولما عرفوه عن قرب باتوا ينادونه بسالم نصرالله.
يقول كبار اهل القرية انه اول ما جاء ذكر لهم انه من ضواحي مديرية كردفان وكان وحيد ابويه وبموتهما اصبح " مقطوع من شجرة " فلم يطق العيش هناك وجاء الي العاصمة ليبدأ حياة جديدة والتحق بالجيش البريطاني حيث عمل جنديا و قضي في الخدمة العسكرية سنينا قبل ان يتركها للحياة المدنية ولما كان قرويا في الأصل فقد عافت نفسه حياة المدينة وصخبها وساقته الخطي الي هذه القفار.. يذكر من يذكر من اهل القرية انه حين قدم اول ماقدم كان ( مشنطا ) اي مرتديا زيا افرنجيا فظنوه من رسل الحكومة... وكان اول من قابله هو حسن ود ابنعوف الذي قاده مباشرة الي ديوان والدي حاج عبدالله ود الشيخ صالح ود نايل شيخ القرية او عمدتها كما يحلو للبعض ان يقول... فقد ظن حسن ود ابنعوف ان سالم رسول من رسل الحكومة فالزي الذي بدا فيه كان غريبا علي اهل هذه الحليلة التي حتي ذلك الوقت لا يعرف اهلها غير العراقي والتوب... تذكر امي ان ود ابنعوف جاء مولولا ليقطع قيلولة والدي : " يابا العمدة...يابا العمدة.. ابقي واعي...الليلة الحكومة جابتلنا ظابتا كبير الله يكفينا شره وهداني دخلتو في الديوان "...وتقول ان ودابنعوف اتجه بعد ذلك مباشرة الي الزريبة لينتقي افضل سخلانها وقام علي الفور بنحره وتجهيزه دون انتظار اذن او امر من والدي الذي كان قد مضي لمقابلة مندوب الحكومة بعد ان اصلح من هندامه وتهيأ علي النحو الذي يليق باستقبال رسل الحكومة . ولم يمر من الوقت الكثير حتي كان الغداء جاهزا وكان كبار اهل القرية قد توافدوا علي الدار منذ ان اذاع ودابنعوف نبأ مقدم رسول الحكومة واكتمل المجلس بحضور الشيخ عثمان ود ابراكوبة والشيخ حاج ادريس ود البصير والشيخ حمد ود عكاشة وجميعهم من اكبر اهل القرية شأنا وما كان ابي العمدة يقدم علي خطوة دون استشارتهم فقد كانوا بمثابة المجلس الأستشاري والتنفيذي في آن واحد. جلس جميعهم يشاركون ضيف الحكومة الغداء وحسن ود ابنعوف يجلس خارج الديوان ملاصقا لمدخله ينتظر الأوامر لفعل مااعتاد علي فعله في مثل هذه المناسبات التي لا تحدث الا نادرا.
واثناء جلسة الشاي التي اعقبت الغداء استهلت الدردشة التي عادة ماتقود الي فهم القصد من وراء زيارة مندوب الحكومة ومعرفة ما جاء من اجله فأهل القري كانوا يحسبون الف حساب لمثل هؤلاء الرسل الآتين من قبل الحكومة فلعل ذلك اثر سيء ترسب في النفوس منذ امد فاسماعيل باشا كان رسول حكومة والده محمد علي باشا فاستضافه المك نمر حسب الأصول وحين تجاوز حده ذهب ورجاله الي الجحيم وكانت الطامة الكبري والمفتشان البريطانيان اللذان ذهبا لود حبوبة كانا رسولا حكومتهما ولم تتمخض الزيارة الا عن شر قاد الضيف والمضيف الي الهلاك.
استهل الدردشة الشيخ عثمان ود ابراكوبة وقد كان رجلا جريئا يمتاز بالحكمة والدهاء وكنت حين عرفته عن قرب عجبت كيف لم تكن شياخة القرية من نصيبه دون ابي فوالدي يميل الي الصمت والحياء ومنصب كهذا يتطلب الجرأة وسلاطة اللسان وهما امران يتوفران لدي الشيخ عثمان اكثر من لدي ابي. "شنو يا حضرة الظابط ان شاءالله خير...نحن باقي زول الحكومة بخوفنا "!! وتوالت ضحكات الحضور التي لم تكن ضحكات نابعة من الأعماق بل كوسيلة تجلي عن النفوس ماسادها من ترقب وعدم اطمئنان. صمت الزائر طويلا قبل ان يذكر لهم بأنه ليس موفدا من قبل حكومة ولا علاقة له بها وانما جاء سعيا وراء الرزق.... وساعتها ساد الصمت والوجوم وكأن ماء قد انسكب علي الجمر وتبادل القوم النظرات وقد سرت في دواخلهم راحة لا حد لها ولم ينقطع حبل الصمت الا حينما انبري علي مدخل الديوان ودابنعوف فاغرا فمه من الدهشة صائحا : " والله خسارتك يا العنبلوك"!!....

سيد محمود الحاج
12-30-2009, 01:51 PM
( 2 )


( 2 )

كان موقفا غاية في الحرج ولعله كان من اصعب المواقف التي مرت بالعم سالم...

فهؤلاء النفر لم يوفروا له فرصة ليقدم نفسه او يبين لهم غاية مجيئه

وحاول الخروج من ذلك الأحساس المرير معلنا عن اسفه ومعتذرا عن ما سببه من ازعاج وكلفة

مما دعي العمدة يتدخل مستدركا الموقف زاجرا ود ابنعوف آمرا اياه بالأبتعاد وقال ملاطفا:" يا ولدي

دا كلام شنو!... انت كان كنت زول حكومة ولا زولا ساكت برضك اسمك ضيف واكرام الضيف

واجب.. دحين ياولدي ماتاخد في نفسك حاجة و مرحب بيك الف وكان بالك لكلام الجني المطرطش

دا جناي ا مبدول وما في زول بياخد بكلامو ".... وتعالت اصوات بقية الجمع يؤيدون ماقاله العمدة

وامسك الشيخ عثمان بزمام الحديث سائلا الضيف عن اسمه واصله وغايته فأخبرهم بأنه من

ضواحي مدينة تسمي الأبيض وان حرفته النجارة وجاء سعيا وراء الرزق. قال الشيخ عثمان موجها

حديثه للضيف: " تراك يا ولدي قلت كايس الرزق والرزق عند الله وزي ماك شائف نحن اصحاب

بهائم و بيوتنا كلها ما بتزيد علي العشرين وغالبيتها بيوت شعر لكن الزمن بتغير والحال بيتبدل .....

الزمن ماش لي قدام ياولدي و لابد ليك حوبة وماعندنا غير نقول ليك مرحبابك الف وكان ليك نصيب

عندنا بتاكلو " . وقبل ان تنقطع همهمة الحضور اردف العمدة قائلا: " الدار دارك يا ولدي والأرض

ارض الله وطالما اتوسمت فينا الخير ماعندنا غير نقول اهلا بيك.. بس الداير اقوله ليك نحن هنا بيت

واحد ... يعني الغلط كان حصل لواحد مننا يكون حصل للجميع وكان حصل من واحد مننا يكون

حصل من الجميع وانت تراك غريب ومثلنا بقول ود الناس بنشال فوق الرأس " !

بهذه العبارة المتواضعة اوضح العمدة لطالب الأنتساب ماله وما عليه وظل العم سالم يمتثل بهذا

المثل ويردده طويلا و استطاع ان يعيش بين هؤلاء النفر عمرا بحاله دون ان يبدر منه مايثير غضب

احد فعاش فيهم معززا مكرما وقد كسب احترام الجميع وتقديرهم.

اخبرت بأن والدي اعطاه كوخا كان يستخدم مخزنا للأعلاف معزولا عن بقية بيوت القرية فقام العم

سالم بترميمه واصلاحه بنفسه واضاف اليه فيما بعد غرفة اخري تربط بينهما ( راكوبة ) وبعد حين

انشأ حول ذلك سورا من فروع الأشجار لكنه اكثر تهذيبا من سائر اسوار القرية وفي احد زواياه بني

غرفة صغيرة يستخدمها للأستحمام وهذا امر لم يألفه اهل هذه القفار فالأستحمام شيء ثانوي لديهم

وحين يكون ضروريا فأنهم يقومون به في اي ضروة ولم يفكروا ابدا في تخصيص مكان له فلا

غرابة ان مدح شاعرهم احد اعيان البادية حين شاد حماما في داره يوما:

فحل الرجال اب أكلا سلات مو ربيت

مهرو تناطح السحاب وترنبيلو ينبح تيت

اب آمنة السمح الحاشاه قولة ابيت

في كبد الديوان لي بروده سوي البيت

وعلي كل فقد اصبحت تلك الأطلال التي كانت تحوم حولها السوام دارا ذات ظل وشأن بل وغدت

فيما بعد محطة تقف عندها الشاحنات في ذهابها وايابها.

كان جلّ اهل قرية ( عد نايل ) رعاة اغنام فهي مصدر رزقهم وغذائهم.. توارثوا ذلك ابا عن جد

وقليل منهم يمارس قطع الأشجار وبيع حطبها للوقود او يحيلونه فحما يحملونه علي ظهور

حميرهم لبيعه في القري المجاورة الأكبر تعدادا ويقضون من ريعه حاجياتهم وما ابسطها..قليل من

التمر والسكر والشاي والبن وحين يأتي فصل الخريف يظعنون شرقا حيث يكون العشب اكثر وفرة

وحيث توجد اودية تصلح تربتها للزراعة فيزرعون الذرة في رقعة ضيقة قد يكفي منتوجها حاجتهم

لأشهر معدودة وقد لا يكفي فالأمطار ليست منتظمة والزراعة ليست حرفتهم... اناس بسطاء عيشهم كفاف لكنهم

قراة ضيف. اما اصحاب الأغنام منهم فقد كانوا يبيعون انتاجهم من الحليب الي ( ود حمد ) صاحب

اللوري... رجل معروف لكافة اهل البادية ويكفيه شهرة انه يمتلك شاحنة...فقد درج ود حمد هذا علي

شراء ألبان اهل القري بثمن بخس ويذهب به الي العاصمة لبيعه هناك بضعف ضعف ثمن شرائه ثم

يقوم في ذات الوقت بشراء الأعلاف من العاصمة لبيعها لأولئك البسطاء بضعف ثمنها ايضا. فهم

لا خبرة لهم في امور كهذه و لا يربطهم بالمدينة او المدنية رابط... عندما يتحدثون عنها فكأنما يعنون

مكانا ما في الفضاء...حظي قليل جدا منهم ربما ثلاثة او دون ذلك بزيارتها ومعظمهم لم يرها

و لا يرغب في رؤيتها....اهل بادية يصحون مبكرين علي رغاء اغنامهم ويخلدون الي النوم بعد

قليل من مغيب الشمس... لم يكتسبوا علما ولا يودون ويكفيهم علمهم بأغنامهم وما لهم وما عليهم...

كان الشخص الوحيد الذي حظي بقدر قليل من بين اهل القرية كافة هو ( علي ود حاج ادريس ) فقد

كان اوفر حظا بأن اخذه عمه الذي يسكن في احدي قري الجزيرة وهو صغير وهنالك ألحقه بمدرسة

اولية واستمر فيها حتي الصف الرابع ولكن بوفاة عمه انقطع عن مواصلة التعليم وعاد الي القرية قبل

ان يرجع بعد سنوات للزواج من بنت عمه. وعليه فأن مقدم سالم نصرالله كان مكسبا للقرية بل بات

منعطفا هاما في تاريخها.... ساعدهم في انجاز الكثير و فتح اذهانهم علي اشياء كثيرة عادت عليهم

بمنافع جمة فأدركوا انه علي دراية بأمور لا باع لهم فيها لذا فقد ظل يكبر في انظارهم يوما بعد يوم

احبوه بصدق واوفوه بقدر هذا الحب احتراما... وجدوه يسعي لأجل تحقيق مصالحهم جاهدا ولم يفكر

في مصلحة تخصه... بجهوده ومثابرته خرجت القرية من عزلتها خطوة فخطوة لتلحق بركب الحياة

يتحدث بأسمها ويستشار في كل امر وكان العمدة اذا ما اوفدت الحكومة مندوبا يبادر بمناداته قبل

الآخرين : " تعال ياسالم شوف ناسك ديل...تراكم بتعرفو كلام بعض " ! . بذل من اجلهم الكثير فلولا

جهوده و مساعيه لما ارتاحوا من جر الماء من تلك البئر العميقة فهو من كتب نيابة عنهم طلبا بأسمهم قدمه بنفسه

لمحافظ المديرية عند مرور ركبه ذات يوم عبر قريتهم فأستوقفه بمجموعة من اهل القرية رافعا

لافتة اعدها بنفسه وكتبها بنفسه وحملها نفر منهم كما تحمل الحمير الأسفار..تحدث مع المحافظ بجرأة

وشجاعة اذهلت الجميع فهم من كان يفر عند رؤية كل من ارتدي زيا افرنجيا. ولم يمض علي ذلك

وقت طويل حتي رأووا ذات صباح آلة ضخمة ألقت مراسيها علي مقربة من البئر القديم لتشق بئرا

ارتوازيا فوضعت حدا لمعاناة عاشوها زمنا طويلا كما اصبحت لأهل القرية شاحنة خاصة بهم تحمل

ألبانهم الي العاصمة ليبيعونها بأنفسهم وادركوا حقيقة استغلالهم من جانب ود حمد.

الشفخانة... المدرسة...المخزن التعاوني وغيرها كانت كلها بفضل هذا السالم فجميعهم يردد ذلك في

منة وتقدير. وحين نشأت لم تكن في قريتنا مدرسة ولم يفكر احد في ان تكون وجاهد سالم

طويلا حتي تمكن من اقناع والدي بفكرة الحاقي بمدرسة في قرية اخري ولولا ذلك لكان مصيري

مصير الآخرين من فتية القرية راعي اغنام يظل مرافقا لمراحه وعصاه طوال عمره.

يذكر الذاكرون ان سالم بعد ان مكث فيهم نحو عام غادر القرية لأول مرة منذ مجيئه علي ان يعود

في اليوم التالي غير انه تأخر في العودة ليومين آخرين فأجتمع اهل القرية علي جانبي الطريق الذي

تسلكه الشاحنات وقد هموا بالذهاب الي المدينة للبحث عنه هناك علي الرغم من انهم لا يعرفون عن

المدينة شيئا ولا يعرفون مكانا معينا للبحث ولكن قبل ان يتمكنوا من ذلك توقفت شاحنة قادمة وترجل

عنها العم سالم فكان ان تحول ذلك الجمع الي موكب صاخب مضي كل فرد من افراده يعانق العائد

ويهنئه بسلامة الرجوع لكأنه عائد من ميادين القتال. احب سالم اهل القرية فأحبوه...لمسوا طيبته

واصالته وسعيه الدؤوب لما فيه مصلحتهم كما لمسوا شهامته وعفته وجمّ ادبه
فأصبح جزءا منهم

لم يعد غريبا عنهم بقدر ماهو قريب منهم... فهكذا الخلق النبيل يربط صاحبه بالآخرين برباط اقوي

من رباط الدم و امتن .

سيد محمود الحاج
12-31-2009, 09:43 AM
( 3 )

رويت لي حكاية لم يسمع عنها الا قليلون كانت قد حدثت في حداثة مقدم العم سالم للقرية فبينما كان علي سريره احس بحركة داخل الغرفة ولما اضاء مصباحه اليدوي اذا به وجها لوجه امام ( كتيرة بت المبارك ) فتاة زوجت قبل ان تبلغ الخامسة عشر من احد اقارب ابيها ولما اراد اخذها لتعيش معه في قريته التي جاء منها رفضت امها المتسلطة ان يتم ذلك ولما كان والدها ضعيفا امام تسلط زوجته ولا حول له امام ارادتها لم يكن في وسعه اتخاذ موقف صارم حيال ذلك فكانت النتيجة ان طلقت الفتاة قبل ان يكمل زواجها شهره الثالث ... ادرك سالم غايتها فأمرها في لهجة حادة ان تخرج حالا ولما تلكأت في ذلك ترك لها الغرفة وابتعد عن داره حتي اصابها اليأس من عودته ولم يعد الا بعد ان رآها خارجة. و ما
ان اطل الصباح حتي ذهب لدار العمدة ليطلعه علي الأمر في سرية وتكتم . وفي عصر ذلك اليوم كان ( المبارك ود حمدالله ) والد كتيرة في حضرة العمدة والشيخ ود ابراكوبة والشيخ حمد فأطلع علي ماكان من امر ابنته : " والله كان ماسالم طلع زولا ود اصول كان بتك جابتو ليك ضقلو يكركب..وتراك انت باقي في ايد المرة متل المترار محل مايقبلوه يترتر... ابوي الشيخ قال المرة ماعون بول وماعون البول بعد قضيان الغرض بكفوه علي خشمو.. لكن باقي لي الزمن دا في رجال بقوا مواعين بول للنساوين..وقصر الكلام واحد من اتنين ياتمشي لي ود اختك تراضيه ويرجع البت ويرحلها محل مو داير يا كمان تجيبلك قيد وتربطها في شعبة البيت " ..وما ان اكمل الشيخ عثمان حديثه حتي امسك العمدة بحبل الكلام مضيفا : " يا المبارك اخوي نحن كلنا اولاد ضهر واحد والبمسك انت بمسنا كلنا ونحن كلامنا دا خوفا من الفضائح وشيل الخبر بين القبائل والبنات سترتن واجبة في شان قالوا الفتاة متل اللبن ان قعد برا غطاء بيخسر " . قيل ان المبارك كان صامتا مطأطيء الرأس طيلة الجلسة وحين غادر كان في هيئة غير التي جاء بها ومنذ تلك الساعة لم يسمع لزوجته صوت ولم تمض ايام تذكر حتي ارتحلت كتيرة مع زوجها بعد ان ارجعت لعصمته... وهذا فضل آخر من افضال العم سالم علي القرية.
ومما روي عنه ايضا ان والدي العمدة اقترح عليه عقب وفاة عبدالله ود مرجان ان يزوجه من خديجة بنت عطا المنان ليحفظها وتحفظه الا ان العم سالم رفض الأقتراح وقال لأبي بأنه علي استعداد لمغادرة القرية فورا اذا ما كان هنالك اي ارتياب في شخصه ومنذ تلك اللحظة لم يتطرق والدي الي مثل هذا الموضوع مخافة الا يجدوا من بينهم شخصا مثل العم سالم .


" عليك الله يا سالم شوف جنس السموم دي ماها متل النار عديل والحال الواطة يادوب صباح..ياربي جهنم بعدين كيف.!!.. قبل يومين سمعت خالي ود عكاشة قال لامن السموم تكون شديدة السنة بتكون زينة والمطر بجي كتير... وربنا يهون كان السعية الميتانة دي تقوملها صوفة ما تبقي زي عامنوّل ". وما كادت ثرثرة ود ابنعوف ان تقف عند حد لولا ان جاءت الخالة خديجة بت عطا المنان
تلقي التحية علي سالم غير آبهة بجليسه.... " اهلا ياخديجة اقصد يا خجيجة.. وينك ليك يومين ما بتنشافي ؟".... " اجيْ ياسالم اخوي انت قاعد فوق اضنيك ولا خبارات دا ما اداك الخبر؟...نحن ما شلنا الضهرة مكابرين حنانة بت فضل المولي .. اضانك طرشة ود اختها مات واقف علي طولو..ولدا صغير وجاهل...حماك الله مقطوعة الطاري قرصتو مع المغارب وقبال الفجر ادّي الروح... خلي وليداتو زي فروخ الطير دا ياكل من خشم دا ".... " مسكين الله يرحمه ...حال الدنيا كدا يا خديجة "!.....
" آي والله ياسالم اخوي...نسأل الله الشهادة والعمل الطيب... مافيها خير الزايلة "!!.... رددت الخالة خديجة العبارة الأخيرة في شيء من الألم والحزن وسرحت تهيم في واد بعيد ثم رفعت طرف ثوبها تمسح به دموعا تساقطت دون ان تحسب لها حساب وسرعان ما انصرفت .
" خلي بالك ياسالم خجيجة اظنها طرت ود مرجان .. والله لي هسع بطرا موتته زي التقول حصلت امس.. ولي هسع بطرا نزولك في العد.. والله الناس ما قائلين خجيجة دي بتحيا وراه من شدة بكايا بكته عليه .. وكان مالزموها من ضرعاتها كان بتدور تقع فوقو في العد ".
وماكاد ود ابنعوف يكف عن حديثه حول واقعة وفاة ود مرجان حتي عاد في ذات اللحظة يطرح علي العم سالم اسئلة في ذات الموضوع وربما طرح نفس الأسئلة كثيرا من قبل ولم يجد الجواب الذي يشفي غليله : " لكن ياسالم اخوي عليك الله يومك النزلت فوق ود مرجان شفت شنو جوه في العد ؟"
وكم حاول العم سالم ان يقنع جليسه بأن لا شيء في البئر غير الماء والوحل ولكن دون جدوي فود ابنعوف يري غير ذلك...." كيف ياسالم ما شفت شيء والناس كلهم قالوا العد مسكون وعبدالله ود مرجان ماوقع براه.. قالوا في شتن جراه وقبال كدي حبوبتي آمنه الله يزيدها رحمة قالت مرة وردت قبال العين ماتشوف سمح أكان لقت حمار معمم قاعد فوق العضلة ووكت قالت بسم الله اكان لقت في محلو كديسة " . بهذا التخريف اختتم ود ابنعوف واقعة ودمرجان وحكاية البئر محاولا الأمساك بطرف حديث آخر والعم سالم يجول بفكره في فضاء بعيد ولعل من جملة ما ارغي به جليسه لم تحظ الا كلمة او اثنتان بولوج مسمعيه... شاردا في اودية لا يعرف كنهها احد ولا شيء يعكر صفو شروده سوي اسئلة ود ابنعوف المتلاحقة التي في معظم الأحيان لايملك العم سالم لها جوابا.
بين العم سالم وجليسه ود ابنعوف بون شاسع ولا يمكن قياس المسافة فيما بينهما ولكن مع ذلك تآلفا فألتقي الهدوء بالقلق والمعرفة بالجهل المطبق والصمت بالثرثرة. العم سالم رجل قليل الكلام كثير الحياء يميل الي العزلة في غير ما يستوجب الاختلاط بالآخرين ايمانا منه بأن كثرة الأحتكاك تولد الشرر وشرارة واحدة كفيلة بأحراق عالم بأكمله فكان يقضي معظم ساعات يومه تحت الشجرة الواقفة قبالة داره حيث يمارس عمله اليومي واذا فرغ تمدد علي ( عنقريبه ) الملاصق لجزع شجرته تلك واذا جاء الليل آوي الي داره موصدا بابها الخشبي. لم يسيء الي احد ولم يسيء احد اليه ولم يتدخل في امر لم يدعَ للدخول فيه ولم يتشاجر مع احد منذ ان قدم الي هذه الأصقاع النائية سوي في مرة واحدة اجبر فيها علي التدخل وكان ذلك عندما جاء ابراهيم ابن الشيخ عثمان ود ابراكوبة ذات اصيل يمشي مترنحا من اثر الخمر يسب و يلعن ويلقي بفاحش القول علي كل من يقابله في طريقه ولا احد يرد عليه فجميع من في القرية يخشاه ويتقي شره وكثيرا ما ضربه والده ولكنه كان اشقي من ان يؤثر فيه الضرب فانحدر من السيء للأسوأ فماكان امام ابيه الا ان يطرده ويمنعه من دخول الدار بل والقرية ولكن ما ان تلعب برأسه الخمر حتي يأتي غير آبه بشيء. في ذلك الأصيل جاء مخمورا يهزأ كعادته بنابي القول فكان ان صادفه وهو في تلك الحال الشيخ حاج ادريس ود عكاشة فلم يزد علي ان قال له : " الله يهديك يا ولدي " وليته لم يقل اذ لم يترك ابراهيم من السوء كلمة لم يرمه بها وفوق ذلك كله هم بضربه بهراوة كان يحملها وعندها رأي سالم الذي كان يرقب الموقف من علي بعد ألا مفر من التدخل فهرع ليعاجل ابراهيم بلكمة خر علي اثرها علي الأرض ولم يفق الا في صبيحة اليوم التالي وكان ذلك آخر صباح له في القرية ومضي الي حيث لا يعلم احد وانقطعت صلته بالقرية كما انقطعت اخباره ولم يسمع عنه حتي في القري المجاورة التي اعتاد ان يتسكع فيها من قبل ليسرق اغنامها. و لا يدري احد هل كان رحيله بهذا الشكل خجلا مما حدث منه في حق الشيخ ودعكاشة ام بسبب تلك اللكمة التي لم يتلق مثلها من قبل. كانت تلك هي المرة الأولي والأخيرة التي يتشاجر فيها العم سالم مع احد من اهل القرية او ان يتدخل في امر لم يطلب منه التدخل فيه .

سيد محمود الحاج
12-31-2009, 10:15 AM
( 4 )

كان الوقت ظهرا حينما ترجلنا عن الشاحنة بصحبة ابي والطيب ود حاج ادريس زوج شقيقتي الكبري وكانت تلك اول مرة اركب فيها مركبة تسير علي عجلات فلم يكن مثل ذلك متيسرا لمن هو في مثل سني ولا حتي لغالبية الراشدين من اهل قريتي فلا شيء يوجب عليهم ذلك والمسافات التي تفصل بينهم وبين القري المجاورة تجتاز بالدواب من حمير او جمال وعلي ذلك فقد انتابني احساس من سبر الفضاء... ومع ان الوقت كان ظهرا الا انه بدا وكأنه المساء فالسماء ملبدة بغيوم وسحب كثيفة تنذر بمطر غزير. كنت مشدوها ا بمشاهدة منازل تلك القرية الكبيرة وسوقها فرحا بأنتسابي اليها فهي القرية التي توجد فيها المدرسة ولأجل ذلك جئي بي. وما ان ولجنا دار الشيخ احمد ود الريح حتي انهمر المطر غزيرا وجلس صاحب الدار يحادث ابي ومرافقه في حفاوة وبشر مرددا ان الخير يأتي علي قدوم الواردين وانهم لم يشهدوا مثل هذا المطر منذ زمن بعيد...واخذهم الحديث الي اماكن وازمان مختلفة وتبادلوا ذكريات ايام خوالي... وجوه واحداث ... مآسي وطرائف فضحكوا وكأنهم لم يضحكوا من قبل وبلغ تأثرهم بما لا يضحك حتي دمعت اعينهم... احساس صادق لا زيف فيه ونفوس طيبة لا تعرف الرياء.. صادقة في كل انفعال يصدر عنها. ولم يمنع انهمار المطر توافد الرجال الي دار الشيخ احمد ود الريح للترحيب بالضيف حتي اجتمع منهم عدد ليس بالقليل علي مأدبة الغداء التي كانت مرآة عكست كرم اهل البادية.
جلس ابي يحادث الشيخ احمد بعد انصراف القوم في امر الحاقي بالمدرسة : " باقي يا احمد اخوي الجني دا جايبنو ليكم للقراية .. والله حوجتنا ليه شديدة لكن ولدا لينا قال الا تودوه المدرسة وقلت ما بكسر خاطرو ...عشان كدي قلت يقعد معاكم وتقروه ". .... " مرحب بيكم ومرحب بيه والبيت بيته وليك علي من بكرة اوديه للناظر وتري هديل اخوانه يطلع وينزل معاهم " .

