.::||[ آخر المشاركات ]||::.
تكوين اللجان المتخصصة لهيئة تن... [ الكاتب : نزار شلعي - آخر الردود : نزار شلعي - عدد الردود : 0 - ]       »     إنا لله وإنا إليه راجعون [ الكاتب : بكري - آخر الردود : عبد الواحد خضر - عدد الردود : 2 - ]       »     سمعتن عن ام الصبيان [ الكاتب : ايناس - آخر الردود : بت المسيد - عدد الردود : 5 - ]       »     جديده لنج [ الكاتب : ابو الاء - آخر الردود : بت المسيد - عدد الردود : 60 - ]       »     قررت أن تضع كامرات تراقبها فكا... [ الكاتب : عمار أحمد - آخر الردود : بت المسيد - عدد الردود : 3 - ]       »     حدائق محلية شرق النيل والموت ا... [ الكاتب : أبو اواب - آخر الردود : أبو اواب - عدد الردود : 0 - ]       »     مرحبا نانا [ الكاتب : حسام العالم - آخر الردود : حسام العالم - عدد الردود : 0 - ]       »     ضيوف الرحمن يتقدمون بشكوى لوزا... [ الكاتب : مساء - آخر الردود : حسام العالم - عدد الردود : 2 - ]       »     اشواقي لجبل الأولياء [ الكاتب : شبو - آخر الردود : شبو - عدد الردود : 10 - ]       »     حق الولف [ الكاتب : ابوالسنة - آخر الردود : البشير دفع الله - عدد الردود : 1 - ]       »    



الإهداءات


 
 
العودة   موقع ومنتديات جبل الأولياء | فردوس النيل الأبيض > الأقــســـام الــعـــامــة > منتدى الأدب والخواطر والأقوال والحكم > مكتبات الأعضاء
الرئيسية لوائح وقوانين المنتدى مركز رفع صور خارجي إتصل بنا
 
 
مكتبات الأعضاء الانتاج الخاص للأعضاء شعر , نثر , خواطر , قصه

شعراء البطانة والهمباتة

مكتبات الأعضاء

إضافة رد
 
 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-20-2009, 10:25 PM   #1
ود نصيري
عضو ذهبي
 
الصورة الرمزية ود نصيري
 

افتراضي شعراء البطانة والهمباتة

إخوتي و أخواتي الأعزاء
لقد أنتصبت في هذا المنتدى الرائع خيمة الشعر و الأدب و الإبداع ويالها من روعة وإبداع تتجلى في فضاءاتها أجمل الإبداعات و تنحني في حضرت جلالتها الهامات الشواهق و من خلال هذه الخيمة لقد وددت في هذه العُجالة و من خلال هذا البوست التعريف بفن و أدب المسادير و الدوبيت وأنواع المسادير وشعراءها وفطالحتها وسوف أحاول جاهداً البحث و التوثيق لهذا الفن الراقي الذي يرسم ملامح إنسان البادية السودانية الأصيلية التي تمثل النواة الحقيقية لفلكلور الأدب الشعبي في جميع أنحاء السودان و تصحيحاً للصورة لجميع القراء أن المسادير ليست موجودة فقط في منطقة بطانة أبو سن بل هي موجودة في منطقة نهر النيل و لا سيما ديار الجعليين حيث نجد من أشهر شعراء المسادير في دار جعل هو الطيب ود ضحوية و كذلك هنالك المسادير الكردفانية التي إشتهر بها أهلنا الكردافة و خاصة في بادية الكبابيش و المجانيين و دار حامد و يطلق عليه أيضاً بالجراري كذلك نجد أدب المسادير منتشر في بادية البقارة بمنطقة جنوب دارفور و خاصة لدى قبائل المسيرية و الرزيقات و البني هلبة و البني حسين . فمن خلال الكتابات والأشعار التي تهتم بفن المسادير والدوبيت و سوف أقوم بتكابة هذا الموضوع على أجزاء وأبتدي بتعريف كلمة مسدار

*كلمة المُسدار مشتقة من الفعل سدر بمعني ذهب‎ ‎او ورد ، وتحتمل هذه الكلمة عدة معاني ‏مرتبطة بالاشتقاق الذي ذكرناه ، فالمسدار في‎ ‎البطانة " وسط السودان " يعني المرعى أو ‏المورد الذي تتجه اليه البهائم . ولفروع‎ ‎وبطون القبائل المختلفة مسادير معلومة تسدر اليها ‏مواشيهم طلباً للماء والكلأ , وقد‎ ‎استعمل عبد الله ابوسن شاعر قبيلة الشكرية كلمة مسدار في ‏هذا المعنى حين قال‎ :
عنــــاق الاريل المسدارهـــــــــا جَبــرة‎
تحدِّثنــــي‎ ‎حديثـــــــاً كُلــــــــّوْ عَبـــــرة‎
أنا إن جَنَّيـــــت قط ما‎ ‎ظنَّـــــي بَبْــــــره‎
واستعملت بعض القبائل الاخرى كلمة المسدار في‎ ‎هذا المعنى ، فقال ود ضحوية شاعر قبيلة ‏الجعليين‎ :
مادام بت أم‎ ‎قجة* واردة وصادرة بي المسدار‎
‎*‎وأم قجة هي الناقة‎.
وكلمة مسدار تعني‎ ‎القصيدة ، واستعمل هذا المعنى في القصائد الغزلية من فن " الدوباي " أو ‏الدوبيت‎ ‎وقصائد المدح النبوي . وقد وردت كلمة مسدار في هذا المعنى في بعض المدائح ‏النبوية‎ ‎مثل قصيدة "حاج الماحي " "شوقك شوى الضمير " التي يقول فيها‎ :‎
الشمــــس في العِصيَر ردّاها وجات الــــعـِيـر‎
يا اخواني‎ ‎بـــي تشمير* شيلو لِيْ المســــادير‎
تشمير : شمر عن ساعده ، أي اجتهد‎ .
فالمسدار يمثل نوعاً معيناً من القصائد الشعبية التي تسير على نمط الرجز‎ ‎الرباعي، وهي ‏شبيهة بالقصائد العربية القديمة ، وتعني بسرد ومتابعة رحلة الشاعر إلى‎ ‎ديار محبوبته . وقد ‏تكون هذه الرحلة واقعية كما في مسدار " قوز رجب " للشاعر‎" ‎الصادق حمد الحلال" ، أو ‏خيالية كما هو الحال في كثير من المسادير . واحياناً تكون‎ ‎الرحلة مجرد رصد وتتبع لسير ‏الحسان كما في " مسدار الصيد " للحاردلو‎ .
وفي‎ ‎بعض الاحيان تكون هذه الرحلات زمانية تعنى بتتبع منازل وفصول العام مع ذكر ‏عواطف‎ ‎الشاعر المتأججة ولوعته لفراق محبوبته . يدل هذا النوع من المسادير على معرفة‎ ‎ودراية تامة بعلم الفلك والظواهر الطبيعية المختلفة التي تواكب الانواء و " المنازل‎ " ‎المختلفة ‏للنجوم ، وخير مثال لهذا النوع مسدار الشاعر"عبد الله ود شوراني" الذي‎ ‎يستهله بقوله‎ :
غاب نجــــــــم النَطِح* والحر علينا إشتدَ‎
ضَيـَّـقـْنـــــا وقِصــــــر لَيلُو ونهــــارُوْ إمتدَّ‎
نَظِرة‎ ‎المنـــــــــــُّو للقانون بِقيـــت إتحدَّى‎
فتحـــت عنــــــدي منطقـــة‎ ‎الغُنا الإنســَدَّ‎
يخبرنا الشاعر عن غياب نجم النطح واشتداد الحر وقصر‎ ‎الليل، وكل هذه الدلالات الطبيعية ‏تصاحب " عِينة " النطح وهي مؤشر لدخول فصل الصيف‎ ‎و النطح : اول " عينة " من " عين ‏‏" الصيف‎ .