تألمت كثيرا حين جاء ابي ومرافقه يودعاني بعد ان مكثا لثلاثة ايام في ضيافة الشيخ احمد ود الريح
يهمان بالعودة الي قريتهما و لا اخفي اني بكيت كثيرا في ذلك اليوم لأحساسي بالغربة والوحدة ولا غرابة في ماحدث مني فتلك كانت المرة الأولي التي افارق فيها اسرتي وقريتي ولازمني ذلك الأحساس فترة من الزمن لكن بمرور الأيام تآلفت مع وضعي الجديد وصرت وكأني احد افراد عائلة الشيخ ود الريح فمجتمعهم لا يختلف عن مجتمعنا في شيء .. نفس العادات ونفس الممارسات والموروثات..اهل بادية ورعاة اغنام... وشيئا فشيئا قويت علاقاتي ببقية صبية القرية وبت وكأني واحد منهم دون ان يحد ذلك من شوقي الدائم والعارم لقريتي واهل قريتي فوطني لو شغلت بالخلد عنه نازعتني اليه في الخلد نفسي فكنت انتظر عطلة منتصف العام والأجازة الصيفية بفارغ الصبر فأعود الي اهلي حاملا كثير شوقي وقليل متاعي... وهكذا امضيت اربعة اعوام متنقلا مابين تلك القرية وقريتي الصغيرة وكانت اسرة الشيخ ود الريح هي اسرتي الثانية احاطوني برعايتهم وقدموا لي كل عون فلم اشعر يوما بأني لست منهم.

لا زلت اذكر اول رحلة طويلة قمنا بها .. كانت لمسافة تقارب المائة كيلومتر في طريق وعر... كان ذلك عند ذهابنا للجلوس لأمتحانات اللجنة اي الأمتحان المقرر لدخول المدرسة الوسطي كما كانت تسمي في ذلك الزمن... تحركت بنا الشاحنة عند الثامنة صباحا متجهة ناحية الغرب مخلفة وراءها دوامة من الغبار تغشانا زخة منه كلما اجتازت منعطفا ولكن من فرط سعادتنا كنا نحسه وكأنه زخات المطر... فنواصل ترديد الأناشيد التي كنا نحفظها عن ظهر قلب:

عصفورتان في الحجاز حلتا علي فنن
في خامل من الرياض لا ندٍ ولا حسن
بيناهما تنتجان سحرا علي الغصن
مر علي ايكيهما ريح سري من اليمن



وبعد مسيرة ثلاثة ساعات بدأت معالم القرية التي نقصدها متدثرة بثوب من ما يشبه الضباب يستر من معالمها شيئا ويظهر آخرا وغشيت انوفنا رائحة الطين المشبع بالماء ورائحة الجروف وكمائن الطوب وشيئا فشيئا بانت المدرسة في مبانيها الناصعة البياض وامام سورها الفسيح توقفت الشاحنة فمضينا نترجل عنها تحت اشراف معلمينا الذين كنا نهابهم ونوقرهم ونجلهم ..كيف ولا وقد كان المعلم مثلنا الأعلي وكانت حكمتنا التي نرددها دائما:

قم للمعلم وفه التبجيلا
كاد المعلم ان يكون رسولا

كان فناء المدرسة برغم براحته يضيق بأعداد الطلاب الذي قدموا من قري مختلفة تربو علي العشرين فالمدارس المتوسطة وقتها كانت تحسب علي اصابع اليد...كان في استقبالنا مدير المدرسة ومن ورائه عدد من معلميها ولم يمض كثير حتي كان كل ذلك الجمع يصطف في طابور ضخم يستمع الي خطبة الناظر التي دعانا فيها للمحافظة علي النظام والنظافة خلال بقائنا بداخلية المدرسة وتفادي اثارة المشاكل فيما بيننا ثم اعقب ذلك توجيهنا الي قاعات الأمتحان حيث الصقت قائمة بالأسماء علي ابواب القاعات.

في صالة السفرة حيث جلسنا حول طاولات خشبية متلاصقة كنا منشغلين تماما بما امامنا من طعام فقد كنا جائعين حقا كما ان نوعية الطعام كانت شيئا جديدا امامنا نحن القادمين من البادية فلا الرغيف ولا الطبيخ من ما ألفناه وعليه فلم نضع من الوقت في غيرما الأنهماك في تناول تلك الخيرات التي لاعهد لنا بها وحانت مني التفاتة مباغتة لألحظ لافتة مثبتة علي الحائط كتب عليها : ( تأكد من انك غسلت يدك جيدا قبل الأكل ) فلم افعل سوي ان ادرت بصري بذات السرعة التي رفعته بها ولعلي الوحيد الذي لاحظ ذلك من بين الجميع رغم انها مكتوبة بخط كبير وواضح.

الشيء الآخر الذي كان مثار اعجابنا هو الحمامات وذلك الشيء الذي ينثر الماء كالمطر فكنا نتسابق علي الحمامات ونغتسل مرارا خلال ساعات فراغنا كأننا نزيل عن اجسادنا غبار الدهور.
انقضت فترة الأمتحانات التي لم تستغرق اكثر من ثلاثة ايام وجاءت الشاحنة لتقلنا في رحلة الأياب.
كنت في غاية الشوق لقريتي واهل قريتي وحين ترجلت عن الشاحنة التي تحمل بقية رفاقي حين توقفت بي عند شجرة العم سالم لتواصل سيرها عقب ذلك صوب الشرق كنت اسابق اشواقي لمقابلة اهل بيتي وقبل ذلك دلفت الي حيث يرقد العم سالم علي عنقريبه الملتصق بجزع شجرته وماكاد جليسه ود ابنعوف يراني حتي هرع يحمل عني حقيبتي المصنوعة من الصفيح وسبقني مهرولا وهو يصيح : " البشارة ياخالتي بت معتوق... عبدالرحمن رجع "!

انقضت الاجازة كسابقاتها وقضيت معظمها في مساعدة شقيقي الأكبر عمارة متنقلا بالأغنام بين السهول والشجيرات ولا نعود الي الدار الا قبل الغروب بقليل فنخلد للنوم مبكرين لنصحو مبكرين.. حياة تخلو من الترف المادي لكنها مليئة بالترف المعنوي نري البؤس فيها من شراستنا نعمي فهكذا وجدنا آباءنا وآباء ابائنا وانا علي طريقهم لسائرون.

عدت من المرعي ذات مساء لأري العم سالم يجلس مع والدي امام الدار وما ان تلاقت اعيننا حتي رأيته وقد ارتسمت علي وجهه ابتسامة عريضة وفي يده مظروف وقبل ان اصل تماما بادرني بقوله "
مبروك ياعبدالرحمن ... نتيجة مشرفة " ... لم اتمالك نفسي من الفرح ذلك المساء و تذكرت تلك البلدة ومدرستها المكتسية بالهيبة وتذكرت الداخلية والسفرة والحمامات المزودة بالدوش والرحلة الطويلة علي ظهر الشاحنة.

سيد محمود الحاج
12-31-2009, 10:43 AM
( 5 )

ذات صباح باكر كنت احمل حقيبتي المصنوعة من الصفيح واقفا علي حافة الطريق الذي تمر عبره الشاحنات والذي تقع عنده دار العم سالم وانتابني فرح غامر وانا اشاهد من علي البعد غبار شاحنة آتية قبالتنا واسمع قربعة محركها... كان بقربي العم سالم وحسن ود ابنعوف الذي صاح يحادث سائق الشاحنة: " الجني دا ابقوا عليه عشرة... دا ود خالي العمدة ..." ... ومضت الشاحنة تطوي تلك
الفلوات ونحن علي ظهرها بين صفائح الحليب ونسمات الصباح تداعبنا فنغفو حينا ونصحو عند ارتجاجها في الطرق الوعرة او تمايلها في المنعطفات .

وجدت عند وصولنا الي (حلة كوكو ) مجموعة من رفاق الدراسة في مدرستي السابقة من الذين تم قبولهم بمدرسة ( العيلفون ) الوسطي وهم في انتظار مقدم شاحنة تغلهم الي هناك ولم يطل انتظارنا حتي كنا علي ظهرها ينتاب جميعنا شعور موحد نحو تلك المدرسة وداخليتها ذات الحمامات فوصلنا الي هنالك لنبدأ مرحلة جديدة من حياتنا تختلف عن سابقتها في ان الطلاب هذه المرة قد جاءوا من عدة قري تربو علي العشرين ولكن مع ذلك يظل يضمنا اطار واحد ذلك ان معظمنا ابناء بادية قد نختلف في امور صغيرة لكنا لا نستطيع الخروج من هذا الاطار. وكثيرا ما كان ابناء العيلفون يسخرون من فيصفوننا بالسذج والأجلاف والحق معهم فهم ابناء نيل ونحن ابناء قفار مقحطة كالحة ويتفاخرون حين يحتد النقاش بيننا قائلين ان اقدم الحضارات قامت علي ضفاف النيل وشهد النيل اول مدنية في تاريخ الانسان.

كانت اول حصة بدأنا بها تلك المرحلة هي حصة اللغة الأنجليزية وظل معلم المادة منذ دخوله حجرة الدراسة لا يتكلم الا بهذه اللغة التي لم نكن نعي منها شيئا... كان الوجوم يسيطر علي الجميع.. صمت مختلط بالدهشة والخوف معا زاد من حدتهما صرامة المعلم وطريقته في التحدث و لم نتنفس الصعداء الا حين سمعنا رنين الجرس معلنا نهاية الحصة.

مضت الأيام والشهور وبتنا في الفة مع هذه البيئة الجديدة ونمط الحياة في الداخليات لا ارجع لقريتي الا خلال العطلات الثلاث اما ابناء القري القريبة فكان في وسعهم الذهاب كل خمسة عشرة يوما اذ ان سبل المواصلات اكثر توفرا وحتي وان لم تتوفر فيمكنهم السير علي اقدامهم فأطول مسافة لا تتعدي الخمسة عشر كيلومترا وهذا سبيلهم اثناء موسم الخريف حيث تتوقف الشاحنات.

كنت اخال تلك الساعات التي تفصل فيما بيني و قريتي شهورا وكنت وانا علي ظهر تلك الشاحنة المكتظة بالركاب والجوالات وصفائح الحليب الفارغة وحزمات القصب تسيطر علي شفتي ابتسامة اخفقت في كبت جماحها مبعثها ذلك الحنين وذلك الشوق الدافق الذي احمله لقريتي واهلها واشد مايثير حفيظتي هو توقف الشاحنة المتكرر لانزال الركاب في القري التي تمر بها .

وقبل ان تتوقف الشاحنة تماما اسرعت بحمل حقيبتي الصغيرة واوشكت تلك الأبتسامة ان تتحول لقهقهة و كاد ذلك ان يحدث بالفعل لولا مرأي خيمة بيضاء نصبت في الباحة الواقعة مابين دارنا ودار الحاج عثمان ود ابراكوبة وللفور ادركت ان مكروها قد ألمّ فالخيمة لدينا احد رموز المآتم .. تثاقلت خطاي واظلمت الدنيا امامي وما كدت اخرج من تلك العتمة الا ويد ود ابنعوف تنتزع الحقيبة من يدي ودون ان يلقي التحية انبأني برحيل ود ابراكوبة وخلال المسافة التي لا تبعد سوي خطوات محسوبة حكي لي كل شيء منذ ان داهم المرض الشيخ عثمان وعلاجه وساعة موته والذين لازموه حتي ساعة وفاته فحين وصلت دار المأتم كنت ملما بكل التفاصيل وكأني لم اغب عن القرية لحظة
فهكذا كان ودابنعوف صحيفة القرية ومذياعها ومخبرها.
بكيت كثيرا و لما لا وقد كنا اسرة واحدة وجسدا واحدا مايفرح احدا بالقرية يفرح الجميع ومايحزن يحزن الجميع.. نتقاسم المرة والحلوة معا...لم تكن الماديات قد عرفت طريقها الي النفوس ولم نعرف الفرقة او حب النفس. كنت لأيام طوال اعقبت ذلك أري اعين ابي مليئة بالدموع وقد ارتسمت علي وجهه علامات الحزن والأسي...يسرح بناظريه بعيدا ربما يعيد شريط الماضي وذكريات شبابهما فقد كانا معا دوما لا يفترقان الا نادرا ولو كان المرء يملك خيار ان يموت لما تردد ابي في مرافقة رفيق عمره الشيخ عثمان ود ابراكوبة.


دارت عجلة الزمان تطوي الأيام و الشهور والسنين واصبحت قاب قوسين من اكمال المرحلة الوسطي وبلوغ مرحلة جديدة وكنت قد عدت في الأجازة الصيفية والقرية تستعد لزواج(البشير )ابن كبري شقيقاتي وهو يكبرني بقليل وتعالت الزغاريد تزيح غيمة الحزن التي تربعت في سماء القرية منذ رحيل الشيخ عثمان من قبل اكثر من عامين . وفي احد الأيام التي اعقبت زواج البشير حيث امتدت الأفراح لأيام اججت فيها دلوكة بت عطا المنان مشاعر الجميع وألحت السياط ظهور شباب القرية ورجالها فوجئت بما لم احسب له حساب اذ اخذني ابي جانبا ليقول لي :" ياولدي تري الحمد لي الله بقيت راجل ومناي اشوف جديدك قبال الموية ما تفارق العوينات وانا كلمت عمك حاج ادريس علي البنية امّهاني قتلو ما يبقي فيها كلام تب وبعد كدي كفاك قراية تراك اتعلمت الكتابة والقراية..تاني بتدور شنو اكتر من كدي !!؟

كان لما ادلي به ابي وقع الصاعقة وان كنت لا استبعد حدوثه من مثل ابي ... انسان بادية يؤمن بأن الرجولة تبدأ ببلوغ سن الرشد وبلوغ سن الرشد يستوجب الزواج فقد عقد قران اخي عمران وهو في مثل سني او دون ذلك... لم يشاوره ولم يأخذ برأيه في الأمر و لعلمي بأن أبي لن يتقبل مجادلة في مثل هذه الأمور المصيرية فقد آثرت الصمت ولم ازد علي ان قلت خيرا . واول ماقمت به في صبيحة اليوم التالي هو ان قصدت دار العم سالم فلا أحد سواه يمكنه ان يعينني في صد والدي عن ماقرره في امري ولكن لم اجده في مكانه المعهود والقيت التحية بصوت عال علها تصله حيث كان ولما لم اتلق ردا دنوت نحو مدخل داره وكانت تلك اول مرة اضطر فيها لدخول داره فهو يقضي معظم ساعات يومه تحت شجرته الوارفة وفي وسع من يقصده ان يجده في مكانه المعتاد الذي قل ان يبرحه الا اذا كان يمارس عمله في النجارة فحينئذ يكون داخل ورشته المشيدة من اغصان الأشجار الواقعة قرب مدخل الدار. دفعت باب الغرفة برفق لظني بأن العم سالم نائما بداخلها لكنه لم يكن هنالك ورغم ذلك وقفت مندهشا اتأمل نسقها وترتيبها ونظافتها... ارضيتها مفروشة بالرمل الأحمر الخشن وتحتوي علي سرير خشبي وخزانة ملابس صغيرة وكرسيين ومنضدتين ورف علي الحائط به مجموعة من الكتب العربية والانجليزية وعلي الجدار المواجه للسرير الخشبي اطار خشبي جميل كتبت في داخله بخط جميل :

دع الأيام تفعل ما تشاء وطب نفسا اذا حكم القضاء
ولا تجزع لنازلة الليالي فما لحوادث الدنيا بقاء

وقفت مشدوها وقد دارت برأسي افكار وتساؤلات لاحصر لها... ماهذا السالم... وما سر هذا الصمت وذاك الحزن... ماذا يخفي وراء هذا الصمت الطويل... تصورته مجرما هاربا وتصورته عاشقا جار عليه الهوي فمضي يهيم علي وجهه وتصورته شاعرا نشد سكون البادية ليصل الي قمة الأبداع... تصورت وتخيلت الكثير وانا اقف عند باب الغرفة ولم افق من شرودي الا حين احسست بيد تربت علي كتفي وصوت العم سالم. تملكني حرج بالغ ازاء ذلك الموقف فما كان يجدر بي ان افتح باب غرفة في غياب صاحبها فقلت له مرتبكا بأني حسبته في الداخل لما لم اجده في مكانه المعتاد.
جلست والعم سالم في الحيز الذي يربط بين الغرفتين احكي له ماكان من امر ابي وعدم رغبتي فيما اقترحه عليّ واني لا أرغب في شيء سوي مواصلة التعليم. صمت العم سالم لبعض من الوقت قبل ان يقول لي :" بالطبع انا معاك... مواصلة التعليم اهم من كل شيء والزواج ملحوق " . ووعدني بأنه لن يدخر جهدا في سبيل اقناع ابي فانصرفت عنه وقد تبددت همومي تماما وتملكني شعور بالراحة.

سيد محمود الحاج
12-31-2009, 11:09 AM
أخي العزيز سيد محمود الحاج
لقد قرأت كثيرا مما سطرته علي صفحات هذا المنتدي
اعجبني اسلوبك في سرد الاحداث و بساطة الكلمات . .
لقد جعلتني اقرأ و اقرأ دون ملل
لك التحية و التقدير . . و معك نواصل


يا آلآف مراحب اخي عثمان وحضورك أكثر ما يسعدني

شكرا ليك كتير واتمني ان اكون دوما عند حسن الظن

سيد محمود الحاج
01-01-2010, 02:09 PM
( 6 )

طالما كان العم سالم دوما عند حسن ظني به فقد تمكن من اقناع والدي عن العدول عن فكرة تزويجي في هذه المرحلة ولكن ليبقي مصيري مرتبطا بأمهاني فوالدي يؤمن بأن الرجل يربط من لسانه
وهو قد اعطي كلمة للشيخ حاج ادريس وهذا في أعرافهم امر لا يمكن النكوص عنه.

انشغلت في الأيام التي اعقبت ذلك باستذكار دروسي فالعام الدراسي كان علي وشك ان يبدا وبنهايته اكون قد انهيت المرحلة المتوسطة فكنت حين اجد مشكلة في فهم اي من الدروس ألجأ للعم سالم... تجرأت بسؤاله مرة حين اعجبت بطريقته في الشرح ما اذا كان قد عمل معلما من قبل فأجاب بأنه معلم نجارة فقط وان الحياة أكثر من مدرسة اذا ماامتلك المرء ارادة قوية وسعي وراء المعرفة . مرت الأيام سراعا وغادرت القرية لأستهل آخر سني الدراسة في المرحلة الوسطي وغبت اشهرا قبل ان اعود في عطلة الفترة الثانية لأقضي خمسة عشرة يوما بين اهلي لأعود ثانية فأغيب لاربعة اشهر اخري قبل ان اعود بعد انقضاء الامتحانات. ولما كنت متحررا عن اي اعباء وفروض فقد كنت ابدد الوقت في أخذ الأغنام الي الخلاء واعود من بعد الي مجلس العم سالم تحت ظل دوحته وبجواره ود ابنعوف علي مقعده الخشبي... أتبادل والعم سالم الحديث والنقاش في شئون كثيرة وكنت بذلك اريحه الي حين من اسئلة ودابنعوف التي لا تنقطع والتي في غالب الأحيان لا يملك العم سالم لها جوابا ولما كانت احاديثنا تشمل نواحي لا يملك حيالها ودابنعوف الا ان يجلس صامتا واضعا رأسه بين يديه فلا تتحررا عن ذلك الوضع ولا ينطلق لسانه ال اذا جاء زبون او اقتربت ماعزة ولذلك فأنه حين ينتهي حديثنا يطلق زفرة طويلة كأني به يقول الحمدلله الذي اطلق لساني وقبض السنتكم.

كنت كلما حادثت العم سالم وجدته مدرسة اتعلم منها في كل يوم شيئا جديدا واكتسب معلومة كانت غائبة فيزداد في نظري رفعة و احتراما... سألته ذات يوم كيف لي ان اصبح مثقفا وملما بمثل هذا الكم من المعلومات التي يختزنها في ذهنه فقال لي ان القراءة والاطلاع هما السبيل الوحيد الي تحقيق مثل هذه الغاية فالمرء لا يولد عالما وكلما قرأ الانسان ازداد نهما للقراءة وكلما قرأ يجد انه مازال جاهلا بكثير من الأمور. ومنذ تلك اللحظة ادمنت القراءة... بدأت ذلك بأن استعرت منه كتابا من تلك الكتب التي رأيتها علي الرف داخل غرفته ... كان الأمر صعبا في البداية الا انني سرعان مااعتدت عليه حتي كدت ان اقرأ معظم مااحتوته مكتبته الصغيرة. وحدث ان وجدت اثناء قراءتي لرواية مترجمة الي العربية وريقة صغيرة مدسوسة بين الصفحات حوت ابياتا من الشعرمكتوبة بقلم الرصاص تقول:

ان عصفت بنا اعاصير النوي
وتداعي عش الوئام وهوي
ومضينا كل يصارع قيده
فهل مبق فؤادك بالهوي
ام كان اضغاث احلام تراءت
وسرابا ذاب في الأفق وانطوي
ان لم تجبني فحسبك دمعا
روي خديك فأرواني وروي

قرأت تلك الأبيات ولما اعجبتني كتبتها بدوري في ورقة اخري. واسفل تلك الأبيات كانت هنالك كتابة باللغة الانجليزية في اسطر معدودة بدأ لي وكأنها عنوان لجهة ما في بريطانيا. اعدت الوريقة برفق الي مرقدها التي كانت تنام فيه لسنين عدة او ربما عمرا من الزمان وحمدت الله انها لم تذب في يدي.
اعدت الكتاب الي صاحبه في اليوم التالي فمضي ليضعه في مكانه داخل غرفته وقبل ان يعود انتهز حسن ود ابنعوف الفرصة : " ات آ جنا روحك مابتحرقك من القراية الكتيرة دي؟... دحين هسع كان شفت ليك شغلتن نفعتك ما كان اخيرلك"! وما ان رأي العم سالم يعود وفي يده كتابان آخران حتي صاح: " ات آ سالم بتزيد في الطين بله...انا حالتي دي بهدي فيه من كترة القراية ..اتّ تشيل وتخملو في الكتب.. والله كترة القراية قالوا بتتطرطش المخ"!! وماان استلمت الكتابين حتي انصرفت متشوقا لما يدخرانه بين صفحاتهما تاركا العم سالم في صحبةجليسه الأبدي.

كان احد الكتابين كما أذكر رواية بعنوان ( جسر آرتا ) مترجمة الي العربية لم استغرق كثيرا من الوقت في قراءتها وعقب ذلك باشرت قراءة الكتاب الثاني للكاتب جبران خليل جبران بعنوان ( النبي ) وبعد ان انهيت عددا من صفحاته لفت انتباهي وجود وريقة بين الصفحات وبمعاينتها الفيتها تذكرة دخول سينما تعود الي إحدي دور السينما في القاهرة .. كان تاريخها قديما ولكن مع ذلك كانت في حالة لا تتفق وعمرها الحقيقي.. اخذتها في يدي متأملا ووضعت الكتاب جانبا وانبرت في ذهني العديد من التساؤلات واطلقت العنان لأفكاري...لم اكن حتي ذلك الوقت قد حظيت بمشاهدة السينما وكيف يتيسر لي ذلك وانا لم اذهب الي العاصمة الا مرة واحدة وعن طريق الصدفة وحدها... كانت سدرة منتهانا هي (حلة كوكو ) وهي مدينتنا وعاصمتنا فلا حاجة لنا بالتوغل الي الداخل ... فيها نبيع الباننا واغنامنا ومنها نشتري اعلافنا وحاجياتنا...كنت قد سمعت عن السينما من قبل وتشوقت لرؤيتها يوما ولكن لم يكن ذلك بأكثر من حلم فأني لي بذلك واني لي برؤية المدينة ليلا وانا لم ارها نهارا... ومضيت منساقا وراء افكاري وغموض هذا الرجل المدعو سالم نصرالله... هل شاهد السينما يوما وهل ذهب الي مصر ام الدنيا ودخل دور السينما هنالك ورأي بأم عينه مصر واهراماتها... ليته يخرج عن صمته يوما ويتحفنا بما لم نسمع به من قبل... انه في غموض تلك الآهرامات بل اشد واني لنا بمن يكشف هذا الغموض الذي يعتريه ويفك طلاسم صمته... سرحت طويلا في عالم العم سالم ونسيت تماما امر ذلك الكتاب وماكدت اعود من ذلك الشرود لولا صوت امي تدعوني لمشاركة ابي طعام الغداء.

سيد محمود الحاج
01-03-2010, 09:58 AM
( 7 )

عندما عدت اواصل القراءة احسست بوجود شيء آخر مخبأ بين الصفحات التالية ولعجبي فقد كانت صورة فوتوغرافية لطفلة في عامها الأول تقريبا ولكن لايحمل ظهر الصورة سوي تاريخ التقاطها واسم الأستديو وعنوانه ... استديو سبليندور..نشيلز ..ستيوارت ستريت..برمنغهام..يو .كي
وسرحت يقتلني فضول القروي من تكون ياتري واين هي وكيف شكلها الآن فعمر الصورة يقارب الثلاثين وماعلاقة صاحبتها بالعم سالم ؟!! .. وضعت الصورة برفق في مخبئها بين الصفحات ووضعت ايضا الكتاب جانبا سارحا في عالم العم سالم وتساؤلات لا حصر لها تتزاحم في ذهني .
في صبيحة اليوم التالي ذهبت اعيد الكتابين الي صاحبهما منبها اياه الي الصورة المخبأة بين الصفحات فرفعها من موضعها برفق وما ان رآها حتي بدا علي وجهه مالم أره عليه من قبل.. كان تأثرا بالغا وكأني به يحاول تقبيلها قبل ان يتراجع عن ذلك في آخر لحظة.. لم يقل لي شيئا ولم أشا ان أسأل عن شيء برغم الفضول القاتل... ومضي الي داخل داره يعيد الكتابين الي موضعهما دون ان يسألني ان كنت اريد غيرهما كما عودني.
مضيت ابحر في بحر من التساؤلات لا ساحل له... من تكون هذه الطفلة التي استهتنت بلقعا ما جاده الغيث يوما !!... ما وجه العلاقة بين تذكرة السينما وهذه الطفلة.. القاهرة وبرمنغهام واربعة اعوام تفصل بين الحدثين ؟!! ... لا ادري ولن ادري شيئا فالغموض يكتنف كل شيء من حولي . تمنيت ولأول مرة لو ان ود ابنعوف كان موجودا لحظة ان اخرج العم سالم الصورة فلا ريب ان سيلا من اسئلته كان يكون كفيلا بأشباع فضولي او حتي جزءا منه .
ذات صباح من تلك الأيام وانا في طريقي الي دار العم سالم رأيت علي غير العادة جمعا من الناس تحت شجرته ولما دنوت قليلا تبين ان شاحنة عابرة قد تعطلت علي مقربة من محطته فكانت احدي عجلاتها منزوعة من مكانها والسائق ومساعده منهمكان في العمل اسفل الشاحنة بينما جلس الركاب يشاطرون العم سالم وودابنعوف ظل شجرتهما.. كان ود ابنعوف اكثر الناس بشرا في تلك اللحظة وعلي غير عادته لم اسمع له صوتا فقد كان منشغلا بسماع المذياع ولعلها المرة الأولي التي يرتفع فيها صوت مذياع في قريتنا واول مرة يري فيها ودابنعوف الراديو الذي سمع عنه كثيرا دون ان يحظي برؤيته وهاهي الفرصة تأتيه حتي اعتاب شجرته ولسان حاله يلهج شكرا لذلك الراكب العابر الذي اتاح له مثل هذه الفرصة التي لم يحلم بمثلها يوما .. كان مأخوذا تماما بأغنية الكاشف التي كانت تبث ساعتها :
ظلموني الناس وقالوا عليْ

وانت المحبوب ماشاعر بيْ
يكفيني أسي يامليح الزي
علشان حبّك ظلموني الناس


انتهي ذلك الفاصل من الأغنيات اذ آن موعد نشرة الأخبار ولدهشتي فقد اعلن المذيع في نهايتها انه سوف يتم اذاعة اسماء الناجحين في الدخول للمدارس الثانوية يوم السبت القادم اي بعد يومين فقط من ذلك اليوم وبالتالي فأنه عليّ ان اعد العدة للسفر صباح الغد الي حلة كوكو حيث يتوفر لأحد اقاربنا هنالك جهاز راديو.
وجاء يوم السبت ودقت العاشرة موعد النشرة التي يعقبها اذاعة النتيجة... تسارعت دقات قلبي وبلل العرق جسدي ولكن الخاتمة مسك. قضيت ليلي هنالك وفي اصيل اليوم التالي كنت في قريتي احمل النبأ المفرح للعم سالم فهو الوحيد الذي يعنيه امر كهذا من بين سائر اهل القرية.