فكثيراً ما نجد أن المسادير‎ ‎تحكي قصة حول الشاعر وحبه ، وتصف محبوبته وكيفية الوصول ‏اليها ، وعليه يمكن‎ ‎اعتبارها شعراً قصصياً . الا أن عناصر القصة لا تكتمل في جميع ‏المسادير رغم تغلب‎ ‎الطابع السردي على جزء غير يسير منها . واذا اخذنا كلمة المسدار ‏بمعناها الشائع ،‎ ‎أي" القصيدة التي تحكي رحلة الحب " زمانية كانت أو مكانية وتطرقنا للمعنى ‏الآخر‎ ‎الذي يرمز للمرعى والمورد ، يتضح الارتباط الوثيق بين هذين المعنيين ، فالإبل يشتد‎ ‎بها الظمأ فتشتاق للمورد العذب ثم تسدر إليه . وفي الصورة الثانية نجد أن الشاعر‎ ‎يشتد هيامه ‏بمحبوبته ويزداد شوقه إليها ، فيسعى نحو ديارها مدفوعاً بحرارة الشوق ،‎ ‎حتى يصل فيطفئ ‏ظمأ اشواقه بلقياها . ففي كلا الحالين هنالك ظمأ وشوق وارتواء غير أن‎ ‎الصورة الاولى ‏حسية والثانية تمثل صورة معنوية ، ويتضح مما سبق أن هنالك تداخل‎ ‎وترابط نفسي يقارب ‏بين المعاني المختلفة لكلمة مسدار ، كما يقارب بين موضوعه‎ ‎ومضمونه والشخصيات التي ‏يرتكز عليها . فالشاعر والمحبوبة ، والجمل والبيئة التي تتم‎ ‎فيها الرحلة ، كل هذه العناصر ‏تكوّن وحدة نفسية متداخلة يحاول الشاعر الربط بينها‎ ‎ما وسعه ذلك ، فالشاعر عندما يتذكر ما ‏سيجد من متعة ونشوة عند وصوله ديار المحبوبة‎ ‎يعلم أن جمله سيصادف مثل حظه من ‏المتعة والراحة ، وهو لا يتوانى في أن يبشر الجمل‎ ‎بذلك ، فهاهو الشاعر " احمد عوض ‏الكريم ابو سن " يحدثنا في مسدار " الصباغ " كيف أن‎ ‎محبوبته تأمر من يقوم على خدمتها ‏بأن يعنى بأمر جمل الشاعر ويوفر له " العلوق‎ " ‎الكلأ‎ :
أرُبْطو الجـــــــــانا ضامر لا كَبد ولا كرشة‎
سحّار الغروب جيب لي العلوق بي الورشة‎
نفِّضــــــنْ المراتب ؤطرَّحن‎ ‎بــــــي الفُرشة‎
داير يبــــــرى جرحاً في القلب مُــو خرشة‎
وفي‎ ‎كثير من الاحيان لا تحتاج جِمال شعراء المسادير إلى التذكير بما ستجده من عناية عند‎ ‎ديار المحبوبة ، فهي لا تحتاج إلى من يحثها على السير إذ انها تتحرك بإيعاز داخلي ،‎ ‎فديار ‏المحبوبة هي المرتع والمرعى الخصيب. ويصور شاعر " مسدار رفاعة " تلك الصورة‎ ‎تصويراً بارعا حين ما يحكي عن حال بعيره قائلاً‎ :
ضهــــر قلعة‎ ‎مبـــــارك جيتــــــو تلعب شد‎
منعت اللســـــَّة* والكُرباج وقولة " هد‎ "*
علــــــى التالاك إحســـــــــــان رزقو ما بِنْعد‎
يومك كُلـــــّو‎ ‎تمصع ما انلحـــــــــق اليك حد‎
اللسة : تحريك الدابة للسير ، هد‎ : ‎لفظة تقال للإبل حثا على السير . تمصع : تجتر الطعام‎
في ما يختص بتسمية‎ ‎المسادير التي تحكي الرحلات المكانية ، عادة ما يطلق اسم القرية او ‏المدينة التي‎ ‎تبدأ منها الرحلة على المسدار ، ويتضح ذلك في كثير من المسادير مثل " مسدار ‏رفاعة‎ " ‎و " مسدار ستيت " و " مسدار الصباع‎ " .
ويعتبر المسدار وثيقة هامة تبرز شتى‎ ‎العناصر الثقافية وتفيد كثيرا في دارسة تاريخ وتطور ‏الادب السوداني وفي التغيرات‎ ‎الاجتماعية المختلفة التي تطرأ على البيئة السودانية‎ .
وكما اسلفنا يوجد‎ ‎نوعان من المسادير ، احدهما يصف الرحلة عبر المكان ، والآخر يهتم ‏بالزمان

المسدار المكاني‎ :‎
مسدار رفاعة‎ :
يهتم المسدار‎ ‎برسم خارطة الرحلة وبيان معالم الطرق مع ذكر وتوضيح القرى والمدن ‏والجبال والوديان‎ ‎التي تقع بين بداية الرحلة ونهايتها ، واثبات هذه المواضع ومعالم الطريق لا ‏يتم‎ ‎بطريقة عفوية ، بل يتبع الترتيب الطوبغرافي لهذه المعالم ، وهذه الخاصية من خواص‏‎ ‎المسدار تضع بين يدي المتلقي معلومات جغرافية متكاملة عن البيئة التي تدور فيها‎ ‎احداث ‏المسدار‎.
المسدار الزماني‎ :

مسدار النجوم لعبد الله‎ ‎ود شوراني‎ :
يمثل هذا النوع من المسادير سجلاً حافلاً بالظواهر الفلكية وما‎ ‎يرتبط بها من تغيرات في ‏المناخ وطبيعة الارض وفقاً لتداول الايام والفصول ، هذه‎ ‎الثقافة البدوية التي يرصدها ‏ويصورها المسدار الزماني خير تصوير ترتكز على التقسيم‎ ‎الفلكي الذي انتهجه العرب ، ‏فالسنة تنقسم إلى اربعة فصول ينقسم كلٌ منها إلى سبع‎ " ‎عينات " وكل عينة‎ ‎تستمر حوالي ‏ثلاثة عشر يوماً بالتقريب‎ . ‎ويكون تقسيمها‎ ‎كالأتي‎ : "‎عين " الصيف هي‎ : ‎النطح ، البطين ، ‏الثريا ، الدبران ،‎ ‎الهكعة ، الهنعة و الذراع‎ . ‎وتتكون " عين " الخريف من‎ : ‎النترة ، الطرفة ، ‏الجبهة ، الخيرصان ، الصرفة ، العوا و السماك‎ .
‎"‎عين" الشتاء هي‎ : ‎عريج ، الغفر ، الزنبان ، الاكليل ،‎ ‎الشولة ، البُلد والنعايم‎ .
‎" ‎عين " الربيع هي‎ : ‎سعد ذابح‎ ‎، سعد السعود ، سعد الاخبية ، سعد بُلع ، الفرق المقدم ، ‏الفرق المؤخ والحوت
ومجمع هذه العين ثمان وعشرون‎ .
يتكون مسدار النجوم لعبدالله ود‎ ‎شوراني من ثمان وعشرين رباعية شعرية بحساب رباعية ‏واحدة لكل " عينة " . يتتبع‎ ‎المسدار فصول السنة الاربعة ، ويعدد عين كل فصل من هذه ‏الفصول مبيناً ما يصحبها من‎ ‎تغيرات مألوفة في بيئة الشاعر ، فإذا اخذنا الرباعية الاولى التي ‏ورد ذكرها في‎ ‎السابق والتي يقول فيها الشاعر‎ :
غاب نـــجــــــــــم النطح والحر‎ ‎علينا اشتدَّ‎
ضيَّقنــــــا وقِصر ليلـــــــــــو نهارو إمتدَّ‎
نظِرة‎ ‎المنو للقــــــــــــــانون بقيت إتحدّى‎
فتحت عندي منطقـــــــــــــــة‎ ‎الغُنا الإنسدَّ‎
يخبرنا الشاعر في هذا المقطع عن غياب نجم معلوم‎ ‎واشتداد الحر وقصر الليل وطول النهار ، ‏وكل هذه الدلالات الطبيعية تصاحب " عينة‎ " ‎النطح وتنذر بدخول فصل الصيف . ويصف ‏كل " عينة " يمر بها الشاعر في رحلته الزمانية‎ ‎ويعدد الظواهر التي تصاحب هذه العينة . ‏وإذا كان المسدار الذي يصف الرحلة المكانية‎ ‎يعطي مسحاً جغرافياً لطبيعة الاقليم الذي تتم فيه ‏الرحلة ، فالمسدار الزماني يعطي‎ ‎مسحاً مناخياً وفلكياً للعام الذي تتعاقب ايامه على الشاعر‎ .
تمثل الثقافة‎ ‎التي نجدها في المسادير نوعاً من المعرفة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحياة فهي بمثابة‎ ‎الضرورة المعيشية ، فالمعلومات الفلكية والمناخية المتضمنة في " مسدار النجوم‎ " ‎توجه إلى ‏مواعيد الزراعة والحصاد وغيرها من الاشياء التي ترتبط بحياة الناس‎ . ‎وكثيرا ما يتم التوجيه ‏والتعريف بعلم الفلك على يد رجل عالم بأمر الفلك يسمونه‎ " ‎النَجّامي " في مثل هذه البيئة ‏البدوية ، ولهذا العالم مرتبة ومكانة مرموقة بين‎ ‎الناس فهم يستشيرونه في مواعيد الزراعة ‏والحصاد والزواج والاسفار وغيرها من الامور‎ ‎المتعلقة بالمناخ وظواهر الطبيعة ، فهو بمثابة ‏ضابط الزمن بالنسبة للمجتمع البدوي‎ ‎الذي يحتاج لمن ينظم علاقته ومعاملاته مع الطبيعة‎ . ‎بعض المجتمعات البدوية‎ ‎تسمي هذا الفلكي " السوسي " ولعلها مشتقة من الفعل ساس ، أي قام ‏بالأمر . في‎ ‎الرباعية التالية من شعر البوادرة تتضح وظيفة " السوسي " كضابط للزمن ومُوقِّع‎ ‎للمنازل . يقول الشاعر متغزلاً‎ :
أخبـــــــــار ذِكْركْ الفي‎ ‎خسوســــــــــــــي‎*
وصلن عندي محفوظات بقن في الدوســي‎* ‎
القت سيف‎ ‎برنجو* ومحددنــــــو لبوســي‎
خلن قلبـــــي يلعب زي نتيجة السوســـــي‎*
خسوسي : أي التي تخصني ، الدوسي " الدوسيه " : الكلمة الفرنسية‎ ‎المعروفة وهي بمعنى ‏سجل أو دفتر ، برنجو : لعلها من كلمة برنجي التركية الاصل ، وهي‎ ‎بمعنى ممتاز أو اول ، ‏السوسي : الفلكي‎.

أتمنى أن لا أكون قد وفقت في إختيار هذا الموضوع و أن لا أكون قد أثقلت عليكم بالإطالة و لكم مني فائق التحية و الإحترام و لنا رجعة.

ود نصيري

ود نصيري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-20-2009, 10:30 PM   #2
ود نصيري
عضو ذهبي
 
الصورة الرمزية ود نصيري
 

افتراضي أدب شعر المسادير و الدوبيت

و مواصلة ما ذكرناه أعلاه فيمكننا التطرق لأشهر شعراء هذه المدرسة و الذين يمكن ذكرهم على سبيل المثال و ليس الحصر و هم:

احمد عوض الكريم ابو سن‏‎ :
تاريخ الميلاد : 1908م‎ ‎مكان‎ ‎الميلاد : ريرة بالبطانة " وسط السودان‎ " ‎القبيلة : ينتمي إلى ‏قبيلة‎ ‎الشكرية " فرع السناب‎ " .
الصادق حمد الحلال : لقب واشتهر ب" أب‎ ‎آمنة‎ " ‎مكان الميلاد : الصفيا بالبطانة " وسط ‏السودان‎ " ‎القبيلة‎ : ‎ينتمي إلى قبيلة الشكرية‎ .
عبد الله حمد ود شوراني‎ : ‎مكان‎ ‎الميلاد : الفزاريات بالبطانة " وسط السودان‎ " ‎القبيلة : ينتمي ‏إلى قبيلة‎ ‎المرغوماب فرع الناصحاب‎ .
العاقب عبد القادر موسى‎ : ‎مكان‎ ‎الميلاد : قيلي‎ . ‎القبيلة : ينتمي إلى قبيلة الشكرية‎ .
ابراهيم الفراش‎ : ‎تاريخ الميلاد : 1847 م‏‎ ‎مكان‎ ‎الميلاد : بربر " نهر النيل‎ " ‎القبيلة : هو من ‏اصل مصري‎ .
عبد الله ابوسن‎ : ‎هو إبن شيخ الشكرية احمد بك عوض الكريم‎ ‎ابوسن الذي ولي حاكماً على ‏مديرية الخرطوم والجزيرة ، وهو اول حاكم سوداني يتولى‎ ‎هذا المنصب ، ولد عبد الله ابان ‏العهد التركي وعاش جزء غير يسير من حياته في عهد‎ ‎المهدية، .
البيئة والتشبيهات‎ :
يرتبط الشاعر الشعبي بالبيئة من حوله ارتباط وثيق ، ويتفاعل معها‎ ‎وينفعل بها ، فهو يعرف ‏طيورها بأسمائها وخصائصها ويعرف زرعها في مراحل نموه‎ ‎المختلفة ، حيواناتها ووديانها ‏‏.....الخ . فالعلاقة بين الشاعر وبيئة علاقة شبه‎ ‎انسانية تتسم بالتفاعل والحوار . فمثال لذلك ‏العلاقة بين الشاعر وجمله ، فالشاعر‎ ‎يتغزل في جمله ، ويفتخر بأصالته ، ويتحدث إليه ، ‏ويستمع إلى حدثه ، ويشكو اليه ،‎ ‎ويصغي إلى شكواه ، ويحزن لمرضه‎ .
يتضح مما تقدم انه قبل تفهم التشبيهات‎ ‎الصادرة عن البيئة لابد من فهم علاقة الانسان بالطبيعة ‏في هذه البيئة ، فتذوق‎ ‎التشبيهات المتضمنة في شعر المسادير بكل ابعادها يستوجب في المكان ‏الاول ادراك هذه‎ ‎الصلة التي تربط الطبيعة بالانسان والانسان بالطبيعة‎ .
التشبيهات التي ترد‎ ‎في المسادير هي في الغالب نفس التشبيهات الشعبية المتداولة بين العديد ‏من القبائل‎ ‎وفي انماط مختلفة من الشعر الشعبي السوداني ، فالحس الشعبي متشابه وهو مستمد ‏من‎ ‎بيئة تكاد تكون متشابهة ، ومن النادر أن تجد تشبيهاً يعتمد على الحس الفردي للشاعر‎ ‎ولا ‏يستمد وجوده بطريق مباشر أو غير مباشر من الحس الشعبي . وحتى هذا النوع من‎ ‎التشبيهات تتبناه المجموعة وتعيد صياغته في قوالب مختلفة وبذا يخرج من الفردية‎ ‎ويتحول ‏إلى نطاق الشعبية‎ .
هذا النوع من التشبيهات قليل في المسادير ونورد‎ ‎منه على سبيل المثال هذه الرباعية التي ‏يشبه فيها الشاعر " احمد عوض الكريم ابو سن‎ " ‎جمله في سرعته بمن يقوم بعملية تهريب ‏توقعه تحت طائلة القانون وتجعله يجتهد في‎ ‎الهرب والفكاك من السلطة‎ :
شَافْ ضَهَرْ أمْ سَريبة وسَوَّى قودْ وْ رحيحْ‎
دَهْمــــــَانيتُوْ جَاهَا مطبــــــِّق المُرّيَــــــــح‎
تَقول‎ ‎دِيكْ النِعـــــام الشاف بنات الريـــــِحْ‎
ولاّ الهَرَّبْ الممنــــــوع‎ ‎بَلا تَسْريـــــــــــحْ‎
التشبيهات التي نجدها في المسادير تتسم‎ ‎بالتكرار ، والاخيلة التي تستمد كيانها منها متقاربة ‏ومتشابهة ، ومن الصور الشائعة‎ ‎تشبيه المرأة بالصيد والمهر والزرع في اطوار نموه المختلفة ‏وبالحاكم والقائد‎ ‎ورائحتها بالمسك ونفسها بالدُعاش وهو رائحة المطر ، ويشبه الجمل في كثير ‏من الاحيان‎ ‎بالنعام والسكران والسحاب‎ .
ومن تشبيهات المرأة‎ :
تشبه المرأة بـ‎ " ‎البُرّيبة " وهي الصيدة‎ :
طِريتْ بُرّيبــــــــة الوادي أب‎ ‎عَســـــــــَاين‎
تَريع القَلبْ صحيـــــح وِكتينْ تعايـــــــــــن‎
ومن تشبيهات المرأة بالزرع في مراحله المختلفة‎ :
شبهت المرأة‎ ‎بـ" اللتيبة " وهي القصبة المخضرة النادية‎ : ‎
لتيبـــــــاً سيلُه‎ ‎يدلِق لي النهــار ما تْجاففْ‎
وشبهت كذلك بـ " الفوسيب " الذي تسقيه‎ ‎السواقي التي يديرها الثور المتمرس‎ :
فوسيب السواقــــــي البي‎ ‎اللدوب شَرَبـــان‎
كما شبهت بما يزرع في الارض القرير وهي اجود انواع‎ ‎الارض‎ :
مَسَاكْ شَتـــل القرِيرات العروقـــــــــو رَوايا‎
وتشبيه المرأة بالمهرة ، وفي هذين البيتين يخاطب الشاعر جمله‎ ‎قائلاً‎ :
رُباط الشايــــــــــــــة والعيش العليهو مماقِر‎
جابك بدري عند تابـــــرْ السبيكــــــــة وعاقر‎
العاقر : أي التي لم‎ ‎تلد‎ .
وكذلك شبه شعراء المسادير المرأة بالقائد‎ :
عند‎ ‎القائد الصـــــــــــفّتْ جِنودوْ مِحاربــــــــة‎
تَلقى التاج‎ ‎يلَصــــــــــــِّف والنياشين ضاربة‎ .
كما تشبه بالحاكم الذي يقضي‎ ‎ويصدر الاحكام‎ :
واغْل الاصدرت أمر القضــــــــــــــــــــا‎ ‎والإفتا‎
وفي بعض الاحيان يوصف هذا الحاكم بانه جائر‎ :
الحاكِمنــــــا جَور من غير سُؤال وجنيـــــــــة‎
مُهرة عِدة‎ ‎تقدل بي العنــــــــان مَتْنيـــــــــــــة‎
وفي وصف الجمل نجد‎ ‎كذلك العديد من التشبيهات المتشابهة والمتكررة ، فتكثر صورة النعام ‏الهارب أو الذي‎ ‎تطارده الوحوش أو تفزعه الاصوات . في الشطر التالي يشبه الشاعر جمله ‏بالنعام الذي‎ ‎أفزعه صوت الطبول‎ :‎سِوسيــــــــــــو* النِعام‎ ‎الزعزعنـــــــــــو شَرِاتي‎
‎*‎سوسيو : لفظ دارجي يطلق على صغير الدجاج‎ ‎او النعام‎