جاءني احد اصدقاء الدراسة زائرا ذات يوم من تلك الأيام لينبئني بأن التوزيع قد تم وانا وهو وآخريْن تم استيعابنا في مدرسة حنتوب الثانوية ... سمعت عن حنتوب هذه كثيرا لكن لم ارها بالطبع وكل الذي اعرفه انها في منطقة الجزيرة وانها مدرسة عريقة لا تستوعب الا المتفوقين .
[
جاء ذلك اليوم الذي ودعت فيه قريتنا حاملا حقيبتي الجديدة المصنوعة من الجلد الصناعي مانحا حقيبة الصاج استقلالها فلكل مقام حقيبته.. قابلت مجموعة الأصدقاء في المكان المتفق عليه وذهبنا الي حيث تقف بصات مدني.. كانت الرحلة جميلة والحافلة منطلقة في طريقها الي الجزيرة الخضراء فلا نري الا خضرة زاهية علي جوانب الترع والجداول وليست كتلك الوهاد التي تبدو كجوف العير. وصلنا حنتوب قبيل العصر ووقفنا امام بوابة المدرسة تملؤنا الرهبة وعدد كبير من الطلاب تفرقوا في شكل مجموعات صغيرة منهم من يجلس ومنهم وقوف جاءوا من كافة انحاء الوطن فاجتمع الشرق بالغرب والشمال بالجنوب.. طباع وعادات لا يحكمها اطار واحد كما كان في مجتمعنا الدراسي السابق .


توالت الأيام وتغيرت عاداتنا وثقافاتنا .. لبسنا البنطلون والقميص والجوارب واذكر انني كنت عائدا الي القرية في احدي الأجازات في زي افرنجي فرأيت اطفال القرية يفرون من امامي وجاء ود ابنعوف يتأملني وقد اخذته الدهشة وفي حسبانه انني قد صرت موظفا من موظفي الحكومة.

شهدنا في هذه المرحلة تحولات كثيرة وتعرفنا علي السياسة والصراعات بين اطرافها المختلفة و كل طرف يسعي لاستقطاب اكبر عدد ممكن من الطلاب مستخدمين في ذلك شتي الطرق..جرائد حائطية و منشورات وندوات واجتماعات وتحولنا في وقت قصير من موقف المتفرج الي موقف المشارك. تعلمت التدخين ايضا فكنت حين اعود الي القرية احضر معي مؤونتي من تلك الآفة فأدس علبة اوعلبتين في جيوب حقيبتي حتي لاتقع عليها عين احد فاصبح في عداد السفهاء بحكم اعراف تلك الأصقاع الآمنة من شر المدنية وعندما اشعر بالحاجة الي التدخين كنت اصعد الي قمة ربوة رملية بعيدة عن بيوت القرية مخافة ان يراني احد وعلي الرغم انه بأستطاعة الآخرين رؤيتي وانا علي قمة التل الا انهم لن يرتابوا في الأمر فقد اعتدت علي القراءة في ذلك الموضع. ولكن ذات اصيل وبينما كنت عائدا من تلك الربوة نادي علي ابي الذي كان جالسا علي فروته امام الدار لآساعده في اخراج شوكة من باطن قدمه فدنوت واخذت بطرف (المنقاش) اعالج المسألة الي ان تمكنت من اخراج الشوكة ولكن علي الرغم من انني ارحته الا انه رمقني بنظرة لم ترحني دون ان يدلي بشيء ولكن حين كنت عائدا في اليوم الثاني قذف امامي كمية من اعقاب السجائر قائلا في لهجة لا تخلو من حدة :" هسع ياولدي ..السجم دا لو كان مصاص تمر ماكان اخير ليك "!!؟.. تمنيت بعد اعوام طويلة أعقبت ذلك لو اني كنت قد عملت بتلك الوصفة التي كتبها أبي قبل ان يكتبها الطبيب.

سيد محمود الحاج
01-03-2010, 12:04 PM
( 8 )

مرت سنوات الدراسة في المرحلة الثانوية كلمح البصر واضافت هذه المرحلة الينا الكثير لكنها اخذت منا سذاجة ابن الريف وبساطته فانطلقت العقول تفكر في كل شيء وتعيد تقييم الأشياء من خلال معائير اخري جديدة وعصفت رياح التغيير بكل شيء ولم تسلم من ذلك حتي قريتنا الوديعة اذ بدت بيوت الشعر تختفي شيئا فشيئا لتحل محلها بيوت مبنية من الطين و من الطوب ايضا وتعطلت البئر القديمة بئر ودنايل بقيام بئر ارتوازي يتكفل بنشل الماء بآلة فلا جرّ ولا دلاء.. الناس انفسهم تغيروا وتبدلت احوالهم وبان ذلك في ملبسهم ومأكلهم. انشئت مدرسة وشفخانة واصبح هنالك اكثر من دكان. ومع ان التغيير كان بطيئا مقارنة بالقري الأخري الا انه يعد امرا جلل في مثل قرية كقريتنا التي ظلت منطوية علي نفسها لأزمان... وماكان هذا القليل ليحدث لولا جهود العم سالم نصرالله فقومي يسيرون علي خطي آبائهم واجدادهم ولا يريدون الحياد عنها وشعارهم في ذلك ( النسي قديمه تاه). يبالغون في التمسك بالموروثات ولا يهمهم ان كانت تواكب روح العصر ام لا فالأهم ان تواكب فطرتهم.

بدت لي الأشياء وكأن احجامها قد تقلصت حين رجعت للقرية بعد الفراغ من الأمتحانات علي الرغم من ان غيابي عنها لم يتجاوز بضعة اشهر.. البيوت والأشجار .. الناس وقطعانهم.. كل الأشياء تراءت لي وكأن شيئا قد اخذ منها.. بدا ابي وكأنه بركان قذف بكل حممه وخمد نشاطه ومثله بقية الرجال حتي العم سالم احسست وكأن لم يعد لديه مايعطيه او يقوله ويخال لي ان ود ابنعوف اصبح اقل ثرثرة من ذي قبل.. لم اعد ادري سر هذا التحول وهل هو واقع بالفعل ام انها مجرد تهيؤات لا اساس لها . كانت ساعات اليوم تمر ببطء شديد وانا احاول عبثا دفعها بالقراءة حينا وحينا بمجالسة العم سالم والأستمتاع بأحاديثه التي برغم قلتها كانت شيقة ومفيدة يزيد من دفئها زفرات ود ابنعوف التي تخرج كما تخرج انفاس النار لتنم عن ضيقه وتبرمه حينما لا تتوفر فرصة للسانه كي ينطلق فقد كانت معظم احاديثنا تتعدي حدود معرفته.. احاديث في السياسة الداخلية منها والعالمية ومسائل اخري لا يستطيع ودابنعوف الخوض فيها فيظل يمسك بقشة ينخس بها اسنانه المصفرّة متأهبا لاقتناص اول فرصة تمكنه من الهائنا عن مجري حديثنا.
في عصر احد تلك الأيام وبينما كنت اهم بالمضي الي دار العم سالم كعادتي جاءني صوت ابي مناديا فاسرعت الي حيث كان جالسا فطلب مني الجلوس وقد انبأتني نظراته بما يود قوله قبل ان يدلي به : "اها ياعبدالرحمن انا داير اتم الكلام البديتو زمان معاك..وانا قبل بي اعوج بي عديل طاوعتك وخليتك علي مرادك وتراك كملت القراية وبعد كدي ماعندك عذر..اها بندور ندخلك بيت الحلال ونعقد ليك علي بت عمك ".. أيقنت انه القدر الذي لا مفر منه ذلك الذي كنت اخشي وقوعه في اية لحظة منذ ان وضعت آخر ورقة من اوراق الأمتحانات. طلبت من أبي في محاولة يائسة ان يرجي الأمر حتي ظهور النتيجة وحصولي علي شهادة تمكنني من العمل واحصل بموجبها علي وظيفة فعلق علي ذلك بأنه لن يقدم ولن يؤخر في الأمر: " نحن قبيل ابواتنا لامن عرسوا لينا لا كان عندنا شغل ولا مشغلة.. ياها السعية دي.. ونحن ياولدي مابندور منك حاجة..مرتك بتجيبها تقعد مع امك لاها ماشة تزيد حاجة لا بتنقّص حاجة والعيشة ماك مسعول منها تب ولا تشيل همها" !! .. لذت بالصمت حيال ذلك وألقيت جانبا كلما تعلمته من مباديء وشعارات فالحب في عرف اهل قريتي مسخرة وقلة أدب.. تزوج الآباء بمشيئة الأجداد وهاهم يحكمون علينا مشيئتهم ولايحق لنا الأعتراض او حتي ابداء الرأي فأي محاولة او رفض للأعراف تعني الخروج عن الملة او قل الكفر بعينه..فنحن يا سادتي من قوم يحب إنابة عنهم آباؤهم .

انصرفت عقب ذلك وقد تشتت افكاري تماما وحاشية من الهموم تطوقني .. لم اكن فاشلا في يوم من الأيام لكنني الآن اشعر بأني اكثر اهل الأرض فشلا وخيبة.. اليأس والأحباط يملآن نفسي ويتكدسان في دواخلي تكدس الصمغ علي جزع نزع لحاؤه... وجدت نفسي في دار العم سالم دون ارادة مني ولكن شاءت الخطي ان تمضي بي الي حيث اعتادت المسير.. استطاع بفراسته المعهودة ان يقرأ كل ماكان مكتوبا علي وجهي منذ ان جلست. قال لي بكل صرامة ودون ان يبدي لينا كما عودني من قبل بأن هذه مشكلتي ولا يمكن لغيري حلها او حتي التدخل فيها.. قال لي صراحة انني لم اعد طفلا وعلي من الآن فصاعدا ان اتخذ قراري بنفسي في اي امر من مثل هذه الأمور الخاصة وان لا ألجأ للآخرين في كل صغيرة وكبيرة.." هذه حياتك انت لا حياتي انا ولا حياة ابيك "!!

نعم انها حياتي انا لا حياة غيري... قطعت جلستي دون اذن وتركت العم سالم في شروده الذي لا ينقطع... لم يقدم لي شيئا هذه المرة كما عودني من قبل ولم اجد عنده ما يذهب عني شيئا من تلك الهموم التي تراكمت في نفسي مسدلة عتمة لم اجابه مثلها من قبل وصورة ام هاني بنت حاج ادريس لا تكاد تفارقني ترتسم امامي كالقدر الذي لا مفر منه بشعرها الممشط والمغطي بالودك وشلوخها التي اخذت منها اكثر من ما اعطته لها الطبيعة..متدثرة بالجهل والتخلف.. اتخيلها تشاركني بيت الزوجية وأقارن فيما بينها وبين من رأيتهن من بنات المدينة في ملابسهن الراقية وشعورهن المصففة.. خفتهن وثقافتهن وحلاوتهن. كيف يمكنني ان أجابه الحياة بمثلها !!.

لم اكلم احدا في ذلك المساء ولم احادث سوي آهاتي وهمومي..آويت الي فراشي مبكرا وكل املي ان يسرقني النوم فيخلصني من كل ذلك ولكن هيهات ان يدنو النوم من بركان يقذف اللهب والحمم في كل صوب..لم ينقطع تواتر افكاري الا بدنو امي وهي تحمل الي العشاء.. اناء به حليب وآخر به عصيدة من الدخن ويبدو انها كانت قد ظنتني نائما حين أخذت تربت علي كتفي فطلبت منها ان تضع الطعام علي المنضدة الموضوعة امامي لكنها اعترضت علي ذلك :" يا ولدي انا خائفة تشيلك نومة والكدايس ياكلن عشاك..يعلم الله كدسة بت عطا المنان تقول نمور ماهن كدسة.. الزول ينهرن وهن واقفات يحمرّن ليك "! . ظللت في مرقدي ذاك ممدا علي ظهري وعيناي تتابع الأنجم نجمة فنجمة ومضي الليل ونامت القرية اناسها وسوامها وهوامها وعم السكون كافة ارجائها فلا شيء يكاد يسمع سوي حفيف الأشجار ونباح متقطع آت ٍ من علي البعد.. تشتت أفكاري ومضت تطرق كل باب فلا يستجيب اي منها.. هل ارحل تحت جنح هذا الليل البهيم واقطع كل صلة بيني وبين هذه القفار وهؤلاء القوم الذين يعبدون الأعراف دون سواها!! ولكن الهروب لن يجدي شيئا وهو حيلة الضعفاء وانا لست ضعيفا.. انا نفر انتمي لهذه الأصقاع التي صقلت رجولتي وعلمتني ان الفرار من النوائب منقصة وعلي الرجل ان يثبت امامها فاما ان يهزمها واما ان تهزمه.

رحل الليل وذوت نجومه نجمة فأخري وانا أرقبها حتي استيقظت القرية واختلطت اصوات القوم مع رغاء اغنامهم وصياح الديوك وجاءت امي تحمل صينية الشاي كعادتها في كل صباح لتجد وجبة العشاء كما هي دون ان تمتد اليها يد حتي قطط بنت عطا المنان عافتها في تلك الليلة فلم تدنو منها :"أجي ْ سجم خشمي.. الجنا نام بايت القوّي "!!.. ضحكت في صمت.. نمت !! وهل يقوي مثلي علي النوم.. اني جالس في انتظار جلادي ليأخذني الي حبل المشنقة !! وضعت الوالدة صينية الشاي جانبا ولم تفارقني الا بعد ان اجترعت شيئا من ذلك الحليب وازدرت لقيمات من عصيدة الدخن فنزلت في بطني كالحجارة.. نعم في قفارنا حتي الأكل يجب ان يكون بأرادة الآخرين شئت ام ابيت !!.

سيد محمود الحاج
01-03-2010, 12:06 PM
( 9 )


" الخلاء ولا الرفيق الفسل "..هكذا يقول اهلنا وعملا ً بهذا المثل نهضت عن مرقدي وقبلتي الخلاء انشد هدوءه وسكونه فلم يعد لي رفيق سواه.. العم سالم الذي كان ملاذي في النوائب اعلن
صراحة تخليه عني وان ليس لديه ما يقدمه لي في محنتي.. " هذه حياتك وهذه مشكلتك انت..الحل في يدك انت لا في يد سواك "!!.. نعم هي مشكلتي وقضيتي.. سوف أواجه أبي وأرفض عرضه دون مواراة وأكتب بيدي اسمي في سجل المارقين عن عرف القرية وقانونها وأضيف بذلك رقما ثانيا فيه بعد ابراهيم ود ابراكوبة.. لن يكون هنالك فرق بيني وبينه في نظر سدنة الأعراف..كان ابراهيم شارب خمر وسارق اغنام وسفيها ومع ذلك سيضعني اهل القرية في ذات المرتبة ان انا قطعت لسان ابي ورفضت الزواج من ام هاني بنت حاج ادريس.. فهل يرضني ان أقاس به !؟..الخير ان اترك الأمر للأقدار والظروف لتقرر.. ولكن الأمور تسير علي عجل وليس هنالك متسع من الوقت للظروف كي تقرر وأبي قد قال كلمته ولا بد أنه قد حدد موعد اتمام العقد... اني احبك واجلك أبي رغم كل شيء فأنت مثلي بريء ولا تملك الا ان تكون عبداً للأعراف والتقاليد والعادات التي وضعها الأجداد فهي مشهورة علي أعناقنا كالسيوف وحول أقدامنا ومعاصمنا كالقيود.. منها ماهو جدير بالخلود فلنحمه جميعنا ولكن من بينها ما يستحق ان نرمي به بعيدا وان نقتلعه من جذوره لأنه سوف يحطمنا يوما.. ولكن تلوح امامي صورة أبي يحمل السيف ويقاتل بضراوة ويقاوم بعنف كل من يدنو من اصنام آبائه وأجداده ومن خلفه تقف ام هاني تزغرد فرحا بنصر الأعراف وهزيمتي النكراء.. أين العلم وتلك السنوات الطوال التي انفقتها في التحصيل..لما لم تنفعني الساعة وينهار جميعها امام جيش الجهل والتخلف.. لا تضحكي فرحا و لاتزغردي ايتها الفتاة ولا تأخذك نشوة النصر ايها الشيخ.. الحرب كر وفر ففي الجولة التالية سيكون لي تكتيك آخر.. هذه حياتي انا وليست حياة احد سواي فلا تبحث ياأبي عن سعادتي بمعيارك أنت ودعني ابحث عنها بمعياري أنا. جلست تحت ظل شجرة في صلب الفلاة مطلقا العنان لأفكاري المحمومة وصورة ام هاني تلاحقني كلبوءة جائعة وتتكاثر بعدد تلك الشجيرات من حولي فتحاصرني تماما.. اليوم لا مفر من كيد الأعراف الا بدحرها او الأستسلام لمشيئتها.. لكنك مثلي بريئة أيتها الفتاة ومثلك أبي فهو ينشد سعادتي وفق مايري ولا يدري ان مثل هذا شقاء أبدي وليس سعادة..فأنا وأنت مثل ذلك الطريق الذي شقته عجلات الشاحنات..خطان متوازيان يتجاوران ويمتدان علي أرض واحدة لكنهما لايلتقيان ولن يلتقيان أبدا ولكن أبي بمعول الأجداد يريد ان يغير معادلات الطبيعة وقوانينها.. اني لا أتعالي عليك أيتها الفتاة ولا علي أي من قومي وقومك فأنا أحبكم جميعا وأفاخر بكم كثيرا ونحن جميعا نحب حياتنا وبئتنا ولكن الحياة أطوار طابعها التغيير شئنا ام أبينا فحياة آبائنا وأجدادنا حياتهم وحياتنا حياتنا ينبغي ان نعيشها كما نري ونختار علي ان نحافظ علي قيمنا ومثلنا فلا نتعداها.. الفارق الوحيد بيني وبينك انك تودين ان تعيشي حياتك كما رسمها لك الآباء وانا اود ان أعيش حياتي بأختياري لا بأختيار الآخرين لذا فأنا وأنت مثل هذين الخطين لا يلتقيا ولن يلتقيا أبدا.. وانت يا أبي ادرك مدي حبك لي وتسعي لأسعادي بدون ان تدخر وسعا ولكن دعني احمل عنك هذا العبء واسمح لي أن ابحث عن هذه السعادة بنفسي.

تركت معتزلي ذاك بعد ان جلست لساعات طوال و مضيت لا ألوي علي شيء سوي دارنا وقد جهزت نفسي تماما لخوض المعركة فأما حياة لا موت بعدها واما موت لا حياة بعده. كان أبي ساعتها في خلوته مقيللا.. رأيته علي مرقده مغمض العينين لكن لم يكن نائما فقد رفع يده يهش الذباب عن وجهه.. توقفت مترددا بين الدخول و عدمه وأحسست فجأة ببرود تلك الثورة وشيئا من التخاذل وكدت ان أتراجع للوراء لولا ان انبري صوت والدي يدعوني للدخول فألقيت التحية وجلست قبالته مطأطئا رأسي منتظرا في قلق ما يود قوله لكنه ظل صامتا وكأنه ينتظر ان أبدا أنا بالحديث.. ابتلعت ريقي لمرات ومرات وحاولت جاهدا اعادة جمع شتات تلك الثورة التي ظلت تسودني لساعات طوال.. دع التردد ولا تخف .. انها فرصتك التي لا غيرها.. قد تتزلزل هذه القفار وتنشق الفلوات الا ان الساعة لن تقوم.. ارمي سهمك الآن والا فسوف تأتيك السهام من كل صوب.. استعدت شيئا من رباطة جأشي واحسست بذلك المارد ينسل عن قمقمه علي مهل ثم لم يلبث ان اصبح كخروج الحمم.. لم اعص لك يا ابي امرا من قبل ولن اعصيه من بعد غير ان لي طلب واحد لا غيره ورغم صعوبته فأنني آمل الموافقة عليه لأن هذا الشيء هو حياتي ومستقبلي..فأنا لا أرغب الآن الا في مواصلة مشواري في طريق العلم ولعمري فهو مشوار طويل ومازال في انتظاري الكثير فأرجو ان تعفيني من مسألة زواجي من تلك الفتاة ام هاني وأمرك علي عيني ورأسي في كل امر عدا هذا.. قذفت حمم بركاني حتي آخر قطرة وشعرت وكأني ورقة تسوقها الرياح جيئة وذهوبا وتارة صعودا ونزولا... اعتدل أبي في رقدته دون ان يعلق بشيء وشخص ببصره يطالع سقف غرفته واضعاابهامه بين اسنانه وساد صمت طويل حسبت علي اثره ان أبي قد ألم به مكروه حال دونه والنطق وماكدت اتخلص من ذلك الأحساس الرهيب الا حين رأيت اساريره تنفرج قليلا لتتحرك شفتاه وقال في صوت مهزوم : " كل شيء يا ولدي قسمة ونصيب والفيه خير ربنا يسويه "!!

انزاح عن نفسي حمل كان كالجبال او اعظم واحسست وكأني اطير سابحا في الفضاء الواسع.. أعلم يا أبي انك حكيم وتضع الأمور في نصابها الصحيح برغم خضوعك التام لمباديء الأجداد..وأعلم حقا ان هذا التنازل سيأخذ منك الكثير الا انك تود ان تكون يدك هي العليا دوما لا السفلي.. تعطي و لاتأخذ.. فهاهو عطاؤك الساعة يملأ نفسي أملا ً و حبورا.. سعيك أبدا ألا تحملنا مالا طاقة لنا به وقد كانت ام هاني حملا ثقيلا لاطاقة لي به وكأنك كنت تدرك ذلك برغم اصدارك الأمر من قبل.. شكرا ابي ولك كل حبي .

كانت قبلتي عقب ذلك دار العم سالم.. تملأ الفرحة كل جوانحي غير مصدق بأني قد بت حرا من الأصفاد ولحسن حظي لم يكن ود ابنعوف في صحبته حين ذهبت.. قابلني العم سالم كغير عادته مبتسما وكأنه قد ألم بالنبأ الذي احمله له قبل ان آتي اليه.. لم استغرب ذلك فالعم سالم يري الأمور من حيث لا يراها غيره. قال لي ان الآن يمكنني الأستعداد للجامعة ومواصلة تعليمي دون تردد او خوف من قيود فأكبر القيود قد كسر.. حدثني كثيرا عن الدراسة الجامعية و كأنه كان يوما من طلاب الجامعة وليس نجارا في الجيش.. كلياتها وانشطتها وتجهيزاتها وكل شيء فيها علي نحو شوقني الي مجتمعها وان أكون احد منسوبيها.. تحدثنا طويلا وظللت في صحبته حتي مغيب الشمس وعندها أستأذنته في الأنصراف عائدا الي دارنا .

حين دخلت الدار كان أبي جالسا علي فروته وقد أنهي صلاة المغرب و علي مقربة منه جلس أخي عمارة يتحادثان في أمر علف الأغنام.. بدا لي صوت أبي ليس كما عهدته وكأن شيئا من الوهن قد طرا عليه.. احسست بوخز الضمير.. ان كان ماأتخيله حقيقة فأن ذلك حتما بسبب ماجري..لم يكن الأمر بالسهل علي رجل مثل أبي لكنه تحمل الصدمة مرغما ولم يشا ان أتعذب بسبب قراره..أطرقت طويلا أفكر فيما بدر مني وأشفقت علي والدي من أثر ذلك عليه.. ولكن ماقمت به ليس منكرا ولا عيبا ..فقط أردت ان اقترن بمن أريد وليس بمن يريدها أبي حتي تستمر حياتي علي النهج الذي اريده فذلك خير من ان تصبح حياتي جحيما لا يطاق وساعتها سأكون قد جنيت علي نفسي وعلي الفتاة المسكينة وعلي ابي وأبيها ونتيجة ذلك ستكون وبالا دون ريب.