وفي البيت التالي يشبه الشاعر جمله بديك النعام‎ ‎المَسَّربْ أي المطارد أو الذي تطارده الخيول‎ ‎‎:
‎ تقول دِيك‎ ‎هِضْلِمــــــــــــاً بي الخيل مَســــــــرَّب‎
وكذلك شبه الجمل‎ ‎بالسحاب وبـ " تيس الرواين " أي قائد الظباء ، ويكثر في المسادير تشبيه ‏الجمل‎ ‎بالسكران ومثل قول ود الفراش‎ :
قَطَع دَنَّايْ ســــــــــــِرِىْ وفات‎ ‎العرايـــــــــــــش‎
تقـــــــــــــول سكران يلـــــج في خَبُّو‎ ‎دايــــــش

و لنا عودة .................

ود نصيري


التعديل الأخير تم بواسطة ود نصيري ; 07-11-2009 الساعة 07:54 PM. سبب آخر: تصحيح إملائي
ود نصيري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-23-2009, 07:51 PM   #3
البشير دفع الله
المدير العام
 
الصورة الرمزية البشير دفع الله
 

افتراضي

الأخ ود نصيري
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تحية طيبة وأنت تفتح هذا الباب الكبير للتوثيق والتعريف بالأدب الشعبي .
لقد استمتعت أيما استمتاع , وطربت حد الطرب وأنا أتجول في ربوع البطانة مع الشكرية وفي نهر النيل مع أهلي في دار جعل .
وكنت قد قرأت بحثا في السابق عن الأدب الشعبي السوداني وتشبيهه بالأدب الجاهلي القديم شبه الجزية العربية في نواحي متعددة تبدأ من ذكر المحبوبة في بداية القصيد أمن آل مية رائح أو مغتدي عجلان ذا زاد وغير مزود , وذكر الأماكن الوديان والسهول وحتى الحجر والمدر قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل , كما نلحظ تشابه شعرنا العامي في نواحي الفخر ونزعة الانتماء للقبيلة , وهل أنا الا من غزية أن غوت غويت وان ترشد غزية أرشد .
مع اختلاف طفيف في المفردة المستخدمة الا أنها في كلا الحالين قوية وجزلة وممتلئة معنى حتى الأرتواء.

لا أريد أن أقطع عليك حبل الحديث , والحديث هنا ذو شجون
ولكني فقط أبدي دهشتي واعجابي بهذا البوست المتفرد
واصل جزاك الله كل الخير

التوقيع: كن كشجرة الصندل تعطر فأس قاطعها
البشير دفع الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-24-2009, 01:34 AM   #4
ود نصيري
عضو ذهبي
 
الصورة الرمزية ود نصيري
 

افتراضي

أخي العزيز البشير دفع الله ---
تحية خاصة لك و لكل أهلنا ناس جبل أولياء قاطبة و ناس اللدية الشيخ حبيب الله خاصة و أشكر لك مرورك الرائع و أنت تضفئ على البوست ألقاً بكلامك الجميل فحقيقة هذا النوع من أنواع الأدب الشعبي لهو جدير بالإهتمام و لابد من تعريف الأجيال الحالية بإبداعات شعراء (الهمباتا كما يطلق عليهم) هذا النمط المتفرد فنحن في السودان لدينا من شعراء المسادير و الدوبيت من طّوع الكلمة في قوالب شعرية خّلدت في ذاكرتنا أجمل معاني و حكم و دلالات. فالباحث عن إبداعات هذا النوع من التراث الأدبي الشعبي بالسودان سوف لن يجد له مرتع أخصب من منطقة بطانة أبسن حيث أنها تعتبر من اكثر المناطق جاذبية في السودان من حيث معطياتها الحياتية والبيئية والثقافية والفلكورية ، فيها إمتاع غير عادي ويعشق أهلها الشعر وضروبه وتداوله والإستشهاد به في كل ضروب الحياة ... وفيها فاصل من الخريف رائع يثري حياة الناس بمشاهدة حبيبة لنفوسهم فتهيج مكامن شوقهم وشجونهم حتى يصيح شاعرهم أبو سن (الحاردلو) قائلاً:

الخبر الأكيد قالوا البطانة اترشت

وسارية تبقبق للصباح ما انفشت

هاج فحل أم صريصر والمنايح بشت

وبت أم ساق على حدب الجميل اتعشت

يا سلام ياااااسلام على هذا الكلام الرائع انها بشائر الخريف.. بشائر المطر.. ماء السماء الذي يهب الارض اللون الاخضر والحياة والحاردلو عندما احتفى بالخبر قدم صورة البطانة بعد المطر الذي لا يفارقها حتى الصباح (سارية للصباح ما انفشت.. شبه المطر بالدموع وبالطبع لم تكن دموع حزن او غضب وإنما كانت دموع شوق للارض.. ليتبختر فحل ام صريصر ولتبش الوديان والسهول في وجه الخضرة.. وتخرج السعية الى طرف الحلة وتجد طعامها.. انه الرخاء والمرعى.

فمن ما ذكر أعلاه فأننا نخلص إلي أن للتعامل بين الإنسان والحيوان والأنسان والبيئة سياسة وثقافة لايمكن أن تعرفها وتتلمس تفاصيلها الدقيقة إلا حينما تتابعها عن كثب و شعراء هذه الرقعة الغالية من سوداننا الحبيب لم يتركوا منحى من مناحي الحياة لم يتطرقوا له في شعرهم حتى بات شعرهم يزخر بكل المتداولات و المدلولات الحياتية فمثلاً يقول أحدهم حكمة في قالب مساديري جميل :

الخـلا والـرحـيـل عــزَّ العــرب مـن يـومــــو
قـُـوم ودِّيـنـا لي بلـد الطـريـف شـويـومــــو
عَـابْ ودَّ العَـرَبْ كان يمْشِي في البتـلـومـو
عِـريـان العُـروض مـا بسْــتـرنـُّو هــدومــــو

و لنا عودة............ ود نصيري


التعديل الأخير تم بواسطة ود نصيري ; 07-16-2009 الساعة 01:45 AM.
ود نصيري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-27-2009, 10:11 PM   #5
البشير دفع الله
المدير العام
 
الصورة الرمزية البشير دفع الله
 

افتراضي

مرحبتين ود نصيري

ما تطول علينا الغيبة

في الانتظار

التوقيع: كن كشجرة الصندل تعطر فأس قاطعها
البشير دفع الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-28-2009, 12:28 PM   #6
أنور الطيب
عضو ذهبي
 

افتراضي

لروعة هذا الموضوع وجماله قرأته مرتين وأشعر كأني محتاج لان أقرأه مرة اخري ..
شكرا الاخ عوض صالح (ود نصيري) علي هذا السرد المستفيض عن شعر المسادير والدوبيت وفي إنتظار المزيد ..
تقبل خالص تحياتي ..

التوقيع: ( أحفظ الله يحفظك )
أنور الطيب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-28-2009, 01:20 PM   #7
ود نصيري
عضو ذهبي
 
الصورة الرمزية ود نصيري
 

افتراضي

أخي م. أنور الطيب أشكر لك مرورك الرائع و أنت تضفئ نكهة خاصة على هذا البوست و حقيقة هذا الضرب المميز من ضروب الشعر الشعبي السوداني لهو جدير بتسليط الأضواء عليه و مع أنني لست بالخبير أو الباحث المتخصص في الخوض في ردهات هذا الصرح العملاق إلا أنني من عشاق الإستماع لهذا النوع من الشعر. و أهديك أجمل ما قاله أحد شعراء البطانة في وصف وجه حسناء غيم عليها الحزن حين ينشد قائلاً:

ليل الغمة هوّد و البروق إتّـــــــــــــالن
دموع الوجعة جن زي السحابات شالن
ملن قِرب العيون لكنهن ما ســــــــالن
مو من قِلهن بس في العيون ما خالن

تشبيه بليغ . حيث يتأمل الشاعر وجه هذه المملوحة و قد إنتابها الحزن و عيونها ترقق من الدموع فيشبه رقرقة عيونها بالبروق (جمع برق) التي تأتي على التوالي (إتالن) ثم يأتي في البيت الثاني ليشبه الدموع بالسحاب المازن و يبدع في البيت الثالث ليشبه جفن العيون بالقرب (جمع قربة و هي إناء من الجلد يوضع فيه الماء) و في البيت الآخير يقول أن الدموع أبت أن تسيل على وجه هذه المملوحة ليست من قلتها و لكن من إستحيائها بأن إنسيابها في هذا الوجه المليح غير لائق (مي خالن). هذا لهو الإبداع بعينة.