سيد محمود الحاج
01-04-2010, 01:56 PM
( 10 )

آويت الي فراشي مبكرا في ذلك المساء يدفعني ما لاقيته في الليلة السابقة من أرق ولم أكد استلقي حتي مضيت في نوم عميق مليء بالأحلام وماكاد الشريط ان ينقطع لولا نباح كلب في الجوار كان أشبه بالعواء.. كان ذلك قبيل الفجر بقليل فاستيقظت لدقائق قبل ان اواصل النوم مرة اخري علي امل ان تعاودني تلك الأحلام الجميلة قبل ان تأتي امي بصينية الشاي.. ونجحت في ذلك لأري شجرة العم سالم أمامي وقد باتت أكبر حجما .. كثة باسقة تكاد تناطح السحاب واستطالت أفرعها وامتدت وبدت اشواكها كالخناجر المسلولة وامتد احد اغصانها حتي بدا وكأنه ليس جزءا منها ودون غيره كان متيبسا وعار من الأوراق.. ورأيت فيما رأيت أبي علي ذلك الفرع وكأنه يمتطي فرسا وفي الطرف الأقصي تجلس تلك الفتاة ام هاني وهي تهز بقوة علي ذلك الغصن كأنها تريد كسره ليهوي علي الأرض وأمي صارخة تناشد الفتاة ان تكف عن ذلك ورأيت نفسي أحاول من علي الأرض الأمساك بها لجرها الي الأسفل والأطاحة بها قبل ان ينكسر الغصن ويطيح بأبي الا انني رأيت العم سالم يجذبني بقوة فيحول بيني وبينها وقبل ان اتمكن من التحرر من قبضته يأتي ذلك العواء علي نحو اشد فأستيقظت وصدري منقبض من اثر ذلك الحلم وصراخ امي مازال صداه يتردد في اذني ّ ..حاولت جر غطائي لأواصل النوم ولكن الصراخ مافتي يتردد..هل مازلت أحلم!!..ولكني مستيقظ والصياح مستمر..انه صوت امي ينبعث من داخل الدار..سترك يا رب..نهضت علي عجل ودلفت الي الداخل مهرولا لأجد أبي متكوما علي فروة الصلاة وامي تحاول بكل قوتها حمله.. كان غائبا عن الوعي تماما يتصبب عرقا وصدره يعلو ويهبط ..حملناه لنضعه علي فراشه واسرعت الي دار العم سالم مستنجدا به قبل ان نقصد منزل المساعد الطبي فهب بملابس نومه علي أثر طرقاتي القوية علي باب مسكنه يفرك عينيه في محاولة لإزالة آثار نوم عميق فقد كان الوقت مبكرا..استأذننا لدقائق معدودة ليبدل ملابسه ومضي ثلاثتنا علي عجل..بدت لي الدقائق التي استغرقناها في الطريق الي دارنا كأنها ساعات طوال فأيقنت ان نسبية الزمن حقيقة وواقع. . أجري فحصا روتينيا ولم يفعل أكثر من ان أشار الينا بسرعة نقله الي مستشفي المدينة فلا يملك فعل شيء ازاء حالته.. ازداد اضطرابي وأيقنت ان الأمر ليس بالسهل..انصرف العم سالم علي عجل ليعود بعد دقائق بشاحنة القرية وكان ساعتها قد توافد كل اهل القرية الي الدار صغيرهم يسابق كبيرهم.. كيف لا وهم يعيشون كجسد واحد وهاهو كبير القرية يسقط اليوم خائر القوة..وقفت الشاحنة امام الدار وكأن القوة التي بارحت جسد أبي أضافت بعدا آخر لمحركها وجييء بجسد أبي محمولا علي عنقريب ليرفع علي ظهر الشاحنة وصعدت أمي تسندها الخالة خديجة بنت عطا المنان وجعلت تحبو الي ان اصبحت بجوار أبي وجاءت نساء أخر يحاولن الركوب و انطلقت الشاحنة وعلي متنها عدد كبير من اهل القرية ممزقة سكون ذلك الصباح وهدوء تلك القفار فيثور الغبار خلفها شاجبا هذا التدخل السافر في حرماته. جلست علي مقربة من العم سالم تكاد تفترسني الهموم.. تمنيت لو انني بقيت علي حال قومي وكنت كأخي عمارة لا طموح لي سوي مراح من الأغنام وحمار ابيض وزوجة شلوخها مطارق يتكدس علي رأسها الودك.. ليتني لم أعرف المدرسة ولا الطريق الذي قادني اليها يوما.. لكنت انعم الآن بالجهل ولتزوجت من ام هاني منذ سنوات من الآن راضيا مرضيا ولا يهم ان كان بأرادة ابي او ارادة سواه.. ساعتها لرأيت جمال هذه الشلوخ من حيث لا أراها الآن.. العلم آفة تبدد الموازين والمعائير وتبدل كل شيء.. اذكر جيدا اعجابي بما صرت متنكرا له الآن.. ألم أكن اردد دائما فيما مضي:

واحد واربعين بت الأمين عدلان
لا حامت بيوت لا جالست صبيان

بوصيك ياقمري طير شيل السلام في الحين
فوت راسك عديل لا تحيد يسار لا يمين
الزول الديسو كابي وادعج العينين
شلخ ود عيسي فوقو محراتا غرز في الطين

ألم تكن وحتي وقت قريب تندد ببنات المدائن وترفع من شأن بنات الأرياف اللاتي بت تتنكر لهن اليوم ؟ .. ألست من كنت يردد دوما ً :

مي بت مدن مطلوقة ماشة بكيفة
أبواتها المكوك راسهم يطاول القيفة
ماها ام رويش الزائغة عينها خفيفة
مابتلقاها وسط الرجال منشبحة شائلة رغيفة

لماذا تعود اليوم لتعيبهن بالتخلف ؟!... وكأني بالعم سالم يحس بتلك الحرب المستعرة في دواخلي اذ يحاول بين حين وآخر اخراجي مما انا فيه فيأتي بحديث يحاول به تخفيف وطأة احزاني وهمومي ولكن دون جدوي . وما كدت اخرج عن ذلك الا حين مرت الساعات وبدأت معالم المدينة تلوح من علي البعد وحينها بدا ذلك السكون في التبدد وسرعان ما أصبح لغطا ً.. وقف الجميع ينظرون من خلال اسياخ الشاحنة ولا احد بقي جالسا سوي امي و الخالة خديجة.. اشرأبت الأعناق لتري معالما سمعت عنها من قبل دون ان تراها حتي خلت ان قومي قد نسوا أمر أبي وماهو فيه وكأنهم في نزهة ينظرون ويعلقون علي كل شيء ولم اتنفس الصعداء الا حين توقفت الشاحنة امام المستشفي الكبير بالخرطوم وانزوي الجميع علي جوانب الشاحنة حتي يتم انزال ابي وقد جئي بمحفة ذات عجلات يدفعها أحد العاملين بالمستشفي عبر البوابة الرئيسية ومن خلفها العم سالم وانا بجانبه ومن خلفنا ذلك الرهط من اهل القرية لينبري حارس البوابة فجأة وماهي الا زجرة واحدة فأذا القوم يتفرقون في كل صوب وابتسامة كبيرة ارتسمت علي شفاه ذلك الحارس لا أدري ان كان مبعثها الشعور بالهيبة والعظمة ام سخرية من هؤلاء النفر الذين قال قائلهم يوما:

نحن أهل الحارّة البتعكل نارا

للموت بنركز مافينا من بتجاري

سيد محمود الحاج
01-04-2010, 02:03 PM
[color="black"]لم يكن هنالك وقت للنظر للوراء ومعرفة ما أصاب القوم جرّاء تلك الزجرة ومضيت والعم سالم وراء المحفة الي ان توقفت عند غرفة استقبال الحوادث حيث ادخل ابي ليباشر الكشف عليه طبيبان شابان كان من الواضح انهما حديثا التخرج وقبل ان يكملا الفحص تماما دخل طبيب آخر ذو شعر مبيض تنحي امامه الطبيبان الشابان جانبا يفسحان له المجال في احترام بالغ دل علي عظمة مكانته ومضي يتفحص جسد ابي مستخدما سماعته حينا وحينا يستخدم يديه ثم جلس عقب ذلك يعد تقريره عن الحالة ليقدمه من بعد الي أحد الطبيبين الشابين وظل يحادثهما لبعض الوقت باللغة الأنجليزية وبدا لي انه يلقي عليهما بعض التعليمات المتعلقة بطريقة العلاج واعطاء الدواء وقبل ان ينصرف تماما حانت منه التفاتة الي حيث اجلس والعم سالم ليسأل عن صلة قرابتنا بالمريض ثم ألقي بعد ذلك أسئلة أخري من تلك التي يلقي بها الأطباء عادة للوقوف علي تاريخ الحالة المرضية ورغم انني كنت المجيب علي أسئلته في معظم الأحيان الا انني احسست وكأنه يود ان يكون من يجيب هو العم سالم .. ولاحظت تركيز نظراته عليه بشكل يدعو للتساؤل وكأني بالعم سالم قد احس هو الآخر بذلك.. كانت نظرات فاحصة تنطوي علي تساؤلات يود صاحبها طرحها دون ان يقوي ولكن حين واتته الفرصة توجه بسؤاله للعم سالم يسأله عن علاقته بالمريض وفي شيء من الأرتباك أجاب العم سالم بأنهما أهل قريةواحدة دون ان يضيف اكثر من ذلك وقبل ان ينصرف كبير الأطباء تماما رأيته يلقي بذات النظرة تجاه العم سالم وعلي شفتيه ابتسامة غير مكتملة.

ادخل والدي الي عنبر الأمراض الباطنية وهو في غيبوبة كاملة ونصبت حول سريره الأبيض ستارة حمراء وتدلت انابيب تمده بمحاليل عن طريق الوريد وجاء مرة اخري ذلك الطبيب العجوز يتبعه طبيب آخر غير الذين رأيتهما من قبل وكان أكبر سنا منهما واقترب كبير الأطباء يراقب الحالة ويتفحصها مرة اخري بمشاركة الطبيب الاخر وقبل ان ينصرف أشار كبير الأطباء الي العم سالم ان يتبعه فمضي من خلفه وبقيت انا واقفا علي مقربة من سرير أبي اراقبه في قلق بالغ ومضي وقت قبل ان أري العم سالم يعود وفي يده ورقة تبين لي انها وصفة طبية لدواء غير متوفر بصيدلية المستشفي وينبغي احضاره من الصيدليات خارج المستشفي فمضيت اتبعه الي ان وصلنا الي البوابة الرئيسية حيث ذلك البواب حاد الطبع وألفيت تجلس علي مقربة من البوابة الوالدة والخالة خديجة بدأتا لي كطائرين تاها عن سربهما في دوامة رياح وحطّا في بقعة لا يعرفان لها وجهة ولعلهما لم يحسا بدنوئنا منهما علي الرغم من اننا كنا امامهما مباشرة فما البصر الا نافذة يفتحها العقل واذا انشغل عنها بات البصر كنافذة مغلقة.تمكن العم سالم من اقناع الحارس بالسماح للوالدة والخالة خديجة بنت عطا المنان بالدخول فمثله لا يستعصي عليه شيء.. ومنذ دخولها الي العنبر لم تبتعد امي لحظة وعيناها لا تفارقان ابي وهي تتساءل في صوت اقرب الي الهمس مشيرة الي انابيب الأبر الوريدية : " النصيبة المعلّقة دي شنو..والله ياولدي نصائب حكماء الزمن دا كان تزيد الزول اذاياً علي الأذي العليه "!!..وقبل ان ابين للوالدة حقيقة ذلك الشيء دخلت رئيسة العنبر في زيها الأبيض المحزّق وفي عجرفة وحدة اشارت علينا بالبقاء خارجا لأن ذلك موعد مرور الأطباء وقبل ان تتمادي في ذلك قدم لها العم سالم الدواء المطلوب وخرجنا نقود المرأتين الي حيث اجلسناهما تحت شجرة لبخ ظليلة في الجانب الشرقي من فناء المشفي وانصرفت عقب ذلك لأحضر لهما طعاما فالساعة كانت تشير الي الثانية ظهرا وأغلب الظن انهما لم تتناولا طعاما منذ ليلة البارحة اذ كان الأعياء والضعف باديين عليهما ولم يمض وقت يذكر حتي اتيتهما بشيء من الطعام ألتهمتاه علي عجل ثم مدّتا جسديهما علي العشب تريحانهما من جراء مالحق بهما من عناء ومشقة وبصوت اقرب الي الهمس قالت لي الخالة خديجة : " عبدالرحمن ياولدي محلك الجبت منه الأكل دا ما فيه قهوة والله القهوة راميانة رمية شديدة" قالت ذلك وهي تسحب سيور محفظتها الجلدية وتمد لي قطعة نقدية من فئة العشرة قروش بينما تسارع الوالدة هي الأخري وهي تصيح في الخالة خديجة: "لا وحات ودحسونة كان ترجعي قروشك عليك " ! وبعد الحاح وقسم شديدين استسلمت بنت عطاالمنان واخذت المبلغ الذي قدمته الوالدة وذهبت لأحضر لهما القهوة. بقيت والعم سالم نشاركهما ظل تلك الشجرة حتي فرغتا من تناول القهوة وهما متكئتان علي العشب وقد بدأتا وكأن الحياة تدب في جسديهما للمرة الأولي واقترح العم سالم عند ذلك ان نمضي للبحث عن المجموعة المرافقة من اهل القرية والذين لم نعلم ماحل بهم منذ تلك الزجرة التي فرقتهم آحادا..كانت هناك جموع من البشر تتكتل حول السور والبوابة فقد كان موعد الزيارة علي وشك ولكن لم نعثر علي اثر لأي منهم وبات وكأن الأرض قد اخذتهم في طياتها وبعد بحث استغرق من الوقت ما لايستهان به عثرنا علي الشاحنة متوقفة علي مسافة تزيد عن المائة متر بعيدة عن المشفي والمساعد يرقد تحتها منخرطا في نوم عميق وعلمنا منه حين ايقظناه ان شقيقي عمارة حاول الدخول الي المشفي بالقفز من خلال السور فوقع في قبضة الشرطة فأخذوه الي القسم ويبدو ان بقية القوم قد مضوا في أثره وقبل ان يكمل مساعد الشاحنة تفاصيل الرواية أخذني العم سالم من يدي ومضينا علي عجل نعبر شوارع الاسفلت ونجتاز أزقة عدة حتي وجدنا انفسنا امام ما بدا لي انه مخفر للشرطة وتأكدت من ذلك بعد ان رأيت مجموعة ممن يرتدون ثيابا محمرّة يتجمهرون علي مقربة من المدخل تغلف وجوههم الرهبة والحيرة والخوف وما ان رآنا بعضهم حتي انفرجت اساريرهم قليلا وهم يتصائحون : " ها ناس انتو وين ؟.. عمارة يسوقوه العساكر وانتو لاخبر لا اتر "!!؟. طلب مني العم سالم ان ابقي في صحبة هؤلاء النفر بينما ما مضي هو الي داخل القسم ولم يطل به المقام حتي رأيته خارجا يتبعه أخي عمارة.. نعم لقد أفلح في توضيح الأمر للضابط المسؤول وأقنعه بالأفراج عن الرجل واخلاء سبيله وكم كانت سعادة قومي كبيرة حين عاد اليهم عمارة سالما وبقدر سعادتهم كبر قدر العم سالم في نظرهم ذلك الذي استطاع ان يأتيهم بعمارة سالما من قبضة الحكومة. لم يشعروا بجوع ولا عطش الا عقب ذلك..بعد ان تحرر عمارة وحين استطعموا وشربوا اقترحنا عليهم العودة الي القرية فالوالد سوف يظل بالمشفي الي اجل غير محدد حسب قرار الأطباء ولم يوافق عمارة علي الأقتراح الا بعد لأي ليقود المجموعة أخيرا في رحلة الأياب وبقيت انا والعم سالم والوالدة والخالة خديجة بنت عطا المنان في رفقة ابي. اثبتت نتائج الفحص ان والدي يعاني من ارتفاع حاد في ضغط الدم وهذا ما أدخله في هذه الأغماءة التي يعيشها الآن.رأيت الطبيب الشيخ يعود معاودا الكشف ليأخذ من بعد ذلك العم سالما جانبا ويتحدث معه بما لم أسمعه ولكن مابدا علي وجه الرجل جعلني أشعر بأن أبي ليس علي مايرام وانتظرت علي مضض لحظة انصراف الطبيب للوقوف علي حالة ابي لكن العم سالم كان كالأطباء ولم يشا الا ان يبسط الأمر ويطمئنني بأن ليس هنالك ما يثير القلق.
color]

سيد محمود الحاج
01-05-2010, 10:51 AM
( 11 )

انتحيت مكانا قصيا متسائلا : لما اصيب أبي بهذا المرض الذي يقال عنه انه من أمراض العصر والمدنية ايضا..نعم ان ابي يعيش في هذا العصر لكنه وقومه شيدوا عصرا آخر..عصرا يخصهم دون سواهم فليس من ود بينهم والمدنية فهم بعيدون عنها كل البعد..يصحون مع الفجر وينامون منذ ان تضع الشمس رحالها في رحلة الأياب.. لا يحملون هما سوي ان يتوفر لأغنامهم ما تأكله ليأكلوا منها بدورهم..لا يتعدي غذاءهم حليب هذه الأغنام وخبز الذرة وقليل من التمر وحين يشعرون بوعكة لا يتعدي دواءهم بعض الأعشاب والوصفات التي توارثوها جيلا عن جيل..القرض والحرجل والكمون والعطرون والملح البلدي لا ملح الترك كما يقولون.
في مساء ذلك اليوم بدا وكأن أبي يحاول الخروج من أغماءته فلأول مرة يبدأ في تحريك أطرافه وكانت سعادة امي ساعتها لا توصف زادت رقعتها حين تمكن من فتح عينيه.. كان يحملق في وجوهنا ونحن نقف من حوله وقد بدا وجهه نائرا متهللا رغم مابه..كانت نظراته لا تستقر عند موضع معين وتكاد تجري مسحا لكل الأشياء من حوله ثم بدا عقب ذلك وكأن يريد ان يقول شيئا دون ان تقوي شفتاه وعندها رأيت أمي تنحني وتضع أذنها علي مقربة من فمه لعلها تسمع ما يود قوله. وعلي الرغم من ان ذلك لم يتعد ترهات الا انه أنه أعاد شيئا من الإطمئنان في نفوسنا ولم تتردد امي من الوقوف علي النافذة لتنده اولياء الله جميعهم للأخذ بيد رفيق عمرها :" ياسيد بقارة تلفي ابوعمارة..يا عظيم الشان تنجد ابو عبدالرحمن ويرجع دلويا ملان " والخالة خديجة تردد معها توسلاتها وتضيف المزيد.
لم ندرك ان مابدا عليه كانت (فجة ) الموت وكانت تلك النظرات هي نظرات الوداع فقبيل الفجر بوقت قليل وبينما انا والعم سالم نفترش النجيلة الواقعة علي بعد بضعة أمتار من العنبر الذي يرقد فيه والدي اذ بالخالة خديجة توقظنا لتنبئنا بأن حالة الوالد ليست علي مايرام فأسرعنا الي هنالك لنجده محتضرا وامي تكاد تخر مغشية عليها..كان صدره يعلو ويهبط وعيناه جاحظتان فكانت تلك آخر لحظات له في الدنيا.

بدأت ملامح ذلك الصباح موشحة بثوب اسود قاتم وكأن شقشقة العصافير علي الأشجار نواح مرير كأن نسمات الصباح سمائم الصيف في القفار وعلي ذلك السرير الأبيض مازال جسد أبي مسجيا.. لقد لفظ البركان آخر حممه في هذا الموضع الذي لم يتصور يوما ان يكون آخر مطافه.. الدوام لله.

كان نفر من اهل القرية قد جاءوا مبكرين لمعاودة ابي وحين بلغهم نبأ رحيله تحولت ساحة المشفي الي ساحة مأتم وبكي الرجال كما تبكي النساء
ودارت عجلات الشاحنة تذرو الغبار علي جنباتها وتثكل من رحل وكل من علي ظهرها ينشج ويبكي ويزداد ذلك حدة كلما تقدمت الشاحنة في الطريق الي باديتنا وثكال الخالة خديجة يمزق هدوء تلك القفار ويعلن في سائر القري ذلك النبأ العظيم. لم يعد يسمع و لأيام الا البكاء والعويل علي نقر القرع وانين الدفوف و بنت عطا المنان تنشج في مرارة بكاء الخنساء : " حليل ابوي ضو القبيلة الزين..حليل الخزين سيد الأبل والطين..حليل اب ضراع حرّاس جبال برتين..ابكن يابنات اب آمنة قيّل وين ". خيم الحزن في افق القرية زمانا ونصبت الخيام لاستقبال المعزين الذين جاءت وفودهم من كل انحاء البادية واستمر العزاء لأربعين يوما .
ترك رحيل ابي مكانا شاغرا في نفسي وبموته أحسست بأن جزءا لا يستهان به من حياتي قد ولي دون رجعة.. تذكرت في ألم بالغ ماقاله لي قبل ايام من مداهمة المرض له : " ياولدي بندور نفرح بيك قبّال الموية ما تفارق العوينات ".. لم أتصور ابدا ان ذلك سيصبح حقيقة وبهذه السرعة.. جاءني العم سالم في أحد تلك الأيام وقد أحس بما انا فيه وماتعج به مشاعري من ألم وأسي قائلا لي لو ان المرء يستسلم لنوائب الدهر علي هذا النحو لتوقفت الحياة منذ اول فجيعة مني بها بشر ولكن الحياة لا تتوقف بموت أحد ابدا و ستمضي في طريقها المرسوم أردنا أم لم نرد فما نحن فيها الا عابري سبيل.. نتوقف عند نقطة ما لنغادرها بعد ذلك لأخري فعلي الأنسان ان يتعلم مقاومة كل المواقف التي تمر به وفي هذه الحالة سيجد ان للحياة وجه آخر مفعم بالأمل. قال لي أنه فقد والده وهو دون الرابعة وفقد من بعد ذلك أمه التي كانت كل مالديه ثم خاله من بعد ليصبح وحيدا في هذه الدنيا وهو لم يزل في مرحلة الدراسة ولكن برغم ذلك لم يستسلم للأحزان بل أخذ الدنيا من جانب آخر فتغلب علي احزانه. وشيئا فشيئا استطعت ان أتغلب علي أحزاني وعدت اناظر الحياة من وجهها الآخر وصار ارتباطي بمجلس العم سالم اكثر من ذي قبل..امضي فيه من وقتي الكثير نتحادث في شتي الأمور وفي كل امر أجد له باع طويل.. نهلت من بحره الذاخر مليا فلم أرتو ولم ينفذ ماؤه.. هل حقيقة ان مهنة هذا الرجل هي النجارة وان دراسته لم تتعد المرحلة الوسطي ؟! حاولت كثيرا الغوص في اعماق هذا البحر لكن دون جدوي اذ يلفظني الموج بعيدا في كل مرة احاول فيها الغوص لابعنف او حدة ولكن بفطنة ودهاء يجعلك تنسي ما هممت القيام به.. لا أنكر ان ما تعلمته منه لم أتعلمه من اي مرحلة دراسية مررت بها. كان يقول لي في كثير من المواقف ان المهمة الملقاة علي عاتق المتعلم في وسط لايكون فيه سواه في ثقل الجبال اذ عليه ان يبين لهم الفرق فيما بينه وبينهم والا فأنه سيظل كالحمار في حمله الأسفار..فلا يمكن ان يكون المرء قد تعلم وكل ماحوله يلتحف الجهل ويتدثر به..بل يجب عليه ان يجعل قيمة لما تعلمه بتغيير مفاهيم الآخرين والأخذ بيدهم للخروج من ظلمات الجهل.. ليست القراءة والكتابة وحدهما هما العلم ولكن العلم ان تنير العقول من ظلمات الجهل. قدرت ان مهنة التدريس هي أنسب المهن لبث مثل هذه الأفكار ونشر التوعية لأعداد الأجيال القادمة لتفجير الثورة المرتقبة والتي لا بد منها ومن هنا أردت ان اعمل في سلك التعليم فمن خلال ذلك يمكنني آداء الرسالة التي تعهدت بالقيام بها.

سيد محمود الحاج
01-06-2010, 02:34 PM
( 12 )

كان الوقت عصرا حين كنت في مجلس العم سالم وجاءنا الأستاذ خالد مدرس القرية الذي وفد حديثا للقرية فالمدرسة في عامها الثاني فقط.. حاله كحالنا ابن ريف .. جاء من احدي قري الشمال..طيب المعشر وهاديء الطبع.. يتردد علي مجلس العم سالم من حين لآخر في اوقات الفراغ فغير شكل مجلسنا الدائم من مثلت الي مربع وان كان المساعد الطبي اوخليل الحكيم كما يناديه أهل القرية وعلي ود نفيسة سائق الشاحنة باتا يأتيان الي المجلس بعض احيان.. اخبرني الأستاذ خالد بأن نتيجة امتحان الشهادة سوف تذاع بعد غد حيث اعلن عن ذلك قبل قليل في الراديو وتعالت اثر ذلك دقات قلبي وحري بقلبي ذلك فهذا يمثل يوم الحصاد لزرع سنوات طوال.. اعتراني صمت ولم أعد اتابع حديث المجموعة من حولي وشريط من التصورات حول المستقبل يمر من امامي.. يومان فقط يفصلان فيما بيني وبين ملامح هذا المستقبل.. انني واثق من ادائي في الامتحان لكنني لا آمن شر المفاجاءات التي قد تقلب الوضع راسا علي عقب..هل سأحرز شهادة تؤهلني للحصول علي عمل ام ان الحظ يتعدي ذلك فأحظي بدخول الجامعة فتمتد الرحلة لسنوات أخر .!؟

صحوت مبكرا في ذلك اليوم وكان القلق باديا في كل سلوك قمت به ذلك الصباح.. لم ابق بالدار طويلا حتي قصدت دار العم سالم لأجده ومساعده منشغلان في تجهييز الذبيحة واعداد اللحم للبيع فالوقت مازال مبكرا.في هذه المرة لن احتاج الي قطع عشرات الكيلومترات لأجل الأستماع الي الأذاعة فقد بات في قريتنا اكثر من راديو يملك الأستاذ خالد احدهما والآخر لدي ( خليل الحكيم) وقبيل الموعد بقليل رأينا الأستاذ خالد يتقدم نحونا حاملا جهاز الراديو الخاص به..عاد ذلك الأضطراب يملأ نفسي وظل قلبي يخفق بقوة وخلت الدقائق المتبقية علي موعد النشرة دهرا..واخيرا حان موعدها.. طائفة من الأخبار تضمنتها مقدمة النشرة..لا أدري متي يختتم هذا المذيع المتأني قراءتها حتي يحين عقب ذلك اعلان النتيجة ! ..ومضي دهر..نعم كان دهرا بحق..وجاء الموعد المحدد وعزفت نوبة الذكر في ليلة المولد وصدري ساحة ذلك المولد..احسست بجسدي يرتفع عن الأرض وكأنه وريقة تلهو بها الريح ولم أعد الي الأرض ثانية الا حينما جاءت النتيجة المشرفة..فرحت كثيرا وشاركني فرحتي العم سالم والأستاذ خالد فلعلهما الوحيدان من بين اهل القرية من يعرف طعم النجاح وقيمة ما فزت به.. ارتسمت الآمال عريضة امامي فالآن وعلي أقل تقدير استطيع ان أجد الوظيفة التي اصبو اليها وقد يكون الحظ حليفي فأدخل الجامعة مواصلا مشواري في رحلة العلم الي ان تصل السفينة الي مرفأ ما.. تحدثت والعم سالم في هذا الشأن كثيرا وكانت فكرة العمل في مجال التدريس مترسخة في ذهني كيما اؤدي الرسالة المتوجبة علي ّ والعمل علي انتشال قومي من هاوية الجهل والتخلف.. العالم من حولهم يمضي الي الأما م بسرعة الضوء وهم ينعمون بدفء جهلهم غير آبهين بشيء سواه. ولكن كان للعم سالم رأي آخر موداه ان الذي يسعي للأصلاح يمكنه فعل ذلك أينما كان موقعه وكيفما كانت مكانته اذا ظل متمسكا بذات المبدأ وعلي المرء ان يواصل التعلم والا يفرط في اي فرصة تأتيه لنهل المزيد من العلم فكلكما تقدمنا في علمنا تضح لنا حقيقة اننا مازلنا نجهل أكثر من الذي نعلمه.

بعد ايام أعقبت ذلك اليوم كنت في طريقي الي الجزيرة الخضراء لزيارة المدرسة والوقوف علي بقية التفاصيل وألتقيت عددامن زملاء الدراسة علي ظهر الحافلة كانوا متجهين الي المدرسة أيضا لذات الغرض وهنالك وجدنا مجموعة أكبر كانوا قد جاؤوا قبل وصولنا من شتي البقاع.. اتجهنا الي مكتب المشرفين وهنالك كان اول من قابلني الأستاذ عوض ..استاذ الأحياء.." ألف مبروك ياعبدالرحمن..دخلت الجامعة من أوسع الأبواب.. نتيجة مشرفة بحق "..كانت فرحة عريضة وتمنيت لو استطعت ايصال ذلك الي العم سالم في ذات اللحظة لمشاركتي الفرحة في حينها فله يرجع الفضل اذ يظل أهم أعمدة هذا النجاح.. وبعد قضاء بعض الوقت داخل سور المدرسة العظيم مع معلمينا وبقية الزملاء انصرفت مودعا مع مجموعة من الأصدقاء علي رأسهم صديقي العزيز (صلاح خواجة) وهو من ابناء مدينة ودمدني.. صلاح يسين الا ان لقب (خواجة) كان قد طغي عليه فصار لا يعرف الا به..ويبدو انه قد أصيب بعقدة الخواجات منذ نعومة أظافره ومازالت تلازمه حتي يومنا هذا فهو معجب بكل مايأتي من الغرب ولكن فيما عدا ذلك وشيئا من الحماقة فأنه ذو أخلاق فاضلة وروح مرحة وبديهة حاضرة وبشاشة فياضة.
أمضيت ذلك المساء في دار العم ياسين في مدينة ود مدني وقضيت وقتا ممتعا مع أفراد اسرته الذين أبدوا لي من الحفاوة والطيبة ما أخجل تواضعي..وكانت تلك الأمسية بمثابة حفل تكريم لي وصديقي صلاح الذي أحرز ايضا نتيجة مشرفة..كانت باحة الدار تعج بأهل الدار وجيرانهم وأصدقائهم..اجتمعوا رجالا ونساء في ذات المجلس.. مجتمع متحضر لا يفرق بين جنس وآخر الا في الحدود المعروفة.. وقدمني صلاح لهم جميعا يعرفهم بي ويعرفني بهم.. طابت الجلسة وطاب الحديث ولعلها أول مرة بالنسبة الي اشارك في مجلس يتشاطره الفتية والفتيات وتملكني العجب من هذه الجرأة التي يتحلون بها..يتحدثون في كافة الأمور ويتبادلون الاراء وكأنهم أفراد اسرة واحدة وكم حاولت جاهدا التكيف مع الجو السائد في تلك الأمسية ولكن دون طائل فقد كان الحياء الشديد يقيد كل حركة أقوم بها فلا أستطيع النظر في وجوه الفتيات الا أستراقا وفي غالب الوقت أظل مستمعا فلا أشارك في الحديث الا حين يوجه الي ّ سؤال في أمر من الأمور وحين ذاك أحس وكأن شفتي ّ قد تضخمتا اذ تخرج كلماتي ثقيلة النبرات ومن المؤكد ان جميعهم قد أحسوا بمدي ارتباكي لذا فقد كانوا بين حين وآخر يحاولون كسر ذلك الحاجز الذي شيدته فطرتي الموغلة في البداوة وجاءت اول ضربة في محاولة لكسر ذلك الحاجز المنيع من معول (ليلي) شقيقة صلاح وهي طالبة بالصف الأول بالمرحلة الثانوية حين تركت مكانها في المجلس وجاءت تجلس بجواري.. فتاة حلوة الطبع خفيفة الظل والروح..تستطيع في دقائق معدودة ان تتعمق في أعمق أعماق الوجدان وبكل يسر.. ومنذ ان جاءت لتجلس في جواري لم تتوان َ في أداء المهمة التي يبدو انها قد جاءت لأجلها ألا وهي مهمة تكسير ذلك الحاجز البدوي المنيع.. تستغل كل فرصة وكل جملة او نكتة تقال لتجبرني علي التحدث وشيئا فشيئا بدأت أشعر بالأطمئنان وخفت حدة ذلك التوتر وذلك الحياء. وأنا في غمرة ذلك السمر تصورت لو أن حسن ود ابنعوف جاء الي هنا ليباغت مجلسنا ويجد معظم من فيه من الفتيات فماذا يقول ياتري ! وعلي اثر هذه الخاطرة حملت شفتاي ابتسامة لم تخف َ علي ليلي التي يبدو انها لم تكف عن مراقبتي فسألتني عما اذا كنت أريد قول شيء ولما أجبتها نفيا ً :" طيب شايفاك ابتسمت فجأة..علي الأقل ورينا الحاصل خلينا نبتسم معاك ".. ولما كنت علي يقين بأنها لن تتركني حتي أتمادي في الكلام حدثتها عما كان يجول في خاطري من امر المدعو حسن ود ابنعوف وما كدت اقول حتي انتابتها نوبة ضحك شاركها اياها الجميع حتي قبل ان يعرفوا من الأمر شيئا ولما علموا أخيرا انفجروا يضحكون وكأنهم لم يضحكوا من قبل وكانت تلك بداية عهد جديد بيني وبينهموبادرة أدت لتطبيع العلاقات.. سألوني عن قريتي فأخبرتهم عنها وعن أناسها وعلي رأسهم حسن ود ابنعوف .. حدثتهم عن مواقفه التي لاتحصي فضحكوا كثيرا..لقد انحلت عقدة الخجل تماما وذلك بفضل ليلي. وتذكرت فجأة وسط ذلك المرح الجميل ان علي ان أصحو مبكرا لأستهلال رحلة العودة الي باديتنا وهاهي الساعة الآن قد تجاوزت الثانية عشرة بعد منتصف الليل.. لقد سرقنا الوقت دون ان ننتبه الي ذلك فقد جري انسنا خارج نطاق الزمن كما يبدو..ستة ساعات مرّت وكأنها ست دقائق..لم أشعر بالنعاس و لا برغبة في النوم وأنا وسط ذلك الجمع البهيج.. مثل هذا امر لا يحدث في قريتنا حتي في مناسبات الأفراح..كل شيء لدينا مرتبط بشروق الشمس وغروبها واذا غربت ساد السكون كل حيز وكل شيء فيها وهجع الأناس والسوام علي حد سواء. ومنذ ان ادركت ان الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بدأ القلق يساورني فأطالع الساعة من حين لآخر بينما الآخرون منهمكون في أنسهم وسمرهم والليل مازال طفلا في أعينهم.والتفتت الي ليلي وهي التي لم تكف عن مواصلة تلك الرقابة الصارمة : " لسه بدري ياعبدالرحمن.. انت الظاهر عليك نعست "! فنفيت ذلك الأدعاء قائلا لها انه ليس في مقدور النعاس ان يهزمني في أمسية كهذه وكدت ان اقول لها كيف لمثلي ان ينام وانت بقربه.أوضحت لها بصوت خافت ان علي أن اصحو عندالفجر حتي أصل للعاصمة في وقت مبكر لأتمكن بعد ذلك من اللحاق بالشاحنة المتجهة الي القرية فهي تغادر بعد الظهر بقليل وان لم ألحق بها فليس من فرصة الا الآنتظار هنالك حتي اليوم الثاني فعلقت وقد خالط شيء من الحزن او عدم الرضاء نبرات صوتها:" يظهر انه بلدنا ماعجبتك او تكون زهجت مننا "!! فأجبتها برقة لم تكن موجودة في طبعي من قبل او ربما كانت موجودة دون ان احس بذلك , قائلا لها انني قد أحببت مدينتهم حتي قبل أن أحظي فيها بمثل ليلة كهذه وثانيا لا يمكن أن امل قربهم حتي لو أمضيت كل العمر بينهم..لا أدري حقيقة كيف قويت علي قول ذلك ومن اين أتت تلك الكلمات وكدت ألوم نفسي علي هذا التمادي لولا أن الأبتسامة التي ارتسمت علي شفتيها كشفت عن رضاها واعجابها بما قلت و بعثت بذلك مزيدا من الثقة والأطمئنان في نفسي وأردفت تقول :" طيب اذا كان دا فعلا حاصل لازم تقعد معانا كمان يومين تلاتة وتحضر معانا حفلةعرس ود الجيران بعد بكرة ودي فرصة تتعرف فيها أكتر علي ناس مدني ومجتمع مدني "! حاولت الأعتذار عن ذلك وتقديم المبررات ولكن قبل أن تتاح لي الفرصة لأبداء ذلك رأيتها تبارح مقعدها علي عجل ومضت الي حيث يجلس شقيقها صلاح فتلقي اليه بكلمات معدودة نهض علي أثرها وأقبل نحوي صائحا ً : " شوف يا انت يابتاع الخلاء اوعي تعمل فيها تقيل..نحن ماعوزنك تقعد معانا حبّا ً في خلقتك دي ولا مشتاقين لي قعدة معاك.. نحن عاوزين نرفع من مستواك ونفتح عقلك المليان من تراب الخلاء بتاعكم دا.. سيب الأهمية دي والا هسه ننادي عمك ياسين يحلف عليك تقعد شهر "!!.. تعالت ضحكات الجميع ودنا معظمهم من مكان جلوسي يطلبون مني البقاء معهم ليومين او ثلاث وعلي الرغم من انني قد أوضحت لهم الظروف ومدي القلق الذي سوف يساور أهلي وأهل القرية كافة في حال تأخري في العودة الا انهم لم يقتنعوا بشيء من ذلك ولم يكن أمامي الا الأستسلام لرغبتهم..فبعد غد زواج ابن الجيران وقد وصلتني الدعوة من شقيقيه اللذين يشاركاننا هذه الأمسية الرائعة وبعده بيوم حفل تكريم صلاح بمناسبة نجاحه الباهر والمقام علي شرفه من قبل صديقه يوسف والموجود معنا أيضا. لاحظت ان ارتياحا بالغا قد بدا علي وجه ليلي وهي تعاود الجلوس علي مقعدها في جواري وفرحة الفوز كتبت علي وجهها الوضّاء بخط واضح.. أسلمت أمري لله وقلت وأنا أوجه الحديث الي أولئك النفر قائلا لهم ان ألزامهم لي بالبقاء في مدينة مثل مدينتهم أمر هين وسهل ولكن أتمني من كل قلبي ان تدور الدائرة عليهم فألزمهم بالبقاء في قفارنا التي حتي النسور تأبي المبيت فيها. استمر الأنس الي ساعة متأخرة من الليل دون الأحساس بسأم او ملل او تعب وأنقضت الساعات الطوال وكأنها دقائق معدودة.

سيد محمود الحاج
01-12-2010, 11:11 AM
( 13 )

لم أحس برهق الساعات الفائتة الا حينما ألقيت بجسدي علي الفراش فأنا لست ممن يعرفون السهر..اعتدت النوم في وقت مبكر ويندر ان أظل صاحيا بعد العاشرة مساء ولكن ما ان جذبت الغطاء حتي انبرت في خاطري ليلي بحلو حديثها وخفة ظلها..شريط استمر طويلا يعيد كل حركة أدتها وكل كلمة قالتها وعبثا حاولت النوم ..كلما انقلبت الي جانب أجدها وقد سبقتني اليه.. لما ياتري كل هذا الأهتمام من جانبها ؟..هل تحمل نحوي شعورا بعينه أم ان ذلك كان مجرد حفاوة بضيف مثلي ؟ أو ربما كان ذلك من طبع أمثالها من بنات المدن وأمرا تفرضه ثقافتها فقد رأيت في ذلك الحفل كثيرا من الفتيان والفتيات يجالسون بعضهم كما يجلس أفراد الأسرة الواحدة فلا تكلف ولا حرج. وانا في خضم ذلك الأحساس وتلك التساؤلات استحضر طيف ام هاني التي أرادها أبي لي زوجة أقارن فيما بينها وبين ليلي وغيرها من فتيات الحفل .. وتواترت أفكاري وتصاوير الخيال تنقلني حينا الي قفار باديتنا وتعود بي حينا الي حيث أرقد في تلك الساعة .. كيف يكون موقف امي وأخي عمارة مني حين يقفون علي حقيقة رفضي الزواج من أم هاني وانني لن أتزوج منها.. لقد صارحت أبي بالحقيقة قبل رحيله بأيام وبدا أنه قد تقبلها رغم مرارتها ورغم انه لم يدل برأي قاطع ولكن أشك في تقبل امي وأخي عمارة حتي لمجرد الفكرة فأمي لن تتردد في كشح قبضة من التراب في فمها كما لن يتردد عمارة في رفع عصاه أمامي فكلاهما من أشد أهل القرية تطرفا في مثل هذه المسائل وكلاهما سادن من سدنة الأعراف والتقاليد المتوارثة لقرون.. هما علي دين آبائهما ولن يحيدا عن ذلك الي ان تقوم الساعة.. نعم المهمة أمامي صعبة للغاية ولن ينجزها سواي..علي ّ اذن ان أشحذ فأسي فالأصنام التي ينبغي تحطيمها لاتحصي .. قد يلقي بي قومي في النار لكنها بالتأكيد ستكون بردا وسلاما. لا أدري متي أدركني النوم لكن الذي أذكره انني استيقظت مع شروق الشمس حين اخترقت أشعتها الغطاء الذي كنت متدثرا به فسحبت سريري الي حيث الظل وحاولت ايقاظ صلاح ليفعل مثلي لكنه لم يأبه لذلك فتركته ومضيت أحاول أن انام قليلا حتي يستيقظ الآخرون الا أنني ماكدت أغفو حتي انبري صوت العم يسين حين جاء الي حيث كنا ننام : " يا اولاد ايه الحكاية انتو ماحاسين بالشمس دي.. قوموا جرّو السرائر علي الضل " ! عند ذلك أزحت الغطاء عن رأسي ملقيا علي العم يسين تحية الصباح ملفتا نظره الي اني مستيقظ فعلق عقب ذلك وهو يتقدم الي حيث ينام صلاح : " أيوة كدا.. انت مازول هميم.. زول خلاء مش زي الحمار دا النائم في قلب الشمس وما حاسي بيها "!! وتقدم يزيح عن ابنه الغطاء والأبن يتشبث بغطائه لا يريد الأستيقاظ وكلما أمسك بالغطاء من ناحية جره العم يسين من طرف آخر الي ان استسلم صلاح في النهاية ونهض يجر سريره ناحية الظل.

العم ياسين عبدالكريم رجل بسيط ومكافح..عامل في احدي ادارات مشروع الجزيرة وكغيره فقد نزح الي هنا منذ افتتاح المشروع منذ سنوات طوال فطاب له المقام واستقر هنا في مدينة ودمدني بشكل نهائي ونادرا ما يذهب الي مسقط رأسه في الشمال في مناسبات متباعدة.. وبجانب عمله في المشروع فقد أسس متجرا صغيرا في ركن سور داره يعمل فيه في وقت الفراغ متغلبا بذلك علي متطلبات عائلته.. رجل مرح ونشط ومحبوب لدي الجميع..يمشي مرفوع الرأس أبدا.. محمود الخصال بين الناس وكبير النفس.. تحسبه حين تري تعامله مع أبنائه أنه شقيقهم الأكبر وليس أباهم فلا غرابة ان أحبوه حقا واتخذوه مثلهم الأعلي.

كان يلزمني حمام بارد لأزالة آثار الليلة الفائتة وقد كانت تلك وصفة طبية خاصة بي أتعاطاها في حالة اي شعور بالأعياء والفتور فسرعان ما يغمرني النشاط وتملؤني الحيوية وما ان اديت ذلك حتي جاءت ليلي باسمة كأزهار الصباح تحمل صينية الشاي..ألقت التحية في وداعة ورقة وقالت وتلك البسمة يزداد مداها وهي تغمز بعينها ناحية شقيقها : " البركة فيك ياعبدالرحمن الخليت واحدين أخوانّا يصحوا بدري علي غير العادة " !.. فعلقت علي حديثها بأن الفضل في ذلك يرجع للعم يسين وليس لي فهو من قام بايقاظ صلاح بعد معركة عنيفة . جلست ليلي قبالتي وبقيت تحادثنا الي أن فرغنا من شرب الشاي.. بدأ لي وانا استرق من معالم وجهها كلما سنحت فرصة وكأني أراها للمرة الولي اذ اضفت آثار الليلة الماضية علي جفنيها جمالا من بعد آخر وكأني بها قد انتبهت الي محاولاتي استراق النظرات فأنا لص مستجد لم اتقن اصول السرقة بعد لكنها تظاهرت وكأنها غافلة عن ذلك حتي أتمادي في هذه السرقة غير المتقنة..هكذا بدا لي الأمر..جلست ليلي تشاركنا الحديث لبعض الوقت لتتركنا عائدة بآنية الشاي الي داخل الدار وبقيت وصديقي صلاح نستعيد ذكريات السنوات الماضية نستحضر وجوها ومواقف عدة وظللنا هكذا حتي قبيل العاشرة بقليل حين بدا بعض أصدقاء سهرة الأمس يتوافدون علي الدار حاملين صواني الفطور.. أكثر من خمس صواني تراصفت.. يا لسماحة هذا الوطن ويالسماحة أهله.. قد تختلف عاداتهم في بعض الأمور ويختلف أهل الريف عن أهل المدينة في أشياء كثيرة الا ان الكرم يظل هو القاسم المشترك والرباط الذي يلتف حوله الجميع.

وبإنقضاء تناول الطعام بدأت لعبة الكونكان التي حسب تقديري سوف تظل دائرة الي ان يحين المساء..صياح وجدال ومغالطات لا تخمد جذوتها وعلي رأس هؤلاء المغالطين صديقي صلاح خواجة فهو الأكثر جدلا وهو الذي لايتردد في قذف الورق في وجه خصمه او زميله في اللعب فهو من ذلك النوع الذي لا يقبل بالهزيمة ولا يستطيع تحملها مطلقا وكنت كثير ما أتحاشي ان اكون زميله فهو لا يغفر خطأًً ولا يقبل عذرا.

كانت الكراسي مرصوصة في تناسق ومصابيح الزينة معلقة تحيل ذلك المساء نهارا وشاب يقوم بتوصيل المايكرفون وضبط الصوت قبل بدء الحفل..واحد..اتنين..تلاته..تلاتة واحد اتنين وجموع من الناس تتوافد نحو دارة الحفل حتي انشغلت الكراسي تماما.. اتخذت النساء جانبا والرجال جانبا آخر ولم يمض طويل حتي ارتفع صوت المغني يثير الطرب منذ اول بيتين من اغنيته التي استهل بها الحفل وسرعان ما غصت حلقة الرقص بالشباب من الجنسين.وكنت قد اجلست في الصف الأول منذ حضوري بإعتباري ضيفا وبالتالي فقد كنت أشاهد كل مايجري بوضوح وعن قرب .. ولا أدري لماذا كنت ابحث عن وجه واحد بين كل تلك الوجوه ولا أدري لما خفق قلبي بشدة حين رأيتها من بين الراقصات ولا أدري سر تلك الراحة التي أحسستها حين رأيتها ومذّاك لم تعد عيناي ترقب سواها رغم انني كنت استرق النظر استراقا. وكدت ألا أبارح ذلك الوضع لولا ان شعرت فجأة بيد
تجذبني بقوة فإذا به صديقي صلاح يصيح بصوته المجلجل:" قوم ياعربي يابتاع الروب اعملك همة شوية... ياخي غيّر من شراب الروب دا عشان تشوف الحفلة دي كويس وتتفاعل معاها" وعبثا حاولت التنصل من قبضته ولم تفلح توسلاتي فلم يكن أمامي الا الرضوخ لأمره والدخول الي ساحة الرقص وهو لا يزال ممسكا بكتفي بقوة طائفا بي علي مجموعة الراقصات لأخذ (الشبّال) متوقفاً عند ليلي التي قذفت بشعرها علي وجهي في بشر ففعلت كل سبيبة منه بقلبي ما يفعله السوط بالجسد.

نهى الطيب
01-14-2010, 01:47 PM
وتداعي عش الوئام وهوي
ومضينا كل يصارع قيده
فهل مبق فؤادك بالهوي
ام كان اضغاث احلام تراءت
وسرابا ذاب في الأفق وانطوي
ان لم تجبني فحسبك دمعا
روي خديك فأرواني وروي

الدهشةوالروعة فيما تكتب اخي سيد وفقك الله وسددخطاك
واصل ومعك نتابع

سيد محمود الحاج
01-17-2010, 08:56 AM
الدهشةوالروعة فيما تكتب اخي سيد وفقك الله وسددخطاك
واصل ومعك نتابع


أهلا بيك نهي وأشكرك علي مرورك الطيب وربنا يطيب خاطرك...تسلمي ستي

سيد محمود الحاج
01-17-2010, 08:59 AM
( 14 )

لا أدري أين وجدت الصبر ضحي ذلك اليوم وأنا أتخذ مقعدا قصيّا علي ظهر حافلة مكتظة فتظل يدي تدخل وتخرج من جيبي كأنها جربوع منهمك في حفر جحر...كان فضولي عظيم وشوقي أعظم لمعرفة ما تخفيه طيات تلك الوريقة ولكن احتراما لرغبة صاحبتها لم أشا فضها ومطالعتها قبل وصولي للقرية وقد كان لرجل مسن يشاركني المقعد الفضل الكبير في انشغالي عن امر تلك الورقة اذ لا يكف عن سرد حكايات وقصص وذكريات من ماضٍ بعيد وذلك منذ تحرك الحافلة حتي دخولنا العاصمة فلم يغمض له جفن ولم تفتر شفتاه.

وجدت الشاحنة المتجهة للبادية علي وشك التحرك ولحسن حظي فقد توفر لي مجال علي ظهرها بين أكوام من التبن وجوالات الذرة والأعلاف ويدي لا تفتأ تتحسس جيبي الذي تراءي لي وكأن كل ذهب الدنيا كان فيه فقد كنت منشغلا تماما بالتفكير في امر تلك الورقة..سرحت معها طويلا وتساءلت مرارا لِما طلبت مني ليلي ألاّ أفتحها قبل وصولي الي القرية..هل هي رقية ياتري ام تعويذة تحول بيني وبين شر الطريق!!؟.

الطريق شاق ووعر وطويل ولكن طرائف قومي وحكاياتهم وحلو حديثهم يخفف الكثير من كل ذلك ويأخذ من المسافة أكثرها فتبدو لك الساعات الطوال وكأنها جزء من الساعة فلا تشعر بملل ولا إرهاق اذ تجد ظهر الشاحنة في كل مرة تسافر فيها مسرحا ومنبرا ومنتديً ..فقومي وهم علي ظهر الشاحنة يحكون ويروون وينشدون ويتحدثون في كافة الأمور فأحس في كثير من الأحيان ان إعتلائهم ظهر الشاحنات يمنحهم نشوة الكأس الأول إذ يبدون أكثر طيبة وبشاشة ولا يكفون عن المرح والضحك.

كانت أحاديثهم قد بدأت منذ ان وضعت الشاحنة أول خطواتها صوب البادية اذ خففت حركة الهواء من حر الظهيرة وطابت النسمات وانا اصغي لتلك الأحاديث في محاولة يائسة للوقف عن التفكير في امر ذلك الكنز او تلك الرقية التي أثقلت كاهل جيبي وكثيرا ما تأخذني غفوة فتفوّت علي الكثير من المواقف في تلك الحكايات التي كنت أتابعها ولكن ضحكات (عبدالله إحيمر) التي كانت أشبه بالصراخ كثيرا ماتخرجني من غفوتي فهو لا يكف عن مشاغلة الآخرين ممن هم علي ظهر الشاحنة وممازحتهم...:" لكن انت ياخالي سعد دحين يومكم داك الجائين من ودحسونة ..الإزيرق دا انت ما إتغاتتّ عليه..من الله خلقك شفت ليك زولاً بجروه من إضنينو!!؟..انت ماكان تجره من أكاتفينو والا من رقبتو!..تقوم تجره من إضنينو لامن يتفتقّن !!..دا كلام شنو ياخالي سعد !؟.. وينفعل سعد من ما أدلي به إحيمر فيرد في شيء من الحدّة:" هيْ لكن يا النجيض أنا لقيت شتّن يجروه منو وابيت! قتليكم يابهائم الزول دا كان نائم ومع الدقداق اتدردق لامن بقي مع الزاوية الورانية..الزول وقع تب والجتة كلها برّه ماباقي الا الراس مضبوب بين الباب والزاوية..أها أخير ألفاه بأي طريقتن كانت والا أخليه يقع من اللوري يكسر رقبتو !!؟ وعلي اثر ما أدلي به سعد تتعالي ضحكات إحيمر وتبعث المزيد من المزاح فيصر علي مواصلة الحوار مع خاله سعد كما اعتاد علي مناداته :" طيب انت بعد رفعتو عليك قال ليك شنو ؟..تنفرج شفتا سعد قليلا لتحمل نصف ابتسامة وعلي قلتها كانت باهتة:" هو المنيعيل فيه حسنة؟ والله كان خِتاني انا يومه داك كان لحق امات طه وبي دا كلو قبّل علي وقال لي أريتك آ خالي سعد كان خليتني وقعت..والله كان أهون عليْ من السويتو في إضنيْ"! ...ولا تكاد الضحكات تقف عند حدّ لولا أن انبري صوت (ودالشول) رخيما حين توسطت الشاحنة قلب البادية وقد طابت الأنسام:

دقداق الضهاري في الجيب جنيهك يفكّو
والحدب المُكان ود نفيسة بخبر فرْكو
قال لي الفارْقو انْعدِلْ الليلة حاكي الككّو
خلّي شدر البطان الكابي لابْس ام جكّو

ومنذ ان أنشد ودالشول آخر مقاطعه التي شد بها انتباه الجميع وساد الصمت طويلا عاد احيمر يواصل المزاح مع الآخرين فيلتفت هذه المرة الي(ود البلولة) الذي انتحي مكانا منزويا في مؤخرة الشاحنة وهو يحاول استدراجه ليحكي شيئا من مغامراته فود البلولة كما هو معروف بين اهل تلك القري بأنه كان (زول مطرّفة) أي انه لا يتواني عن سرقة كل ما يبتعد عن المراح من ماعز او سخلان او أي شيء آخر يغري السارق ويكون صيده سهلا.. وقبل ان يعتدل ودالبلولة في جلسته ليشعل السيجارة التي مدها له احيمر كوسيلة يحفزه بها ليحكي عن مغامراته تلك رافعا رأسه الذي كان مسنودا الي أحد جوالات الذرة يتدخّل (ود اب عيش ):" كدي عليك الرسول آ ودالبلولة تقولينا حكاية المساعدي السبّ ليك الدين"! وعلي أثر ما طلبه ودابعيش تصدر عن ودالبلولة ضحكة مقتضبة ويسعل قليلا قبل ان يمسك بحبل الحديث:" ها زوووول...المساعدي العفين داك!!..اصل الحكاية انا ماجيت مع المغيرب لقيت اللوري في حلة كوكو يكبولو في الجاز ومستف تب بضاعة..هاناس ماشين علي وين...قام السواق قال لي خلينا نحن ماشين وين..انت دا ماش وين..اها لامن وريتو قال لي بغشيك محل ماش لكن تدفع عشرين قرش..هازول انت الله ماليك انا زول قدر حالي العشرين قرش لقيتن وين!..يا الله ورب العالمين حتي قبل بالعشرة قروش..طوالي تِتّرِب اشعبطت واتحكرت من فوق مع المساعدي وعرفت انهم ماشين كسلا..أها وكت خلاص دخلنا الضهرة المساعد اب قلبا ميّت زحف لامن بقي جنب (التّندة) واتمدد رقد وكمان النجيض جابلو شخرة...يازول وكت خلاص المسافة قرّبت دردقت ليْ كم كرتونة وبقيت أرمي واحدة واحدة من اللوري.. اها شويتين كدي نقرت بعصايتي علي الزاوية..كع..كع للسواق عشان يقيف ..اها مساعدي السجم زعلّتو التوّيرة وقام مخلوع وكورك فيني:" ياعربي ما تتقدق بي الراحة يدق....."..اها بعد نزلت في الواطة واتوهطت عاينت فيه وقلت ليه سب الدين دا بقابلك بعدين في كسلا".. وتستمر ضحكات الجميع طويلا و ود اب عيش يحاول معرفة المزيد من التفاصيل حول تلك الرواية :" عليك النبي يومك داك رميتلك كم كرتونة يا المسنوح "؟ وترتفع قهقهات ود البلولة وهو يشفط آخر نفس من سيجارته :" يازول والله ما بطراهن كم لكن كان أربعة كان خمسة.. شيء حلاوة وشي صابون وشي علب السجم الفيهن ذاتو ماعرفتو شنو"! ويعود سعد يلقي بسؤال في ذات الموضوع ولعلها اول مرة يشارك بالحديث فيها من تلقاء نفسه دون ان يسأل:" اها يا المنعول رجعت علي الكراتين بي ليلك داك والا خليتن للصباح"!؟.. ويعلو صوت ود البلولة يجيب سعد:" يازول انت الله ماليك !..كان خليتن للصباح واطاتي ما صبحت تب !..وحاتك بي ليلي داك شديت الحمار ومشيت جبتهن والصباح دربي عديل علي ( السليم)..والله تقول جابن لي خمسة جنيه..بعتهن لي ودبخيت سيد الدكان اصلو زولاً ماعندو رافعة ".