أيضاً يصف أحد شعراء البطانة أحدى الحسناوات ذات شعر أسود طويل و كثيف و شعراء البطانة يطلقون على الشعر كلمة (ديس) حين يقول:

الزول المبوبح جيدو مو متـــــــــــــــناني
كسّر ضلعي يا خلاني ديسو عمــــــــــاني
دي المشاطة مأخدة أسبوع في التحتاني
جود يا الخالقو لسا ما إنبدا الفوقـــــاني

(المبوبح : الذي يترنح ، الديس: إستخدم شعراء البطانة كلمة ديس عوضاً عن الشعر في كثير من شعرهم)

و لنا عودة ..... ود نصيري


التعديل الأخير تم بواسطة ود نصيري ; 06-28-2009 الساعة 02:59 PM.
ود نصيري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-28-2009, 02:02 PM   #8
ود نصيري
عضو ذهبي
 
الصورة الرمزية ود نصيري
 

افتراضي طه الضرير في وجدان الطيب ود ضحوية (في رحاب الهمباتا1)

طه الضرير في وجدان الطيب ود ضحوية

إخوتي أخواتي الأعزاء
سلام الله عليكم و رحمته و بركاته،،،
كما أسلفت في مستهل هذا البوست فأنه قد إنتصبت في هذا البيت العامر بأهله و في رحاب حادي ركبه الأخ الفاضل البشير دفع الله و الإخوة الإداريين و على راسهم م. أنور الطيب يسعدني و يشرفني أن أتقدم بتغطية متواضعة لجزئية مهمة جداً في تاريخ الأدب الشعبي السوداني ألا و هو شعر المسادير و الدوبيت و سوف نتطرق في هذه العجالة لسر العلاقة التي تربط بين الطيب و د ضحوية و طه الضرير.
لعل دارسي الأدب الشعبي وتاريخه الحديث يجمعون ـ كما أرى ـ على ان الطيب ود ضحوية وطه الضرير هما أكثر زعماء الهمباتة شهرة وصيتا، وانهما الأكثر إجادة لشعر الدوبيت المتعلق بأدب الهمبتة، فقد ملكا نواصي كلمه، وشوارد قوافيه، ورفداه بالمعاني المبتكرة، والمفردات الفخيمة، وبالرنين العالي، والارتعاشات الموسيقية الراقصة، لما إمتازا به من موهبة شديدة الكثافة متناهية العذوبة، ولقد إمتاز الطيب بالإكثار الشعري الذي خلا من الغث، ويكاد شعره وحده أن يقدم لنا صورة متكاملة لحياة الهمباتة في كافة نواحيها وفي كل مجالاتها، فمن هو هذا الرجل؟ إنه الطيب عبدالقادر سليمان الذي غلب عليه لقب (ود ضحوية) و(ضحوية) هي جدته وتنتمي الي بيت يقرب للسروراب بكبوشية، وقد أطلق اسم الضحواب على هذا الفخذ من تلك القبيلة نسبة لجدته، وقد اتصفوا بشراستهم في القتال فلقبوا بوجوه الدم، قال مرة يخاطب جملة (العاليابي):
يا العَليابي أَختر ما عليك بالهم (1)
واطري المدة عن ستك واخرت الزم (2)
عند الحارة فوق رسنك بموت حرم
اخلو الديرة اسيادك وجوه الدم
ولد الطيب بقرية تسمى الضيقة، وهي احدى قرى الجعليين المنتشرة على الضفة الشرقية لنهر النيل، وتقع بين منطقة العلياب وجبل ام علي، والراجح ان حياته امتدت لنحو من سبع وخمسين عاماً في الفترة ما بين عامي 1886 و1943م وهما تاريخي ولادته ووفاته. والطيب ينتمي الى قبيلة الجعليين، فوالده ينتسب الى المسانداب ووالدته الى السروراب، وهما فرعان من فروع قبيلة الجعليين. ارسله والده في صغره الى اخواله السروراب ليلتحق بالخلوة، حيث حفظ فيها ما تيسّر له من القرآن الكريم، ونهل ما نهل من علوم الفقه والحديث.
وعندما بلغ التاسعة عشر من عمره اقترن بابنة خاله الفكي سرور.
منذ فجر صباه بدت عليه مخائل العلم والفقه والأدب، وكان والده يعده للدراسة في الأزهر الشريف أملاً في أن يعود ابنه بعد حين عالماً ازهريا، غير ان هذا الامل خاب وزرته الرياح، فالطيب الذي كان مستعداً نفسياً وفكرياً للسفر الى مصر والالتحاق بالأزهر غيّرت مجرى حياته حادثة مقتل شقيقه الاكبر الكرار، الذي كان مرتبطاً به ارتباطاً وجدانياً، فقد كان يحبه لكرمه وشجاعته، وقد عُرف عن الكرار انه فارسٌ مغوار ومن أساطين الهمباتة، أغار ذات مرة على قبيلة الهواوير ونهب منها إبلا كانت من بينها ناقة تمتلكها شاعرتهم (ريا) ففزعوا (3) خلفه بقيادة فارسهم علي، وعندما ادركوه قتلوه ومثلوا بجثته واحرقوها بحطب شجر الهشاب، واستعادوا إبلهم وناقة شاعرتهم ريا، ولما بلغ هذا الخبر الطيب اضمر في نفسه الثأر، وقال لقومه الضحواب انه سيثأر لمقتل شقيقه بقتل قاتله (علي) غير أن ريا قالت متهكمة:
يا الضحواب جميع مفقودكم الكرار
وضلوعوا بطقطقن تحت الهشاب والنار
وينو الطيب القايل بجيب التار
يسلم لي علي العوزكم الدوار (4)
ضاعف ما قالته (ريا) من احزان واوجاع الضحواب، واخذت شقيقة الطيب ورفيقاتها ينتحبن ويذرفعن الدمع السخين، فنظر الطيب الى اخيه الصادق الذي كان مطرقاً وحزيناً، ثم اشاح بوجهه الى النافذة وامعن النظر الى شقيقته والدموع تنهال على خديها، وفي مكان غير بعيد رأي جملة (الحوري) يتغذى على بعض النباتات، فالتفت مرة اخرى للصادق ونظر اليه نظرة وشت بما عزم عليه، ثم اخذت عيناه ترنوان الى جملة الحوري وقال:
اكل الخلفه وقبّل على المنسية (5)
وشمخ الحوري لي كتلة عريب ناس ريا
ان ما اسكت الباكيات واخلف الكيّه
قولة ابو فاطنة يا الصادق خسارة عليا
ثم توشح سيفه وامتطى ظهر الحوري باحثاً عن (علي) قاتل شقيقه، متقابلاً معه وجهاً لوجه على ساحة الثأر، والطيب يقول له لن اغدر بك كما غدرت بشقيقي، ولكني سأقتلك وفقاً لقواعد الفروسية وأصول المبارزة فاستعد بسيفك، ومن خلال مبارزة عنيفة استطاع الطيب ان يجهز على غريمه، وقام بجز شعر رأسه وحمله الى شقيقته، فحال حزنها الى فرح، وبدأ الضحواب ولأول مرة يتقبلون العزاء في فقيدهم الكرار، وتغيّر مجرى حياة الطيب بعد هذه الحادثة فسار على درب شقيقه القتيل، درب الهمبتة الطويل الوعر، الذي جمعه بصديق عمره طه الضرير، وكان للقائهما قصة شعرية، فقد تم اللقاء في مجلس من المجالس، وهما لا يعرفان بعضهما، غير أن كلاً منهما كان يسمع عن مغامرات الآخر وصفاته دون أن يراه، وضم المجلس شاعراً وهمباتياً آخر هو (على ود الفقير)، وكما جرت العادة في المجالس أخذ الثلاثة يتساجلون بالشعر.. وبدأ الطيب المساجلة قائلاً:
ماني شغيل بيوت بعقب بحل الصره (6)
وما بتبن الجاره واخون الحره (7)
بازل مالي للازمني واقف بره (
وسايم روحي لليوم البقولو مشره (9)
وقال علي ود الفقير مجارياً:
ماني شغيل بيوت الناس بتكره جيتي
وماني بتبن الجاره واخونا وليتي
بازل مالي لي اخواني البعرفوا صتيتي (10)
وسايم روحي للفارس البقولوا ضميتي (11)
وختم طه المجاراة قائلاً:
ماني شغيل بيوت القليه كارف ريحا (12)
وماني الأرمل النازل على التلقيحه
بازل مالي للازمني شيك وضبيحه
وسايم روحي لليوم الختوتو قبيحه (13)
فقاد حدس الشاعرين الفارسين الى معرفة كل منهما للآخر بالاسم دون ان ينطقا به، وبدأت الصداقة تنسج خيوطها بين الرجلين من فتائل المودة والمحبة، واستعدا لرفقة طويلة امتدت بامتداد العمر، وحملت من قصص المغامرات والوفاء ما حملت.
عُرف عن الحاج عبدالقادر ود سليمان ثراءً واسعاً وسعةً في الرزق، وقد حاول ان يثني ابنه عن السير في درب الهمبتة بشتى السبل، ويقال انه في سبيل ذلك عرض عليه نصف ثروته، ولكن كان السيف قد سبق العزل، واصبح الطيب عضواً في منظومة الهبماتة، وضمن نسيجها القوي، ومن زعمائها المحبوبين، وولع بها ولعاً شديداً، قاده الى عدم الاستجابة لنداءات والده المتكررة، ولم يترك العمل بها إلا بعد ان اعجزه المرض، إلا ان الأوبة كانت تقع احياناً في بؤرة حنينه، فيحاول ان ينفي هذه المشاعر ويقاومها والتي تهجس له بعد حين وآخر بهواجس تدعوه للعودة، فيجاوب نداءها بهتاف ضعيف من أغوار وعيه، فإذا انتصرت عليه شد رحله نحو الديار حيث مثوى اهله ومراتع صباه فيعانق أباه، وقد يغريه البعض بالبقاء وامتهان الزراعة التي لا يحبها ولا يعرف اصولها، فيمكث قليلاً ثم تنتابه مشاعر الهمبة ولذاذاتها فيعود الى سيرتها التي اتخذها منهجاً لحياته واحبها بعمق، بيد ان الطيب وقبل وفاته التي حدثت بمنزله، وقد خلف وراءه بنتاً تدعى فاطمة الزهراء، وكان يعتز بها اعتزازاً عظيماً، وذكرها كثيراً في شعره، لذا كانت احب الألقاب الى نفسه هو لقب ابو فاطمة، وقد وصفه من رآه انه كان مربوع القامة، اسمر اللون، مشرب بحمرة، كثيف شعر الرأس والجسد، قوي البنية، متوسط البناء، يتزين وجهه بالشلوخ وبمزيج من القوة والعطف.
في درب الهمبتة التقى صديقه طه الضرير وهو طه محمد ابوزيد، عُرف بعدة القاب كأبوالزينة، وود اب زيد، وغلب عليه لقب الضرير، وقد خُلع عليه هذا اللقب بسبب ما اعترى بصره من ضعف، ورغم ذلك كان خبيراً بدروب البوادي ومسالك (الوعرات). ومن المواهب النادرة التي كان ينفرد بها انه يتعرف على المكان من خلال شم تربته... وقد ارتاد طه آفاق الهمبتة منذ بواكير صباه، اذ ولجها وهو لم يتعد السابعة عشرة من عمره، مما اكسبه خبرة وتمرساً عظيمين، واتسمت شخصيته بالقوة وكاريزما القيادة، وهي صفات اهلته لأن يكون قائداً لمجموعته، كما صار خبيرها ودليلها. يقول الطيب ود ضحوية:
واحدين في البيوت ديمة مكبّرين عَمَّامُن
عدموا الحيلة والزول اب عوارض لامُن (14)
واحدين صنددوا وختوا الضرير قدامُن
طبقوا العودة للماسكات عِداد أيامُن (15)
وأبرز من ضمته مجموعة طه الى جانب صديقه الطيب، على ود الفقير، وكيقه ودعمران، وقريبه الصديق ود التركاوي الذي كان يلقب بالعمدة، وبأب تَرَمة وكان اب تَرَمة شجاعاً ومقداماً ذكره طه في شعره كثيراً كقوله:
بي يوم الخميس قوز بره متيامننو (16)
وكش اب تَرَمة قدامنا ومرقلنا جنو (17)
كم فزعاً لحقنا حمدنا بيض اب سِنو (18)
يا ريت السيوف لو تحكي بالفاعلنو
وطه استحق القيادة عن جدارة، فقد كان يهتم بأفراد مجموعته اهتماماً كبيراً، ومن العجيب انه كان يسلّم نفسه ان كان مطلوباً لدى البوليس، او ان يقوم بمغامرة ان لم يكن مطلوباً، وكان احد أفراد مجموعته محبوساً، وذلك بغرض ان يقوم بتهريبه من السجن، وعندما حبس قريبه الصديق عثمان ود تركاوي في احدى السجون ثقل عليه واحزنه الامر وقال:
الخبر السمعتو الصديق مقفل جوه
حالف ما بقيف دونو ان بقيت في هوه
صقر الميتره الدايمن بيقلع قوه (19)
بتب عجلان على البقول يا مروه (20)
ولد طه الضرير ببلدة أبودليق في العام 1901م، وتوفي فيها العام 1980م، وينتمي الى قبيلة البطاحين، فوالده علامابي، ووالدته عركشابية، وتنتسب جدته لأبيه الى فرع الشرحاب. وقد اشتهر طه بعدائه الشديد للانجليز، وله مواقف مشهودة معهم.
جمعت بين طه والطيب وحده المصائر، واتحاد المصالح، وصداقة متينة الجذور، وإلفة لا تدانيها إلفة، فكانت علاقة شهد لها الجميع بعلو الشأن، وذيوع الصيت، وقد رفداها بقيم العُربان، وأخلاق الشجعان، وكانا يعلمان ان دربهما وعر المسالك، ومحفوف بالمخاطر، لذا لم يكن غريباً ان يقع طه ذات يوم في أيدي السلطات بتهمة النهب، وصدر عليه حكم بالسجن لمدة سبع سنوات، والغرامة مبلغ خمسون جنيهاً، على أن يحبس لعامين آخرين في حالة عدم دفع الغرامة، وتم ايداعه بسجن القضارف مشددين عليه الحراسة، وعندما أُبلغ الطيب بهذا الخبر العاصف هبط عليه عناء ثقيل، تهالك تحت وطأته على الأرض، واطلق زفرة حرى، وأطرق عن دمعة حزينة.. وأخذ يقول:
الليلة النفس صبحت عنيدة وعامدة (21)
وما بتتسلى غير برقع حميدة وحامدة (22)
يا حليل الرباع أبان قلوباً جامدة (23)
ناس طه الضرير ضو القبيلة الهامدة (24)
ثم قفز طه الى ذاكرته بقوة وبصور شتى، فهو صديق الصبا، وعهد المشيب، ورفيق دربه، وحامي ظهره، وحافظ سره، وتذكر كيف ان طه قد زاره بمسقط رأسه قرية الضيقة، وكان وقتها يعاني من أزمة مادية ومعنوية، بسبب قرار عابر اتخذه إرضاءً لوالده وبعض أهله، وبموجبه امتهن الزراعة التي لا يعرف أسرارها ولا يعلم أصولها فسامته سوء العذاب وأتلفت ماله، فقال له ألست القائل:
كم عتمر تبن فوق قجة العبادي (25)
وكم غصتلن من الدنادر وغادي (26)
أكان مي قسمة يا الديفة أم قريناً نادي (27)
ما خصّانا بي زراعة الفشق والوادي (28)
وألم تقل:
الليلة التغمد يا حسن مفقود
كنس قلبي فوق لوز التبس والعود (29)
أكان مي قسمة يا الديفة الوضيبا بقود
ما خصّانا بي زراعة ودي مسعود (30)


يتبع


التعديل الأخير تم بواسطة ود نصيري ; 06-28-2009 الساعة 03:04 PM.
ود نصيري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-28-2009, 02:07 PM   #9
ود نصيري
عضو ذهبي
 