سيد محمود الحاج
03-04-2010, 08:24 AM
( 15 )

في صباح باكر كنت قد تربعت علي تلك الربوة التي اعتدت المضي إليها كلما أحسست بحاجة لأن أخلو بنفسي وفي يدي رسالة ليلي المسطرة بخط جميل وواضح مأخوذا بروعة الأسلوب ودفء الكلمات..." ينتابني إحساس بالخجل وأنا اكتب لك هذه الرسالة التي قد يكون مايرد فيها لا يهمك بشيء وعليه قد اكون فرضت عليك أمرا انت في غني ً عنه ولكنني اعتدت ان اكون صادقة في كل الظروف والأحوال.. فالذي اود قوله أنني احمل تجاهك إحساسا مميزا منذ أمد وليس وليد الأيام القليلة الماضية كما قد يتصور لك وقد حسبته في باديء الأمر أنه إحساس آني او نزوة عابرة إلا أنني أيقنت من بعد أنه ليس كذلك بل هو إحساس صادق لم أحس به من قبل تجاه أحد غيرك ولما بات أكبر من ان يظل رهين مابين اضلعي لم يكن أمامي إلا ان أتجرأ وأترجم لك هذا الإحساس كلمات أحمّلها هذه الرسالة علي الرغم من أنني لست متأكدة تماما ما إذا كنت تحمل شيئا من مثل هذا الإحساس او أنك ربما تبادلني ذات الشعور!! ..اما إذا كان الأمر غير ذلك فأنا أعفيك من هذا العبء إذ لا افرض عليك شيئا من ذلك لأن مثل هذا لايُفْرض..!! فلئن كنت قد إقتحمت عزلتك و أقحمتك في أمر لايعنيك في شيء فأرجو ان تغفر لي تطفلي وان تجد لي العذر ويكون ذلك بتجاهل هذه الرسالة وعدم الرد عليها اما إذا كان مافي قلبي في قلبك فتلك غايتي التي لا غاية لي سواها وذلك كل املي وامنياتي وسوف أكون حينئذ في انتظار ردك علي أحر من الجمر ولك في الختام جزيل شكري وتقديري " .

لأيام عديدة توالت كانت تلك الرسالة هي كتابي الأوحد او قل كل كتبي ودفاتري وصحفي وصحائفي..صرفتني عن مجلسي القديم تماما فلم أعد اداوم الحضور كما كنت أفعل لسنوات طوال ولا أقصده إلا عابرا..أخذتني تماما عن كل ماحولي .." أقحمتك في أمر قد لا يعنيك"!! ..كلا ان تقولي مثل هذا ايتها الفتاة التي لم تستبق في الوجدان خلية لم تسكنها..نعم قد تكوني إقتحمت عزلتي او دخلتيها عنوة لكن ذلك يظل أجمل إقتحام فامضي في ذلك ولا تذري حصنا او قلعة..ها اناذا أرفع الرايات البيض عالية خفاقة ملوحا بها بشدة ووجداني تنشد أعذب أناشيد في إستقبال جحافل حبك وتعلن الإستسلام عن طيب خاطر..لن يستغرق الأمر طويلا حتي تكون رسالتي بين يديك ولكن أين لي بمثل كلماتك التي تغوص عميقا في المشاعر!! أنّي لي بذلك وأنا اخو جفوة فيه من الإنس وحشة يري البؤس فيها من شراسته نُعْمَي !! فالكلمات في مثل بيئتي صلدة وخشنة وقاسية كالحجارة او أشدّ..نصقلها بقوة لنستخرج منها معشار ذرة من مثل مالديك من حلو الكلام ..أخشي ألا ّ أجد ما أضمنه رسالتي إليك فأكون كعلي إبن الجهم في اول مقدمه لمدح الخليفة المتوكل ولكن ربما تلين كلماتي وتطيع إن أنت أخذتيني لديك لبعض حين.. لا تأويني بيتا علي ضفة نهر ولا قرب جسر بل يكفيني ان أكون قريبا من منهل الهواء الذي تتنفسينه وساعتها يمكنني ان أقول " عيون المها بين الرصافة والجسر"!!.

إجتررت كلمات الرسالة مرارا وحفظتها عن ظهر قلب..." لأن مثل هذا لا يُفرض "!!..متي يخرج من قومي من يحل طلاسم هذه الشفرة فيفهموا ان الحب لا يفرض وليس في إمكان الآباء ان يؤدونه نيابة عن أبنائهم ولا الأمهات إنابة عن بناتهن.. يبدو انني قد قضيت وقتا أطول من اللازم علي تلك الربوة أسامر طيف ليلي: " قد احببتك وحملتك في كل جوانحي أيتها الفتاة..ربما كان وليد أيام قلائل لكنه ولد ناضجا و وجد قلبا خاليا فتمكنا..ليتك تعلمين ان قلبي وعقلي وكل أحاسيسي لم تعد مشغولة بسواك منذ ان غادرت دياركم ويقيني أنه لن ينشغل بسواك من بعد وأحسب أنك قد أحسست بوادر هذا الإحساس منذ ان سري تيار (شبّالك) ذلك المساء ليشل قلبي تماما فيبقي أسيرا عند سفح قلبك..لم أبح لك بشيء ساعتها الا أنني أحسب ان كل خلية في جسدي قد باحت بالكثير الكثير". مزّقت من الأوراق في ذلك اليوم واليوم الذي تلاه مالم أمزقه في حياتي فكلما كتبت أسطراً ألفيتها لا تتفق ولغة العشّاق لاسيما وان تلك اول رسالة غرام أسطرها... ما بالك أيها اليراع فقد كنت مطواعا من قبل... مالي أراك تقف عاجزا ومازلنا في أول الطريق..الكثير ينتظرك فشمر عن ساعد الجد لتحيل حصي هذه القفار ورودا وأزهارا ..لا تخذلني فأنا أنتظر منك غيثا يروي ظمأ روحي قبل ان يروي غلة هذه البسابس الجدباء.

لم يطل الأمر حتي كنت أقف ذات صباح باكر في محطة العم سالم في إنتظار الشاحنة المغادرة الي المدينة تمطرني أسئلة كل من يمر علي مقربة من حيث كنت أقف فالذاهب الي المدينة كان لدي أهلي في مقام الذاهب الي القمر..: " ها زول خبارك متدلّي.. نعل مافي عوجة؟!"..ماذا يحدث ياتري لو أنهم علموا انني مسافر الي المدينة متحملاً كل تلك المشقة لا لشيء سوي ان أرسل رسالة حب لفتاة من بنات المدن ؟!!

سيد محمود الحاج
03-30-2010, 11:23 AM
16 )

حين وصلت الي المدينة كانت ضالّتي فيها مكتب البريد ومضيت أسائل المارة الي ان وصلت إليه وأول مافعلته هو شراء مجموعة من ظروف الخطابات أودعت رسالتي أحدها فلابد ان حاجتي إليها سوف تكون ملحة من بعد وبعد ان تأكدت مرارا من صحة العنوان المقصود أودعتها الصندوق المخصص لذلك وقبل ان انصرف تماما خطر لي ان أسأل موظف البريد الجالس علي الشباك كم من الزمن يلزم لوصول رسالة الي مدينة ودمدني فأجابني في غير ماإكتراث وهو منهمك في ختم مجموعة من الأوراق موضوعة أمامه ربما ثلاثة أيام ربما أسبوع ربما أكثر ..لاشيء مؤكد علي الإطلاق. تجاوزت مسألة وصول الرسالة الي وجهتها وقد أخذني التفكير الي مسألة الرد عليها من قبل ليلي..فالرسالة القادمة لا ريب في أنها سوف تكون أكثر ثراء من سابقتها فهاهما القلبان قد إلتقيا وتطابقت الأحاسيس وأبرم موثق الحب.

كنت وانا في رحلة الإياب إلي قريتي في شغل عن تسامر الركاب علي ظهر الشاحنة لم تأسرني حكاياتهم ولا حتي مسادير الدوبيت التي كثيرا ماكانت تأخذني قبل هذا وأكثر ماكان يقلقني هو عدم توفر عنوان بريدي لديّ يمكن ان أتلقي عبره رسائل ليلي فإن كنت قد تلقيت رسالتها الأولي يدا بيد فكيف يتسني لي تلقي رسائلها القادمة او علي الأقل ردها علي رسالتي التي أرسلتها للتو!! اللهم إلا أن اذهب إليها بنفسي لإستلام الرد المنتظر وإلا فكيف السبيل إلي ذلك وأنا اعيش في أصقاع منقطعة ومعزولة عن الدنيا ومن فيها وما فيها فلا مكتب بريد ولا وسيلة إتصال أخري متوفرة.. قد يصل إنسان ما الي أي نقطة في الفضاء البعيد قبل أن تصل رسالة مرسلة من مدينة ودمدني إلي (عد ود نايل) التي أحسبها في كثير من الأحيان انها خارج نطاق الكرة الأرضية وأنها تسبح في فلك آخر منفصل.

قبل مغيب الشمس كنت قد وصلت القرية ..تناولت شيئا من الطعام وتمددت علي عنقريب تجاوزته قدماي اتجاذب أطراف الحديث مع والدتي. سألتني عن غاية مشواري الي المدينة ومافعلته هناك فزعمت انني قد ذهبت لإستكمال بعض الإجراءات الخاصة بدخول الجامعة ولما كانت تجهل ماهي الجامعة وما يفعله الناس فيها أخبرتها بأنها إمتداد للدراسة والتحصيل..وهنا ثارت ثائرتها :" إنت ياجنا بتدور عمرك كلو تودرو في القراية..دي قراية شنو اللا بتكمل ولا عندها حد !؟ بتدور مخّك يتطرطش !!.. والله سمع أضاني أبوي قال سمع من الشيخ نايل بي ذات نفسو قال كترة القراية بتخلي المخ زي الريشة !!"... وفي أثناء ذلك كان أخي عمارة قد جاء وأحسب أنه قد إلتقط بعضاً مما كان يدور..جلس علي مقربة منا في إنتظار الفرصة المواتية للإمساك بحبل الكلام وما ان سنحت له حتي بدأ بقذف حجارته:" إنت يازول ناسي بنت الناس الخاتينها ليك دي..بتدورها تنتظرك لي متين!!...قراية شنو وكلام فارغ شنو..ما كفاك القريتو دا..انت بتدور تكمل عمرك كلو في قراية السجم دي...ابوي الله يرحمه ربط لسانو مع أهل البنت وكان ما كدي كان زمان عرسوها..داير تقطع لسان ابوك يا جنا !؟؟". ظللت صامتا انتظر لحظة ان يكف عن الحديث لأنطق بكفري وأجاهر به..نعم فمثل الذي سأقوله يعتبر لديهم كفرا وليس رأيا فلا مكان لرأي في مثل هذه الأمور ولا مكان لما يخالف آراء الآباء وأعراف الأجداد..العلم لا قيمة له لدي عمارة وأشباه عمارة فلا غرابة في انه كان علي رأس المعارضين علي فكرة إنشاء مدرسة في القرية ولا عجب أن كان يمقتها حين أنشئت ويمقت المعلمين فيها وتكريسا لهذا الكره لم يشا ان يلحق إبنه بها فهو يردد من حين لآخر ان لاشيء أجدي للرجل غير سعيته وعصاه. إستغرقت ثورته حينا من الزمان حتي رمي بآخر حجر وامي تثني علي مايقول إيماءً برأسها وأحيانا معلقة ببضع كلمات..أعقبت ذلك فترة من الصمت أيقنت أنها الهدوء الذي يسبق العاصفة فالإعصار قادم ياعمارة ويا أشباه عمارة ولن تقف حجارتك الجوفاء في وجهه ولا عصاك..العاصفة آتية لتجعلكم كأعجاز نخل خاوية..تلاشي ذلك الهدوء الذي ظل لائذا ً بدواخلي طويلا وارتفع صوتي لأول مرة فوق أصوات الآخرين:" فلتعلم ياعمارة أنك لست وصيا عليّ فأنا الآن رجل أعرف كيف أدير امور نفسي وأعرف اين تكمن مصلحتي وأعرف الطريق جيدا ..لن أعمل بغير رأيي ولن افرض رأيي علي أحد والذي أود قوله انني قد إخترت طريق العلم لا طريق المرعي ولن أدعه قبل ان اصل إلي غايتي فيه وهدفي الذي أنشده.. والأمر الثاني فإن (بنت الناس) التي تتحدثون عنها لا يهمني أمرها في شيء وانا لم أتقدم في يوم من الأيام لخطبتها ولأكون صادقا معكم فأنا لا أفكر في الزواج الآن سوي منها او من سواها لأن مشواري في طريق العلم لايزال في أوله..ولأكون أكثر صدقا ً فإنني حين أقرر الزواج فلن تكون امهاني هي من أتزوج بها !!!!!.

بدأ وكأن السماء قد إنهارت علي الرؤوس او أن الأرض قد خسف بها..هبّت أمي مذعورة وهي تحاول أن تأخذ كتحة من تراب لتضعها في فمها , وماكنت سأمنعها إن هي فعلت ذلك,لكنها عدّلت عن تلك الفكرة بصرخة مكتومة أعقبتها كلمات برغم خفوتها تكاد تستعر جمرا:" أكان كدي سجم خشمي..بتدور تسوي شينتن ما سبقك عليها زول في الحلة !!..بتدور تخت راسك بي راس ابراهيم ود عمك حاج عثمان والناس يقولوا عليك النار بتخرا الرماد ويقولوا ود العمدة قطع لسان أبوه في قبره !!؟".

نهى الطيب
03-30-2010, 09:54 PM
تحياتي اخي سيد
معك نستمتع
واصل وماتطول الغيبة

سيد محمود الحاج
04-04-2010, 03:47 PM
تحياتي اخي سيد
معك نستمتع
واصل وماتطول الغيبة

يا هلا بيك دكتورة نهي وكتر خيرك علي المرور

بالتأكيد التواصل مستمر بس مرات الشغل بزيد حبتين

شكرا ليك كتير كتير نهي وان شاءالله معاكم دائما

يديك العافية وتسلمي أبدا

سيد محمود الحاج
05-16-2010, 02:15 PM
( 17 )

همّ عمارة برفع عصاه في وجهي فهذا هو منطقه الوحيد لأنه لم يكن يوما بأكثر من راعي أغنام, ولكن تدخل أمي حال دون ان يتمادي في الأمر ومع ذلك لم أسلم من حجارته :" شوف يا جنا إنت كان داير تخالف راينا انا قائل أخير تشوف ليك حلتن غير حلتنا دي..وغير كدي تب ماعندنا كلاما نقوله ليك "! قلت له وذلك البركان في دواخلي ترتفع حممه بأن هذه قريتي ولي فيها مثلما له ولن أغادرها لأجل أحد ولا لإرضاء أحد..إن أراد ان يغادرها هو فهو حر في رأيه اما انا فلن أغادرها تحت أي ظرف من الظروف.

لم يطل به المقام فمضي يلملم فلول عنجهيته المدحورة وترك الدار متأبطاً عصاه ووضعت أمي رأسها بين يديها باكية تندب الأقدار التي أخذت أبي فلو كان حيّا لما حدث مثل هذا. خطر لي ان أقول لها بأن أبي كان يعرف قراري وانني قد صارحته من قبل لكني تراجعت عن ذلك حتي لا أتهم بأنني سبب موته وعندها لن يكون الطرد عن القرية كافيا.

وعلي الرغم من ان ماحدث بيني وبين عمارة وبين أمي قد ترك أثرا في نفسي إلا أنني أحسست بسعادة غامرةوعدت أشعر وكأنني اسبح في فضاء رحيب ولعل مرد ذلك إلي تحرري من ذلك الحمل الثقيل فها انا الآن قد حطمت أصنام قومي وأصبحت بطلاً سوف تذكره الأجيال القادمة فأنا اكون بذلك اول من نبذ الأصنام ورفع الفأس في وجهها المقيت..الفضل لك ياعم سالم فقد علمتني الكثير في هذه الحياة وماهذه الثورة إلا نتاج غرسك!.

حاولت تطييب خاطر أمي دون أن ابدي لينا في قراري لكنها لم تكف عن البكاء في تلك الليلة كأن أبي مات لتوه..ذلك الزمان قد مضي ياأمي ..اقصد زمانكم ولكل جيل زمان خاص به ينبغي عليه ان يعيشه علي النحو الذي يريده هو لا انتم..أنتم تحاولون تكبيل الزمان بالقيود ليظل في المربض الذي تريدونه لكن هيهات ان يرضخ زمان للقيود..كل الأمور لا بد لها من التغيّر شئتم ام أبيتم لكنكم قوم تجهلون مثل هذه الحقيقة وتعاندون سنن الحياة وقوانين الطبيعة.

آويت الي فراشي مبكرا ولم أحس بحاجة لطعام فقد اغنتني إنفعالات متبائنة عنه..تراءت لي صورة ليلي في مواقف شتّي وفي جميعها كانت تبدو ضاحكة مستبشرة ولم استطع النوم إلا في وقت متأخر ومع ذلك صحوت مع طلوع الفجر.. كنت أشعر بسعادة بالغة علي الرغم من معاناة الليلة السابقة وما جري فيها وكان اول مافعلته بعد تناول شاي الصباح ان ذهبت وعلي غير العادة إلي دار العم سالم فلم اعتد الذهاب إلي هنالك في مثل هذا الوقت المبكر..كنت أحس بحاجة إلي ان أصرخ بأعلي صوتي او ان أضحك ضحكة لم أضحكها من قبل او حتي ان أبكي..شيء في داخلي لا أستطيع تمييزه..مزيج من الإنفعالات تحتدم في ذات الوقت.

ولما كان الصباح في أوله فقد وجدت العم سالم وملازمه ودابنعوف يعدان العدة لتجهيز اللحم بعد ان إنتهت عملية الذبح.. بدأ واضحا علي وجهيهما انهما قد إستغربا مجيئي في هذا الوقت المبكر وابتدرني ود ابنعوف بالسؤال حتي قبل ان يرد تحيتي:" هازول نعل مافي عوجة..خبارك الليلة مبدّر؟؟"..أخبرته بأنني صحوت مبكرا ولم أفلح في معاودة النوم..لم يعلق العم سالم بشيء لكنه أدرك بعين الحكيم أن امرا ما قد حدث..تمنيت لو ان ودابنعوف لم يكن موجودا ساعتها حتي أخبر العم سالم بأن الثورة قد إنطلقت وأنني قد هويت بفأسي علي الأصنام وأني قد أعلنت كفري بها في الملأ.
قال لي العم سالم في عصر ذلك اليوم بعد ان إنصرف عنه ودابنعوف وبعد ان أخبرته بتفاصيل كل ماجري أن مافعلته هو ماكان لابد من حدوثه وما انكسر بيني وبين أهلي سرعان ما ينجبر..أراحتني كلماته كثيرا وخففت من حدة ذلك الإحساس الذي كان يموج في دواخلي علي أثر مادار بيني وبين أخي وأمي . وكما هي توقعات العم سالم فقد إستوقفتني أمي ذات صباح وانا أهم بمغادرة دارنا الي حيث إعتدت المضي وقد مرت ايام خلتها دهرا علي آخر مكالمة بيني وبينها. قالت أنها وشقيقي قد تباحثا في الأمر وانهما مازالا عند موقفهما إحتراما لعهد والدي وقبل ذلك إحتراما للأعراف والتقاليد المتوارثة وعليه فإن عمارة سادن الأعراف لن يتواني عن الإقتران بأمهاني في حالة إصراري علي موقفي حتي لا ينقطع لسان أبيه..كدت ان أضحك بأعلي صوتي فرحا وانا أسمع ذلك علي لسان والدتي فأوضحت لها علي نحو لا يعطي أي أمل بالنكوص عن رأيي بأن عمارة حر فيما يريد وإذا اراد ان يعقد قرانه اليوم فلا مانع لدي.
إنصرفت أمي الي الداخل وقد أضاف ما أدليت به بعدا آخر لما كان يموج بداخلها من حزن جراء موقفي المتزمت..أسفت لحالها وأحسست بشفقة نحوها غير اني وللأسف لا أملك مايشفي ما بها. كنت أعلم جيدا ان عمارة لن يقف مكتوف اليد امام صلابة رأيي وعنادي وكنت أخشي ان يعالج الأمر بطريقة أخري غير التي إختارها ولكن الحمدلله فقد عالج الأمر بأيسر السبل المتوفرة لديه. وكان له ما اراد فلم تمر أيام حتي أوفي بعهده وذاع الخبر في أهل القرية وأنا في شغل عن كل ما يتردد علي ألسنة البعض فعمارة شن وام هاني طبقة..مبدأهما واحد وطريقهما واحد..هو يؤمن بأنه السيد الآمر الناهي وان الزوجة ما هي إلا مملوكة يوجهها حيث شاء وكيفما يشاء وهي خاضعة ومؤمنة بأن هذا قدرها الذي يجب الآ تتأفف منه..مقرّة بأنها ليست سوي(ماعون بول) إذا قضي صاحبه وطراً طرحه بعيدا

تزوج عمارة علي عجل ولم تكن لأم هاني كلمة ولا رأي ولا لزوجته الأخري رأي وبات تقوم بخدمته زوجتان إحداهما بنت خاله والأخري إبنة عمه..أوثقهما بوثاق واحد لترعيا في موضع واحد لا تحيدان عنه شبرا.

سيد محمود الحاج
04-07-2011, 11:21 AM
( 18 )

كنت والعم سالم ذات مساء من أماسي تلك الأيام في منزل المعلمين الملحق بمدرسة القرية نتبادل الأحاديث مع الأستاذ خالد قبل ان تذاع نتيجة القبول في كليات الجامعة فقد كنا في إنتظارها منذ ان أعلن عن ذلك قبل يومين مضيا.. كنت شارد الذهن خلال ذلك فمستقبلي كله تقرره الدقائق القليلة المتبقية ومضت الثواني مثل سنوات حتي أستهل المذيع تلاوة نتيجة القبول..ولأول مرة يرتفع صوت العم سالم بهذه الحدة وهو يعانقني بحرارة والفرحة تكاد لا تسعه...فقد كنت من اوائل المقبولين بكلية الطب بجامعة الخرطوم..كان فرحه طاغيا ولعله فاق فرحتي ..وعانقني مثله الأستاذ خالد ..وأجزم ان لا احد من أهل القرية سواهما يفقه شيئا من أمر هذه النتيجة او يمكنه ان يفرح لها..وزاد مدي فرحتي بقبول صديقي العزيز صلاح خواجة بكلية الهندسة بذات الجامعة..إذن سنواصل المشوار معا ولاشك ان المسافة بيني وليلي ستصبح أكثر قربا...تأوب طيفها امامي في تلك اللحظة وغمرتني سعادة بالغة ..لا شك انها تتابع نتيجة القبول الآن وسوف يسعدها النبأ كثيرا. هذه مناسبة سانحة للذهاب الي أرض الجزيرة .. أرض المحنة فللفرحة هناك طعم آخر فلا ريب ان ليلى سوف تستأثر بمعظمها وسوف يسعدها حضوري كما انها فرصة مواتية لإستلامي الرد علي رسالتي التي أرسلتها إليها فليس من طريقة أخرى لإستلامها.

وماكاد يوم يمضي حتي أصبحت الفكرة واقعاً و كنت في قلب الجزيرة النابض..مدني الجميلة وكانت دار العم ياسين في مساء ذلك اليوم تفيض بالمهنئين من الجنسين..إجتمع لفيف من الأصدقاء حول صديقي صلاح وحولي يشاركوننا فرحتنا الغامرة..أحسست وكأني واحد منهم وليس غريبا زائراً..يضحكون ويمازحون..وأكثرهم سعادة وبشرا كانت ليلي فقد رأيت الفرحة تغمر أحاسيسها ..أكاد أراها في إبتسامتها العريضة وفي نظراتها التي تكاد تنطق وتقول مالا تقوي علي قوله الشفاه.. قضيت أياما كانت من أسعد ايام حياتي وسط اؤلئك النفر وكنت كل ماعزمت علي المغادرة يختلقون حجة او سببا اكون أمامه مضطرا للبقاء يوما آخر ولما نفدت كل الحيل ولم تعد من حجة كنت مغادرا مدينتهم في صباح باكر وهذه المرة أخفقت ليلي كما أخفقت في كبح أدمع كللت وجه ذلك الصباح ولكن بالنسبة إلىّ وجدت العزاء في رسالتها التي إستلمتها للتو والتي ترقد في جيبي ويكاد يضيق بها مظروفها الأنيق فهي كما يبدو من عدة صفحات..كنت أقاوم بشدة رغبة جامحة تلح عليّ لفتحها وتصفحها أثناء الرحلة وقبل الوصول إلا أنني قاومت في عناد ونجحت في ذلك.