الصورة الرمزية ود نصيري
 

افتراضي

هذه المواساة التي أحبّها الطيب، والتي انداحت من قلب طه كانت من الواجبات التي فرضتها صداقتهما المتينة، مما دعا طه حينها ان يكثر ويسهب في القول، وهو يحاول اقناع صديقه بالعودة الى الهمبتة وترك الزراعة التي لا طائل من ورائها، وعندما أحس طه ان الطيب لم يخرج من دائرة التردد، ذكّره بكل أبيات الفتوة والحماسة التي ظل ود ضحوية خادماً لقوافيها طيلة حياته، وعندما أنشده المربعين الذين يقول في أولهما:
ماني التمبل الفي البيت صنعتي حليب (31)
بدور الشدة فوق إبلا شوافي ونيب (32)
إن حرن نخت الشكرة ما بنعيب
وإن بردن نكافيبن سوالف أم طيب
وفي ثانيهما:
ولداً بطبق المسرى فوق المسرى
يخلف ساقو فوق ضهر أب قوايم ويسرى
حقب قربينو فوق جربانو خت أب عشرة (33)
فرقاً شتى من ناس يمة زيدي الكسرة..!
أخذت تختال في خاطره أطياف غابرة، وهب واقفاً وأخذ ينظر الى الفراغ، واتجه نحو جمله (السحار)، فأسرجه ووضع عليه كل ما يلزم أعمال الهمبتة، ولا تزال تلك الإبتسامة التي علت وجه صديقه طه الضرير والتي تدل على الرضا عالقة بذهنه عندما كان يترنم بشعر لأحد الهمباتة حاكى حاله في تلك اللحظة:
ختينا السروج في النوق بعد ما ادّّلن
وطوينا السلوب يا أم ريد بعد ما انحلّن (34)
ليالي الراحة يا السوسيو بشوفن ولّن (35)
على الواحيّة مجبور والدراهم قلّن (36)
ثم استرجع ود ضحوية ذكرى اجتماعهما عل ما أحبه فؤاديهما من صنوف المغامرات وركوب المصاعب والمخاطر وفاءً لتلك القيم التي يحملانها في صدورهما، وتذكر كيف ان ركبهما اتجه غرباً نحو جبرة القابعة بدار حامد القاصية من أجل النهيض، ولم تكن مغامرتهما سهلة أو يسيرة، إنما كانت شاقة وعسيرة، فقبل ان يفوزا بغنيمتهما من الإبل، تعرضا لوابل من الرصاص، ودارت معركة عنيفة بينهما والأبّالة، انتصرا فيها انتصاراً مبيناً، وهاهي غنيمتهما من الإبل تتهادى أمامهما وقد امتلاءاً زهواً وفرحة والطيب ينظر الى طه ويقول:
جبرة بعيدة ما أتسّف على السواها
الغابة أم كنز بي حزمو عقبان جاها
الأكل السلات الكسرة ما بنطراها
نصرف رزمة لي ست الكيوف يا طه
غير انه لم ينس تلك المغامرة التي ضمته مع صديقه الحبيس عندما اقتادا إبلاً من قبيلة البازة على الحدود الحبشية، وان رجال البازة الأشداء فزعوا على أثرهم بأسلحتهم النارية والبيضاء، وحاصروهما حصاراً محكماً، وفي هذا الموقف الذي تعجز فيه الألسن عن النطق، قال الطيب لطه وهو يستثير شجاعته وصموده بلغة خاصة:
زمنك كلو تاكل باردة ما ضق حارة
وأطرى الليلة يا طه أم حمد والسارة
درق البازة جاك زي السحابة التارة
وحس أب جقرة والقربين صواقعاً كارة
غير انه لم يجد من صديقه إلا الشجاعة والبسالة حينما رد عليه قائلاً:
باكل حارة ما ضُق باردة ماك داريني
وأسعل مني ربعاي البعرفوا قريني
حس أب جقرة والقربين دوام طاريني
أنا أخو اللينة كان يبقى الحديث عانيني
وتذكر كيف كان لهذا الشعر من أثر عميق في نفسيهما، وكيف زادهما شجاعة وإقداماً وصموداً الى أن تحقق لهما النصر على فزع البازة الذين تركوا أرض المعركة وفروا ناكصين على أعقابهم كما فرت حُمرٌ من قسورة، ثم سرت ارتعاشات سكرى غشت كيانه ورجّت وجدانه رجاً عندما سمع صديقه الضرير يقول:
كم شديت على تيساً بتب بي عقالو (37)
خرت الدرعة بي عزمو وطا شيالو (38)
مريبيت البشاري أب مسكنا جبالو (39)
ود ضحوية منك والدرادر حالو (40)
فقفز من جمله وضرب الأرض برجله وهو يحاول ان يرد الفضل بالفضل ويقول:
أبوك يا الزينة عكاهن قبض في روسن (41)
الهوج والشرق فوق العواتي بكوسن (42)
أمسوا الليلة بي الصنج الكتير جاموسن (43)
نووا العودة لي الغاليات ورفيع ملبوسن
هكذا كانت تسير بهما الحياة وتعطيهما من أليفها ووريفها ما تمنياه، ومن لدنها الرفقة الأنيسة، ومن أغوارها الصحبة النفيسة، ولكن أين هما الآن من كل ذلك وقد باعدت بينهما ديار القهر والهوان وظلام الزنازين الآثمة.
نقف هنا قبل ان يفيق ود ضحوية من رؤاه وذكرياته وسندرك في الجزء الثاني من هذا المقال كيف تصرف الطيب حيال محنة صديقه طه الضرير. ونواصل.
الهوامش:-
1- العاليالبي: اسم جمل الشاعر سماه منسوباً للعالياب.
2- اختر: أمشي وأسرع، وأصلها الفصيح خطر
3- فزعوا: من الفزع وهو طلب النصرة خلف اللص أو الهمباتي
4- العوزكم: الأحوجكم او منعكم، والدوار المشي بالإغارة
5- الخلفة: هو ما يتفرع من ساق الزرع من أسفله لساق أخرى أو فروع أخرى. المنسية: هي الحشائش على الرض التي تنسى ان تقطع في المرة الأولى.
6- شغيل بيوت: هو من يقبع في الدور يعمل فيها وتقعده همته عن النهوض. الصرة: ما تضع فيها النساء أموالاً أو غذاء
7- أتبن: أتحسس أو أتفقد وجاءت هنا بمعنى خدش حياء المرأة أو الإعتداء عليها أو مراودتها
8- بازل: أصلها الفصيح من بذل. اللازمني: الذي يحتاجني.
9- سائم: بائع. مشره: من الشر.
10- صتيتي: سطوتي.
11- ضميتي: الصنديد.
12- القلية: ما يقلى كالبن.
13- الختوتو: يعني خطوته.
14- الزول أب عوارض: يقصد المرأة.
15- عداد أيامن: أي يحسبن الأيام ترقباً للقاء.
16- قوز برة: هو اسم لموضع. متيامننو: أي على يمينه.
17- كش: تقدم وهو يزيل.
18- المعنى العام للشطر انهم تغلبوا على جميع مطارديهم.
19- الميترة: المعركة وساحتها، وقعنا عليها كذلك بمعنى الصخرة.
20- بتب: يهب متعجلاً.
21- عامدة: من عمد أي اشتد حزنه.
22- حميدة وحامدة: فتاتان من إحدى قبائل الشرق مشهورتان بالحسن.
23- الرباع: الأصدقاء والزملاء.
24- احتج البطاحين لدى الطيب عندما ظنوا ان الشاعر يعني بالهامدة قبيلتهم غير انه أشار الى انه ما كان يعني سوى ان طه هو ضوء كل قبيلة هامدة.
25- عتمرتبن: أي ضربت بهن الصحراء فالعتمور هي الصحراء. القجة: أعلى الجمل أو سنامه، العبادي: جمل الشاعر.
26- غصتلن: من غاص ويقصد البعد والدنادر مناطق نهر الدندر.
27- الديفة: الظبية الصغيرة تشبه بها الحسناء.
28- الفشق: لعلها من الفاشوق وهو جزء من الساقية.
29- التبس: الزرع المتيبس بعد قطعه.
30- ودي مسعود: ودي تصغير وادي ووادي مسعود هو احد الأودية التي يزرع بها الضحواب.
31- التمبل: قصير القامة ذو الكسل والتبلد.
32- الشوافي: القويات. النيب: مفردها ناب وهي الناقة المسنة.
33- القربين وأب عشرة : نوعين من الأسلحة النارية القديمة.
34- السلوب: الحبال.
35- السوسيو: اسم جمل الشاعر.
36- الواحية: الصحراء أو الفلاة في البادية.
37- التيس: الجمل.
38- الدرعة: ما يدرع به الجمل حول عنقه.
39- مريبيت البشاري: المقصود هو الجمل البشاري وهو نوع جيد وسريع. جبالو: جباله.
40- درادر: من دردر وتعني أتعبه وأساء استخدامه.
41- الزينة: ابنة طه الضرير. عكاهن: من عك أي أنهك وأضنى والضمير يعود للإبل المنهوبة.
42- الهوج: هي المنطقة الجغرافية الواقعة مابين النيلين الأبيض والأزرق.
43- الصنج: الفلاة

نأخذ Break و نرجع لكم مرة أخرى إنتظرونا..................... ود نصيري


التعديل الأخير تم بواسطة ود نصيري ; 06-28-2009 الساعة 02:13 PM.
ود نصيري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-28-2009, 06:52 PM   #10
ود نصيري
عضو ذهبي
 
الصورة الرمزية ود نصيري
 

افتراضي

طه الضرير في وجدان الطيب ود ضحوية (2) (في رحاب ملوك الهمباتا)