مرّت أيام لا أسامر سوى أحرف رسالة حبيبة القلب ..أصحو وأنام عليها..كانت من عدة صفحات معطرة بعطر الأزاهر ..كلماتها وعباراتها منتقاة وبالغة الرقة فتحس وأنت تقرؤها كأنك تردد أغنية عذبة اللحن ذات مقاطع متبائنة كل منها يفوق الآخر عذوبة من حيث الكلمة والنغم وكنت أحس بسعادة ومشاعر يصعب وصفها مبعثها ان الرسائل والردود سوف تتواصل من بعد فالعنوان لم يعد يمثل مشكلة ..فقط أيام معدودة وتفتح الجامعة أبوابها .. ولعل فرحتي برسائل ليلي التي سوف تتواتر على عنوان الجامعة هي مبلغ همي وإهتمامي بل ولعلها تفوق فرحتي بالإنتماء إلي الجامعة ذاتها .

توالت الأيام ومضت سراعاً وجاء صباح ودّعت فيه القرية منطلقا ً في رحلة أخري..رحلة الإنطلاق إلى القمم..إلى ذلك الصرح الذي سمعت عنه كثيرا وقبيل الظهر كنت هنالك أحمل حقيبة ملابسي..كانت مجموعة من الطلاب من الجنسين تنتشر داخل فناء الجامعة الرحب في مجموعات صغيرة تفرقت هنا وهناك.. مشيت بخطىً مرتبكة وعيناي تتجولان يمنة ويسرة لا أقصد مكانا بعينه لكني برغم ذلك ظللت اواصل السير مترددا إلي ان باغتني ذلك الصوت القوي يسخر كعادته:" إنت ياعربي مخلوع والا ايه..طبعا ً دي حاجات جديدة عليكم يا بتاعين الخلاء !!".. تعانقنا في شوق عظيم وكأن سنوات قد فصلت بيننا وقادني بعد ذلك إلى حيث يجلس عدد من زملاء الدراسة في مدرستنا السابقة تم قبولهم بالكليات المختلفة بالجامعة ولما كان صديقي صلاح قد جاء منذ صباح باكر فقد وجدته ملما بكل التفاصيل التي كنت أتوق إلى معرفتها فمنه عرفت مواقع الكليات والداخليات ومكتب التسجيل وغير ذلك. وبعد إستكمال الإجراءات اللازمة أخذني إلى الداخلية المخصصة لكليتي حيث وضعت حقيبتي وتعرفت على بعض من الزملاء الجدد ومن ثم عدنا ثانية إلى مبنى الجامعة نتجاذب أطراف الحديث مستمتعين بالجلوس حول مقهى النشاط الذي سمعنا عنه كثيرا وقبل ان ينفض جمعنا أخرج صلاح مظروفا ً صغيرا ً من جيبه قدمه لي قائلا أنها رسالة تهنئة من ليلى. إستلمت الرسالة في شيء من الإرتباك متظاهرا بعدم الإهتمام حتى يبدو الأمر عاديا وانا أحاول عبثا مواصلة الحديث فيما كنا نتحدث فيه وانحصر كل تفكيري في الرسالة ومتي يحين الوقت وأخلو بنفسي حتى ألتهم حروفها فأنا لا أشبع من مثلها أبدا.

سيد محمود الحاج
04-07-2011, 12:12 PM
( 19 )

إنتظمت الدراسة في الجامعة بعد أيام قلائل تلت ذلك اليوم وقبل المحاضرة الأولى جاء إلى القاعة عميد الكلية في قامته الفارعة ورأسه الأشيب الخالي من الشعر تماما ً في منطقة الوسط وفي صرامة وإنضباط شديدين ألقى مقدمة عن دراسة الطب والسلوك الذي ينبغي ان يسلكه دارس الطب في حياته الدراسية والعملية والإجتماعية على نحو أثار الرهبة في نفوس الجميع واستحدث صمتا مريبا ً فلا شيء يسمع ساعتها سوى دوران مراوح السقف ومما قاله العميد انهم ليسوا على إستعداد لإبقاء من ليس له إستعداد للسير في هذا الطريق المتشعب الذي ينبغي على السائر فيه ان يتحلى بالصبر والمثابرة وبذل كل جهد ممكن وإلا فيمكن لمن لا يأنس في نفسه الكفاءة ان يترجل عن الركب منذ الآن فالطريق طويل ووعر وذو شعب لن يبلغ نهايته من لايملك همة عالية.

تنفس الجميع الصعداء بخروج ذلك العميد المتغطرس وبدأت سيماء الخوف من المجهول تظهر على وجوه الكثيرين ممن هم في داخل القاعة وهم في إنتظار بدء المحاضرة الأولى وألسنتهم تبتهل إلى الله ألا يكون المحاضر كالعميد وتطلعت الأبصار إلي باب القاعة على وقع صرير مفصلاته ليلج المحاضر في زيه الأبيض وشعره الأكثر بياضا وعلى شفتيه إبتسامة ودودة بعثت الإطمئنان في نفوس ظلت تبحث عن مثلها منذ ان دخل العميد إلي أن غادر القاعة.. ألقى التحية دون ان تفارق تلك الإبتسامة شفتيه مرحبا ً بنا في كلية الطب.. ومنذ ان رأيته ساورني إحساس بالإلفة وكأنني قد إلتقيته يوما ً فصوته وطريقته في الكلام ليست بالغريبة..تذكرني بشخص ما..شخص أعرفه دون ان استطيع تحديد شخصيته او ان أستدرك من هو وانجرفت وراء محاولة تذكره إلى ان أفلحت أخيرا..إنه ذلك الطبيب الذي كان يشرف على علاج والدي بالمستشفى الكبير.. الدكتور زكي الفاضل ..الآن أدركت لماذا كان يبدي ذلكما الطبيبان الشابان تجاهه كل ذلك التقدير والإحترام فلا بد ّ أنهما كانا من طلابه.


مرّت أيام وشهور وكنا قد تطبّعنا على هذا الجو الجديد الذي يختلف تماماً عن الأجواء الدراسية في المراحل السابقة فالتحصيل هنا لا ينقطع أبدا والدراسة العملية والتطبيقية تسير جنبا إلى جنب مع الدراسة النظرية بل قد تفوقها أحيانا..لم يعد الوقت ملك أيدينا كما كان من قبل فنحن هنا في سباق مستمر معه وهيهات ان نضيع لحظة دون إستغلالها..كنت في أحيان متباعدة أقوم بزيارة خاطفة لصديقي صلاح في داخلية الهندسة وربما تجمعنا لقاءات عابرة في دار الإتحاد عند إقامة الندوات السياسية الساخنة التي عادة ما يشارك فيها نفر من رجال السياية البارزين منتقدين النظام العسكري الحاكم فالجامعة كانت معقلا لكثير من الأنشطة السياسية بإتجاهاتها المختلفة . ووسط كل ذلك الضغط المكثف كانت واحتي وسلواي هي رسائل ليلى التي تصلني في أوقات متباعدة إذ ألجأ إليها كلما أثقلت كاهلي المقررات والفروض فدراسة الطب شاقة ملء معنى هذه المفردة ومملة في كثير من الأحيان.

في أول عطلة أعقبت شهورا من البحث والتحصيل المتواصل عدت إلى القرية أحمل شوقا ً لا يوصف لربوعها السمراء ولأهلها كافة و عددا من الصحف للعم سالم وأهم من ذلك ربطتي فجل من أجل ود ابنعوف فهو لا يوصي بشيء غير الفجل ولا يطلب سواه..عانقت الجميع في شوق من غاب لسنوات طوال.. أخذتني أمي في أحضانها ومثلها أخي عمارة وكأن شيئا لم يكن..فكما قال العم سالم ان ماينكسر بين الأهل يسهل رأبه. ذهبت غداة مجيئي إلى مكاني المعهود... منتدى العم سالم..وجدته في صحبة ملازمه الأبدي ودابنعوف..تحادثنا في مواضيع شتّى قبل ان أخبره بأن الطبيب الذي كان يشرف على علاج والدي رحمه الله هو كبير المحاضرين وأحد أساتذة الكلية..لم أكن أتصور ان يكون رده حاضرا او أنه مازال يذكره لكنه فاجأني تماما ً حين ذكر لي إسم ذلك الطبيب كاملا وكأنه يعرفه من قبل :" تقصد زكي عزالدين الفاضل ؟"..ردد الإسم كاملا وهذا مالم أكن أعرفه فكل ما أعرفه انه الدكتور زكي الفاضل ولا إلمام لي بالإسم الأوسط فكدت أن أسأله كيف عرف إسمه كاملا غير اني عدلت عن ذلك حين أحسست بمحاولاته لدرء ذلك الإرتباك الذي بدا عليه وكعادته فسرعان ما غير وجهة الحديث إلى ناحية أخرى وكانت السياسة هي الأقرب ولكن برغم ذلك كان ما بدا عليه ينم عن انفعالات شتّى سادت دواخله فهاهو قد عاد يطيل الصمت ونظراته تسافر بعيدا تجتاز تلك الغفار إلى أماكن لا يدري كنهها سواه..من لي بسبر هذه الأغوار العميقة ومعرفة ما تحتويه..كلما نعرفه عنك أيها العم سالم أنك سالم النجار او سالم الجزار وأنك تقرأ وتكتب وتعرف عن الحياة مالايعرفه هؤلاء البسطاء..عشت فينا السنين الطوال ولكن في كل لحظة يظهر لنا أننا نجهل قدرك تماما.

عدت إلى الجامعة وقد إنقضت العطلة ومنذ الأسبوع الأول من بدء الدراسة أحسست بأن هنالك تحركات غير عادية وان الأمور لن تستقر فيما يبدو فالمنشورات تتدفق في غزارة والندوات والإجتماعات تكاد لا تنقطع وضاقت الجدران بالجرائد الحائطية والبيانات التي تهاجم الحكومة وسياساتها ونشطت حركة الأحزاب المختلفة داخل الجامعة بشكل ملحوظ وكل فريق يعد العدة للثورة في وجه النظام المتسلط إلى ان جاء مساء كانت فيه دار الإتحاد تعج بأعداد كبيرة من طلاب الجامعة وغيرهم وارتفعت أصوات رجال السياسة من مختلف الطوائف عبر مكبرات الصوت ينددون بحكومة العسكر الحاكمة منادين بالثورة ضدها وإعادة الديموقراطية وحرية الفكر وتحطيم أبواب المعتقلات وإخراج الشرفاء من غياهب السجون..ولم يلبث الأمر طويلا ً حتى أحسست بأن شيئا ما وشيك الحدوث فقد رأيت بعض المحتشدين يغادر على عجل فناء دار الإتحاد ولما تنبهت للأمر رأيت عددا ً من مركبات قوات حفظ النظام تقف امام المدخل الرئيسى ليحيط أفرادها بسور الدار وهم على أهبة الإستعداد للإنقضاض على من بالداخل فتركت مكاني إلى آخر يسهل عملية الفرار إذا ما دعى الداعي وبالفعل لم تكن إلا لحظات حتى تم الإقتحام وتفرقت تلك الجموع والهراوات والسياط تنقض على الأجساد بلا رحمة.

علمنا في صبيحة اليوم التالي ان عددا من أعضاء إتحاد الطلاب قد اعتقلوا كما اعتقل معظم الساسة المشاركين في الندوة إلا انه برغم ماحدث فالدلائل باتت تشير إلى ان عاصفة قوية سوف تهب قريبا فالمنشورات المشتعلة ما زالت تتوالى والغضب يزمجر في نفوس الثائرين وقادة الطوائف السياسية في دأب متواصل ليل نهار وهم يجمعون الصفوف..ومع ان الدراسة ظلت مستمرة في كليات الجامعة المختلفة إلا ان عدم الأطمئنان كان هو الشعور السائد إلي ان جاء اليوم المرتقب فإذا حشود الجامعات والمعاهد والثانويات تخرج ذات صباح من ساحة جامعة الخرطوم وهتافاتها تصم آذان الشوارع مطالبين بالديموقراطية وعودة العسكر إلى الثكنات. كانت الخطة ان تتجه تلك الحشود إلى قلب المدينة حتى تلتحم بالجماهير ومن ثم تتجه إلي القصر الجمهوري تماما كما كان إبان ثورة أكتوبر ولكن الإلتحام لم يحدث كما كان متوقعا بل خلت الشوارع من المارة والباعة وغيرهم منذ ان رأوا موكب المتظاهرين ولاذ الجميع بالفرار مخافة بطش جند النظام وخوفا من ظلمات السجون وما يحدث فيها من تعذيب..لقد نجح العسكر إذن في قتل الغضب في النفوس مثلما قتلوا كل شيء جميل فيها. وماكادت الحشود تجتاز الشارع إلي الجانب الآخر حتى وجدت في إنتظارها أعداد هائلة من أفراد قوات حفظ النظام بكامل عدتهم وعتادهم سرعان ما استقبلوها بقنابل الغاز المسيل للدموع وأطلقوا عيارات نارية في الهواء لترويع المتظاهرين ثم انقض بعضهم على الذين يتقدمون المظاهرة مستخدمين السياط والهراوات.

سيد محمود الحاج
04-07-2011, 12:16 PM
وجدت نفسي وأثنين من الرفاق نركض من ضمن الراكضين وقد تركنا شارع القصر المشتعل متجهين شرقا ً ..لم نكن نقصد مكانا بعينه ولا ندري لماذا مضينا في ذلك الإتجاه ..ربما كان الطريق الأكثر هدوءا ساعتها..لم يلتفت أي منّا إلى الوراء بل كنا كما كان غيرنا نواصل الفرار ونجري بأقصي سرعة كلما أشتد ازيز الرصاص خلفنا وكلما تصاعد الدخان..كان يخال لي ان هذه العيارات التي يتعالى صوتها منطلقة في أثرنا نحن لا سوانا... لم أهتم بأمر حذائي الذي تركته من خلفي غير مأسوف عليه فهو في ذاك الصباح يقيّد الحرية تماما مثل هؤلاء العسكر..اللعنة عليه وعلي كل من وما يعيق الحريات..!! .. بعد حين كنا قد ولجنا القسم الشرقي من العاصمة فكان هادئاً وكأنه ليس جزءا من تلك المدينة فتوقفنا عن الركض لاهثين بعد ان أصبحنا بمأمن ورأينا ان نواصل السير حتى الوصول إلي الشارع المتجه إلى كبري النيل الأزرق لإيجاد وسيلة نقل تبعدنا عن قلب العاصمة الملتهب ولكن لم نكد نمضي خطوات حتى تعالى أزيز الرصاص ولفحنا ذلك الدخان الحارق..يبدو ان مظاهرة أخرى قد إنطلقت في الجهة التي نقصدها. قلت لصاحبيّ ان البحر خلفكم والعدو أمامكم فلا مفر من اللجوء بأحد تلك البيوت المجاورة ريثما تهدأ الأمور ولكن ما نعلمه ان معظم قاطنيها من كبار موظفي الدولة والخبراء الأجانب فمثلهم لا يأوي لاجئا من مثلنا إضافة إلى ان معظم بوابات تلك المنازل تحمل لافتات كتب عليها عبارة ( إحذر الكلاب) فكيف يتسنى لنا الدخول !؟..قال لي أحد الرفاق ان هذه اللافتات تستخدم للتهديد فقط وأغلب الظن ألا تكون هنالك كلاب في الأصل لأن مثل هذا الحيّ لا يقصده اللصوص فقلت له على أثر ماذكر ان يجرب بنفسه ليثبت لنا حقيقة ذلك ولكن ما ان دنا من إحد الأبواب حتى تعالى النباح من أكثر من كلب..نباح كان كالزئير فصوّر لنا شكل مصدره قبل ان نراه من خلال قضبان السور وعليه لم يكن أمامنا إلا الإبتعاد عن هذه البيوت التى لا تغيث ملهوفا ولا يمكن ان تكون ملجأ ً لخائف ولكن أثناء إنسحابنا لفت نظري ان احد أبواب هذه المنازل كان مفتوحاً جزئيا ولا يحمل لافتة تحذّر من الكلاب فأقتربنا في حذر مخافة ان يكون الكلب واقفا ً بالمرصاد ولما دنونا قليلا رأينا سيدة في فناء الدار تسحب خرطوم مياه لتضعه تحت رتل من شجيرات متصّافة..لم تنتبه لنا ونحن نقف على الباب لذا فقد ألقينا التحية للفت إنتباهها وكم كانت فرحتنا كبيرة حينما استقبلتنا في بشر ودعتنا للدخول مبتسمة :" تفضلوا يا اولادي..مرحب بيكم "!..كانت هنالك كراسي في حديقة المنزل دلفنا إلى حيث توجد ولكن قبل ان نجلس طلبت منا الدخول إلي الصالون فالجو في الخارج كان خانقا بسبب دخان الغاز المسيل للدموع والذي إزداد كثافة في تلك اللحظات..عجبنا لبشاشتها وكرمها إذ لم نتوقع ان نقابل بمثلهما في بيوت كهذه. ويبدو ان ما بدا على وجوهنا قد أنبأها بواقع الحال في الخارج وأننا جزء من تلك المظاهرات المندلعة فغابت عنا لدقائق لتعود بعدها حاملة إناءً به ماء للشرب كما دلتنا إلى حيث توجد حنفية الماء لإزالة أثر الدخان الحارق الذي كان فعله واضحا ً على أعيننا.. شكرناها في أدب جم وقدمنا العذر على ماسببناه من إزعاج وكلفة.

كان المجلس فخما وأثاثه أكثر فخامة وعلي أرفف ممتدة بطول الجدارين المتقابلين وضعت أنواع من التحف واللوحات والصور والشهادات الموضوعة في أطر مختلفة المقاسات والأحجام.. لا بد ان صاحب الدار من كبار رجالات الدولة قد يكون وزيرا او من كبار المسؤلين والويل لنا إن كان من سدنة النظام الحاكم..ساعتها نكون قد أتينا حتفنا بظلفنا..ثرنا في وجهه وأشعلنا الشارع ضده وجئنا نلتجيء بداره..هكذا كنت أردد في نفسي وانا أطالع تلك الصور الموضوعة على الرف المقابل لحيث كنت جالسا دون ان أميز شيئا بعينه ولكن ولدهشتي البالغة حين إلتفت لمطالعة الصور الأخرى المعلقة على الرف الآخر الواقع خلف مقعدي رأيت صورة واضحة المعالم يطوّقها إطار كبير مزخرف بدأت الأحدث من بين جميع الصور الأخرى..وكانت للدكتور زكى الفاضل. في ذلك الأثناء عادت تلك السيدة الكريمة المتواضعة جدا تحمل إناء ً زجاجيا ً مملوءا ً بعصير الليمون وضعته أمامنا ودعتنا للشرب ولكن قبل ان أحتسي شيئا من ذلك الشراب أردت التأكد من ان الصورة تلك هي بالفعل للدكتور زكي الفاضل وليس لشبيه له فأجابت مبتسمة بما وافق توقعاتي ..تلك صورته وهي زوجته ونحن الآن في منزله..يالغرابة الصدف ..!!!..أخبرتها بأني من تلامذته في كلية الطب وشجعني ذلك على إستئذانها في مطالعة بقية الصور والشهادات التي تزين الأرفف عن قرب فكانت صور في مراحل عمرية مختلفة بعضها يعود لأيام الدراسة فيما يبدو..لقطات جماعية وأخرى فردية ألتقطت في معظمها بعيدا عن الوطن شدت إنتباهي صورة جماعية بدا أنها صورة التخرج..جمعت عددا كبيرا من أناس مختلفي السحنات من الجنسين معظمهم من جنسيات اوروبية فيما بدا لي و من بينهم ثلاثة او أربعة وجوه أفريقية الملامح إستطعت بعد جهد تحديد صورة الدكتور زكي الفاضل من بينها.

لم نطل البقاء وغادرنا شاكرين منزل الدكتور زكي الفاضل وبدأ ان الأمور قد هدأت بعض الشيء إذ إنحسر ذلك الدخان الخانق وهدأ ازيز الرصاص ولا هتاف يسمع..أطفأ العسكر الغضب بنار السلاح وحدها ولكن كيف تطفيء النار نارا ً!!..الغضب المكبوت يتحول إلى بركان لابد ان تنفجر حممه ذات يوم وما أعنفه وقتئذ ٍ!!..عدّلنا عن فكرة مغادرة العاصمة ورأينا أن نعود إلى الداخليات لنقف على مجريات الأمور ولما كان الطريق الذي سلكناه يمر بداخلية الطب أولا ً فقد إفترق ثلاثتنا كل يقصد داخليته وحين دلفت إلى فناء الكلية ألفيته يموج بأعداد كبيرة من الطلاب من مختلف الكليات وكان كذلك الحال بالنسبة للأروقة والغرف....كان معظمهم في حالة يرثى لها فالملابس ممزقة والأقدام حافية وفي داخل غرفتي وجدت صديقي صلاح خواجة مع مجموعة ضاقت بهم الغرفة الصغيرة وما أن رآني حتى وقف صائحا ً:" ياعربي إنت لسه حي..نحن قلنا يكون جاتك طلقة ريحتنا من خلقتك دي والا على الأقل تكون إتمسكت مع الجماعة الإتمسكو ..!!" ..أفسح لي مجالا لأشاركهم الجلوس على السرير الآخر وطفقت أروي لهم تفاصيل ماحدث لنا وكيف قادتنا الصدفة إلى منزل الدكتور زكي الفاضل.

سيد محمود الحاج
04-18-2011, 04:19 PM
( 20 )

توالت الإضطرابات في تلك الأيام وأصبح من غير الممكن إستمرار الدراسة وسرعان ماصدر قرار إقفال الجامعة وتعليق الدراسة إلى أجل غير مسمّى فرجعت إلى القرية إلى حين ان يتم الإعلان عن إستهلال الدراسة ثانية وكان أن سمع ود ابنعوف من العم سالم والأستاذ خالد بما يدور في المدينة والجامعة على وجه الخصوص من أحداث وبالطبع فقد وجد في هذا مادة دسمة مضى يذيعها في ربوع القرية فلا غرابة ان قابلني أهلها وكأنني عائد من ميدان حرب وتوافدوا على دارنا يهنئون أفراد أسرتي بسلامة عودتي ومئات من الأسئلة لا تترك شاردة ولا واردة. جلست في وقت متأخر من عصر ذلك اليوم أعيد شريط الأحداث على مسمع العم سالم والأستاذ خالد وعلى مقربة منهما يجلس حسن ودابنعوف ..رويت لهم ماحدث منذ مداهمة قوات حفظ النظام لدار الإتحاد إلي اليوم الذي إندلعت فيه المظاهرات وكيف إنطلقت الحشود الثائرة وهتافاتها التي مزقت سكون ذلك الصباح وكيف قابلها العسكر. كان العم سالم يتابع حديثي مستلقيا على سريره واضعا ً ساعده الأيسر على جبهته ينظر إلى الفضاء كأنه موكل بسبر أغواره فيبدو وكأنه في واد آخروكانت هذه عادته منذ ان عرفته وقد كنت أحسب في بداية الأمر أنه في شغل عما يدور من حديث ولكن بمرور الزمن تأكدت من أنه يتابع كل كلمة يدلي بها محدثه ولا يفوته شيء من ذلك..قصصت عليهم كيف حوصرنا في أحد الشوارع وكيف لجأنا بأحد المنازل الذي ألفيناه منزل الدكتور زكي الفاضل بمحض الصدفة وكيف رحبت بنا قرينته تلك المرأة الفاضلة وإزاء هذا علّق ودابنعوف مقاطعا حديثي : " والله ياجماعة تب ماني قائل المدينة دي يتلقي فيها نسوان بنات رجال وضكرانات متل المرة دي..!!.
لاحظت أثناء ذلك ان شيئا من القلق قد بدأ على وجه العم سالم ولا أجزم إن كان ذلك واقعا ام أنه مجرد إحساس لا أساس له إلا أنه بدأ أكثر إرتياحا حينما أنهيت الكلام حول مادار في منزل الدكتور زكي الفاضل وعبرنا لشاطيء آخر.


عادت الأمور إلى طبيعتها في العاصمة بعد أيام من أعمال الشغب والمظاهرات الطلابية وسرعان ما أعلن عن إستئناف الدراسة فعدت إلى المدينة مودعا سكون تلك الوهاد وذلك الهدوء المفقود في غيرها فلا صافرة قطار ولا بوق مركبات ولا أزيز طائرات ولا مكبرات صوت تجلجل..كان في إنتظارنا الكثير من العمل الشاق من بحوث ودراسات تستوجب الرجوع إلى العديد من المراجع والمصادر وعلينا ان ندفع ثمن كل ساعة ضاعت بسبب تلك الأحداث..كان الله في عوننا فعلم الطب ذو وجه لا يعرف الإبتسامة أبدا. كنت في شوق لرسائل ليلى فقد إفتقدتها كثيرا وكم حاولت زيارة ودمدني خلال فترة تعطل الدراسة لكن الفرصة لم تسنح ابدا ولكنني عوضت عن ذلك في وقت لاحق مصاحبا صديقي صلاح في عطلة الكريسماس ..كانت سعادة ليلى بقدومي لا تخفى علي عين وكنت أحس وكأن نظراتها تعاتبني على طول الغياب رغم اني كنت في كل رسالة أطلب الصفح والغفران بسبب ظروف الدراسة والتحصيل المتواصل.

كانت ليلة الإحتفال بالكريسماس من اجمل ماعشت فقد كانت في منزل أماني صديقة ليلى إذ صادف ذلك عيد ميلادها أيضا وعليه فقد طلبت ان يتم الإحتفال بالمناسبتين في دارهم وكان لها ما أرادت..كان جوا تجسدت فيه الرومانسية فطابت النفوس ورقصت الوجدان قبل ان ترقص الأجساد..في تلك الليلة ولأول مرة تناولت كأسا من الخمر تحت إصرار صديقي صلاح حين أخذني من وسط الجمع ومضى بي خارج الصالون :" خود ياعربي غمَض وأبلع عشان تتدفا من البرد وتعرف تتونّس كويس وتسيب الخجل بتاعك دا "! ولم ينفع إعتراضي ورفضي أمام إصراره القوي رغم اني قد رفضت كل الإغراءات من قبل فتجرعته مرغما وبذات الإصرار تجرعت الثاني والثالث حتى لم يعد من داعٍ للإصرار فيما بعد وتدنّت حواجز كانت تبدو لي في علو الجبال وطغت علىّ جرأة لم اعهدها من قبل ولم أحس يوما بأني أمتلكها. قلت لصلاح ونحن نواصل التعليق علي الحفل بعد عودتنا إلي المنزل بأني أرغب في ان تكون ليلى أول سفيرة للمدنية في قفارنا الجدباء فضحك ساخراً :" خلاص الريد ليبل إشتغل "!؟ ثم أردف في ثورة لم أدرك أنها مصطنعة إلا بعد ان كدت أفقد ثمالتي :" إيه...قلت عائز إيه..والله كويس..نحن ما عندنا بنات قنعانين منهم عشان نرميهم في صحراء ونديهم لي عرب غُبش زيّك كدا !!" ومضي في سخريته اللاذعة :" إنت قلت عاوز مين يكون سفير..انا والا ليلى؟!.. يبقى يابتاع الروب تمشي تقول الكلام دا لي ليلى مش لي انا خاتما سخريته بضحكته المجلجلة و الأكثر سخرية.