إخوتي و أخواتي أعضاء و إداريين و مشرفين المنتدى السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
لقد عدنا لكم مرة أخرى لنواصل ما إنقطع عن الحديث عن سر العلاقة ما بين طه الضرير (بطحاني) و الطيب ود ضحوية (جعلي) و لعلني في هذه العجالة و من خلال نافذة منتدى الشعر و الأدب أن أنفرد ببعض الكتابات لتغطية جزء مهم جداً من الأدب و الشعر السوداني آلا و هو شعر المسادير و شعرؤها و حياتهم و التطرق لأنماط حياتهم و لا سيما نمط الهمبتة (1) و التي تعتبر مصدر رزق و فخر و إعزاز لهؤلاء الهمباتا. و مواصلة لبوست طه الضرير و الطيب ود ضحوية فسوف أخلو بنفسي معكم كلما سنحت لي سانحة كي نبحر سوياً في خضم هذا اليم الزاخر بالأدب و الإثارة و الفصاحة البدوية و الرصانة في المفردات و الجزالة في النطق و الكياسة و الفطانة و الحصافة في التصرف و التشبيهات البيانية التي تقف فيها عقولنا منذهلة من روعتها. و مواصلة لما اسلفنا في التطرق للصداقة الحميمة التي تربط بين كل من طه الضرير (بطحاني) و الطيب ود ضحوية (جعلي) و التفاني في الصداقة و إلتحام الذات بالذات في الوقوف مع الصديق في المواقف الصعبة.
عندما أتي الطيب ود ضحوية خبر القبض على صديقه طه الضرير فقرر أن يسافر
من كبوشية الى القضارف حيث يرزح تحت وطأة قيده في سجنها صديقه طه الضرير. قرر أن يسافر بعد أن أخذته تباريح الشوق إليه كل مأخذ، فشد رحله صوب القضارف على متن جمله "العاتي" يرفعه آلٌ ويخفضه آلٌ وتلفظه بيدٌ إلى بيد، وعقيرته ترتفع بالنميم فتملأ نفسه شجواً وشجناً، والعاتي يطربه النغم فتزداد سرعته وتتباعد خطاه فتخبو من خلفه أضواء كبوشية، والطريق يمتد أمامه طويلاً، ويترنم ود ضحوية بقول رفيقهم الشاعر الفحل يوسف ود عاب شبيش:
الدَرِبْ إنْشَحطْ واللُّوسْ جِبالُو اتْنَاطَنْ (2)
والبَنْدَّرْ فَوانيسُو ال بيَوقدَّتْ مَاتَنْ
يا فَرُوجْ هَضَالِيمْ الخَلا ال بنِجَاطَبْ (3)
اَّسِرعْ قَوبِعْ أَمسيتْ والمواعيدْ فَاتَنْ (4)
وتستمر رحلة الطيب ليتصل نهارها بليلها وهو لا يني ينشد ما يجول بخاطره من أشعار، وعندما يردد أشعار صديقه طه يحس وكأنه يتذوق فاكهةً إِستوائية معسولة اللُّبْ.
اللَّيلْ بَوبَا والكُرْتْ الرَحِيحْ وَالَنٌّو (5)
رَكَزَنْ فَوقْ ضُرَاعِنْ والهَنيسْ غَزَنُّو (6)
الجَبلْ أَبْ قُرودْ يا امْ عَارضْ إِتْعَدَنُّو (7)
الموتْ عِزَة واللَومْ ليَنَا ما بْرضَّنو
وأخذ الطيب في رحلته هذه يسأل نفسه كيف تسنى القبض على صديقه، ذلك الأسد الهصور الذي يهابه الجميع، ولا يستطيع كائناً من كان أن يقترب منه ليمسه بسوء، أليس هو القائل:
منْ شَندِي إِستعدينَا ومَرَقْنَا خَلاَسْ
طِرَي المريُودَه وأدَّرْدَقْ عَليهَا أَبْ رَاصْ (
كَان نِتْلاقى في فَنَقَه وضَربْ رَصَاصْ (9)
ما بْجيِبَُونَا نَاسْ طَرْطُورْ مَعْ الَقَصَّاصْ (10)
انتهت رحلة الطيب وأناخ بجوار السجن، وطلب السماح له بزيارة صديقه طه، فجاءوا به إليه والأغلال تلتف على جسده البادن القوي ويديه المفرودتين كجناحي نسر. وما أن رأى الطيب طار إليه بعناق عنيف كأنه ارتضام. إرتج له قلب حارسه ثم أخذا يرتاحان من أشواقهما على ذكرياتهما الثرية.
وانسهما الجميل وعندما سأل الطيب طه عن كيفية القبض عليه أطلق آةً ملؤها الحسرة وقال: هؤلاء الإنجليز الأنجاس أعلنوا عن جائزة مقدارها خمسون جنيهاً لمن يدل عليَّ، وكما تعلم يا صديقي أن الناس فينا إثنان منهم من يحبنا ويوقرنا ومنهم من يهابنا ويخشانا، لذا لم يؤد الإعلان عن الجائزة غرضه، غير أني يا صديقي وقعت في هوى حسناء من عرب هذه الناحية تشبه تلك التي قال عنها صديقنا الفنجري:
عُودِكْ حَكَّمُو البَاري الجَمِيلة صِنعْتُو
خَتّهَ ورَسَمَا بيْ قالباً عَدِيله شَمِعَتُوا
عُنقاً زيْ حَرَاريبْ البُطَانَة فَدَعتُو
بصْبُرْ عَاشقُو كَيفْ مَا دَام جَهَنَمْ تِحتُْو
وكان لهذه الحسناء محب أعماه الغضب، وأكلته الغيرة، فوشى بي وتم القبض عليَّ غدراً، وبواسطة قوة كبيرة وأنا نائم. وعندما أخذوني إلى هذا السجن وجدت صديقنا الفنجري يقضي فيه عقوبة، فسألني ذات السؤال فقلت له:
رُقَادْ السِجِنْ وتِقِفِلْ الأَوضَاتْ (11)
سِمِعْ فَيْ الفَايْحَة واحدين في العَربْ شُمَّاتْ (12)
مَكَتَوبةْ الجَبِينْ هِي بالصِحْ مَا بِتِنْفَاتْ
لَزُوم للحادَة والمِحنْ البِجَنَْ ضَيفَاتْ
فردَّ عليَّ قائلاً:
شَيلْ المِحْنَه يا امْ فُرْقُدْ عَليهو شُدَادْ (13)
والسَفرْ أبْ مِسَاويكاً حَجَر غَيرْ زَادْ (14)
العَطَا مِن عَدَم نَدي ونقول مَا عَادْ (15)
والصَبُرْ عَلي الكايْنَاتْ بَلا مَيعَادْ (16)
فأثار ما قاله طه شهية الطيب فأخذ يساجله بأشعار الفتوة والحماسة، فتخلقْ من كان حاضراً حولهما وهم يطلقون آهات وصرخات الإعجاب، غير أن الطيب أخذ ينتبه إلى أن الوقت المحدد للزيارة يسير إلى انتهاء، فسأل صديقه عن أحواله فرد عليه بمربع شعري كان يقول فيه:
اللَّيلَة الغَرَامْ لَمَلَمْ جَمَاعْتُو مَحَقَّقْ (17)
واصْبَحْ جلْدِي مِن القرَّه كُلُو مَشقَّقْ (18)
فَارَقْ مَسَّةْ القَرْنَ المُشَاطُو مَدَقق (19)
وقَايْلَه وبَايتَه يا أب شخلوبْ بَدين تِتبقق (20)
فغشت الطيب سحائب من الحزن والأسى لم تنقشع الا عندما قال له طه إن المحكمة الأعلى خففت عقوبة السجن لتصبح عامين من تاريخ القبض عليه ولكنها أبقت على عقوبة الغرامة. ثم أقلقتهما إشارة الحارس الدالة على انتهاء ما هو محدد من وقت للزيارة. فهب الطيب لوداع صديقه، وقبل ان يغادر قال له: سأكون كما كنت أميناً وراعياً لأسرتك حتى يفرج عنك، وسأعمل في الوقت المناسب لتوفير مبلغ الغرامة لتعود إلينا سالماً وقوياً كما كنت.
تعاقبت الأيام ومرت الشهور والطيب على عهده وتعهده أميناً وراعياً لأسرة صديقه طه، وعندما شارفت العقوبة على الانتهاء قام الطيب بتوجيه نداء لقريب له يدعى (القاضي) ونفر من الهمباتة ممن يثق في ولائهم وكفاءتهم واتجه بهم صواب الحدود الحبشية بعد ان اتفق معهم على نهب اكبر عدد من الإبل التي تمتلكها قبائل الأحباش وهو يذكرهم بأن هذه العملية هي الأهم بالنسبة اليه فالنساء في انتظار الجميع والضرير في انتظار ان تدفع الغرامة المحكوم بها عليه فلا مجال للتقاعس أو التهاون ......يتبع to be continued


التعديل الأخير تم بواسطة ود نصيري ; 06-28-2009 الساعة 07:25 PM.
ود نصيري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
إضافة رد
 
 
الكلمات الدلالية (Tags)
البطانة, شعراء, والهمباتة
 
 

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:35 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc.
المشاركات والآراء المنشورة في منتديات جبل الأولياء | فردوس النيل الأبيض سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة تـمـثـل وجهة نظر كاتبها