سيد محمود الحاج
06-04-2011, 10:56 AM
( 21 )


فرحت كثيرا كما فرح زملاء الدراسة أيضا بحدوث تلك المحاولة الإنقلابية الفاشلة في تلك الأيام بالذات لا لقيامها ولا لإخفاقها ولكن لأنها منحتنا فترة راحة كنا في أمس الحاجة لها بعد ان أضنانا العمل والتحصيل المتواصل الذي لا يكاد ينقطع في ليل او نهار فهذا شأن السنة الرابعة في دراسة الطب حيث الدراسة النظرية والتطبيقية تسيران جنبا إلى جنب لاتفرقان بين ليل او نهار ..صدر الأمر بإقفال المدارس والجامعات حتى إشعار آخر ولما كنا في حاجة للهدوء والسكينة فقد عدت إلى القرية يصحبنى صديقي صلاح ورغم سخريته الدائمة من أهل البادية إلا أنه يخفي في نفسه حبا عظيما لهم ولبساطة حياتهم ولعله عبر عن ذلك في كثير من المواقف في المرات التي جاء فيها بصحبتي وكان معجباً بشخص ودابنعوف فكثيرا ما يمازحه ضاحكا ويكن إحتراماً بعيد المدى للعم سالم وكان يقول لي عنه حين عرفه عن قرب لا بدّ أنه مليك أضاع عرشه في مكان ما بعيدا عن هذه الأصقاع..كنّا ذات أصيل في مجلس العم سالم الذي ضم الأستاذ خالد اوشيخ خالد كما يناديه التلاميذ واهل القرية وعلي ودنفيسة سائق الشاحنة وودابنعوف الذي كان يتحدث عن تعطّل الشاحنة المتكرر موجها حديثه لسائقها والذي هو من أهم شخوص القرية:" انا قلت ليكم كلامي لكن زي ماقالوا كلام القصيّر مابنسمع..الحديدة دي كان ماشلتو ليها الزيارة مابتقيف علي حيلها تب..سيد بقارة الدونو مافي دبارة..دحين ياود نفيسة اختي خت كلامي دا في بالك وشيلو النضُر لي ودحسونة " ولم يكن امام ود نفيسة إلا ان يهز رأسه بما يفيد الموافقة والقبول بإقتراح حسن ودابنعوف حتي يتمكن من مشاركة الآخرين في النقاش الدائر بشأن الحكومة والمحاولات الإنقلابية المتوالية.." والله ياجماعة زي ماقال خالي ودحاج إدريس زمان..حكم اولاد البلد ديل زي الزول المقاس مركوبو نمرة تمانية ويجوا يمرقوه من كراعو و يلبّسوه نمرة سبعة بالغصب...ان بقى لابْسو كراعو بتنزلط وإن مشى فوقو المركوب ينفتق !! البلد دي من فاتوها الإنقليز حرّم ماروّحت خطوة واحدة لي قدّام ..يازول اولاد البلد مافيهم خير تب !...يلبعوا ويبلعوا لكن كدّة لي زول وحاتك تب مافيهم "!.. كانت هذه العبارة المأثورة تكاد تكون هي كل مايدلي به علي ودنفيسة سائق اللوري كلما دار الحديث حول الحكم والسياسة وفي معظم الأحيان كان الأستاذ خالد يحاول ان يوضح له الفرق بين حكم المستعمر وحكم أبناء الوطن إلا أنه لم يكن أبدا على إستعداد لتقبّل أى فكرة أخرى غير التي وردت في سياق ماقاله خاله ودحاج إدريس وهذا ماجعل العم سالم في مثل هذا النقاش يكتفي في معظم الأحيان بإبتسامة دون أن يعلق بشيء فهو الأكثر دراية بأهل قريتنا.. وإذا كان العم سالم يعلق على مايدور من أحاديث في السياسة بإبتسامة فإن تعليق ودابنعوف يكون بزفرات وتعبيرات تعكس مدى ضجره ومقته لمثل هذه الأحاديث التى قل ان يشارك فيها وهو إنسان قد يقتله الصمت ولما كان صلاح قد فطن لهذه الحقيقة فقد كان يقتنص اول فرصة تسنح ليخرجه مما هو فيه:" هسه ياحسن ما وريتني رايك..انا بت بلد تب ما عائزها..تعرف اول ما اتخرّج طوالي على بلاد برة ووصلتي كدة أول حاجة أتلمّ لي علي خواجية "! وعلى أثر ذلك يتلاشى كل ضجر ودابنعوف في مرة واحدة وتتسابق كلماته للخروج من سجنها في وقت واحد:"والله ياود ياسين أخوي، هكذا كان ينادي صلاح منذ ان عرفه عن قرب، والله كمان قالوا النصرانيات ديل كان لمّن في جنسنا دا ما ينفكّن من رقبتو تاني...هازول النصائب من غُلُف..وحاتك قالوا الدّاهي الليلن مارق متل القنْقرة الراكّة فوقها الطيرة وكان لي رجالن وحاتك شغيلاتن أكان شغيلات العتّان " وعلى أثر آخر عبارة يتساءل الأستاذ خالد مغالبا ضحكاته:"إنت ياودابنعوف شغيلات النصارى شفتها وين عشان تقول كلامك دا ؟".. وتنفتح شهية ودابنعوف للحديث فيزداد صوته حدة وقوة :" يازول كيفن ؟..البلد دي زمان ماكان حاكمنها النصارى..والله شوف عيني النصراني يشمر ويبول واقف علي حيلو متل الكلب لا بندس ولا بتضارى وكان مغالطني أسعل سالم دا !" ويلتفت إلى العم سالم :"ما بتطرا ياسالم أخوي السنة الجوا شاقين الحلة والترنبيل وحل بيهم في الميعة القدام ديك..والله الواحد فيهم يقيف قدام الخلق كلها وجرررررر يبول ".

أصر صلاح وهو يهم بمغادرة ربعنا بعد عدة أيام قضاها بيننا ان أرافقه في رحلة إيابه إلى أرض الجزيرة والحق يقال أنني كنت اود في أعماقي المضي إلى هنالك حتى قبل هذا بل وأرغب فيه بشدة ولكن لم أشا إلا ان أتظاهر بغير ذلك.. كنت أحمل شوقا عظيما فقد مرت أيام طوال دون ان ألتقيها او حتى أن أتلقى رسالة منها وهذه فرصة قد لا تتكرر في المدى القريب فالمرحلة المقبلة هي الأكثر صعوبة وشدة في مشوار الطب كما بشرنا من سبقونا. كانت ليلى صادقة في مشاعرها نحوي إلى حد بعيد فلا غرو ان بدأ ذلك على كل قسمات وجهها حين وصولنا إلى هناك فالفرحة تكاد لاتسعها وكان ذلك واضحا للجميع فلم يتورع شقيقها عن التعليق امام الجميع:" هسه بالله ياليلى البشاشة دي كلها عشان عرب الخلاء ديل؟" فتجيبه ليلى ساخرة وبكل جرأة :" أمّال عشانك إنت ؟!"..والحقيقة ان مابيني وليلى كان قد أصبح صرحا عالياً بل شمساً لا تحجبها غيوم لاسيما منذ ان أعلنت عن ذلك غداة تلك الليلة التي تجرعت فيها مرغما الريد ليبل كيلا يقال انه كلام ليل يمحوه النهار ولأثبت لصديقي صلاح انه ليس من أثر تلك الكؤوس بل من أثر مشاعر تملّكت الوجدان تماما وأصبحت أكبر من ان تظل حبيستها.

كانت اجمل ثلاثة أيام مرّت في حياتي وكم تمنيت ان تطول لكن الإعلان المفاجيء عن إستئناف الدراسة قطع ذلك الحلم الجميل إذ ودّعت ليلاي ذات صباح وانا أمد يدي دون ان أنظر في وجهها مخافة ان تطفر دمعة منها فتفجر ينبوعا يحتدم في دواخلي..أحسست برعشة كفها فكان ذلك كافيا ان يهز كل خلية في جسدي ومضيت صامتا حتي وصولنا إلى محطة البصات.

سيد محمود الحاج
06-04-2011, 10:59 AM
( 22 )


كانت تلك أطول ساعة في تاريخ حياتي فقد مضت الساعات التي سبقتها دون ان أحس بها أما هذه فكأني بها تعود للوراء حيناً ثم تتوقف بعض حين قبل ان تعود لتعاود حركتها للأمام مرة أخرى.. كان ذلك في بداية السنة الأخيرة من دراستي في كلية الطب حين كنت أواصل دراسة تطبيقية ذات مساء في مستشفى الخرطوم تحت إشراف الدكتور زكي الفاضل.. وعاد بي ذلك إلى سنوات طوال مضت يوم أن جئنا بأبي مريضاً وذلك الطبيبان الشابان يفعلان كما أفعل وزميلاي الآخران اليوم.. هل نبدو ياترى مثلهما!..خطر بذهني لحظتها العم سالم ونظرات فاحصة أمطرها به ذات الطبيب الذي أعمل الساعة تحت إشرافه فتوالت في ذهني أسئلة عدة ظلت وستظل بلا إجابة. كان صديقي صلاح قد زارني في السكن الجامعي قبل أسبوع مضى من تلك الليلة وظللنا نتسامر وبقية الرفاق إلى وقت متأخر من الليل..حمل إليّ نبأ ً مفرحاً مفاده ان عقد قران أحد أبناء مدينتهم سوف يتم في الأسبوع القادم وسوف يتحرك ركب الفرح من أرض الجزيرة إلى العاصمة الخميس المقبل حيث مقرالعروس وأسرتها..كان النبأ عظيما بحق زغردت له المشاعر وأحتفت الوجدان ورقصَت فشوقي لليلى لا يوصف إذ لم أرها منذ أكثر من ثلاثة أشهر مضت ولم ألتقها إلا في رسالة واحدة وكل ماكنت أطمع فيه ان تصلني رسالة أخرى أما أن تأتى بذاتها فهذا لعمري حلم لم أحلم بمثله في تلك الأيام بالذات فلا عجب ان تساءل بعض أصدقائي عن هذا الذي حدث لي وجعلني ابدي كل هذا الفرح وسط تلك الشدة وذلك الجو الخانق الملبد بالكتب والمراجع ورائحة المشافي.كانت الساعة تشير الى الثامنة مساء ونوبة العمل تنتهي عند التاسعة وعقب ذلك عليّ ان أعود إلى سكن الجامعة لآخذ حمّاما وأستبدل ملابسي بما يليق وحضور ذلك الحفل الذي كما أخبرني صلاح سوف يحييه ابو اللمين وأن أظهر بمظهر لا ترضى ليلى بسواه فهي أنيقة دائماً ودقيقة في إختيار ما تلبسه وكانت في كثير من الأحيان تنتقد شقيقها صلاح في طريقة لبسه وأختياره لما يلبس ولا أدري هل كنت انا موفقاً في ذلك ام انها تستحي من إن توجه لي نقدا مباشراً !...ولا تتصور مدى فرحتي حين لم يتبق من موعد الإنصراف إلا خمسة دقائق..كنت وانا أغسل يديّ بالمطهر إستعدادا للمغادرة أدندن غير آبه بالآخرين وابتسامة عريضة تصور وتعرض حقيقة ما يموج في دواخلي فالساعة القادمة ستجمعني بليلي ..سآخذها جانبا مستمتعا بحديثها العذب وضحكاتها التي تطربني وتشجيني كما الأغنيات الرائعة اللحن ..خطوت وذات الإبتسامة تلازم شفتيّ إلي حيث الخزانة المخصصة لتعليق البالطو الأبيض ولكن قبل أن أكمل خلعه تماما إستوقفتني إحدى الممرضات لتخبرني بأن الدكتور زكي يطلب منا عدم الإنصراف والتوجه إلى قسم الحوادث سريعا لأن هنالك عدد من الحالات المطلوب إسعافها فورا !.. يا لتعاسة حظي !! ظللت أحسب الدقائق والساعات لأسبوع كامل في إنتظار هذه الساعة وحين تأتي يأتي ما يبددها.. الله وحده من يعلم متى سوف نغادر قسم الحوادث..قد يستمر العمل حتى الصباح ولا أدري هل سأقابل ليلى ام لا ! .. لم يعد يهمني أمر الحفل فقط أريد ان ألتقيها دون سواها ولا أعرف هل ستبقى ام ان الركب سيمضي بهم في رحلة العودة بمجرد إنتهاء الحفل !!..أصبت بخيبة أمل كبيرة للغاية وتحوّل كل ذلك الفرح الذي كان يطفر في جوانحي إلى إحباط وغضب مختلط بحزن ولكن ماعساي ان أفعل ! هكذا هو الحال لمن أراد العمل في حقل الطب..عليّ ان أتخلص سريعا من ذلك الشعور وكأن شيئا لم يكن وأمضي إلي قسم الحوادث سريعا لأن كل خطوة تحسب في درجات التقييم. وجدت الوضع أسوأ مما تصورت ..حادث تصادم بين باصين سفريين..قتلى وجرحى وهذا يستدعي الإنتقال فيما بين المشرحة وغرفة العمليات..وقف الطاقم الطبي كافة لمواجهة هذه الحالة فعدد المصابين يبدو كبيراً..الآن بت على يقين من أنني لن أغادر العمل قبل صباح الغد وهذا في أفضل الظروف!!.. إذن لن أقابل ليلى ولن أحضر حفلاً ولن أستمتع بمجالسة أصدقائي الذين كنت أتوقع حضورهم في كرنفال الفرح!!..هكذا حظي فقد درج على التخلي عني في آخر لحظة !!.. طلب منا التوجه إلى غرفة العمليات فهنالك أكثر من حالة تستوجب تدخلاً جراحيا ً عاجلاً..ممرضة منهمكة في تجهيز أدوات الجراحة وتحضير مايلزم واخري تعمل على إزالة الدماء المتكدسة على وجه احد المصابين والذي بدا ان حالته أكثر خطورة ومن الواضح انه اول من سيخضع للجراحة ويشرف على ذلك الدكتور ماجد أخصائي الجراحة ومعه بعض الأطباء الآخرين ..ساد الصمت لحين قبل ان يقدم لنا طبيب الجراحة وصفاً موجزاً للحالة..نزيف داخلى جراء تهتك بالجمجمة..الحالة حرجة لكن الطب لا يعرف اليأس و لن يقف متفرجاً..لابد من المحاولة وتقديم مايمكن تقديمه..تنبهت حينما شرعت الممرضة في إزالة بعض من شعر الرأس حول مكان الإصابة تمهيدا لإجراء العملية ان المصاب فتاة في مقتبل العمر.. تذكرت ليلاي فمنذ ان عرفتها أصبحت كل فتاة هي ليلى..إقتربت أكثر لأقف مثل من أصابه برق صاعق..أظلمت الغرفة تماما وكأن غمامة قد طغت على سمائها فجأة ولثواني معدودة لم أعد أحس بما يجري من حولي ولا أكاد أسمع شيئا..خرجت مما انا فيه هنيهة وتذكرت الحفلة وموعد اللقاء وغادرت الغرفة غير آبه بالأمر وهاتف في دواخلي يأمرني بأن أمضي للقاء ليلى ..مالك والمشارط والأربطة والمحاليل والدماء ورائحة الموت..إمضي إليها الساعة وأستمتع بوقتك وبحديثها الشجي ونظراتها التي تقتلك لتحييك أبدا وتلك الإبتسامة التي هي الدنيا بما فيها..الحب ورقص المشاعر وترانيم الفرح ام الدم والموت وصليل المقصات والملاقط!! إمضي إليها الآن فالعمر لا ينتظر والحياة ثواني سرعان ماتنقضي..أليس هذا ماقالته لك في آخر رسائلها إليك!!؟
مضيت وتلك الغمامة التي يبدو أنها قد ملّت الإنتظار في غرفة الموت تلازمني وتشاطرني السير..صرير مكابح وابواق تنعق.. سباب ولعنات تتكرر وأصوات ملؤها غضب..لما يفعلون كل هذا..هل تستحق الحياة غضبنا ولعناتنا وسبابنا !!؟ ..العمر لا ينتظر والحياة ثوانٍ سرعان ما تنقضي..مابالكم أيها الناس ألا تفقهون حديث ليلى !!؟

وجدتني أقف علي رصيف الشارع المقابل لبوابة قسم الحوادث..لا اعرف كيف وصلت إلى هنالك وأي مسافة قطعتها قبل ذلك وأي مسلك تبعته حتي جئت إلى حيث أقف..ما أذكره أنني كنت ممسكا بسجارة أنتظر الإنتهاء منها لأشعل غيرها..من أين لي بالسجائر وأنا قد توقفت عن التدخين منذ أن نثر أبي امامي ذات زمان مجموعة من أعقاب السجائر الذي كنت أدخنه خلسة قائلا ان ذلك لو كان نوى تمر لكن أجدى وأنفع..رأيت فجأة شابا يبكي في مرارة أمام باب الحوادث وبعض أشخاص يحاولون تهدئته ومواساته دون ان تنجح مساعيهم.. ياللعجب متي بدأ الحفل وسرى أثر الريد ليبل حتي يبكي صديقي الذي لم أره قد زرف دمعة منذ ان عرفته..ما امرّ بكاء الأقوياء !!..أشعلت سجارة أخرى ولاحظت ان كمية الدخان التي أنفثها من داخل صدري أكبر كثيراً من ما آخذه من أنفاس عندها أدركت ان قلبى قد إحترق إلى الأبد..إحترق بأكمله فهاهو رماده يخرج دخاناً..شممت رائحة البخوروطيب الصندل وأريج العنبر ورائحة الشواء ورائحة المحاليل النفّاذة والكربون الخارج من عوادم السيارات وتكونت سحابة داكنة من كل ذلك المزيج لترخي سدائلها على الكون من حولى.

تكاثر النائحون والناعون وعبرات تقطّع قلب كل من له قلب أما وقد إحترق قلبى فقد آثرت ان أنأى عن هذا الجو القاتم الكئيب وأن أنصرف إلي حيث يوجد الفرح وينبض الحب..لكني لا أعرف المكان وكان الإتفاق أن يأتي إليّ صلاح في السكن ويأخذني فأنا مازلت إبن القرية الذي لا يعرف عن المدينة الكثير..خطر لي أن اعود إليه فأسأله عن مكان الحفل ولكن أنّى له وهو منشغل بالبكاء ولا أعرف متى يكف عن ذلك حتى يدلني !!.. ليتك ياصديقي تعي قول ليلى فالحياة لا تستحق هذا النواح المرير فعمر الحياة ثواني..دعنا نملؤها فرحا وحبّا !!

كانت لحظات من الصحو تنتابني بعض أحيان..السعادة كوكب نيّر شديد التوهج لكنه سريع الأفول ونقيض ذلك الحزن فهو قاتم و يبقى فينا طويلاً ..قد تخف حدّته لكنه لا يعرف الأفول أبدا ..كنت أقف على حافة النهر على مقربة من موضع كنت أقصده كلما أحسست الحاجة إلى الهدوء والإبتعاد عن جو الدراسة الخانق..الحياة والموت متشابهان إلى حد بعيد ..قد تكون الحياة موتاً ذات حين وقد يكون الموت حياة في ذات آخر وانا قد جرّبت الحياة طويلاً وعرفتها فلما لا أجرب الموت فلعله أجمل كثيرا وأطيب..وقفت للحظات أناظر الكون من حولي..أشجار خضراء باسقة تتراقص على الجانب الآخر من النهر ومراكب تشق عبابه في إتجاه مغائر لتيار النهر ..عصافير وأطيار تزقزق تحط حينا ثم لا تلبث ان تطير بعيدا..فراشات هائمة على وجهها تحط على زهرة لتتركها إلى أخرى..هل كل هذا سرور وفرح بالحياة أم أنه نوع من الملل ومحاولة لدرئه وإيجاد سبيل للتغيير !!؟..لما لاأحاول التغيير أيضا وأرى تلك السعادة التي يبخل بها الموت !..سرت إلى حيث أكثر الحافات إرتفاعا..الماء تحتها ساكن وكأنه ليس جزءا من النهر فهو لا يشارك الأمواج فرحها..بدأت بخلع ملابسي بدءاً بالأعلى دون فتح إزرار القميص وقبل ان أتمكن من تخليصه من عنقي تماما أحسست بيد تجذبني من أسفل كتفي بقوة..كان كصوت أبى وكصوت العم سالم وكأصوات أخرى كثيرة سمعتها عبر حياتي :"خذ الموت جرعة فجرعة كي تستمتع بتذوق طعمه"!!.

سيد محمود الحاج
06-22-2011, 05:39 PM
( 23 )

" أليس لك قلب "!؟..هكذا فاجأني سؤال (إزابيل بايبر) وهي تجالسني في منتزه ( ستانون) متبعة سؤالها بإبتسامة في محاولة للتخفيف من أثر مابدا فيه من حدة ما كان من مبرر لإبدائها فأجبتها والكأس في يدي بأنه كان لي فأردفت وذات البسمة بادية:" وأين ذهب..هل نالت منه قطة!؟"..أجبتها بذات البرود واللامبالاة بأنه قد إحترق فقالت مازحة وهي تمد يدها وكأنها تريد ان تضعها على صدري :"وما هذا الذي ينبض "!؟ فقلت لها إنه الجرح ..لا شيء جوّاي سوى جرح حل محل القلب فهو ينبض ويضخ دماً بقدر مايبقيه حيّا..شردت بذهنها للحظات لكنها لم تكمل مشوارها وعادت من منتصف الطريق..هل ألفته وعراً ياترى!!..أحسستها تتأهب لمواصلة الحديث وربما طرح سؤال آخر لكن شيئاً من التردد يحول دون ذلك... بدا لي ذلك من خلال نصف إبتسامة تخبو وتبدو في توال ٍإلى ان تمكنت أخيراً من قهر ذلك التردد:" لابد ان إحداهن قد أوصلتك إلى هذه المرحلة من اليأس وصوّرت لك الدنيا كما تراها الآن !!"..سادت لحظات من الصمت قبل ان أهز رأسي موافقاً ثم إجترعت على عجل ما تبقى في الكأس لأسكب آخرا أكبر قدرا نظرت على اثره إزابيل إلي نظرة تعجب وإستغراب قبل ان تعلّق :" إذا كانت هذه طريقتك في الشرب فلا شك انك سوف تصل إلى النهاية قريباً جداً"!!..طافت بذهني على أثر عبارتها الكلمات الغاضبة التي وجهها إليّ العم سالم في ذلك اليوم حين داهمني وبرفقته صديقي صلاح خواجة في أحد بيوتات الخمور البلدية الواقعة في أطراف المدينة وبدأ أنهما كانا منهمكين في عملية بحث طال أمدها ..كان يرتجف غضبا وهو يباغتني بصفعة قوية أعادت إلي شيئا من رشدي المفقود وبدا لي أنه قد نسى اللغة العربية في تلك اللحظة وهو يوجه إليّ كلمات بالغة الحدة:
"This is not the way to be followed by some one like you"!!
لكنه سرعان ماعدّل عن ذلك وتحكّم إلى حدّ ما في جماح غضبه قائلاً:" إن لم تعد لك رغبة في الحياة فهنالك طرق عديدة للموت أفضل من هذه التي تجعل ندماءك وجلساءك من هذه الحثالة التي أفضل من فيها قد يكون لصّاً يسطو على المنازل ليلاً ..هل أنا من يذكرك بهذا وانت الطبيب !!؟..إن كنت تريد إنهاء حياتك فاختر أيسر الطرق وأكرمها بدل ان تموت غريقاً في مستنقع آسن كهذا الذي تغوص فيه الآن !!. والذي لا أدركه حتى هذه اللحظة كيف تمكنا من الوصول إليّ في ذلك المكان الذي لا أدري أنا نفسي كيف وصلت إليه وحتى لو طُلب مني الساعة المضي إليه لما عرفت إليه سبيلا..لا بدّ أنهما بحثا طويلا واستنفرا جهوداً حثيثة. ما زلت أذكر نظرات الإستغراب على وجوه الكثيرين حين دخلت السكن الجامعي برفقة صلاح خواجة..لم أنظر إلى نفسي في مرآة لكن كانت وجوه الجميع مرآة للحال الذي كنت أبدو فيه..لا شك انني كنت ساعتها في هيئة اصحاب الكهف الذين ظلوا نائمين نيفاً وثلاثمائة عام.
لست متأكدا كم من الوقت قضيته نائما لكني كما بدا أنفقت في ذلك ساعات طوال..أحسست بالحياة تعاود مجراها في جسد هجرته طويلا وفي ذات الوقت كنت أحس بحاجتي إلى الوقود الذي كان يدير آلة حياتي طوال الأيام الماضية..الخمر أياً كان صنفها ونوع إنائها وندمائها ومكانها..وكأني بصديقي على علم بما يدور بذهني ساعتها..قابلني بذات الضحكة الساخرة وأنا مازلت في مرقدي:" ياعربي قوم أشرب الشاي...لسه بدري علي الإندايات..ناسها لسه ما بيكون إتجمعوا "!!

كأن العزاء كان في إنتظار مقدمي وكأن رحيل ليلى لم يكن إلا في الساعة التي دخلت فيها دار العم ياسين في مدينة ود مدني حين أخذني صديقي صلاح إلى هنالك بإرادتي او دون إرادتي..لا أعلم حقاً لِما وكيف رافقته إلى هنالك..كنت كطفل يتبع الآخرين دون ان يكون له رأي في الأمور ولا يدري إلى أين يُساق..كان اول الباكين العم ياسين حين أخذني بين أحضانه وطفق ينشج ثم مالبث ان إنفجر منتحباً.. وعلى مرآه ومرارة بكائه بكى كل من كان يعرفني ويعرف علاقتي بالعائلة من الرجال والنساء وحتى الصبية والصبايا وبينما الجميع يبكون كنت الوحيد الذي لم يذرف دمعة واحدة فقد ضل البكاء سبيله في متاهات روح لم يعد لها وجود ولا كينونة.. الناس و الأشياء جميعها بدت أمامي لا أكثر من اشباح وظلال تعوزها الروح..تلك الدار التي كان صدري يخفق حين ألجها ويظل خافقاً طيلة بقائي فيها ما عادت في ناظري إلا مقبرة تذكر بالموت والفناء ومثلها المدينة التى كانت فيما مضى كعبة أشواقي التي أحج إليها مهرولاً..كل الأمور باتت أمامي بلا معنى واضح ..لا شيء يبعث فرحي ولا شيء يثير حزني فقد اضحيت جماداً تعوزه الروح.

ألفيت صلاح أكثر الباكين فقد وقف قبالة الركن الخارجي للغرفة المقابلة لمدخل الدار ووجهه تجاه الحائط...كنت قبل ذلك أحس بحزنه الدفين على الرغم من محاولاته الدؤوبة للظهور بخلاف ذلك ولكن عبثا كانت المحاولات فالحزن الذي تركه رحيل ليلى سما سلسلة جبال في نفس كل من عرفها وأي جهود لدرئه تكون لا أكثر من ضباب قد يخفي ذلك الجبل إلىحين لكن هيهات ان يزيل الضباب جبلاً !!